الفصل التاسع والعشرون

ترييستي

سمعتها الآنسة فروي، ورفعت يدها.

مع أن الضمادات كانت تحجب بصرها، ميَّزت صوت آيريس من بين همهمات أصوات أخرى. أدركت بارتباكٍ أن ثَمة أناسًا يتحدثون، لكن نبراتهم كانت مبهمة ومتقطعة، وكأنما تأتي من مكان بعيد، فكان لها طابع مكالمة بعيدة مشوَّشة.

حاولت التحدث إليهم، لكنها لم تستطع بسبب الكمامة. حاولت ذات مرة أن تُحركها قليلًا بالضغط عليها بشدة، متذكرةً كيف كان أبوها يُمازحها بشأن قوة لسانها. وضعت كل ذرة من قُواها في صرخة الاستغاثة تلك، لكنها أصدرت صوتًا شاذًّا مشوَّشًا، كصوت حيوان يتألم.

لم يسمعها أحد، وأحكم خاطفوها ربط الكمامة على فمها؛ مما زاد من عدم ارتياحها. كانت ذراعاها مربوطتين إلى جسدها من فوق مرفقيها، وساقاها مربوطةً إحداهما بالأخرى عند الكاحلين بضمادة طبية. لم يُحاول الطبيب إخفاءها عندما كشف عن حذائها وجوربها كي تتعرف عليهم آيريس. كان يعلم أن وراء تلك الضمادات الكثيرة، يصير تمييز المرء صعبًا نوعًا ما.

لكن يديها كانتا حرتين فيما فوق الرسغين؛ إذ كانت الضمادات قد نفدت، وعلى أي حال كانتا لا تقويان إلا على التلويح بوهن. رقص قلب الآنسة فروي فرحًا وهي تقول في نفسها إن فتاتها النبيهة تعرف أن أي استجابة فورية لمطلبها، مهما كانت بسيطة، تعني أن المريضة ميَّزت اسمها وتُعطي إثباتًا على هويتها.

لذا بسطت أصابع يدها كالمروحة ولوَّحتها في الهواء في استغاثة مثيرة للشفقة.

ثم ما لبث أن أظلم عقلها الذي لم يكن بوسعها التحكم فيه. كانت العقاقير تجعله مشوَّشًا ومعكرًا، لكن كل حين وآخر، كانت تصفو زاوية منه، كبُقَع الشراب الحمراء التي تتخلل المربى أثناء غليانها. في لحظات الصفاء تلك، كانت تجتاحها دوامة من الذكريات، لكن عقلها كان دومًا يعود إلى لحظة الصدمة الأولى.

كانت لحظةً رهيبة ووحشية. كانت تجلس في مقصورتها حين دخل الطبيب وسأل إن كان أحد بمقدوره أن يساعده على رفع مريضته. أوضح أن الممرضة غادرت المقصورة لبضع دقائق وأن المريضة المسكينة المسئول عنها بدأت تتململ وكأنما تشعر بشيء من التململ.

كان من البديهي بالنسبة للآنسة فروي أن تستجيب لطلبه؛ فهي لم تكن مستعدة دومًا لتقديم يد العون فحسب، بل كانت متشوقة أيضًا لرؤية ضحية حادث التصادم عن قرب، بجانب أنها ربما تعرف المزيد عن الحادث؛ إذ سيكون شيئًا ترويه لإثارة حماسة الأسرة عندما تروي مغامراتها مساء الجمعة.

عندما دخلا إلى مقصورة المريضة، طلب منها الطبيب أن ترفع رأس المريضة بينما يرفع هو جسدها. انحنت فوق الجسد الممدَّد بتعاطف جم؛ إذ تذكَّرت التباين بين حالهما.

قالت في نفسها: «أنا مُعافاة وسعيدة. أنا عائدة إلى البيت.»

فجأةً خرجت ذراعان يُغطيهما الكتان الأبيض وأطبقتا على رقبتها.

كانت المريضة العاجزة تقبض بيديها على حنجرتها بلا هوادة. في تلك اللحظة المريعة، تذكَّرت مشهدًا مرعبًا في مسرح «جراند جويجنول»، عندما خنقت جثةٌ مكهربةٌ الرجل الذي أعادها إلى الحياة الاصطناعية بواسطة تيار كهربائي، ثم ازدادت القبضة إحكامًا، وبدأت ترى وميض أضواء تحت جفنيها، ثم غابت عن الوعي.

لفترة من الزمن، كان الكسوف المُغيم على عقلها تامًّا، ثم تدريجيًّا تخلَّلت شقوقٌ مُتناهية الصغر حواسها الغارقة في الظلام. أدركت أنها مقيَّدة ومكمَّمة، وأن عينيها مغشيتان، بينما سمعت أصواتًا مكتومة تُناقش مصيرها.

لم يكن مصيرًا مُشرقًا. مع أنها كانت تجهل جريمتها، كان لديها فكرة مبهمة عن عقوبتها. كانت على اتصال بعربة إسعاف ستُلاقيهم في ترييستي، بيْدَ أنها لن تصحبها إلى مستشفًى.

لكن رغم قيدها وعطشها والآلام الجسدية والعذاب الذهني، لم تتخلَّ قط عن الأمل.

كان يُقال في العائلة إنها أخذت ذلك عن الخالة جين. طوال حياتها، تمنَّت تلك السيدة الفيكتورية أن تمتلك دمية ناطقة، ودراجة بثلاث عجلات، وعملًا في الغناء الأوبرالي، وزوجًا، وإرثًا. لم تحظَ بأي من تلك الأمور، لكنها لم تتخلَّ عن أي من أمانيها، أو تشك في أنها ستتحقق في نهاية المطاف.

عندما حانت نهايتها، كانت في عمر السابعة والسبعين وتتقاضى معاشًا خيريًّا من عائلتها، لكنها أطبقت جفنيها للمرة الأخيرة وهي مُتشبثة بأمل كبير في حصولها على تلك اللعبة الناطقة، وكذلك الإرث الذي سيضمن لها حياةً رغيدة وموتًا كريمًا.

ساعدت الخالة جين في تفسير سبب مواجهة الآنسة فروي لكل خيبة أمل جديدة بهدوء تام، لكن رأفةً بها كانت لحظات صفاء ذهنها قصيرة. أغلب الوقت، كانت في حلم خدِر تحاول فيه إلى الأبد الوصول إلى الديار.

كانت دومًا ما تنجح في بلوغ البوابة ورؤية مسار الحديقة المُضاء ذي التجاويف المُبالغ بها، حينئذٍ تنكشف لها حفرة وراء حجر في غير مكانه. يبدو سياج الشجيرات وأزهار الأسطر الصينية زاهي اللون على نحو غير عادي في ضوء المصباح، بينما يحمل الهواء البارد عبير أزهار الأقحوان الفائح.

لكن مع أنها كانت قريبة لدرجة أنها ترى القرميدة الحمراء المشروخة في أرضية الممر، كانت تعلم أن ثَمة خطبًا ما، وأنها لن تبلغ قط الباب. كانت تُجاهد للخروج من أحد تلك الأحلام المُغْرية عندما سمعت آيريس تُنادي اسمها وتطلب منها أن ترفع يدها.

لسوء حظها لم تعلم أن ثَمة خللًا في نظام التواصل لديها. لم تكن أي من قنواته واضحة، فلم يستوعب عقلها الرسالة التي التقطتها أذناها إلا بعد أن دفع الطبيب — في هلع يشوبه الحنق — بزواره حرفيًّا إلى الممر. حتى بعد أن فعل، مر بعض الوقت قبل أن تتواصل جميع مراكزها العصبية مع مركز المعلومات، وحينها كان الأوان قد فات.

كانت الستائر قد أُسدلت كلها، فلم يشهد أحدٌ سوى الممرضة إشارة أصابعها الملوِّحة في الهواء التي راحت سدًى.

خارج الباب، مسح الطبيب وجهه بانفعال، وقال بصوت يُهدجه الانفعال.

«لقد كان ذلك فعلًا مريعًا من جانبي. لقد أخطأت أن سمحت لكم جميعًا بالدخول، لكني لم أتصور قط أن الغباء سيبلغ بكم محاولة إيذاء مريضتي المسكينة.»

تراجعت آيريس أمام غضبه، فتوسَّل إلى البرفيسور.

قال: «أنت تتفهم يا بروفيسور أن الهدوء التام ضروري بالنسبة لمريضتي؛ فالإصابة البالغة التي لحقت بالدماغ …»

قاطعته آيريس بينما كان القطار يمرُّ داخل أحد الأنفاق مُحدِثًا تلك الصرخة التي تصمُّ الآذان: «كيف لها أن تنعم بالهدوء في رحلة قطار؟»

قال الطبيب مفسرًا: «هذا أمر مختلف تمامًا؛ فالمرء بإمكانه أن يغطُّ في النوم مع الضجيج المروري، لكنه يستيقظ إن سمع أي صوت غير معتاد. إن كانت قد سمعتك فلربما استيقظت، بينما أنا أبذل أقصى ما بوسعي — من باب الرأفة — كي أُبقيها غائبة عن الوعي.»

قال البروفيسور مطمئنًا إياه: «أتفهم ذلك تمامًا، وأنا آسف لحدوث ذلك.» كان صوته باردًا للغاية وهو يتوجه بحديثه لآيريس. «أحرى بك أن تعودي إلى مقصورتك يا آنسة كار.»

قال هير مستحثًّا إياها: «أجل، لنذهب.»

شعرت آيريس أنهم جميعًا يقفون ضدها. في تحدٍّ مُفاجئ شنَّت هجومًا منفردًا.

قالت لهم: «فور أن نصل إلى ترييستي، سأتوجه إلى السفارة البريطانية.»

كانت كلماتها شجاعة، لكن رأسها كان يدور وركبتاها ترتعدان بقوة جعلتها تشعر أنها غير قادرة على تنفيذ تهديدها ذلك، لكن مع هذا ملأتها نيَّاتها تلك بوهم النفوذ، ثم ما لبث هير أن عرقلها بطريقته المحترفة المعهودة في مباريات الراجبي وحملها وسار بها في الممر باندفاعٍ شديد، بينما تبعه البروفيسور بخطوات مُتثاقلة.

ودَّع الطبيب قائلًا: «أملي الوحيد هو أن أحصل على عشاء أيًّا ما كان.»

أربك ما حدث آيريس فلم تُقاوم معاملة هير التعسفية. لم تفهم لماذا لم تلقَ صرختها أي استجابة. زعزع ذلك ثقتها بنفسها وجعلها تشعر بأن جبنها الأخلاقي الذي جعلها تفشل في كشف هوية المريضة الغامضة كان مبرَّرًا.

لكن حتى إن كانت بالفعل مريضة تعرَّضت لحادث حقيقي، يظل الخطر الذي يُهدد الآنسة فروي قائمًا. عندما أعادها هير إلى المقصورة الخاصة سألته سؤالًا فاصلًا.

«هل أنت معي أم ضدي؟ هل ستتوقف في ترييستي؟»

«كلا، ولا أنتِ كذلك.»

«أفهم، إذن أنت لم تعنِ ما قلته بشأن إعجابك بي وكل ذلك.»

«بل عنيت كل ذلك بالتأكيد.»

«حسنًا إذن، إن لم تُرافقني إلى السفارة فسأُنهي علاقتنا.»

داعب هير ياقة قميصه بيأس.

وسألها: «ألا تدركين أني صديقك الوحيد؟»

«إن كنت صديقي حقًّا فلتُبرهن على ذلك.»

«أتمنى لو استطعت ذلك، لكني لا أملك الشجاعة. باعتباري صديقك الأقرب، أحرى بي أن أصرعك كي تظلي فاقدة الوعي حتى اليوم التالي وتُريحي رأسك المسكين.»

قالت آيريس بحنق: «أوه، أنا أكرهك. بحق السماء اذهب من هنا.»

في المقصورة المجاورة، آل إلى مسمع الأختين فلود-بورتر مقاطع من ذلك الحوار.

قالت الأخت الكبرى بحدة: «تلك الفتاة فلحت حتمًا في أن تحظى ببعض الإثارة في رحلة قطار.»

فيما كان الشابَّان يتشاجران بشأنها، كانت الآنسة فروي ترقد مُتسمرة وقد سكنت يداها. استوعبت تدريجيًّا أن أحدًا لا يراها؛ لذا ذهب تلويحها سدًى، لكنها شعرت بشيء من الراحة عندما ذكرت آيريس أنها ستلجأ إلى القنصلية البريطانية. سمعت صيحتها المتمردة عبر الباب المغلق.

وعلى الفور أدركت أن ملاحظتها تلك لم تذهب سدًى؛ إذ كانت مُشاورات تجري بصوت منخفض داخل المقصورة.

قال صوت رجولي: «ترييستي.» كان ذلك هو صوت سائق الطبيب الذي يرتدي زي الراهبة الممرضة الموحد الذي يبدو غريبًا عليه. «ماذا سنفعل الآن؟»

أجابه الطبيب: «يجب ألا نهدر أي وقت في ترييستي، يجب أن نقود السيارة بسرعةٍ طوال الليل حتى نصل إلى بر الأمان.»

«لكن أين سنتخلص من الجثة الآن؟»

ذكر له الطبيب مكانًا.

وقال مفسرًا: «إنه في طريقنا؛ المرفأ مهجور، وهو يعجُّ بأسماك الإنقليس.»

«جيد. سيكونون جوعى. وقريبًا جدًّا، لن يصبح ثَمة وجه كي يتعرف عليه أحد، هذا إن عُثر عليها لاحقًا. هل ستُلقي بملابسها وأمتعتها هناك أيضًا؟»

«أحمق! سُيستدل بهم على هويتها إن ألقينا بهم هناك. كلا، سنأخذهم معنا في السيارة. ستحرقهم دون تأخير فور وصولنا.»

مع أن عقل الآنسة فروي كان مشوشًا، نبَّهتها ذبذبةٌ ما بحواسها إلى أنهما يتحدثان عنها. ارتعدت غريزيًّا وهي تتصور المياه السوداء الراكدة التي يمتزج بها الطمي وتتناثر بها النفايات. كانت تُبغض الفساد بشدة.

إلا أن المغزى الحقيقي غاب عنها.

تابع السائق توقُّع الصعاب.

«ماذا إن طرح أحدٌ الأسئلة في مستشفيات ترييستي؟»

«حينها سنقول إن المريضة ماتت أثناء نقلها.»

«لكن ماذا إن طالبوا برؤية جثتها؟»

«سنُريهم إياها. لن يكون ذلك صعبًا فور أن نعود؛ فالمشرحة ستمدُّني بجثة امرأة وسأعمد إلى تشويهها.»

«مم! أتمنى أن أرجع إلى الوطن سالمًا، لكن يظل هناك تلك الفتاة.»

علَّق الطبيب قائلًا: «أجل، غريب كيف ينظر الإنجليزيون إلى أنفسهم باعتبارهم شرطة العالم! حتى الفتاة لديها تلك العادة، لكن من الخطأ أن نحسبهم أمةً غبية. ذلك البروفيسور يملك ذكاءً. هو ليس بغبي، لكنه لحسن حظنا شريف ويظن أن الكل شرفاء كذلك. سيدعم كل أقوالي.»

قال السائق بإصرار: «أتمنى لو أعود.»

قال رب عمله مذكرًا إياه: «المخاطرة كبيرة، وكذلك المكافأة.»

توقَّف طنين الأصوات الرجولية التي تُشبه صوت دوران عجلة الحظ، والتي بلغت أذنَي الآنسة فروي شبه المصمومتين. تخيَّل السائق الورشة التي سيبتاعها، بينما كان الطبيب يُخطط للتقاعد من المهنة.

لم يستسغ مهمته الحالية، لكنه كان مدينًا بولائه للعائلة الحاكمة وكان العصيان في غير صالحه. فور أن أرسلت البارونة في طلبه في سِرِّية أثناء الليل، خرج بأفضل خطة تسنَّى له حبكها في لحظتها لإزاحة عائق في طريق عظيم الشأن.

كان يعلم لمَ وقع الاختيار عليه؛ إذ إنه نفسه لم يكن ليستخدم مشرطًا جراحيًّا دقيقًا لقطع حبل يُلطخه القطران. كانت سمعته ملطخة بسبب حوادث مؤسفة وقعت حديثًا في المستشفى المحلي؛ ففضوله العلمي كان يغلب رغبته في القضاء على المرض، وكان محلًّا للشك بسبب إجرائه لجراحات مطوَّلة دون داعٍ، يدفع المريض حياته ثمنًا لها.

منذ بدايتها، لم يكن الحظ حليف مغامرته بسبب تدخُّل تلك الفتاة الإنجليزية. لولاها لنجحت خطته تلك؛ لبساطتها، ولقلة عدد المُتواطئين بها. كان يعلم أنه وسائقه سيحملان روحيهما على كفيهما بينما يسرعان عائدين إلى وطنيهما خلال طرقات خطرة، وسيسلكان أجرافًا شديدة الانحراف على عجلة واحدة، محاولين استباق القطار السريع إلى موطنهما.

لكن بمجرد عودتهما ستنتهي جميع الطوارئ. سيُجهز تفسيرًا ملائمًا لتقديمه في أي تحقيق. لن يصبح بحوزة أي شخص معلومة مُريبة كي يُفصح عنها، وسيُقطَع كل خيط يربط الآنسة فروي بالمريضة المتوفاة.

سأل السائق فجأةً: «هل ستتخلص من الفتاة الإنجليزية في المجارير أيضًا؟»

أجابه الطبيب: «كلا، فأي تداعيات أخرى ستكون خطيرة، لكن عندما نصل إلى ترييستي لن تكون في حالة تسمح لها بأن تُسبب لنا المزيد من المتاعب.»

سمعت الآنسة فروي كلماته، فخانها تفاؤلها للمرة الأولى. ضربتها موجة من الحنين المرتاع، فتصوَّرت أسرتها في البيت؛ إذ كانت قد أرسلت لهما جدولًا زمنيًّا لتحركاتها، وخمَّنت أنهما سيتتَّبعانه على الخريطة.

صدقت توقعاتها؛ ففي اللحظة الحالية كانا يفكران بها. بذلا ما بوسعهما لمحاربة شعورهما غير المعهود بالاكتئاب، فأوقدا نارًا أغلب وقودها جوزات الصنوبر، وارتكبا جرم تناول وجبة غداء فاخرة من البيض المقلي.

كان سقراط ممددًا على السجادة يُراقب ألسنة اللهب. رغم الترحاب الدافئ الذي لاقاه كان لا يزال مغلوبًا على أمره بعد أن خاب أمله؛ إذ كان قد هرع لمُلاقاة القطار بأمل جديد عصيانًا للأمر.

نظر السيد فروي إلى زوجته فلاحظ أن الشفاه السفلية من ثغرها الدقيق القوي كانت مُتدلية، وأنها تجلس متراخية في كرسيها. للمرة الأولى أدرك أنها تكبره عمرًا، وأنه هو أيضًا صار عجوزًا.

ثم نظر إلى الساعة.

قال لزوجته: «لقد أوشكت وينسوم أن تصل إلى نهاية الجزء الأول من رحلة عودتها إلى الديار، فقريبًا تصل إلى ترييستي.»

مرَّرت السيدة فروي تلك المعلومة إلى الكلب.

«يا سقراط، سيدتك الصغيرة صارت في الطريق بالفعل الآن. كل لحظة تقترب أكثر فأكثر. بعد نصف ساعة ستكون في ترييستي.»

ترييستي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠