الفصل الثالث والعشرون

ضع رهانك

بجانب السيدة فروي، ودَّ آخرون لو عجَّلوا بمرور الزمن. بعضهم كان على متن القطار الذي كان ينطلق بأقصى سرعته كي يصل إلى ترييستي في موعده المحدد.

إحداهم كانت السيدة تودهانتر التي أخفت تعجُّلها وراء ستار من اللامبالاة المتصنعة. أينما ذهبت كانت تلتفت إليها الأنظار، وتحسدها النساء على تلك الهالة الحالمة التي تحيط بها؛ إذ كانت تمتلك كل ما قد ترغب أي امرأة في أن تحظى به؛ من جمال ووقار وملابس فاخرة وزوج ثري رفيع المكانة.

لكنها في الواقع كانت تتوق بشدة لأن ترجع إلى زوجها.

كانت متزوجة من كهل ضخم البنية يعمل مُقاول بناء، ويُدعى سيسل بارميتر. في وطنها، تسكن السيدة لورا بارميتر في منزل جديد فاخر للغاية، تتوفر فيه جميع التحسينات التي يُدخلها زوجها على المباني السكنية التي يشيدها للغير بينما يفتقر إلى أي من مساوئها. كانت تنعم بدخل وفير، ومصروف سخي، وخدم أكْفاء، وعيش رغد، وزوج مُحب يثق بها، وطفلين ضخمين.

وفوق ذلك كله كانت تحظى باحترام الناس.

كانت بمثابة ملكة بين أبناء طبقتها الاجتماعية، لكنها مع ذلك لم تكن راضية عن حالها في قرارة نفسها، وكانت تطمح لما هو أكثر. أثناء تجارب الأداء لعرض مسرحي محلي تتلاشى فيه الفروق الطبقية، قابلت مُحاميًا صاعدًا حُمل على المشاركة في العرض أثناء زيارته للمقاطعة. لعب هو دور الملك ولعبت هي دور الملكة.

فتنه حينها جمالها الأخَّاذ، وقدرتها على اقتباس أبيات من أشعار سوينبرن وبراونين انتقتها من كتاب «أكسفورد للشعر». بعد بضع مقابلات في لندن، أسفل شعار التفاحة، أخذها معه في مغامرة غرامية متأججة.

زلَّت قدم السيدة لورا، لكنها ظلَّت محتفظة بعقلها؛ فوراء انجرافها معه كان يقف دافع خفي. كانت قد قرأت قصيدة «التمثال الكامل والنصفي» أثناء إحدى المحاضرات حول براونينج، فتقمَّصت روحها؛ لذا قرَّرت أن تُغامر بالرهان على رمية نرد جريئة، فرصة أن يُطلِّق كلٌّ منهما زوجه.

بعد أن تجتاز الفترة العصيبة التي ستلي طلاقهما، ستحتل مكانتها المستحقة في المجتمع باعتبارها الزوجة الجميلة لمُحامٍ بارز؛ فالعالم ينسى بسرعة، كما أنها واثقة من قدرتها على إرغام زوجها على منحها حضانة طفليهما.

لكنها خسرت الرهان، وكان براونينج ليفخر بروحها المعنوية العالية التي قابلت بها خسارتها.

كان المحامي متزوجًا من عجوز لاذعة اللسان، لكنها تمتلك الجاه والثروة. عندما اكتشفت السيدة لورا أنه لا ينوي على الإطلاق تكليل مغامرتهما تلك بالزواج، منعها كبرياؤها من إبداء خيبة أملها.

ربما ما سهَّل عليها تصنُّع اللامبالاة هو خيبة أملها؛ فتلك المغامرة الغرامية لم تأخذ مسارها الموعود، لكنها علَّمتها أن الرجل المهني لا يختلف كثيرًا عن رجل التجارة في الصفات الأساسية، وأن هيئة كليهما قبل أن يحلق لحيته ويزرَّ ياقته تكون واحدة.

بجانب ذلك، كان لدى المحامي سيئة عُفي منها مُقاول البناء؛ كان يغطُّ بصوت مرتفع.

ومما زاد الطين بلةً أنه كان لا يُعِير اهتمامًا لمساوئه، ومع ذلك كانت معاييره في استحسان النساء دقيقة للغاية لدرجة جعلت الوفاء بها أمرًا مرهقًا. لم تستطع أن تسترخي على الإطلاق، أو أن تكون على سجيتها، دون أن تُلاقي منه نقدًا أو نفاد صبر.

وبما أنها كانت امرأة عملية، فقد قرَّرت أن تقطع العطلة كي تعود إلى زوجها بينما لا تزال الفرصة سانحة. لحسن حظها، لم تكن قد أحرقت جسورها معه. اشترى لها زوجها تذكرة إياب إلى تورين، وأخبرته ألا ينتظر منها أي خطابات بريدية؛ إذ كان يعتزم الذهاب في رحلة بحرية إلى جزر شيتلاند.

كانت تنوي فراق المحامي في تورين — حيث انضم لها في رحلة الذهاب — ثم تبيت فيها ليلة كي تُختَم حقائب سفرها بملصقات الفندق.

وينتهي كل ذلك بجمع شمل أسري سعيد، وتفاهُم أفضل؛ إذ تعلَّمت أن تقدر رصانة زوجها؛ وبهذا تنجو سفينة زواج أخرى من عاصفة مغامرة عبثية وميثاق أخلاقي محطم.

بينما جلس الزوجان تودهانتر في مقصورتهما الخاصة في انتظار تقديم جولة العشاء الثانية، كانا محطَّ أنظار السائحين الذين يمرُّون ببطء من جوار نافذتهما. لا بد أنهما لا يزالان يُعرفان بذلك الاسم الذي سجَّلا به دخولهما إلى الفندق؛ إذ كان المحامي حريصًا على ألا يوقِّع باسمه.

كان اسمه «براون».

لكن والديه كانا قد بذلا ما بوسعهما من أجله، وكان لقب «السير بيفريل براون» مشهورًا بخطورته، بجانب صورته الشخصية المُذهلة التي كانت تظهر كثيرًا في الصحف المصورة.

كما تقبَّلت هزيمتها من براونينج بصدر رحب، استمرَّت السيدة لورا في لعب دورها. كانت لهجتها الطبيعية أحيانًا تحل محل حديثها المُتشدق، مع ذلك كانت تبدو فريدة ومتفردة مثل أميرة حسناء، بمنأًى عن الرعاع، لكن أصابعها ظلَّت تنقر فرش مقعدها المخملي الذهبي القديم، بينما ظلَّت هي تنظر إلى ساعتها.

قالت بنفاد صبر: «لا يزال أمامنا ساعات وساعات. يُخيَّل إليَّ أننا لن نبلغ ترييستي أبدًا، فما بالك بتورين؟»

سألها تودهانتر باستنكار: «أتتُوقين لفراقي؟»

«أنا لا أفكر بك، لكن الأطفال يُصابون بالحصبة، والأزواج الذين تهجرهم زوجاتهم يلجئون للخيانة؛ فالعالم مليء بالضاربات على الآلة الكاتبة، وهن جميلات.»

«في تلك الحالة لن يسعه أن يلومك إن آل الأمر بينكما للمكاشفة.»

أجفلت عندما سمعت الكلمة.

صاحت بحدة قائلةً: «المكاشفة؟ لا تُخِفني. هل تعتقد أن ثَمة احتمالًا بذلك؟»

داعب شفته، وقال لها: «بل أظن أننا في مأمن لدرجة كبيرة، لكنني تولَّيت بعض القضايا الغريبة في مسيرتي العملية. المرء لا يعرف أبدًا ما قد يكشفه القدر. من سوء طالعنا أن صادفنا زائرين إنجليزيين آخرين في الفندق، كما أن جمالك الأخَّاذ يصعب أن يظل مغفولًا عنه.»

أزاحت السيدة لورا يده. كان ما تنشده هو الطمأنة، لا الإطراءات.

قالت: «لقد قلت لي إنه لن يكون ثَمة مخاطرة.» كانت قد تناست أن خطتها الأصلية هي إجبار زوجها على مقاضاتها، فأضافت بأسًى: «كم كنت مغفَّلة!»

سألها تودهانتر: «لمَ صِرت فجأةً متشوقة إلى ذلك الحد للعودة إلى زوجك؟»

«بصراحة فظَّة، كلٌّ منا يسعى وراء مصلحته، وهو بوسعه أن يمنحني أكثر مما بوسعك أنت أن تمنحني.»

«أوَلم أمنحك ذكرى لن تنسيها أبدًا؟»

تأجَّج الغضب في عينَي السيدة لورا، فضحك تودهانتر. كان قد مل جمالها الفاتر وثقافتها المتصنعة، لكن الآن وقد دبَّت فيها الروح فجأة، أفاق إلى حقيقة أنها تنفلت من بين أصابعه.

قال: «لقد كنت أمازحك. بالطبع لن يعرف أحد بشأن مغامرتنا؛ فليس بوسعي المخاطرة بأمر كذلك، لكن لولا أني استبقت الأحداث عندما سألتني تلك الفتاة عن السيدة التي كانت تسترق النظر لوقعنا في ورطة.»

سألته لورا التي أدركت للتو أن تودهانتر لن يُكلف نفسه عناء مناصرة امرأة غير جذَّابة في خريف عمرها: «لمَ؟»

قال تودهانتر ضاحكًا: «لمَ؟ لأنها اختفت. لو أني لم أنكر وجودها، لاضطررت لأن أُدلي بشهادتي في ترييستي، ولك أن تتخيلي عناوين الصحف: «اختفاء سيدة إنجليزية على متن القطار الأوروبي السريع: صورة للسيد تودهانتر الذي كان عائدًا من شهر العسل، عندما … إلخ.» لن يطول الأمر حتى تكتشف الصحافة الإنجليزية هويتي. تلك أحد المساوئ المحدودة للشهرة.»

لم يبدُ الانبهار الذي نشده على السيدة لورا؛ إذ كشفت لها كلماته تلك عن أمر جديد.

وفي نهاية المطاف ربما لم تخسر اللعبة؛ إذ إنها لم تنتهِ بعد. مع أن تودهانتر لم يكن ينوي المخاطرة بالوقوع في فضيحة عندما أقنعها بالقدوم معه في تلك الرحلة، رأت فرصة لحبك واحدة وإرغامه على فعل ما تريد.

إن ذهبت للبروفيسور وأكَّدت له وجود الآنسة فروي، فستكون النتيجة حتمًا هي حدوث تعقيدات في المستقبل. البروفيسور رجل لا غبار على نزاهته وتقديمه للصالح العام، وهو ما سيجعله يفتح تحقيقًا، مهما كلَّفه ذلك من متاعب شخصية.

فجأة، التمعت عيناها البنفسجيتان؛ فباعتبارها زوجة السيد تودهانتر المزعوم كانت تُعَد عنصرًا مهمًّا في الصورة؛ عنصرًا لن يسهو عنه المُراسلون أو يكتمونه. لطالما كانت صورها الفوتوغرافية جذَّابة.

بعد ذلك، سترفع قضية طلاق تكون مثار الاهتمام، وسيُجبر السير بيرفيل — بدافع الالتزام الأخلاقي — أن يتزوجها لتصير السيدة براون الثانية.

عندما خطرت لها تلك الفكرة، تنهَّدت تنهيدةً عميقة؛ فهذا يعني أن عجلة الحظ ما زالت تدور.

وأنها لم تخسر بعدُ رهانها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠