الصحافة

نشر الدعوة السياسية عملٌ من الأعمال التي حذقتها الأمة العربية في إبان دولتها الأولى، وهي دولة بني أمية، فبلغ الدعاة العباسيون بالدعوة مبلغ الفن المحكم الذي يُحاط بجلائله ودقائقه ومبادئه ومراميه، ووضعوا فيه القواعد لاختيار أشخاص الدعاة، وعلاقة بعضهم ببعض في درجات الرئاسة أو درجات الزمالة، ورتبوا الدعاية وموضوعاتها، وما يذاع منها وما يُضنُّ به على غير الخاصة والصفوة المختارة.

وجاء الفاطميون فتمموا هذا الفن من جميع نواحيه، وقسموا الدعوة إلى دعوة ثقافية ودعوة دينية أو سياسية، وتذرعوا بالفلسفة لإقناع بعض العقول، وبالتصوف لإقناع بعض العقول الأخرى، وجعلوا لهم حلقات حول الدعوة لا تطلع على سر من أسرارها، ولا تفضي إلى غرض من أغراضها، ولكنها تشايعهم بمودتها فتكون لهم على خصومهم ساعة الفتنة التي يدبرون مواعيدها ومقدماتها.

ولا بد من التفرقة بين هذا الذي سبقت به الأمة العربية سائر الأمم، وبين «المؤامرات» التي كانت تدبر في الخفاء لإقامة دولة وإسقاط أخرى، فإسقاط الدول بالمؤامرات الخفية تدبير قديم عرفه الطامحون إلى الملك منذ فجر التاريخ الإنساني، وقامت به الدول في كل أرض، وبين كل قبيل، ولكنها كانت «مؤامرات» للاستطلاع والتأليب، وتحيُّن الفرص، وتجنيد القوى العسكرية والمالية للعمل المفاجئ في الوقت الملائم الذي يرجى فيه النجاح.

ولم تكن دعوة إقناع أو حملة توجيه منظم للفكر والشعور، فإن التاريخ لم يعرف دولة قامت على مثل هذه الدعوة قبل الدولة العباسية والدولة الفاطمية، ولم تكن في ذلك خارقة ولا داعية للعجب … لأن العباسيين والفاطميين كانوا يعتمدون في مطالبتهم بالخلافة على الحجة الدينية، والفتاوى الشرعية، فلا بد لهم من كسب الشعور وكسب العقول، ومن التوسل إلى ذلك بالدعوة المقنعة مع الاستعداد للأمر بعدة الأسلحة والجيوش.

فالدعوة السياسية — أو فن النشر — قد كانت معروفة قبل ظهور هذا الفن في أحدث صوره العصرية وأروجها وأقواها، وهي الصحافة الدورية.

ولكن الصحافة مع هذا «توليد» عصري لم يكن من المستطاع أن يوجد قبل أوانه الذي وجد فيه، وإن كثرت الحاجة قديمًا إلى الدعوة والدعاة.

فليس من المستطاع أن توجد الصحافة قبل عصر المطبعة السريعة التي تطبع الألوف من النسخ كل يوم، وقبل عصر الأنباء البرقية التي تجعل الاهتمام بقراءة الصحيفة منتشرًا في نطاق واسع بين جمهور كبير يتشوق إلى مطالعة تلك الأنباء، وقبل وسائل المواصلات التي تتكفل بتداولها في أوانها، وقبل اختراع الصور الشمسية التي تثبت الوقائع وتمثلها، وتعرض للقراء فنونًا من الملامح والأشياء للتسلية أو للتوضيح.

وإذا توافرت الأدوات جميعها، فلا بد معها من الأداة الكبرى التي هي أكبر وألزم لرواج الصحافة من كل أداة، ونريد بها أداة الجمهور الذي يعرف القراءة ويدخل في حساب الصحفيين والساسة والكُتَّاب.

فقبل وجود هذا الجمهور لا توجد الصحافة بحال، ولا تدوم إذا وجدت بمحض الاتفاق، وقد أصبحت الصحافة مخترعًا لازمًا يوم أصبح الجمهور قوامًا للدولة، أو أصبح كما يسمونه في العصر الحديث «رأيًا عامًّا»، وأصبح «الرأي العام» مصدر السلطات والقوانين.

وانتقلت الصحافة من أوروبا إلى الشرق العربي بعد أن تمهدت لها جميع هذه المقدمات.

انتقلت إليه بخيرها وشرها، فاستفاد من خيرها كثيرًا، وابتُلي من شرها بكثير، ولا يزال يُبتلى بها ويستفيد.

فمن خيرها — ولا شك — أنها كانت وسيلة فعالة سريعة الفعل في نشر المعرفة العامة، وبث الدعوات القومية، واستنهاض العزائم لمكافحة السيطرة الأجنبية، وترقية اللغة، ودوام التقريب بين لغة العلم والأدب، ولغة البيت والسوق.

ومن شرها — ولا ريب — أنها شغلت الناس بسفساف الأمور، وطلبت الرواج والانتشار بإثارة الفضول وتزويد القراء بما يرضيهم دون ما ينفعهم من الآراء والأنباء، وأنها سلمت زمام الجماهير لمن يستطيع أن يشتري أقلامها أو يسخرها، وأن الإقبال عليها يصرف القراء عما هو أفضل منها وأولى بالانصراف إليه من أنواع المطالعة والتحصيل المفيد.

ومهما يكن من مآخذ الصحافة عندنا وعند غيرنا فهي مآخذ لا تخلقها الصحافة، ولا ترجع اللائمة فيه على الصحافة وحدها؛ لأنها بضاعة لا تَنفقُ ما لم تُطلب ويكثر الإقبال عليها، وإن كانت الصحافة تزيد الإقبال بالترغيب والترديد.

وبنية الأمة التي تروج فيها الصحافة هي المسئولة عن شرورها، وهي المُطالَبة بخلق الترياق الذي يدرأُ سمومها ويحتفظ بغذائها الصالح السليم.

والذي تبين من تجارب الأمم الغربية أنها أخذت تقسم الصحف عندها إلى قسمين تتسع الفجوة بينهما عامًا بعد عام، وهما: قسم التسلية، وقسم المراجعة والدراسة. ومن المشاهد المتواتر في أوروبا وأمريكا أن صحف التسلية تطبع الملايين في اليوم الواحد، ولكنها لا تؤخذ مأخذ الجد والتوقير، ولا يحفل الناس ماذا تقول وماذا تُبدي من الآراء، وأن صحف المراجعة والدراسة محدودة القراء، أو محدودة النطاق في الأقاليم، ولكنها مرجع معول عليه في تكوين الأفكار وتلقي المعلومات.

إلا أن الصحيفة المسلية قد تقنع قراءها بالتأثير «الآلي»، ولا تهتم بالتأثير «الأدبي» إذا ضمنت الرواج.

ومعنى ذلك أن الخبر الذي يتلقاه ثلاثة ملايين من القراء، وتتوخى الصحيفة وقته المناسب، وصيغته الشائقة، وهدفه المقصود، لن يخلو من أثر يصيب المصالح العامة، ويشيع القلق في النفوس، ويصبغ السياسة الحسنة بما يشوهها، كما يصبغ السياسة الشائهة بما يزخرفها ويحببها إلى الأنظار، ولا مبالاة في هذه الحالة بمكانة الصحيفة وكُتَّابها في قلوب القراء؛ لأن الأثر «الآلي» يسلك سبيله إلى ملايين القراء بمعزل عن الأثر الأدبي الذي يستقبلونه بالحذر أو الإعراض إذا صيغ لهم في قالب النصيحة والتوجيه.

ولا نعلم اليوم كيف يحل الغرب والشرق مشكلة الصحافة في الجيل القادم، ولكننا نستطيع أن نعلم ماذا يكون إذا سارت الأمور على استقامة وصلاح، وماذا يكون إذا سارت على نقيض الاستقامة والصلاح.

فإذا بقى التأثير الآلي مقرونًا بالرواج والقوة؛ فهو خطر وبيل العواقب قد يُربي على جميع ما ابتلاه الناس من أخطار الدعاية في أطوار التاريخ.

وإذا خيف من الشر أن يبلغ مداه فقد تعتصم منه الإنسانية بالترياق الوحيد الذي يجدي عليها في هذه الحالة، وهو إسقاط «الدعاية الآلية» من كل حساب، والفصل بين صحافة التسلية وصحافة الرأي بفاصل منيع لا يأذن لجانب الخطر أن يطغى على جانب الأمان. وقد يكون في ذلك بابٌ للخير الشامل يوفض منه بنو الإنسان إلى عالم جديد؛ لأنهم يعرضون عن «الآلية» بعد استنفادها والانتهاء بها إلى غايتها القصوى، ولا يقيمون وزنًا لغير رسالة الروح إلى الروح، وتوجيه الفكر للفكر، وعقيدة الإنسان في إمامة الإنسان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤