الفصل الثلاثون

إنكار

استطاع النادل أن يستخلص بعض العشاء للبروفيسور وهير، اللذين التَهما وجبتيهما في صمت. بعد أن انتهيا من الجبن والرقائق، أدخل الطبيب عربة المطعم وجلس على مائدتهما.

قال: «آسف على الإزعاج، لكني أريد أن أجتمع بكما بخصوص السيدة الإنجليزية الشابة.»

كظم البروفيسور صيحة دهشة؛ إذ خشي أن تكون آيريس قد أقدمت على تصرف طائش جديد.

قال للنادل: «أحضر لي القهوة دون حليب. ما المشكلة الآن إذن؟»

قال الطبيب مفسرًا: «باعتباري رجل طب، أجد نفسي إزاء مسئولية. السيدة في حالة ذهنية خطيرة.»

سأل البروفيسور الذي لم يقبل يومًا بفرضية دون إثباتات: «على أي أساس بنيت ذلك الاستنتاج؟»

هز الطبيب كتفَيه.

«بالطبع لا يخفى حتى على من يفتقر إلى الذكاء أنها تُعاني من وهم؛ فقد ابتكرت شخصية لا وجود لها، لكن ثَمة أعراضًا أخرى؛ فهي تنفعل بسهولة، وتشك في الجميع، ولديها ميول للعنف.»

لاحظ أن هير قطب وجهه تلقائيًّا، فقطع حديثه والتفت إلى الشاب.

«عذرًا! هل السيدة الشابة خطيبتك؟»

قال هير مُهمهًا: «كلا.»

«لكنها حبيبة أو صديقة عزيزة ربما؟ لكن لن أتفاجأ إن علمت أنها غضبت منك بشدة مؤخرًا. فهل فعلت؟»

قال هير مُقرًّا: «لست محبوبًا كثيرًا في الوقت الحالي.»

«شكرًا لك أن أفضيت لي بذلك! إذ إنه يؤكد تشخيصي. دائمًا ما يكون الانقلاب ضد أكثر من يحبونهم مؤشرًا على المرض العقلي.»

رأى أنه حظي بتعاطف هير، فتابع حديثه.

«لن يكون ثَمة خطر حقيقي إن اتخذنا إجراءً وقائيًّا. من الضروري في تلك المرحلة أن يحظى العقل بالراحة. إن تسَّنى لها أن تنام لمدة طويلة، فأنا واثق أنها ستستيقظ وقد استردَّت عافيتها، لكن إن تركناها تُصر على إرهاق أعصابها حد الإعياء، فإن الضرر الذي سيلحق بعقلها ربما يكون غير قابل للإصلاح.»

قال هير مُوافقًا إياه: «أعتقد أنه مُحق يا بروفيسور. هذا ما كنت أفكر فيه.»

سأله البروفيسور بحذر: «ماذا تقترح؟»

أجاب الطبيب: «أقترح أن تُقنعها بتناول مخدِّر غير مؤذٍ أعطيك إياه.»

«ستُعارض ذلك.»

«سيتعين إذن أن تتناوله عنوةً.»

«هذا مستحيل. لا يسعنا التحكم في أهوائها.»

«ربما تستطيع إذن أن تلجأ للحيلة لجعلها تتناوله.»

ظل البروفيسور صامتًا بعناد، فهمَّ الطبيب بالنهوض عن الطاولة.

قال: «أؤكد لك أن على عاتقي ما يكفي من المسئوليات فيما يخص مريضتي، لكني شعرت أن من واجبي تحذيركما؛ فقد أقسمنا نحن الأطباء على خدمة الإنسانية، سواء تقاضينا أجرًا لقاء ذلك أم لا، لكن بعد أن شرحت لكما الوضع صار بإمكاني أن أترك لكما القرار؛ فقد أرحت ضميري.»

كان الطبيب على وشك المغادرة بكرامة عندما ناداه هير.

«لا تذهب يا دكتور. أنا أشاطرك الرأي بخصوص ذلك الأمر، فلديَّ تجربة شخصية مع الأوهام والارتجاج الدماغي.» ثم التفت بحماسة إلى البروفيسور وقال: «ألا يمكننا أن نتدبر حيلةً ما للقيام بذلك؟»

تمدَّدت شفة البروفيسور العلوية تعبيرًا عن الاعتراض.

وقال: «لا يسعني أن أكون طرفًا في أمر كهذا. سيكون التدخل في حرية الآنسة كار أمرًا مقززًا، فهي حرة نفسها.»

«إذن أنت تُفضل الالتزام بما يُمليه العرف والوقوف متفرجًا بينما تفقد صوابها؟»

ابتسم البروفيسور ابتسامةً لاذعة.

قال لهما: «في رأيي، هي ليست معرَّضة لذلك الخطر على الإطلاق. لديَّ خبرة بخصوص مثل تلك الحالات، فأنا بحكم مهنتي أتعامل مع شابَّات مضطربات عصبيًّا، وأرى أن الآنسة كار تُعاني حالةً هيستيرية لا أكثر.»

سأله هير: «ماذا تقترح إذن؟»

«أظن أن صدمةً علاجية من شأنها أن تُعيدها إلى صوابها.»

تقوَّى البروفيسور بوجبته فشعر أنه سيد الموقف. أنهى احتساء قهوته ومشروبه الكحولي، وطرح فُتات خبز عن صديرته، ثم نهض على مهل.

وقال: «سأتفاهم بالمنطق مع الآنسة كار.»

ثم غادر عربة المطعم بخطوات مُتمهلة وطفق يترنح في الممرات. أثناء مروره بمقصورة الآنستان فلود-بورتر، شعر بميل للتخلي عن مهمته والانضمام لهما لتجاذب أطراف الحديث. بدت السيدتان متماسكتين لا تشوبهما شائبة؛ إذ كانتا قد أنهيتا بالفعل تحضيرات الوصول إلى ترييستي، فكان يأمل أن يكشف متابعة الحديث معهما عن صديق مشترك.

لكنه كان عازمًا على أداء واجبه الذي فرضه على نفسه، فدخل المقصورة وجلس قبالة آيريس. من النظرة الأولى، علِم أنها ظلَّت تُشعل سيجارة وراء الأخرى، لكنها ما تلبث أن تُلقي بها دون أن تُدخنها تقريبًا. لم يكن فعلها ذلك سوى أمارة على التوتر العصبي، لكنه مع ذلك نظر باشمئزاز إلى أعواد الثقاب المُستهلَكة التي تناثرت على الأرضية والمقاعد.

سألها بنبرة من يُخاطب طفلًا مُشاكسًا: «هلَّا قبِلت مني نصيحةً ودية؟»

أجابته آيريس بتمرد: «كلا. أريد أن أسمع الحقيقة من باب التغيير.»

«الحقيقة ربما تكون صادمة قليلًا بالنسبة لك، لكنك طلبت سماعها؛ لذا سأخبرك بها. أخبرني الطبيب للتو أنه نتيجةً لضربة الشمس التي تعرَّضت لها، فإن خللًا بسيطًا ومؤقتًا أصاب عقلك.»

كان البروفيسور حقًّا يعتقد أنه يتعامل مع فتاة عصابية تختلق الأكاذيب بداعي حبها للإثارة؛ لذا راقَب رد فعلها بثقة مشوبة بالرضا عن النفس. عندما رأى الهلع في عينيها شعر أن تجربته تلك كانت مبرَّرة.

سألت بصوت هامس: «أتعني أني جُننت؟»

«كلا، ليس ثَمة ما يستدعي الخوف، لكنه قلق على سلامتك لأنك تُسافرين وحدك، وربما يضطر لأن يتخذ خطوات لضمان سلامتك، إلا إن استطعت أن تظلي هادئة تمامًا.»

سألته آيريس: «أي خطوات؟ أتعني دار الرعاية تلك؟ سأقاوم ذلك. لا يستطيع أحد أن يُجبرني على أن أفعل أي شيء يُخالف إرادتي.»

«في ظل تلك الظروف، سيكون اللجوء للعنف خيارًا غير حكيم على الإطلاق؛ إذ إنه لن يفيد إلا في تأكيد مخاوف الطبيب، لكني أريد أن أوضح لك الوضع. أصغي إليَّ.»

لوَّح البروفيسور بسبَّابته مُهددًا وتحدَّث بنبرة لها وقع في النفس.

«ما عليك سوى أن تظلي هادئة وسيصبح كل شيء على ما يُرام. لن يتدخل أحد في شئونك بأي طريقة إلا إن ذكرتهم بوجودك. دون أي مُواربة، لقد جعلت من نفسك مصدرًا للإزعاج العام، ويجب أن يتوقف ذلك.»

لم يكن البروفيسور عديم الرأفة كما بدا؛ فتجربته غير السارَّة مع طالبته التي كانت متيَّمة به جعلته مُتحيزًا ضد العواطف، لكنه ظن أن ما يفعله في صالح آيريس.

لذا لم يكن لديه أي فكرة أنه ألقى بآيريس في جحيم من الخوف. امتقع وجهها كله وهي تنكمش في ركن من المقصورة. كانت خائفة منه، خائفة من جميع مَن في القطار، حتى هير يبدو أنه انضم للمؤامرة ضدها. بدا لها أن العالم بأسره قد صار حِلفًا تكاتف لتهديد سلامتها العقلية.

أشعلت سيجارة أخرى بأصابع مرتعشة، وحاولت أن تستوعب الموقف. كان من الواضح لها أنها تدخَّلت في أمور مهمة، وتباعًا لزم إسكاتها، وأن البروفيسور بُعث إليها ليرشوها بالحصانة مُقابل صمتها.

حتى إن كانت ترفض تلك الصفقة بغضب، كانت مُضطرة لمواجهة الحقيقة المُرة. هي لا تملك حتى شبه فرصة لمحاربة أولئك الأشخاص ذوي النفوذ. إن استمرَّت في سعيها لإيجاد الآنسة فروي فلن يكون على الطبيب سوى أن يستغل نفوذه ليزجَّ بها في إحدى دور الرعاية بترييستي.

تذكَّرت القصة التي روتها لها الآنسة فروي عن السيدة التي حُبست بمصحة عقلية خاصة. ربما يحدث لها الأمر نفسه. أي مُعارضة من جانبها ستُستخدم إثباتًا على فقدانها لصوابها. بإمكانهم أن يُبقوها حبيسةً تحت تأثير العقاقير، حتى تنهار تحت الضغط.

لن يدرك أحد أنها مفقودة إلا بعد وقت طويل؛ إذ لا ينتظر أحدٌ عودتها إلى إنجلترا؛ فهي لم تتكبد عناء حجز غرفة في فندق، وسيظن أصدقاؤها أنها ما زالت خارج البلاد. عندما يتحرى عنها مُحاميها أو البنك الذي تتعامل معه سيكون الأوان قد فات. سيتتبعون أثرها إلى دار الرعاية، وعندما يصلون سيجدون مجنونة.

في خضم ذهولها، ألقت بنفسها في مستنقع من المخاوف المشوشة والمخاطر المبالغ بها، لكن مع أن موجة عاتية من الهلع كادت تغمر تفكيرها المنطقي، ظل جزء من عقلها يحتكم للمنطق.

أقنعها أن إنقاذ الآنسة فروي قضية لا أمل منها على الإطلاق.

سألها البروفسيور بتصبر عندما ألقت بسيجارتها دون أن تُدخنها: «ما جوابك؟»

فجأةً اجتاح آيريس اشتياقٌ مُلتاع عندما تذكَّرت قطار كالييه-دوفر السريع، والتلال البيضاء، ومحطة فيكتوريا. شعرت بالحنين إلى إنجلترا وإلى زمرة أصدقائها اللامُبالين. ومض أمام عينيها الشعار المألوف «الأمان أولًا» بأحرف مشتعلة.

كرَّر البروفيسور: «ما جوابك؟ هل عُدتِ إلى رشدك؟»

كانت مُنهَكة بشدة وكان خوفها يشلها، فتاهت في وديان الآمال الضائعة. ذكَّرت نفسها أن الآنسة فروي ليست سوى غريبة حاولت مساعدتها، وأن استمرارها في المحاولة لن ينتج عنه سوى تضحية مزدوجة لا جدوى منها.

أجابت بتبلد: «أجل.»

«هل ستفتعلين أي ثورات غضب أخرى؟»

«كلا.»

«جيد. والآن هلَّا اعترفت لي بأنك من اختلقت الآنسة فروي؟»

شعرت آيريس أنها سقطت في الجحيم مع يهوذا الإسخريوطي وجميع الخونة وهي تُنكر الحقيقة.

«أجل. لقد اختلقها خيالي. لا وجود للآنسة فروي.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠