الفصل الثالث والثلاثون

البشير

بعد يومين، وقفت آيريس على رصيف محطة فيكتوريا تُراقب تفرق الركاب. كانت الآنستان فلود-بورتر من بين أول المغادرين. كانتا واثقتين من استحقاقهما لمعاملة مميَّزة، فوقفتا بمعزل عن الآخرين وقد ارتسمت على وجهيهما أمارات السرور، بينما كان رجلٌ ذو نفوذ له صوت آمر وأسلوب واثق مع الموظفين يصيح ويوجِّه أمتعتهم عبر التفتيش الجمركي.

وقع نظراهما على آيريس مرةً دون قصد، لكنهما كانتا مشغولتين للغاية فلم تُحيياها. كانت تلك إنجلترا، حيث لا مكان لها في حياتهما.

لكنهما تعاملا بلطف شديد مع السيدة بارنز عندما ذهبت إليهما تُودعهما. كان وجهها مُشرقًا بسعادةٍ منبعها برقيةٌ تلقَّتها في كالييه.

«لقد تحسَّن جابريال مجددًا بعد نزلة البرد التي أصابته.»

رغم تعجُّلها للعودة إلى البيت وإليه، وقفت تستمع إلى أحدث الأقاويل من الأختين.

سألت الآنسة فلود-بورتر الكبرى: «ألا تجدين أمر تلكما العروسين غريبًا؟ أعلم أنه لم يستقلَّ قطار فينيسا لأني بحثت عنه. لقد نزلت هي من القطار في ميلان، وحدها.»

أومأت السيدة بارنز برأسها. «أجل، أعلم أن زوجي لن يحب أن أقول ذلك، لكن الأمر يجعلني أتساءل إن كانا متزوجين حقًّا.»

قالت الآنسة روز باستهزاء: «بالطبع ليسا متزوجين. أنا سعيدة للغاية لأننا لم نُخالطهما. إن رُفعت دعوى طلاق فيما بعد فلربما استُدعينا للشهادة.»

وافقتها أختها: «بالضبط، وهذا يُبين كيف يجب على المرء أن يتوخى الحذر عندما يكون مسافرًا خارج البلاد. نحن دائمًا نلتزم بقاعدتنا، وهي ألا نتدخل في شئون الآخرين أبدًا.»

ابتسمت آيريس بمرارة عندما سمعت نبرة الفضيلة المتيقظة التي حملها صوتاهما؛ إذ ذكَّرتها بما كابدته نتيجةً لسياسة الانعزال الشديد التي يتَّبعانها. هزَّت كتفيها وأدارت ظهرها لمشهد الوداعات الحارَّة لتستعيض عنه بخطوط الأشعة الدقيقة البيضاء — تُشبه أضواء كشافات لا تُعَد ولا تُحصى — التي تبثُّها الشمس عبر السطح الزجاجي.

مع أنها كانت لا تزال مضطربة، شعرت بأنها مُنحت حياةً جديدة، وأنها مُمتنَّة إلى عودتها وإلى بقائها على قيد الحياة. فيما كان هير يحوم حول كومة من الأمتعة عادت بذاكرتها إلى الرحلة. كانت ذكرياتها باهتة، تتخللها فجوات عديدة.

فقدت الوعي في ترييستي عندما انهار جسدها تمامًا، ولم تدرِ بمحيطها حتى صارت على متن القطار الإيطالي الذي انطلق يشقُّ الظلام. سيدةٌ ما، لها عينان سوداوان برَّاقتان كانت تعتني بها، فيما كان هير يجيء ويذهب. كانت نائمةً معظم الوقت، لكن كلما استيقظت كانت تشعر بالسعادة.

كانت المقصورة تعجُّ بركاب آخرين، جميعهم يصيحون ويُدخنون ويُلوحون بأيديهم. لم تفهم كلمة واحدة مما يُقال، لكنها شعرت أنها متآلفة ومتناغمة تمامًا معهم جميعًا. كان ترقب جمع الشمل المُبهِج يغمر العالم سعادةً. زال حاجز اللغة، فلم يعودوا أبناء جنسيات مختلفة، بل أبناء عالم واحد تجمعهم المشاعر المشتركة.

في الصباح، اكتشفت راكبة أخرى في المقصورة، سيدة ضئيلة باهتة الملامح في خريف عمرها، لها وجه صغير تملؤه الخطوط وعينان زرقاوان.

هلَّلت آيريس فرحًا وهي تُعانقها.

«آنسة فروي. يا لك من قاسية مريعة لتُسببي لي كل ذلك العناء! أوه، يا عزيزتي.»

رغم فرحة التئام الشمل، تبيَّن أن الآنسة فروي لم تكن بديلة مناسبة للغريبة الإيطالية؛ فاهتمامها اللجوج وضحكتها الرنَّانة وثرثرتها المتواصلة صارت عبئًا كبيرًا، لدرجة أن هير كان يضطر للجوء للحيلة كي يحظى بفترات من الراحة.

لكن رغم جميع العوائق، كان يُغلف الرحلةَ حسٌّ بالمغامرة والآمال العالية. كادت الرياح تعصف بهم وهم يقطعون المساحات المسطحة من فرنسا، وكان كل شيء يتحرك معهم؛ الدخان المتدفق، والغيوم المضطربة. كانت الحقول الشاسعة والسماء البيضاء تسبحان في الضوء، فبدا كأنهم يُبحرون في بلد سحري.

مع أن آيريس صارت أفضل حالًا، أبى هير أن يُجيب عن أي من أسئلتها.

كان دومًا يقول لها: «سأخبرك عندما نعود إلى لندن.»

ذكَّرته بوعده عندما عاد بحقيبة سفرها وقد وضعت عليها علامة بالطبشور.

قالت له: «لا أطيق الانتظار دقيقةً أخرى.»

قال مُوافقًا إياها: «حسنًا، فلتجلسي إذن.»

جلسا معًا على عربة نقل أمتعة ودخَّنا السجائر، بينما استمعت لروايته.

«جرى الأمر بهدوء شديد. لم يحدُث أي مُناوشات أو غيرها. كان الحارس بطلًا حقًّا. كان يعرف ما يجب فعله بالتحديد، وقد أذعن له الطبيب والممرضتان كالحملان. كما ترين، لن يُدانوا على الأرجح إلا بمحاولة اختطاف.»

سألته آيريس: «ماذا حدث للبارونة؟»

«لقد انسلَّت كالشعرة من العجين. لم يثبت أن لها صلةً بالمقصورة المجاورة، لكنها ستستغل نفوذها وتتدبر إخلاء سبيلهم. هي سلسلة معقَّدة من الفساد كما تعلمين.»

لم تكن آيريس مهتمة بمصيرهم.

سألته بحماسة: «ماذا قال الآخرون عندما علموا بأمر الآنسة فروي؟ ففي النهاية، كان الجميع مخطئًا ما عداي.»

قال هير: «بصراحة شديدة، تجاهلوا الأمر كأنهم لم يسمعوه. كاد القطار يفوتنا في فينيسيا، وفُقدت بعض أمتعة الآنستين فلود-بورتر. أصابهما ذعرٌ شديد بشأنها فظلَّتا مُتجهمتين بعدها. وزوجة القس كانت قلقة للغاية على زوجها.»

«لكن ماذا عن البروفيسور؟»

«هو من النوع الذي لا يحب أن يُثبت أحدٌ أنه على خطأ. عندما رأى الآنسة فروي تركض في الأرجاء كطفلة بعمر السنتين، كان رأيه أن الأمر كله مُبالغ فيه. سمعته عرَضًا يقول للآنسة فلود-بورتر: «الناس ينالون عادةً ما يسعون إليه بأنفسهم. لا أتخيَّل أن يحدث أمر كهذا للآنسة روز».»

«ولا أنا، يبدو أن الجميع يودع بعضهم بعضًا. ها هي الآنسة فروي العزيزة.»

أسرع هير يلوذ بالفرار في الوقت المناسب لتفادي السيدة الضئيلة. كانت تبدو في خير حال، في الحقيقة، بدا أن تجربتها المريعة قد أعادت إليها الحيوية.

مع أن آيريس كانت تتضايق من لمسات هاتين اليدين الجافتين الخشنتين، شعرت بغصة ندم الآن وقد صار الفراق وشيكًا.

قالت الآنسة فروي مُسرةً إليها: «سأمكث في لندن لبضع ساعات. سأقصد متجر «سيلفريدجز» يا عزيزتي، وسأتجول فحسب. سيكون هذا رائعًا.»

تابعت هير بنظرها وهو يُطارد سيارة أجرة، ثم خفضت صوتها.

«أنا أختلق قصة لأرويها لأسرتي عندما أعود للبيت. ستطرب لها أمي فرحًا.»

عارضتها آيريس قائلةً: «لكن أتظنين أن من الحكمة إخبارها؟ في عمرها هذا، ربما يتسبَّب لها ذلك بصدمة.»

هزَّت الآنسة فروي رأسها نفيًا، وغمزت بعينها لآيريس بتآمر كما تغمز تلميذة لزميلتها. «أوه، أنت تعنين ما حدث لي. لن أخبر أمي بذلك، فستُصاب بالذعر ولن تدعني أعود.»

سألتها آيريس: «وهل ستعودين؟»

«بالطبع. على الأرجح سيُطلب مني أن أُدلي بشهادتي في المحاكمة، كما أن جميع الأمور المثيرة تحدث خارج البلاد.»

«أنت مدهشة، لكن ما القصة التي تختلقينها؟»

عادت الآنسة فروي شابَّة فجأةً.

«إنها عنك، وعن مغامرتك العاطفية. هل الأمر حقيقي؟»

لم تعرف آيريس نفسها الإجابة حتى تلك اللحظة.

أجابت: «أجل. سأصحبه في رحلته التالية.»

«إذن سأكون أول من يُهنئك، ويومًا ما ربما تُهنِّئينني أنت، والآن يجب أن أهرع لإرسال برقيتي.»

بعد وقت ليس بطويل، وصلت برقية إلى المنزل الحجري الرمادي الصغير. قرأها السيد فروي والسيدة فروي معًا، ثم قرأها كلٌّ منهما وحده على مسامع سقراط.

«سأكون بالبيت الساعة ١٠ : ٨. هذا رائع جدًّا. ويني.»

•••

في ذلك المساء، وقفت السيدة فروي في نافذة حجرة نوم ويني. مع أنها كانت لا تستطيع رؤية محطة القطار، لمحت ضوء مصباح إشارة أصفر اللون خلال فرجة بين الأشجار.

كل شيء كان مُتهيئًا لعودة ابنتها. كانت المائدة قد أُعدَّت في غرفة الطعام وزُينت بزهريات تحتوي أزهار الأضاليا البيضاء وأزهار الجزر. وأُزيلت قِرب الماء الساخن من سريرها، وأُضيئ المصباح الذي نادرًا ما يُستخدم في الردهة، وفُتح الباب الأمامي في تأهب، فسقط شعاع من الضوء على أرضية مسار الحديقة الذي يكسوه الطحلب.

ووُضع الغداء في الفرن ليظل ساخنًا. دائمًا ما تكون الوجبة الأولى التي تطهوها السيدة فروي هي النقانق والبطاطس المهروسة، ظنًّا منها أنهما طبق ويني المفضَّل. هما لم يعودا كذلك منذ بضعة وثلاثين عامًا، لكن ويني لم تملك الشجاعة قط لمصارحتها بالحقيقة.

كان الظلام والسكون يعمَّان خارج النافذة، وكانت النجوم ساطعة، والهواء البارد محملًا برائحة نيران الخلاء الخريفية، ثم فجأةً شقَّ السكونَ صريرُ القطار البعيد.

استطاعت السيدة فروي تتبُّع وصوله بواسطة الغمامة الحمراء التي تتراقص فوق شريط أشجار الدردار الذي تختفي وراءه المحطة. علِمت متى توقَّف؛ إذ لهث المحرك ونفث بعضًا من بخاره.

ثم ما لبث أن تابع سيره مُقعقًا ليتركها في حيرة. تساءلت إن كان قد أحضر معه ويني. ربما فاتتها وسيلة مواصلتها في لندن. لم تستطع رؤية أو سماع أي شيء؛ إذ كان الصمم قد بدأ يتسلل إلى أذنيها والعمى إلى عينيها.

كان الظلام المحيط يُربكها ويخدع حواسها بوعودٍ كاذبة، فكانت ترى هيئات تتقدم نحوها في الظلام، لكن فور أن يثب قلبها فرحًا تتبدل فتعود أشجارًا. جاهدت عبثًا لالتقاط أي بوادر لأصوات بشرية، لنبرات زوجها العميقة ونبرات حادَّة مُجلجلة لفتاة.

بينما كانت تحبس أنفاسها في ترقب، سمعت نباح كلب يأتي من بعيد. ظل ينبح وينبح بفرح شديد، ثم ما لبث أن اندفع عبر البوابة المفتوحة والمسار المُضاء كلبٌ ضخم حليق الفراء، يثب فرحًا مثل جرو كبير، ويدور في دوائر، ويُطارد ظله فيتعثَّر في خضم تعجُّله الأهوج.

كان ذلك هو البشير الذي استبق سيدته الصغيرة كي يُبشِّر بعودتها إلى الديار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠