الفصل التاسع

في مصر

كانت الساعة الثالثة من صباح يوم الأربعاء ٢ أغسطس سنة ١٩١١، حين استيقظت أنا وصاحبي الذي معي في غرفة الباخرة، وبعد أن تبادلنا كلمات قليلة قمنا فصعدنا معًا فوق ظهر المركب على أمل أن نرى تباشير شواطئ بورسعيد عند الأفق، ولقد وجدنا بعض أشخاص من الركاب سبقونا ولا يزالون لابسين (بيجاماتهم)، وكلهم قد حدد نظره إلى الجهة التي تسير نحوها المركب، ولكنا لم نَرَ بعدُ إلا نورًا بعيدًا ضئيلاً لا يكاد يتميز، وكلما تقدم الوقت بهت لون السماء وابتدأ يتسرب وسط ظلمتها خيوط من ضوء الصباح فتمحو نجومها والأفق هناك لا يزال قائمًا.

صاحبي في الغرفة إيطالي من مستخدمي الحكومة المصرية، وهو على ما أخبرني رئيس مصلحة الطب البيطري في بعض الجهات ويتقاضى مرتبًا أربعين جنيهًا.

وأكبر آماله أن يجيء يوم يكون قد وفَّر فيه مبلغًا طائلاً من المال ليرجع فيعيش في إيطاليا بلده ومسقط رأسه، ولقد قال لي: وبالرغم من أني أحب مصر كثيرًا فلا أستطيع أن أوطن نفسي على فكرة العيش فيها دائمًا، بل أحس بشيء يدفعني لأن أرجع لميلانو متى توفرت عندي أسباب الرفاهية واستطعت أن أعيش من دخل ممتلكاتي، وأرجو أن لا يكون ذلك بعيدًا.

ابتدأ الشاطئ يتميز قليلًا، امتلأ ظهر الباخرة بالركاب الذين تناولوا لقمة الصباح وجهزوا أنفسهم للنزول، فلما دخلنا المينا هبطت حركة الآلات في الباخرة حين اقترب منا قارب (السائق le Pilote) وحوالي الساعة السادسة رَسَوْنَا.

بعد أن مكثت برهة بالباخرة نزلت إلى الشاطئ ومررت بالجمرك، ثم أخذت عربة وضعت فيها ما معي وركب شيال إلى جانب السائق واخترقت المدينة وسط شوارع ضيقة مملوءة بالتراب يمر بها رجال ونساء عليهم جميعًا مظاهر البؤس والفاقة، والحوذي على مقعده على مقعده لا يفتر ينادي: «يمينك. شمالك. اوعى رجلك. أنت يا شيخ هناك. يا واد يا ابن الـ … يا ست. أنت يمينك. أنت يا أطرش»، ويفرقع بكرباجه، وخيوله الضئيلة ظاهرة ضلوعها باهت لون شعرها تجري ساعة وتمشي أخرى، وأخيرًا انتهينا إلى الشارع الخارجي وبعد لحظة كنا عند البيت الذي أقصد.

هذه أول مرة رأيت فيها بورسعيد، ولا أدري إن كان مظهر البلد حقيقة مظهر غير نظيف أو أن مقابلتي إياها بالمدن الأوروبية التي عشت فيها سنتين هي التي جعلتني أحكم عليها هذا الحكم؛ إذ بالرغم ممَّا كنت أسمعه من أهلها من مدح تنظيم مدينتهم وجمال ترتيبها والمشروعات التي نفذت، والمنوي تنفيذها، فيها فلم تكن هاته المنازل القليلة الارتفاع الترابية اللون على الأغلب لتبعث لنفسي الثقة بقولهم، وقد أثارت المدينة في نفسي ذكر بعض القرى التي زرتها حين سياحاتي في فرنسا، وإن كان بعض الشوارع ممَّا رأيت يدل على ترتيب جديد يدعو إلى الأمل بتنظيم هذه المدينة.

جلست على قهوة في الحي الإفرنجي — وهو الحي المنتظم — من البلد، ولقد كان من أغرب الأشياء على أذني سماع جماعة إلى جانبنا يتكلمون بصوت عالٍ في مسائل تهمهم، وكأنهم جميعًا يحسون كأن القهوة دار لهم فهم يعطون لأنفسهم الحرية التي لا يسمح الإنسان لنفسه بها في مكان عمومي، وكلما مر بهم أحد معارفهم مال إليهم وسلم عليهم، وإذا ما أراد أن يبتعد لم يسكت واحد منهم أن يصيح: «اتفضل قهوة والله تيجي» ويعتذر الآخر بصوت أعلى وهو مستمر في طريقه سائر في الشارع.

تناولت طعام الغذاء عند أحد أصدقائي، ولقد أحسست بسرور كبير أن رجعت إلى هذه الحرية البدوية، وجعلت أرقب صديقي صاحب الدار وهو يكسر بأيد قوية أضلاع الديك الرومي الموضوع فوق طبق الأرز، من زمان وأنا لا أرى هذا اللطف المصري حين يقدم لك صديقك كل ما أستطيبه مما أمامه، وكلما رآك انتهيت قدم لك من جديد، وإذا أنت أردت أن تتنازل عمَّا يقدمه تظاهر بالغضب وأراد إرغامك على تناول ما يعطيك غير حاسب حساب ما تخافه أنت من عسر هضم أو تلبك معدة، ركبت القطار بعد الغذاء فسار يقطع بنا الطريق بين رمال المنزلة من جهة وشاطئ القنال من الجهة الأخرى، وإلى مرمى النظر عن الجهتين تمتد الأرض حتى تلتقي بالسماء عند الأفق، وعلى ظهر القنال تسير بعض الكراكات ببطء فنجوز نحن بها مسرعين، وانعطفنا عند الإسماعيلية وانتقلنا من مركبتنا في الزقازيق، هنالك أحسست حقيقة كأني رجعت من سياحتي الطويلة وابتدأت عيني تتعرف المحطات والمزارع والأشياء التي رأت مرارًا، فلما نزلنا بأبي الشقوق وسلم عليَّ الخادم وركبت جوادي وسرت على الطريق الذي سرت عليه قبل اليوم ألف مرة أحسست بالرغم من جمود رأس مطيتي وعدم سكونها، بسكينة تراجعني ورضى يحتل قلبي وشعرت بأني صرت حقيقة في بيتي.

ما أعجب الإنسان، أي شيء هذه المحيطات بي والتي بعثت بالسرور إلى نفسي وما مبلغ ما لها إلى جانب ما رأيت في سياحاتي، لكني بالرغم من ذلك أحس لمرآها بانشراح في صدري وخفقان في القلب وكأن هذه الأشياء التي غابت عن عيني سنتين توحي إليَّ بطفولتي وشبابي.

بعد أيام قضيتها بين أهلي ذهبت إلى القاهرة وأقمت بها يومين، ولقد زرت في خلالهما جماعة أصحابي، كما ذهبت إلى أماكن شتى من مواضع النزهة فيها، كم تغيرت مصر الجديدة وأصبحت مدينة جميلة تستحب سكناها وترتاح لها النفس! ودخلت لونا بارك آملًا أن أجد فيه الضجة والسرور الذي كنت أجده في لونا بارك بباريس، ولكني أصبحت بعد أن جزت بابه وكأني بين آثار قديمة لا يقطع صمتها إلا رج الالآت وحركة الأرجوحات فيه، ومع جمال الهواء ونقائه فقد كان الزوار قليلون لدرجة يُحس معها بالدهشة والانفراد؛ لذلك فبدل ما كنت أعده في نفسي من الضحك والسرور وامتطاء الأرجوحات والمراكب شعرت بكل ذلك ينهال ويحل محله جد حزين دعاني وصاحبي الذي كان معي لنأخذ بأطراف الحديث في مسائل ذات قيمة، ولما خرجنا سألت عن السبب الذي دعا لهجر هذا المكان مع جمال موقعه ومع الأشياء المفرحة التي يحوي، فعلمت أن الجرائد حملت عليه لأول افتتاحه وعدته مكان سخرية وفساد فجعلت بذلك زيارته سبة وحولت عنه أنظار الناس.

إنني أشد الناس حيرة حين أنظر في أخلاق أمتنا، يخيل لي أن الفرد لا فضيلة له في ذاته وأنه مستعد للوقوع في كل نقيصة — إن صح تسمية أكثر الأشياء نقائص — ما دامت تعرض له، أي أن المصريين جميعًا يسيرون على مبدأ «أن من العفة أن لا تجد» وإلا فلِمَ نرى الحكومة والكتاب والآباء والرأي العام كلهم يخيفون الناس — لا من الوقوع في الرذيلة — ولكن من النظر ولو من بعيد لما قد يشك في أنه رذيلة؛ إذ لو أن لهم أقل الثقة بقوة نفس إخوانهم أو أبنائهم لما كانوا بهذا الحرص، ولكنهم في ذلك ينسون أن التجربة خير دروس الحياة وأن الوقوع في الشر مرة يدعو لتوقيه دائمًا ويخلق للفرد نفسًا تفهم وتريد.

ماذا كان في لونا بارك حتى دعا للتخويف منه والحملة عليه، شبان يغازلون فتيات على ما أتصور؟ وأي شيء هذا، ألا يوجد غير اللونا بارك ألف مكان ومكان يغازل فيه الشبان الفتيات؟ ألا ترتكب أعمال مخجلة من هذا النوع بين جدران دور كبيرة؟ ألا يجد الإنسان في الأماكن العمومية بل وفي الشوارع أمثال ما قد كان يمكن وقوعه في لونا بارك؟ لقد قصَّ عليَّ أحد شبابنا حكايات عمَّا يقع في الأماكن الخاصة، ورأيت بعيني مما يحصل في الأماكن العامة ما لا نزاع في أنه يعدل ما يصح وقوعه في مثل اللونا بارك إن لم يكن أفظع منه بكثير، وغاية ما في الأمر أن هذا المكان معرض للأنظار أكثر من غيره، والمصري لا يني عن أن يرتكب أكبر عار في الخفاء إذا أمكن بعد ذلك أن يحفظ أمام الناس حسن مظهره، بل لقد حكى لي صاحبي الذي كان معي في البارك حكاية إن صحت كانت نعم الدرس؛ ذلك أن شابًّا كان راكبًا عربات السكة الجبلية وراء إحدى الفتيات، فانتظر حتى دخلت العربة تحت النفق ثم مد يده فأمسكها من يديها فلما خرج القطار من الظلمة أدارت الفتاة وجهها ولطمت الشاب بيدها على وجهه من غير أن تقول كلمة واحدة، وخرس الشاب وأعتقد أنه قرر في نفسه أن لا يعود إلى مثل ما فعل.

الحكايات التي يقصها إخواننا المصريين عن أنفسهم وعن مواطنيهم تدل على أن الواحد منهم لا يكاد يرى امرأة حتى يساوره نوع من الجنون يضيع معه عقله، وتملكه حواسه فتدفعه إلى الحيوانية المجردة وتقوده — لولا ما ركب في طبعه المصري من الحياء — لأن ينقض على هاته التي أمامه فيأخذها بين يديه ويضمها إلى أحضانه وينهال عليها تقبيلاً وعضًّا، ولو أن المساكين عرفوا النساء وأنهن لا يحوين كل الخزائن التي تدفع شهوة الواحد منهم إياه لتقديرها في مخيلته لهدأت ثائرتهم وكانوا أبعد كثيرًا عن الوقوع في هذا الجنون الذي هم معرضون له في لحظة، ولكنهم يعيشون أغلب الأحيان في مجرد الخيال من هذه الجهة، والخيال تلسكوب يكبر كل ما يقع أمامه فيبهر صاحبه ويستدعي كل انتباهه ولا يزال يزداد حتى تصل به الدهشة فتجعله يرتمي على موضع خياله بكل جسمه وقواه، ومهما ظهر له غير مرة كذب ما تخيل فإنَّه دائم الأمل أن يصدق الحلم مرة ويصل إلى ما يظنه موجودًا.

والغريب أن هذه الحالة النفسية التي أهم مظاهرها التهيج والدهشة والجنون تبين عند هؤلاء حتى في أماكن لا موضع لظهورها فيها، فقد ذهبت لثاني ليلة من وجودي بالقاهرة إلى الالدواردو، وتلك هي أول مرة أذكر أني رأيت فيها هذا المكان، وكان من حسن حظي أني لم أقع على أحد من معارفي (القليلين جدًّا) بل بقيت وحدي أتمتع بالمنظر الذي سيعرضه أمامي الفن المصري.

ولقد حسبت حين دخولي أنني متأخر لأن الساعة كانت تجاوزت التاسعة ولأني وجدت الستار مرفوعًا، ولكني انتظرت بعد ذلك كثيرًا من غير أن أرى شيئًا، فعلمت إن القاعدة أن يبقى الستار مرفوعًا إلا عند الضرورة.

جاء الخادم وسألني عمَّا أريد، وطلبت قهوة وسألته أن يجيئني معها بورقة أردت أن أكتب فيها ما أرى علِّي أضيع بذلك الوقت الباقي ومنتظرًا أن أجد شيئًا لذيذًا أكتب عنه، وغاب الخادم ورجع بالقهوة من غير ورقة ثم وقف إلى جانبي يحدثني، وأخيرًا تركني ولم يعد حتى تركت أنا المكان بعد منتصف الليل.

الساعة العاشرة وربع ابتدأ (الآلاتية) يأخذون مقاعدهم، ولقد جلس على يمين المرسح أحدهم رجل ذو عمامة وجلابية سوداء والباقون بين لابس طربوش وجاكيته ولابس جلابية بيضاء وعمامة على طاقية ولابس بلطو، وبين الأسمر والقمحي ومنهم عبد أسود، ثم ابتدأوا يدندنون بغير انتظام مدة حتى خرجت راقصة، امرأة وافية الجسم غليظة البطن عريضة الأكتاف غير جميلة الوجه وغير قبيحته كذلك، وهي تلبس ثيابًا كثيرة ورفيعة ينم بعضها عن بطنها وقد تدلت إلى جوانبها كثير من الزينة البراقة ما بين لامع أصفر وذهبي وفضي، وابتدأت رقصتها بحركات مدهشة غاية في الخفة والسرعة يهتز معها كل جسمها: بطنها وثدياها وأصابعها اهتزازًا سريعًا، وتجيء بحركات غريبة شهوانية أكثر الأحيان يهيج معها الحضور ويصيحون صيحات المتشنج الأعصاب غير المالك زمام نفسه، ويقوم من وقت لآخر واحد منهم صارخًا من أم رأسه كأنَّه الثور الراتع أهاجته أوليات الربيع.

وتبع الراقصة مغنية وجاء وراء هذه وأخرى قمر الليلة تغني سائرة على المرسح بخطوات بطيئة مرتبة جميلة تتهادى ويهتز ببطء قوامها الدقيق، وأغنياتها تطير في جو المكان فتبعث للدخان الذي ملأه أشباحًا من ملائكة السرور، وجاء بعدها غيرها فلم أُطِقْ دون القيام راجعًا إلى مرقدي.

بعد ذلك رجعت إلى الريف ثانية فقضيت أيامًا طوالاً بين أهلي أبتدأ يفارقها الملال لأني ابتدأت أعتادها، وكلما اعتدتها رجعت إلى ذهني خيالات الماضي فجعلتني أحتمل بصبر هذا العيش المتشابه الفارغ، وبقيت حتى الأيام الأولى من سبتمبر.

في سبتمبر رجعت إلى القاهرة وابتدأت أشتغل بالمحاماة واتخذت لذلك مكتب الأستاذ أحمد بك مصطفى، وكل همي من ذلك أن أتعدى المحاكم الجزئية لما بعدها.

رأيت في المحاماة ما يبغضها إلى نفسي، هذه الغرف التي يسمونها «أود» الجلسات يقعد في الصف الأول منها على مقاعد خشبية خشنة قذرة أحيانًا جماعة المحامين عشرات مكدسة يزحم بعضهم بعضًا ويتبادلون أحاديث ساقطة الوقت بعد الوقت، ويضحكون بصوت عالٍ مرتفع كلما غاب عنهم القاضي حافظ نظام الجلسة، ويجلس وراءهم الناس أكداسًا أكداسًا ينظرون إلى العدل كما ينظر المتفرج إلى الممثل، وتفوح من أبدانهم وثيابهم روائح كريهة، ويدخل القاضي فيصيح الحاجب: محكمة. ويتلو ذلك هرج ومرج وضجة يعقبها الصمت، وعن يمين القاضي عضو النيابة جالس منتفخ الأوداج مغمض العين تائه الخيال مسرور بكرسيه الخضم وشريطه الوظيفي، وعن شماله الكاتب تائه بنظرة وسط أوراقه، والكاتب يصيح بصوت فظيع يكرره وراءه الحاجب بصوت أفظع وأشد إزعاجًا ينادي أسماء أرباب القضايا، والمحامون يقوم كل واحد بدوره فيمثل فصله ثم ينسحب من المرسح بعد أن يسمع غالبًا كلمات لا تسر من جانب الرئيس.

قضيت في المحاماة أشهرًا رأيت فيها كثيرًا، رأيت قضاة غاية في الذكاء ويستعملون ذكاءهم في التنكيت طوال الجلسة، ورأيت آخرين يبلغ بهم الإِخلاص لكرسيهم فيعدون أنفسهم فوق بني آدم، وقلال غير هؤلاء وأولئك يفهمون القضاء والتقاضي.

وها ما رأيته ذات يوم بين قاضٍ ومحام وأنا بالجلسة.

خلق كثير ومحامون كذلك والقاضي جالس بعظمة في كرسيه كأنه ملك على عرشه، والقضايا تتابع مسرعة لكلٍّ دقيقة أو ما يكاد.

وجاء دور محامٍ عجوز مبيض الشعر مجعد الوجه ليس معه بنشه (رداء) لأن كاتبه لم يحضر معه.

فلما رآه القاضي كذلك إذ المحكمة اهتزت وظهر في عين الرئيس الغضب، فصاح في وجه المحامي وأرغى وأزبد وزايله كل أدب أو احترام لحرفة الرجل أو لسنه وكاد يسبه جهارًا، والمحامي العجوز مبيض الشعور مجعد الوجه محترم الهيئة يرتجف هو الآخر ولكن خوفًا وجبنًا، وأخيرًا استعار رداء زميل له وبصوت واجف ضئيل نطق بكليمات مرافعته، وانتهى ذلك كله والمحامون جميعًا لا يبدون حراكًا كأن لم يحدث شيء، وكأن من أهين واحتُقِرَ لم يكن زميلًا وإهانته إهانة لهم جميعًا.

مثل هذا الإرغاء والإزباد من المحكمة سمعته حين تهيج القاضي ضد شاهد ظنه يكذب في شهادته، وكان في هذا اليوم مضاعفًا فظيعًا مصحوبًا بتقلب في عيون القاضي الذي كان يصيح بأعلى صوته ويخبط بيده على المنضدة أمامه فتدوي أركان قاعة الجلسة دويًّا مخيفًا، وبلغ بالشاهد الخوف فلما أمره القاضي بالجلوس إذا هو وقع إلى الأرض يرتعش، وبعد كل ذلك قضت المحكمة بما يوافق الأقوال الأولى التي فاه بها هذا الشاهد.

رأيت حوادث أخرى اجتمعتْ في ذهني وذكرني بعضها بقول قاسم أمين: أعرف قضاة حكموا بالظلم ليشتهروا بين الناس بالعدل.

وفي تلك المدة التي قضيت في المحاماة ثارت الحرب بين تركيا وإيطاليا في طرابلس، واختلطتُ بسبب هذه الحرب بالصحافة والصحافيين، وعرفتُ كثيرًا عن هذه المهنة وأهلها ومبادئ الأكثرين منهم، وعرفت حقيقة كيف أن منهم «قروشيون» كما قال أحدهم بنفسه «قروشيون» لا مبدأ لهم وهم نصراء كل المبادئ.

ولا أدخل في تفصيلات هذه الحرفة، وكل ما أقول أن حكمي عليها ربما كان أقسى بعض الشيء من حكمي على القضاء والمحاماة.

كان من شأن ذلك كله أن يرهقني ويخرجني من طوقي، فأظهرت شديد رغبتي في مغادرة مصر لأوربا، واشتدت في نفسي هذه الرغبة وجاء يوم أصبحت فيه ضعيفًا أمامها مستسلمًا لها عاجزًا عن مقاومتها تصرفني هي كما تشاء، وهي التي دفعتني لأغادر مصر يوم الأربعاء ٦ ديسمبر سنة ١٩١١ على ظهر المركب الألمانية: برنس لويتبلد.

١٨ يونية سنة ١٩١٢

سأسافر بعد غد قاصدًا مرسيليا فبورسعيد فكفر غنام، وأكون قد قضيت بذلك ستة أشهر في باريس ولندرة، فماذا عملت فيها؟

كتبت التيز١ الذي أخذ مني مائة يوم بالضبط، ابتدأته في آخر ديسمبر وفرغت منه في عاشر أو حادي عشر أبريل، ولم أتفرغ إليه كل الوقت بل بقيتُ على عادتي أقرأ من حين لآخر كتبًا خارجة عنه كبعض كتب تين وموباسنت وأناتل فرانس وراجعها (وسيل) بورجيه إلخ، وأودعت التيز في سكرتارية المدرسة يوم ١٧ أبريل وقمت بطبعه بعد ذلك، وتحدد له موعد النظر Soutenance يوم ١٤ يونية؛ لذلك غادرت باريس يوم ٦ مايو قاصدًا لندرة حيث بقيت ثلاث ليالٍ ثم انتقلت لاستبورن فبقيت بها أسبوعين ورجعت للندرة ليلتين ثم طفشت منها ثلاثة أيام، وبعد يومين آخرين بلندرة رجعت إلى باريس يوم الخميس ٣٠ مايو، حيث قابلت صديقي بهي الدين وحيث نزلت معه، ثم قمت بنظر التيز يوم ١٤ يونية، وكان حاضرًا معي بهي الدين وحمدي وعبد الحميد سعيد وزكي كوهين، وظهرت النتيجة بعد ساعة من الانتظار فكانت Trés bien.

نفعني تحضير التيز وكتابته كثيرًا، من هذه الأبحاث عرفت سلسلة حياة مصر في نصف القرن الأخير، واطلعت على أسرار مركزنا الحاضر، ولكن ما كنت فيه من العجلة المتناهية جعلني لا أصل عند الكتابة للأعماق التي كنت أَوَدُّ أن أصل إليها، بل مررت ببعض نقط كان من الواجب الوقوف عندها والنظر فيها وتحليلها والبحث الطويل عن أسبابها ونتائجها من غير خروج عن الموضوع بل مع البقاء في لبِّه.

أما ما عدا ذلك من الأعمال فقد استفدت كثيرًا من ملاحظة إخواني وأصدقائي القديمين، استفدت معرفتهم بهذا الضحك من كل شيء الذي أدَّى بي إليه النظر للأشياء والناس والبحث عن دقيق نفوسهم، فإذا هي جميعًا تضحك ضحكًا كالبكاء، ولكن الحياة أقصر من أن نقضيها في اليأس؛ لذلك خير أن نسخر منها.

١  الرسالة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠