الفصل السابع

الركاب

عندما مر القطار خلال النفق المحفور في الجرف وخرج منه إلى وادٍ ضيق يعجُّ بالأشجار، نظرت آيريس إلى ساعة يدها. حسب عقاربها، لم يكن موعد وصول قطار ترييستي السريع إلى محطة القرية قد حان بعد.

قالت: «لا بد أنها تعطَّلت عند سقوطي. يا لحسن حظي! كان من الممكن أن تجعلني أفوت القطار.»

عندما تذكَّرت ذلك، شعرت بالامتنان الشديد لكونها انطلقت بالفعل في طريق عودتها إلى إنجلترا. خلال الأربع والعشرين ساعةً الأخيرة، مرَّت بمشاعر متضاربة لم تكن لتمرَّ بها خلال حياة كاملة من الرفاهية والنظام. ذاقت شعور العجز المريع لغياب الأصدقاء والمرض والإفلاس، وانقطعت بها السبل؛ ثم عندما بلغ الأمر أشده، انقلب حظها، كما يحدث دائمًا.

بفعل التضاد، تحوَّلت المواصلات العادية إلى مصدر مؤقَّت للنشوة. لم يعُد السفر بالقطار عبئًا عليها أن تتحمله بمساعدة مُخففات تتمثل في الحجوزات والأزهار والفاكهة والشكولاتة والأعمال الأدبية الخفيفة وجماعة من الأصدقاء الذين يهتفون مشجعين.

بينما جلست محشورة في مقصورة غير مريحة داخل قطار تُعوزه النظافة، شعرت بالحماسة كأنها تنطلق في رحلتها الأولى.

ظل المنظر حولها محتفظًا بطبيعته الوحشية وطابعه الوعر. سار القطار في طريقه مارًّا برُقع متصدعة من الأراضي بدت مثل رسمة نقشها الفنَّان دوريه على الفولاذ لجحيم دانتي. كانت الشلَّالات تشق جوانب أجراف من الجرانيت بعروق من الفضة. وأحيانًا، كانت تمرُّ برُقعٍ قاحلة تكوَّنت فيها بِركٌ قاتمة يحفُّها بوص له ريشٌ أسود داخل تجويفات مُقفِرة.

تطلَّعت آيريس إليها خلال فتحة النافذة، مُمتنةً لوجود لوح الزجاج الواقي؛ فقد كان ذلك المنظر المهيب حطام عالم دمَّرته قُوى الطبيعة، وذكَّرها بالأثر الذي تركته للتو أولى مواجهاتها مع الواقع.

كانت لا تزال تنسحب من ذكرى الوقائع السابقة، مع أنه صار يفصل بينها وبين محطة القطار الكابوسية جبال وجبال. الآن وهي تبتعد خلف ملفات القضيب في كل دقيقة تمر، صارت تجرؤ على إدراك أنه كان يفصل بينها وبين كارثة قدرُ أنملة.

لا بد أنه كان هناك نسبة من أشخاص غير أمناء وسط الحشد على المنصة، الذين لم يكونوا ليتورَّعوا عن استغلال وضع أجنبية فاقدة للوعي — وغير قادرة على الحساب — وحقيبة يد باهظة الثمن تَعِد بغنيمة كبيرة، لكن الحظ وضع الحاجب الذي يُشبِه العفريت في طريقها.

قالت في نفسها: «دائمًا ما تسير الأمور في صالحي، لكن لا بد أن حظ بعض الناس مريع.»

كانت تلك هي المرة الأولى التي تُفكر فيها في قدر أولئك غير المحظوظين الذين ليس براحة يدهم مربَّع. إن وقع حادث قطار، فهي تعلم يقينًا أنها ستكون في الجزء الأوسط الذي لن يتحطم منه، كما سيكون مقدرًا لبعض الركاب أن يكونوا في المقصورات التي تحطَّمت.

اقشعرَّ بدنها لتلك الفكرة، فنظرت ساهية إلى المرأة التي تجلس أمامها. كانت من النوع غير المستحسن من جميع الجوانب؛ فهي في خريف عمرها، لها ملامح صغيرة غير محدَّدة، وبشرة شاحبة، وكأنما رسم أحد وجهًا ثم محاه حتى كاد يختفي. كان شعرها المجعَّد باهتًا، وبشرتها شاحبة تُشبِه في لونها دقيق الشوفان.

لم تكن ملامحها هزلية بما يكفي حتى لأن تليق بدور سيدة عانس على المسرح، حتى حُلتها المصنوعة من التويد وقبعتها التي تتماشى معها لم تكونا رثَّتَي الهيئة، لكنهما كانتا تفتقران إلى أي لمسات مميَّزة.

في الظروف العادية، لم تكن آيريس لتنظر إليها أو تفكر بها مرتين، لكن اليوم، كانت تتطلع إليها بتعاطف.

قالت في نفسها: «إن وقعت هي في مأزق، فلن تجد من يمد لها يد المساعدة.»

كدَّرتها فكرة أنه يوجد حتمًا ضمن سكان العالم نسبة من الأشخاص الذين لا يملكون الأصدقاء ولا المال ولا النفوذ؛ أشخاص عديمي الشأن لن يفتقدهم أحد، وإن اختفَوا فلن يتركوا وراءهم أي أثر.

كي تصرف آيريس عن ذهنها تلك الأفكار، حاولت أن تتأمل المنظر من حولها مجددًا، لكن النافذة كان يحجبها الآن المسافرون الذين لم يجدوا مقاعد لهم فوقفوا في الممر؛ لذا للمرة الأولى، أحصت متعمدةً الركاب الآخرين الذين يُشاركونها المقصورة.

كان عددهم ستة — وهو العدد المناسب — والذي زادت عليه هي واحدًا ليصبح سبعة، وهو ما لا يُسمح به. كان جانبها يشغله أسرة مكوَّنة من أبوين ضخمين وطفلة صغيرة تبلغ نحو اثنتَي عشرة سنة.

كان الأب له رأسٌ حليق، وشاربٌ صغير مصفَّف بعناية، وذقون متعددة. منحته نظارته ذات الإطار القرني وسيماؤه المريحة مظهر مُواطن ثري. كان لزوجته قُصة مفرودة من الشعر الأسود المُزيَّت، وحاجبان كثَّان يبدوان كأنهما محدَّدان بالفلين المحروق. وكانت الطفلة ترتدي جوربين طفوليين، لا يتماشيان مع ملامح وجهها البالغة. كان من الواضح أن شعرها ملفوف بحيث يصبح به تموجات دائمة؛ فقد كان لا يزال مثبتًا بالمشابك.

كان ثلاثتهم يرتدون حُللًا جديدة وأنيقة، تبدو مستوحاة من دليل كتابة اختزالية؛ فقد كانت حلة الأب مقلَّمة، وحلة الأم مرقَّطة، وحلة الابنة منقوشة بالمربعات. خطر لآيريس أنهم إن فُرقوا ثم اجتمعوا مرةً أخرى، وسط الزحام العام، فربما يوصلون للعالم رسالةً مكتوبة بطريقة الاختزال.

حسب ما هو واضح لها، فستكون تلك الرسالة شعارًا للبيت؛ إذ بدت عليهم روح الوحدة وهم يتشاركون صحيفة. كانت الأم تمرُّ بعينيها على الأزياء، والطفلة تُطالع صفحة الأطفال، وخمَّنت آيريس من العواميد المتلاصقة أن رب الأسرة يبحث الشئون المالية.

نقلت بصرها منهم إلى الجانب المقابل من المقصورة. بجوار العانس ذات الحلة المصنوعة من التويد كانت تجلس فتاةٌ شقراء جميلة، يبدو أنها صاغت هيئتها من صورة أي ممثلة سينمائية شقراء؛ فقد كان لها الشعر المموج اللامع، والعينان الزرقاوان الواسعتان، اللتان تزينهما الرموش الاصطناعية، والحاجبان المقوَّسان. كانت وجنتاها مصبوغتين وشفتاها المقوَّستان مطليَّتين باللون القرمزي.

مع أن ملامحها كانت منمَّقة، كان جمالها يتماشى مع المعايير ويفتقر إلى الروح. كانت ترتدي حلةً بيضاء ضيقة وتحتها قميص حريري أسود، وكانت قبعتها وقفازاها الطويلان وحقيبتها سوداء اللون أيضًا. كانت تجلس منتصبة القامة دون حراك، ثابتة على وضعية جامدة وكأن أحدًا يلتقط لها صورة فوتوغرافية دعائية.

مع أنها كانت نحيلة لدرجة تكاد تصل إلى حد الهزال، فقد تعدَّت على جانب العانس ذات الحلة التويدية كي تترك مسافة كبيرة بينها وبين السيدة التي اعترضت على دخول آيريس.

كانت تلك السيدة الوقورة بلا شك تنتمي إلى إحدى الطبقات الحاكمة. كانت عيناها المنتفختان تشعَّان فخرًا، وأنفها يبدو كمنقار طائر متعجرف. كانت ترتدي الأسود وتتشح به، وكان قوامها الضخم يشغل تقريبًا نصف المقعد.

ولدهشة آيريس، كانت ترمقها بنظرة عدائية ثابتة، جعلتها تشعر بالذنب وبعدم الارتياح.

قالت في نفسها: «أعلم أني اقتحمت المقصورة، لكن بها مساحة كافية. أتمنى لو أني استطعت أن أشرح لها الوضع؛ إرضاءً لِذاتي.»

مالت للأمام وتحدَّثت بعفوية للسيدة.

سألتها قائلة: «هل تتحدثين الإنجليزية؟»

على ما يبدو أخذت السيدة سؤالها على محمل الإهانة، إذ أغمضت جفنيها بوقاحة متعمدة، وكأنما لا تطيق رؤية منظر سوقي.

فقضمت آيريس شفتها ونقلت بصرها إلى باقي الركاب. كانت أعين الأسرة مثبتة على صحيفتهم، والعانس ذات الحلة التويدية تُسوي تنُّورتها، والحسناء الشقراء تُحملق في الفراغ. بطريقةٍ ما، تولَّد لدى آيريس انطباع بأن غياب الحس المهذب ذلك هو لفتة احترام لتلك السيدة ذات الشأن.

تساءلت بحنق: «أهي النظير المحلي للثور الأسود المقدس؟ ألا يمكن لأحد أن يتحدث حتى تفعل هي؟ حسنًا، بالنسبة لي ما هي سوى امرأة بدينة ترتدي قفازين طفوليين مريعين.»

حاولت التمسك بموقفها الانتقادي، لكن هباءً؛ إذ كان يشعُّ من المرأة الضخمة المتشحة بالسواد حس من النفوذ الطاغي.

والآن وقد أخذت حماستها تزول، بدأت تشعر بتوابع ضربة الشمس الخفيفة التي تعرَّضت لها. كان رأسها يؤلمها وتشعر أن مؤخرة عنقها مُتيبسة وكأنها مدعومة بعمود حديدي. كانت تلك أعراض تُحذرها كي تأخذ حرصها؛ فخطر المرض لا يزال يحيق بها، وهي تعلم أنها بحاجة لأن تحتفظ بكل ذرة من قواها العصبية، ولا تهدر مخزونها منها في بغض متوَّهم.

لكن قرارها ذلك لم ينتشلها من الشعور المتزايد بالضيق؛ إذ لم تشعر بأن الأجواء في العربة خانقة فحسب، بل شعرت أيضًا أنها تعجُّ بالقهر النابع من شخصية الأرملة المتشحة بالسواد. كانت آيريس واثقة أنها بمثابة كتلة متخثرة من الأحكام المسبقة، حجر عثرة في شريان الحياة الصحيح للمجتمع. كان مَن هم على شاكلتها جلطةً قيد التكوين.

عندما بدأ العَرق يتصبَّب من وجهها، نظرت تجاه نوافذ المقصورة المغلقة. كان الازدحام في جانب الممر الذي تجلس فيه شديدًا لدرجة تمنع دخول الهواء الخارجي؛ لذا جاهدت للوقوف على قدميها وأمسكت بشريط النافذة.

وسألت بأدب يحمل نبرة إجهاد: «هل تُمانعون؟» آملةً أن يفهم الركاب الآخرون من نبرتها أنها تستأذنهم في إنزال زجاج النافذة.

كما توقَّعت، نهض رب الأسرة قليلًا وأخذ الشريط من يدها، لكن عوضًا عن إتمام المهمة، نظر باحترام إلى السيدة البارزة، وكأنها رمز مقدَّس، ثم نظر إلى آيريس عابسًا وهو يهز رأسه بالسلب.

عادت آيريس إلى مقعدها وهي تشعر بالحنق من تلك المعارضة.

قالت في نفسها: «يجب أن أتحمل ذلك. أتحمله دون معارضة؛ فأنا الدخيلة هنا.»

كان شعورًا آخر مستجدًّا على أكثر أفراد الزمرة شعبيةً أن تكون ضمن الأقلية. بجانب اضطرارها لأن تتحمل نقص التهوية، منحها عدم قدرتها على تفسير أفعالها أو الإفصاح عن رغباتها شعورًا عاجزًا بأنها محرومة من حاسَّتَي الكلام والسمع.

في تلك اللحظة، انفتح الباب وحشر رجلٌ طويل نفسه داخل المقصورة. مع أنها أدركت أن مشاعرها باتت حساسة للغاية، خطر لها أنها لم ترَ وجهًا منفِّرًا أكثر من وجهه. كانت بشرته شاحبةً مثل الصلصال اللدن، وله عينان داكنتان خاويتان، ولحية سوداء لها شكل البستوني.

انحنى للسيدة البارزة وبدأ يتحدث إليها فيما هو واقف. كان من الواضح أن قصته مثيرة للاهتمام؛ إذ لاحظت آيريس أن الركاب الآخرين وفيهم الطفلة يستمعون إليه باهتمام بالغ.

وهو يتحدث، طارت نظارته داخل المقصورة واستقرَّت عليها. نظر إليها نظرةً ممحِّصة لكنها موضوعية، وكأنها عينة على شريحة ميكروسكوب، لكنها تركت لديها انطباعًا بأنها ليست عينة مرحَّبًا بها، أو عينةً توقَّع رؤيتها.

انحنى حتى صارت شفتاه في مستوى أذن السيدة البارزة وهمس لها بسؤال، أجابته بصوت هامس بدورها، فذكَّرا آيريس بذبابتين تئزَّان داخل قنينة.

تساءلت: «هل يكرهني أولئك الأشخاص حقًّا أم أن خيالي هو ما يُصور لي ذلك؟»

كانت تعلم أن انطباع العداء العام المُضمَر ذلك بدأ يستحوذ على تفكيرها. كان في ظاهره سخيفًا، خصوصًا أن ذا اللحية السوداء المدبَّبة لم يرَها من قبلُ قط؛ فهي لم تفعل سوى أنها أزعجت بعض الغرباء الذين يفصل بينها وبينهم حاجز اللغة.

أغمضت عينيها وحاولت أن تصرف عن ذهنها ركاب المقصورة، لكن استمر شعورها بالضيق لوجود ذلك الرجل. شعرت أن وجهه الأبيض يخترق جفنَيها المُغمَضين، ويطفو في الهواء أمام عينَيها.

شعرت براحة كبيرة عندما توقَّف أزيز الهمس وسمعته يُغادر المقصورة. فور أن غادر، عادت إلى طبيعتها مرةً أخرى، وأدركت أن أكثر ما تشعر به هو صداع مريع. كان أكثر ما يهمُّها في الحياة هو الشاي والسجائر، لكنها لم تجرؤ على التدخين خشية الشعور بالغثيان، بينما بدا الشاي الآن كإحدى سمات حضارة منسية. كان القطار يسير الآن خلال جزء مهجور من البلدة يتكون من أشجار الصنوبر. كان أقرب تذكار على أنه كان مأهولًا قلاعًا قديمة جدًّا يُصادفونها كل حين، غالبًا ما تكون أنقاضًا. بينما تُحملق في ذلك المشهد المهيب، أطلَّ موظف برأسه من الباب وصاح بكلمات لها وقع الطلاسم على أذنَيها.

أصغى إليه الركاب الآخرون بعدم اكتراث، لكن آيريس شرعت في فتح حقيبتها؛ تحسبًا لأن يطلب رؤية تذاكرها أو جواز سفرها. في تلك اللحظة، دُهشت لسماع صوت إنجليزي واضح.

كانت العانس ذات الحلة التويدية قد نهضت من مقعدها.

سألتها قائلة: «هل ستأتين إلى المطعم لاحتساء الشاي؟»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠