الفصل السابع

في لوسرن

لسويسرا نشوة غريبة فيها ينسى الإنسان نفسه وسط الجمال المحيط به، ولوسرن من أجمل بلاد سويسرا؛ فلا بدع اذا سحرت الإنسان عن الفكر وعن الكتابة وعن كل شيء.

أقمت بلوسرن ثلاثة أسابيع لم أكتب فيها مذكرات مطلقًا، هذا الذي أكتب اليوم إنما هو ذكر لما كان يومئذٍ لساعة لذيذة من ساعات الحياة، ساعة نسيت فيها الحياة وتهت عن كل همومها ومشاغلها لأمتع بما كان يحيط بي من جمال ومن أحاديث عذبة ومن رياضات ونزه لا عدد لها.

تحيط بلوسرن جبال شامخة تكتنف بحيرتها البديعة وتقدم هي والجبال والماء والسماء الرائعة، والناس المختلفي الجنسيات والملل، والمناظر المتباينة على جمالها جميعًا صورة تملأ الذهن ولا يبقى للخيال معها مجال، بل ترى الإنسان مكتفيًا بهذا الذي حوله ينتقل فيه كما يحلو له، ويسبح منه على لجة تبهر النظر والفؤاد ويصبح شاعرًا من غير جهاد ولا تكلف ويبقى كذلك نهاره.

فإذا ما أقبل الليل رأى المدينة الصغيرة دخلت في جوفه الهائل، وقامت الجبال على مرمى النظر أشباحًا هائلة مخوفة، واشتد الماء بالسواد وحكم الصمت على الوجود، ثم تألق في الجو البدر البديع يحبو أولًا من هناك فوق المرتفعات الهائلة، ويتسلق الأفق، ثم يبعث على لجة البحيرة أشعته الهادئة فتبسم لها الموجات الصغيرة يحركها النسيم ويخرج الوجود من حلكته، ويترنح كل ما في الجو كأنه ثمِل بهذه الأشعة الفضية، وعلى شاطئ البحيرة قام الكرسال رشيقًا بأنواره والضجة داخله والقمار والموسيقى والتياترو والمتفرجون ودخان السجائر، وإذا ما دخلت صالة اللعب رأيت جماعة المقامرين وكلهم ثابت النظرات قلق البال تلعب نفسه مع دورات كرة الملعب وينتظر العدد الذي تريد أن تقف فوقه بفارغ الصبر ونافد الانتظار، وفي صالة الموسيقى ترن أصوات بديعة أوحت بها نفوس كبار الموسيقيين فتملأ الآذان سرورًا والنفوس بهجة، أو هي تحملنا وإياها على جناح الفكر أو الأتراح أو الهموم، وتطير بنا في جو خافِتٍ لا تكاد تسمع فيه الأصوات إلا همسًا، ومن وقت لآخر تمر من أمامك سيدة أو شابة حسنة اللباس سليمة الذوق معتدلة القوام دقيقته، فتبعث للنفس مع لذة السمع لذة أخرى لا يمكن تكييفها لأنها تمثل جميع الحواس وتصل إلى أعماق القلب، فإذا ما اختفت السيدة وما تلبس تركت لك منها خيالًا سرعان ما يطير وترجع مصغيًا بقلبك إلى نداء الموسيقى، أنت تتوه بأفكارك وأحلامك في عالم تنسى معه كل الوجود، وعلى الجانب الثاني من البحيرة وعلى مقربة من محطة السكة الحديد يقوم مكان كبير (للباتناج)، ولقد دخلته مرة واحدة مدة مقامي بلوسرن، وجاهدت لأتعلم فأخفقت ولم يجد جهادي فتيلًا، في هذا المكان ترى حركات الشبان والفتيات وهن ينزلقن على عجل، والأولون يقابلونهم أو يسيرون معهن ويتحادثون ويتضاحكون حتى اذا أحسوا بالنصَب رجعوا إلى مقاعدهم يستريحون.

أعلى الجبال التي تحيط بلوسرن وأصعبها مرتقى جبل البيلات، ولقد أعد فوقه فندق ينزل فيه الصاعدون فيمضون ليلهم ويوقظهم الخدم قبل مطلع الشمس ليمتعوا النظر بمشرقها، ولقد استغرق بنا مسير القارب من عند لوسرن ليصل إلى محطة (الفنكيلير) الصاعد فوق الجبل أكثر من ساعة قضيناها متفرجين على ما يحيط بالشواطئ البديعة الرفيعة من المنازل والقرى ومن الأشجار والخضرة، ووصلنا حوالي الظهر وشمس يولية قد اعتلت السماء وإن هدأ من حرِّها رذاذ تساقط سويعة، فأرسل إلى الجو بردًا وسكينة، وصعدنا قليلًا فوصلنا عربة (الفنكيلير) وتحركت صاعدة تجاه القمة ببطء كأنها السلحفاء، والمرتفع عنيف شاقٌّ يكاد يكون قائمًا ثم اخترقت صخرًا هائلًا بقيت تحته زمنًا نفذت منه وجعلت تحبو فوق ظهر الجبل العنيد، وأخيرًا اختطَّت طريقها على سكة ضيقة يرتفع عن يمينها الصخر وتنحدر عن يسارها وهدة عميقة مخوفة، رأينا راجلًا يسير على بعض طرقها الضيقة وبعد ساعة ونصف من هذا الحبو العنيف وصلنا إلى قمة البيلات وذهبنا إلى الفندق.

جعلت أدور في الجوانب فوجدت قطعة جسيمة من الثلج مستترة في ظل بعض الصخور، فتلهيت بأن أنكش فيها بعصاي مدة ثم تركتها ودخلت في ممر ضيق مظلم منحوت في الصخر، وخرجت بعد ذلك أبغي أعلى قمة في الجبل وهي على ارتفاع نحو مائتي متر من محطة (الفنكيلير)، وصعدت إليها فانكشفت أمامي قممٌ لا عدد لها من جبال سويسرا وتبينت على البعد صغيرة حقيرة لوسرن الجميلة، والبحيرة مسطوحة متواضعة يتعالى النظر عن الإعجاب بشيء منها، والمنخفضات كأنها رسوم الأطلس مسطوحة بطولها ووهادها لا تفترق أمام العين إلا في لونها، وحولي وقف جماعة يحدقون مثل ما أحدق للوسرن وللمنخفضات وللجبال وما عليها من ثلوج.

والجو رطب عذب والنسيم بليل، وكل شيء جميل وأقام أصحاب الفندق في هذه الليلة نيرانًا من النقط إعلانا عن فندقهم، بقينا نتفرج عليها حتى ادلهمَّ الليل، وذهبنا إلى مضاجعنا مبكرين لنرى شمس الصباح عند مشرقها.

أيقظونا والليل لا يزال ضاربًا على الوجود أطنابه، وقمنا جميعًا فأخذنا عدتنا من برد الصباح فوق قمة الجبل، وارتقينا إلى حيث كنا بالأمس، وكنت أنا من السابقين فإذا أمامي جماعة من السويسريين الجبليين الفقراء قد حمل كل منهم حقيبة على كتفه فيها طعام، وأمسك بيده عصى يحميها من طرفها السفلي غطاء من الحديد، وجاء هو الآخر يرى مشرق الشمس، وهم يتوافدون ويغنون غناءهم الجبلي المنخفض المرتفع تُردِّدُ أصداءه الصخورُ من كل جانب، وبقينا كذلك حتى إذا النور ابتدأ يلمع على السماء ويبدد من دكنة الليل تجلت على مرمى النظر الثلوج الناصعة وكأنها في رداء من الليل لا تزال، وتزايد النور وتبدت الجبال تطوق الآفاق من كل جانب، وهي كلما ابتعدت كلما ظهرت سطوحها العليا كأنها خط أبيض من الثلج، وبزغ القرص يهدي الكون القائم من أحلامه تحية وابتسامة، وتجلى على الوجود وملأه بنوره ورجعنا غير راضين عنه لأنَّه لم يحقق في مطلعه أحلامنا وما كنا نريد أن يكون عليه من الجمال.

قبل زيارتي للبيلات زرت جيل الريجي، وهو أقل من الأول ارتفاعًا ولكنه أنضر منه وأبهج، وقضيت في الصعود والانحدار يومًا كاملًا لم أكن فيه سعيد الحظ فقد تدلَّى الغمام حتى لكانت تلمسه اليد.

هذه كلمة مجملة عن لوسرن، وإني لم أذكر شيئًا عن آثارها الطبيعية ولا عن شعبها المتمدن ولا عن مصنوعاتها؛ فليس في الذاكرة ما نستطيع معه التدقيق في شيء من هذا، غير أن الذي لا ينساه إنسان ممَّن زاروا سويسرا هو تعدد الجنسيات في هاته البلاد، فبينا تجد الإنكليزي والأمريكاني إذاك تخالط الفرنسي والطلياني والألماني والنمساوي ونسمع بعض الأوقات من يتكلم العربية.

وفي ذلك ما يسمح للنفس برياضة ونزهة طويلة، ولقد كان يسرني أن أحدث شخصين مجاورين لي بلغتين مختلفتين؛ فإن ذلك بالرغم من أنه يسمح لي بأن أكون ترجمانًا لهما يجعلني أكثر صلة بهما.

يذكر في ذلك يومًا كنت عائدًا فيه من إنكلترا ومعي ألماني يتكلم الفرنساوية وأمريكي يتكلم الألمانية، فكنَّا يتكلم كل اثنين منَّا ولا نستطيع أن نتكلم معًا جميعًا أبدًا، وتركت سويسرا قاصدًا إيطاليا ونزلت في طريقي بلوجانو، ولا شك أن أبدع أسفاري كان ذلك الطريق ما بين لوسرن ولوجانو حين مررنا بنفق سانت سنس فلقد كان الطريق كله جنة يانعة لا يحويها الوصف مهما أبدع فيه، وأي شيء يقدر على تصوير جبال سويسرا وما عليها من شجر وزهر وهي تكتنف البحيرات في وسطها صاغرة أسيرة تحوطها الجدران العظيمة والسفوح الهائلة وينهب القطار الأرض فيود الإنسان لو يمسكه عن سيره ليتمتع بتلك المناظر البالغة في الإبداع أقصى حدود الجمال.

ودخلنا النفق فمكثنا تحته نصف ساعة ثم إذا به تخلى عنَّا ليتركنا على شاطئ من شواطئ عدن أو هو أبدع، وصفحة الماء مصقولة أذابت الشمس فيها فضتها وقد ابتدأ يتخللها ذهب الأصيل.

ووصلنا إلى لوجانو حيث بقينا يومين وحيث كانت الصلة بين سويسرا وإيطاليا.

لوسرن في ٩ يولية

تذكرة عام

في منتصف شهر سبتمبر الماضي نشرتُ إعلانًا في الجرنال أسأل فيه عن عائلة أسكن معها، وجاءتني الردود بعد ذلك تترى لا عدد لها … ومر بالبيت سيدات يردن مخاطبتي في الأمر وجهًا لوجه، وكل تسعى لتجذبني إليها بكل طريق ممكن، فوحيدة عجوز تصف مقدار ما سأجده من الراحة والحرية معها، وأم بنين تمدح لي في لطف أبنائها، وصاحبة بيت تخبرني عمَّا يلاقيه السكان عندها من الهناء والسعادة، وخطاب تخبرني فيه صاحبته بأن عندها أبناء وبنت في العشرين وصفتها بأنها une charmante jeune fille مررت بكثيرين ممن كتبوا إليَّ ومررت ببيت هاته السيدة، فلما تحادثنا أخبرتني أنها يقيم معها ابناها وبنتها وزوجها، ولكن هذا الأخير كثير التغيب وعلى ذلك فهو لا يضايق في شيء، ولما كان البيت الذي يسكنون جديدًا نظيفًا جعلني ذلك أفكر في أن أكون معهم.

عرضت مسألة مؤتمر باريس المصري في هذه الأيام والصعوبات التي أقامتها الحكومة الفرنساوية في وجهه، والتصميم على عقده في بروكسل، وبعد تردد طويل قبلت أن أذهب إليه، على هذا لم أقطع في أمر السكنى بشيء.

التردد مرض من أمراضي، لا أجزم بشيء ولا أبت في مسألة إلا بعد إحجام عنها طويل، ولو كان ذلك من باب التحرُّز أو إعمال الفكر لهنأت نفسي ببعد النظر ولكني أقبل الأمر أخيرًا أو أرفض بغير سبب جدي، وكثيرًا ما تؤثر عليَّ مطالبة الغير وضراعته، ذلك نتيجة ضعف طبيعي عندي يظهر أحيانًا في مسائل تستحق الشدة، ولولا أن الصدف إلى اليوم لم تقدم أمامي مسألة ذات بال ونتائج كبيرة لكنت قاسيت من وراء هذا الضعف كثيرًا، ومهما كنت قد جاهدت للقيام في وجهه ونجحت في أحيان متعددة فلم أصل حتى اليوم إلى الغاية التي ترضيني، كما أن هذا الجهاد ألجأني في موضع لأن أظهر شدة لا لزوم لها.

ذهبت إلى بروكسل وحضرت جلسات المؤتمر مع المصريين الكثيرين والأجانب القليليين الذين حضروها.

وكتبت عنه بعد ذلك بكل ما استطعت أن أجيء به في جانبه وملاحظاتي الشخصية عن بعض مسائل اجتماعية إلا أن ما لاحظته ولم أكتبه كان كثيرًا، ولا شيء يؤسف عليه أكثر من الروح التي عملت بها خطب المؤتمر، روح خفيفة لا تعرف الثبات تمر على الأشياء والحوادث فتظهر منها جهتها الشعرية غير ذاهبة بعد ذلك إلى أعماق ما تتكلم عنه، ولا مقتضية بأن تؤيد قولها بحجة ثابتة، كان من أكثر الذين نالوا الاستحسان العام فؤاد أفندي حسيب، ولا أنكر عليه أن خطبته كانت مثال بلاغة في اللغة يقتدى به، ولا أنكر عليه تحمسه حين ذكر يوم ١٤ سبتمبر، ولكن الخطبة كلها خالية من دليل علمي أو تاريخي يؤيد الخطيب به مطلبه العام وهو حرية مصر، قام الخطباء الكثيرون من بعده وكلهم كرروا ما يقال وما يعاد كل يوم على ألسنة العامة، دنشواي ومسألة السودان وقانون الصحافة والنهب والسلب الحاصلين في البلد، كرروا هذه الحوادث وقرروا هذه الأشياء من غير دليل جدي يؤيدونها به حتى يقتنع كل سامعيهم.

بروكسل هي كما سماها بعضهم باريس الصغيرة، بلد خفيف الروح لطيف النفس، تأخذ ترموايه الذي هو أشبه الأشياء بتراموي مصر فيؤدي بك إلى أطراف البلد المختلفة ويصل بك إلى المعرض العام، في المعرض قضيت ساعات كثيرة طيبة، فيه رأيت مظهر كل بلد من البلاد، فألمانيا بوابوراتها ومدافعها وفرنسا بحرائرها الجميلة ومصر بقلعتها.

•••

رجعت من بروكسل واهتممت من جديد بمسألة السكن، ولكني لم أصل منها لشيء، وأخيرًا تركت لوكاندة شارع (جاليلي) وذهبت إلى لوكاندة Avenve Carnot لأقيم بها نحو الثلاثة أسابيع جهة (الأتوال) هي منزل الإنكليز في باريس، ففي كل لوكانداتها تجد إنكليزًا، وفي الشارع تسمع الإنكليزية بمقدار ما تسمع الفرنساوية وأحيانًا أكثر، ثم إذا خرجت في الصباح جهة غابة بولونيا رأيت الإنكليز يكادون يختصونها لأنفسهم لولا جماعة من الفرنساويين ذوي اليسار يزاحمونهم فيها.
والأطفال هناك أو في طريق الغابة Avenue du Bois يتكلمون كلهم تقريبًا هاته اللغة ليس هؤلاء الأولاد من الإنجليز بل هم فرنساويون مربياتهم إنكليزيات، وهن يرتدين لباسهن على شكل الحرملة وقبعتهن الصغيرة فيظهرن بذلك في شكل جميل وقد اتخذهن الآباء من الفرنساويين مربيات لأبنائهم ليتعلم هؤلاء الإنجليزية ويتقنونها من صغرهم، ثم لما عند الأمة الفرنساوية اليوم من الولع بكل ما هو إنكليزي والإعجاب إعجابًا يفوق الحد أحيانًا، فالفرنساوي يعجب من الإنكليزي بخلقه وبلباسه وبسياسته وبحالته وبكل ما عنده، وإذا حدث عنه حدث بشيء غير المعروف عنه من السخرية Raillerie وكثيرًا ما يطنب في مدحه، ولست أدري إذا كان الإنجليز يستحقون كل هذا عدلًا، بل ولا أفهم كيف أن هذه الأمة الفرنساوية تصل إلى هذا الحد مع أن الإنكليز من أشد الذين يستخفون بالفرنساويين ويستخفون عقولهم، بل وليبلغ بهم التطرف حتى يستخفون بأدبهم وهو التاج الذي تفخر به الأمة الفرنساوية، ثم لا بدع إن وجدنا هؤلاء الأطفال متى كبروا أشد من آبائهم إعجابًا بهذا الجنس السكسوني بعد ان ربتهم بنات أمته.

الإنكليز مهما كان عندهم من الادِّعاء لطاف النفوس خفاف الأرواح يجذبونك بلطفهم إليهم ويعاملونك بأحسن المجاملة، لكنهم في الوقت عينه محبون لأنفسهم إلى حَدٍّ فظيع إذ يطلبون منك إزاء هذه المجاملة مثلها أو أكثر منها، ومهما سامحتهم أنت في هفواتهم بأي هفوة تبدر منك نحوهم تقيمهم وتقعدهم وتظهر من شراستهم ما يمحو كل حسنة سابقة لهم، ولا يرجعون إليك إلًّا إذا رأوك عاملتهم المثل بالمثل وقابلت شدتهم بالشدة… يظهر ذلك لمن يعرفهم وتصل معرفته بهم إلى شيء من رفع التكلف في القول والعمل أو لمن تلجئه الحوادث إلى صلات جدية بينه وبينهم.

كان معي في اللوكاندة عدد من الإنكليز، ومقابلي على المائدة أختان إنكليزيتان، وإلى جانبهما كندية فرنساوية وبجوارها أحد أقاربها، أما جارتي أنا فكانت فرنساوية عجوزًا.

وافق أول نزولي باللوكاندة أيام اجتماع البرلمان الفرنسوي ونظره في اعتصام عمال السكة الحديد، في ذلك اليوم خطب رئيس الوزارة برَّين Aristi de Briqnd وظهر في تلك المسألة كمظهره في غيرها الرجل الثبت القوي، لكنه لم يسلم من لسان الجرائد الاشتراكية رغمًا عن انتصاره في مجلس النواب.

كانت جارتي العجوز متحمسة لبرين إلى حد مضحك، نزلت للغداء ولأجل أن أتكلم سألت عمَّا إذا كان الاعتصام لا يزال كما هو، فلم تكد تسمع كلمتي حتى بدأت حديثًا دفاعيًّا استغرق كل مدة الطعام.

في المساء كانت ساكتة ودار الحديث بين الإنكليزيتين والكندية، هذه السيدة زوجٌ كندي إنكليزي، ولهما ابن كان موضع كلامها هذه الليلة، قالت: يطلب أبوه أن أكسوه وأربيه على النظام الإنكليزي، أنا لا أكره البساطة في لباس الأطفال ولا أكره أن أعوده الرجولية والإقدام من طفولته، ولكن مهما طالبني به أبوه فإني أربي نفسه على أن تكون كندية لا إنكليزية على أن يكون ابن كندا وصاحبها لا ابن مستعمَرة إنجليزية خاضعة. عجبت أنا لهذا الحديث بعد أن أخبرتني في العام الماضي كندية إنكليزية أنهم لا يهتمون بأمر استقلالهم لأنهم الآن حكام البلد وذلك يكفيهم، خصوصًا وأن كندا بلاد واسعة موحشة قليلة السكان كما أن الإنكليز لا يضايقونهم في شيء ما.

انتهتْ هذه السيدة من طعامها وقامت، ولما أخبرت الإنجليزيتين بشديد عجبي أخبراني أن لا عجب أنهم في إنكلترا يفرقون بين الكنديين الإنجليز والكنديين الفرنساويين في الاعتبار والمعاملة، ويأخذون الحيطة من هؤلاء الآخرين في حين هما الأولون إخوة، أي أثر يكون لهذا الاختلاف على مصير كندا؛ لا أدري.

•••

مضى عليَّ إلى ذلك اليوم أكثر من عام في باريس، ومع ذلك لم أذهب مرة إلى جهة مونمارتر مهما تكن جهة الأتوال جهة الأغنياء وذات نظام وجمال؛ فإن كل شاب اعتاد الحي اللاتيني حيث الشبيبة وحيث سرورها يفيض في كل مكان وفي كل مظهر من مظاهر هذه الجهة العلمية من البلد يجد من نفسه دافعًا يدفعها تجاه ذلك الحي، والواقع أن العربات الجميلة والملابس المترفة والشوارع المتسعة المنظمة وأبهة المباني الفاخرة وبهاء المنظر الذي يقابل العين حين تقف عند قوس الأتوال وتنظر إلى أي جهة من جهات الدائرة الكبيرة المحيطة به، الواقع أن ذلك كله لا ينسى، حديقة اللكسمبور ولا البانتيون ولا الشبيبة الناضرة التي تروح وتجيء في كل نواحي تلك الجهات؛ لذلك كنت كثيرًا ما أترك مستقري وأخذ المترو لأنزل في محطة الأديون مركز الدائرة من الحي اللاتيني … ذات ليلة وقد كنت في (تافرن البانتيون) جلس إلى جانبي شاب أحمر الوجه أصفر الشعر لا يتكلم الفرنساوية إلا قليلًا، فسألته إن كان إنكليزيًّا.

أخبرني أنه نرويجي ولكنه يتكلم الإنكليزية أحسن من الفرنساوية لأنهم يتعلمون هاته اللغة في بلادهم من الصغر، ولا يكاد يوجد واحد من أهل بلده إلا يعرفها إلى درجة ما، وذهب بنا الحديث مذاهبه وعلمت أن له أسبوعًا في باريس وأنه كان بالأمس في (كباريه جرلوت) بمونمارتر، وامتدحها أمامي.

من النفوس ما يبقى زمنًا مقفلًا أمام الواقع وحوادث الوجود مكتفيًا بعيشه في عالم الخيال والمضاربات النظرية والمسائل العلمية، فإذا جاء عليها يوم تطلعت فيه لترى العالم كما هو ثم لتأخذ ممَّا فيه بنصيب ظهر عليها التورط وجاهدت بكل وسعها لإخفاء ما تنويه، تريد أن تأخذ حظًّا من كل شيء وحدها؛ لأنها تحسب كل شيء كالكتاب يفيدك أكثر كلما أفرغت إليه نفسك، كما أن الخجل الذي يحيط دائمًا بالذين عاشوا عيش الوحدة يبعدهم عن مشاركة غيرهم في كل ما يخيل لهم أن عمله يجرُّ إلى شيء من الريبة فيهم.

وإن أقدموا أخيرًا على هذا العمل أقدموا خائفين وجلين، لذلك هم لا يرون من الحقيقة لأول الأمر شيئًا.

كان ذلك شأني في أمر مونمارتر، أردت بعد تلك الليلة أن أذهب إليها واكتفيت من كل الاستعلامات عنها بأن عرفت اسم جرلو، وبعد تخبط طويل في البحث عنها وصلتها الساعة العاشرة ونصف مساء فإذ اني مبدر أكثر من اللزوم.

في مثل هذه الساعة يوجد في تلك الجهة من باريس، كما يوجد في غيرها، عائلات تريد أن تفرج الكرب عن نفسها، فإذا ما انتصف الليل وخلا الجو لأصحاب السهر ابتدأ يحل محل هؤلاء من الشبان وبنات مونمارتر ويدخل السرور على المكان بشكل فظيع، سرور غير مرتب ويملأ وجه كل إنسان، فتدور البنات بين الترابيزات ويلبسن برنيطة هذا ويرتدين رداء ذاك ويصحن ويدخن ويجذبهن الشبان نحوهن، والموسيقى تدق بنغمات شديدة ويتتابع المغنون والملحنون أشكالًا وألوانًا، ومن لحظة لأخرى ترن في المكان ضحكة من بعض النواحي التي أخذها جماعة معًا من الشبان، وكأن في ذلك الجو — المملوء بالدخان حتى ليختنق — مخدرات تذهل كل من فيه عن همومهم ولا تدع مكانًا إلا للضحك والسرور … وسط هذه الضجة الفرحة بقيت أنا وحدي ساكتا حتى الساعة الثالثة بعد نصف الليل.

كنا تلك الأيام في أواخر أكتوبر، والسنة المكتبية الداخلة تناديني أن أرجع إلى الحي اللاتيني، إلى جوار المدرسة، ولما يئست من الوقوع على عائلة توافقني أخذت الطرف الثاني من أنواع الحياة، أخذت سكنى اللوكاندة.

حجزت لنفس غرفة في اكسلسير، ولما وثقت منها وارتاح بالي من هذه الجهة رتبت عفشي قبل تعزيلي بثلاثة أيام على ما أذكر.

سهرت ليلة أول نوفمبر حتى الساعة الرابعة صباحًا، رغمًا عن ذلك فقد أيقظني صديقي حمدي الساعة الثامنة ولا أزال في أشد الحاجة للنوم، لكن سروري بحضوره من مصر أنساني تعبي، وفي اليوم عينه انتقلت إلى اكسلسير وأخذ هو الآخر غرفة فيها.

ساكن اللوكاندة حر إلى أقصى حدود الحرية، ولكنه كذلك وحيد إلى أفظع درجات الوحدة؛ لذلك هو يميل بكله لاتخاذ أصدقاء إخوانًا ويكثر منهم ما استطاع، ومهما يكن محبًّا للانفراد ولطعم ذلك السكون اللذيذ حين يجلس في غرفته، إن شاء يدخن متى أراد، ويتثاءب حين يحلو له، ويفكر الساعات الطوال على غرضه، فإن تشابه تلك الحياة الميتة وعدم وجوده حتى ولا ساعات الطعام مع أشخاص يقتادهم ويقتادونه يجعله سؤومًا ملولًا، ويجئ الشيء طبيعيًّا إلى حد غريب، هو يذهب ساعة الظهر للمطعم فيقابل شخصًا يعرفه ويكون مسرورًا أن وجد مكانًا إلى جانبه، وفي أكلة أو أكلتين ترتبط المودة بينهما … يذهب بعد المطعم إلى القهوة فيجد آخر وثالث وهكذا يجد جيشًا عرمًا من المعارف، ثم يغريه حب استدامة اللذة إلى أن يجد من يبقى معه أطول زمن ممكن، وفي اللوكاندة كل حر يعمل ما يريد، وهكذا تسير الحياة على هذا الشكل الفاتر اللذيذ … ولكنها في الوقت عينه تسمح لمن عنده شيء من التفكير فيما يرى ويعمل، ومن القوة على إمساك نفسه عند الحاجة أن يلاحظ أشياء كثيرة ويستفيد من مخالطة الأشخاص والنظر في الحوادث أضعاف ما كانت تفيده من قبل الكتب والروايات، وإذا رجع إلى هذه بعد أن طعم الحياة التي وصفنا رجع إليها وعنده من التجربة ما يجعله يصل منها إلى أعماق فكر صاحبها ويفهم كل ملاحظة عن حادثة يقص الكاتب خبرها.

كنت أذهب إلى المطعم أنا و(ع. ف.) فنجد هناك جماعة من المصريين، وقد اختصوا مائدة كادت تكون محجوزة لاسمهم؛ ففي الظهر وفي المساء تراهم يحضرون الواحد بعد الآخر حتى تمتلئ بهم، ويدور الحديث في مواضيع مختلفة كانوا فيها دائمًا موضع حضور الذهن ووضع النكتة في أحسن محلها، وكثيرًا ما كنت أمضي كل ساعة الطعام من أولها إلى آخرها ضاحكًا مسرورًا، ولكن متى دخل إلى كلامهم شيء عن السياسة والأحزاب علت إذ ذاك ضجتهم، وإن انتهت في الغالب بالتنكيت والضحك.

في تلك اللحظات كان أحدهم (م. د.) يجلس صامتًا لا ينطق وتلك عادته حتى غيَّرها، ثم إذا امتلأت نفسه جاء مرة واحدة بكل ما عنده من سب بعض الكُتَّاب ورميهم بالنفاق والخيانة والجبن، وأنهم يبيعون البلد بيعًا … سمعت عن هذا الشخص بعد شهور من هذا أنه في حيرة لا يجد ما يأكل به.
  • ت. س. شخص ثابت رزين حلو الحديث، ولكن رزانته تذهب أحيانًا إلى حدود أكثر من اللازم ويعتقدها آخرون كبرياء فارغة.

  • م. م. يُظهر من الظروف ما لا تكاد تتصوره، ولكن ظرفه ينحصر في غيبة الآخرين والطعن عليهم وإن أظهر لكل الناس أنه صديقهم الحميم.

  • م. ر. شخص ضعيف الإرادة ضعيف العقل أحمق من دجاجة، ويعتقد نفسه شيئًا ذا قيمة بين الناس، بل وفي وجود مصر.

  • أ. ن. فلاح صعيدي جاء إلى باريس، تصور أثقل فلاح صعيدي يريد أن يصبغ نفسه بصبغة ابن باريس.

  • م. ز. شاب في الحادية والعشرين، عقل طفل في جسم رجل.

  • ع. س. ينافق حبًّا في النفاق، ويكذب حبًّا في الكذب، ويعمل كل نقيصة ليقال عنه حر الفكر أو أنه ذو ذكاء.

هؤلاء جماعة من بين الذين عرفت في المطعم يومذاك، وأولهم أحبهم إليَّ لأنه إنسان جميل العشرة يفهمك إن حدثته، واسع الاطلاع.

في هذه اللوكاندة قضيت شهرين، ولسبب لا أدريه كنت أجد نفسي دائمًا مشتغلًا بدروس غير دروس الاقتصاد التي أعددت أن أمتحن فيها لأول ما أتم تحضيرها، بالرغم من ذلك كنت حياتي مرتبة إلى حد كبير.

جاءت النتيجة الطبيعية لسكنى اللوكاندة، اعتدت القهوة وصرت أصرف فيها وقتًا طويلًا، كنت أحيانًا أذهب لآخذ طعام الغذاء في (هولانديا) ولا أكاد أتمُّه حتى يحضر بعض إخواني المصريين فنبقى نتحدث ونلعب البليار أو الطاولة حتى موعد العشاء، ومن بعده نجد موضعًا لقضاء الوقت هو وقت راحتي.

لكن لياليَّ كانت منتظمة إلى حد كبير، من الساعة العاشرة في غرفتي، وأشتغل حتى نحو منتصف الليل ثم أنام لأقوم الثامنة صباحًا وإن كان عندي درس أسرع إليه وإلا بقيت أشتغل حتى الظهر، وفي مدة الشهرين أذكر أني لم أبقَ إلى الصباح إلا مرتين، إحداهما كنت مع جماعة في مونمارتر، وقد وضعت حديث هذه الليلة في غير هذا المكان من مذكراتي.

اشتركت في محاضرات العلوم الجنائية، وواظبت على حضورها وعلى سماع دروس المسيو جرسون في صبيحتيِ الثلاث والخميس.

في أواخر العام سئمت هذه اللوكاندة، وانتقلت مع العام الجديد إلى (سلكت)، سلكت معمورة بالمصريين، ولكن منهم من لا تراه إلا كما ترى آخر ساكنًا في الحي اللاتيني ولا صلة بينكما، ومنهم من تتوثق بينكما الرابطة حتى لتصبح صداقة جامدة، كان ذلك شأني مع السيد مرعي.

أكثر من المطعم تسمح لك هذه اللوكاندة بملاحظة المصريين والدخول إلى باطن من أمرهم لا تقف عليه من غيرها، ولكنها كذلك تعرضك لأن تكون إلى جانبهم دائمًا وبالحق الذي يعطوه لأنفسهم بصفتهم مصريين، وإذن أصدقاؤك يدخلون عليك غرفتك في أي لحظة ولأي سبب.

عشت هنا عيشة الطلبة أكثر من أي لحظة عشتها قبل ذلك، هنا عرفت مواعيد العصر لأبقى بها إلى الصباح، هنا طعمت العيشة المكسال لا يغيرها أمر ولا نهتم فيها لشيء، وننسي أنفسنا تتوه حيث تشاء من علام الهمود ونتمتع من كل ما في الحياة ولا رقيب علينا، حقًّا أن النفس التي عاشت بعيدة عن لذائذ الحياة متى وجدت أنها بينها غرقت فيها وأرادت أن تأخذ منها بأكبر حظ تستطيع، وكثير من هاته النفوس تروح في عرقها إلى الموت، إلى موت لذيذ هو الآخر لا تحس به إلا حين تحرمها الظروف من غرضها أو يجعلها السن المتقدم قليلة الإحساس بما حولها، لكن إن قدر لها أن تنجو انتفعت من تجربتها أكبر النفع.

لم أكد أسكن سلكت وأجد نفسي محاطًا بإخوان السرور، وتمد الحياة إليَّ يدها ممسكة بها حتى تهت عن صوابي مبهورًا، وأردت أن آخذ من ذلك كله أعطته لي الصدفة ولم تمنع عني شيئًا أردته، كل ما أرغب ما علي إلا أن أمد يدي فأتناوله.

قضيت كذلك شهرين من حياتي، شهرين جاءا في لحظة ما كان أحوجني إليهما، شهري لذة وسرور.

وإذا كنت أنظر لهما اليوم بشيء من الأسف فإن لهما كذلك شفيعًا من أنفسهما كما أن الحياة التي تلتهما كفَّرت عنهما.

وكأن النفس التي ربيت بين الكتب والمطالعات والكتابة مهما وجدت في هذا العيش من اللذة تسأمه أخيرًا، تسأم تلك الساعات الفارغة والليالي الساهرة لغير فائدة والأوقات الطويلة الضائعة بين جدران القهاوي أو حول ترابيزات البليار؛ لذلك أحسست في النصف الأول من فبراير بقلق أخذ بخناقي وأنذرت (ويكث) أني تارك اللوكاندة لآخر الشهر، وكل يوم يمر يزيدني قلقًا، حتى إذا كنا حوالي الأيام الأخيرة ذهبت وأخذت لنفسي مكانًا في سان كلو.

في سان كلو كان معي عائلة من رجل وزوجه وابن صغير، ثم سيدة أخرى، وكل جماعة في ناحية من قاعة الطعام، ولم يمضِ عليَّ بها ثلاثة أيام حتى سافر هؤلاء وأصبحت الغرفة الواسعة لا أحد بها إلا أنا … وأحسست في تلك الوحدة المطلقة بعد الذي كنت فيه من الضجة الدائمة براحة كبيرة، لكن ما أسرع ما وجد الضيق سبيله لنفسي، فكنت أهاجر لباريس ثلاث مرات وأكثر في الأسبوع الواحد، وبقيت في تلك الوحدة أيامًا.

جاءت عند صاحبة الدار ليلةً عجوزٌ كانت ساكنة عندها، وسألتها أن تذهب معها للكنيسة، وسألاني أن أصحبهما ففعلت، وجاءت العجوز عندنا تتناول طعام الغذاء، وكانت غرفة الطعام قد صار فيها غيري شخصان رجل وسيدة، سيدة مريضة يكاد المرض يجيء عليها ذاهبة اللون مسؤومة الوجه غائرة العينين، فلما انتهينا من الطعام وذهبت إلى الصالون وقد شيعتني إليه هذه السيدة الرومانية العجوز جاءت صاحبة الدار تحادثنا، وسألتنا أن ننادي بهذه السيدة المريضة من غرفتها فنزلت، وقضيت معهن حتى الساعة الثالثة بعد الظهر.

كنت في هذه الأيام قد أخذت في العمل من جديد، الشهر مارس والسنة اقترب آخرها ولم يبقَ من التحضير للامتحان محيص، وكأن تلك العادة المكسوبة بالزمان من تأدية امتحان والنجاح فيه كل عام من سنين عديدة مضت جعلتني أحس بمسؤولية مضاعفة؛ لذلك فرغمًا ممَّا كنت أجده من لطف السيدتين لم أكن أعطيهما من وقتي أكثر ممَّا يلزم.

غير أن رقة المرأة لها من القوة على قلب الرجل ما يسحره عن نفسه، كم من رجال أمناء أضعفتهم النساء! وكم من ضعاف أعطتهم النساء قوة، وأقوياء أورثنهم ضعفًا! ولا أظن أن هناك ضرورة لدخول الحب في قلب الرجل من أجل أن يصرفه عن طريقه، بل يكفيه قليل من الإحساس بالميل نحو امرأة لتأخذة عن نفسه إلى حد كبير، لذلك صدتني رقة صاحباتي وخصوصًا رقة مدام س. عن عملي إلى حد ما.

وكل يوم كانت تحكي لي فيه عن مركزها كانت تزيدني رحمة بها وعطفًا عليها وبالتالي عملًا لإرضائها … أول ما عرفت عنها أنها زوجت في السابعة عشرة من عمرها ثم طلقت زوجها بعد سنتين بعد أن رزقت منه ولدًا، وبعد أن ذاقت من زواجها الذي خلفت بعده أن لا تجعل لرجل عليها سبيلًا، ثم تعلق بها المسيو س. وجعل يجاهد سنتين حتى قبلت يده وهي في الثالثة والعشرين، وبقيا زمنًا وهو أطوع لها من يدها، ثم انصرف عنها بعد أن رزقت منه صغيرًا، وهو اليوم يدور مع أخرى وهي تقاسي في الوحدة آلامها.

جاهدت بعد ذلك أريد أن أقف على كثير من أمرها، وزادني ذلك تحريضًا على صرف بعض وقتي معها، وهي دائمًا تلك السيدة الرقيقة الطيبة القلب الواقعة تحت حكم الألم.

كنَّا إذ ذاك في أوائل أبريل، ورأيت أني أكاد أنصرف عن القسم الأكبر من عملي، فلم أكد آخذ كلمة من صديقي (ش. ب.) يدعوني فيها للسفر معه إلى التورين حتى فكرت في قبولها جديًّا، وفعلًا قبلتها وسافرنا الخامس من هذا الشهر.

بلاد التورين بلاد سهلة لا جبل فيها، وتحوي جمال البلاد السهلة كما تمتاز ببديع غروب الشمس، وفيها القصور الفخمة القديمة يحكي بعضها ببهائه عن ذوق حلو والآخر بقدمه وقوته عن عظمة ذات أصل في التاريخ.

في بعض هذه القصور سجون تحت الأرض لا يدخلها الضوء ولا الهواء إلا رغمًا، ويحكي الحراس من قصص المسجونين فيها ما يُحْفِظُ القلب على ملوك كان كل همهم السلطان المطلق على رعيتهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠