الفصل الثالث

كتاب مفتوح إلى لجنة تنقيح قانون الأحوال الشخصية

صديقي مدير جريدة السفور:

كانت عرضتْ لي أفكار من سنين مضت متعلقة بمسألة العلاقات القانونية بين المرء وزوجته، لكنَّ ظروفًا خاصة منعت من نشر تلك الأفكار فبقيت في طي أوراقي إلى اليوم، والآن يقال إن لجنة تنقيح قانون الأحوال الشخصية تشتغل في المسألة بجِدٍّ وتكاد تكون أتمَّت قسمًا غير قليل منها، فقد رأيت أن أبعث لكم بهذه الكلمات علَّكم تنشرونها على صفحات جريدتكم، فإذا حازت قبولًا لدى أعضاء اللجنة كنت سعيدًا أن خدمت قومي في مسألة تهم كل واحد منَّا وإن رأوا غير رأيي فالأيام كفيلة أن تظهر النافع، وأما الزَّبَدُ فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

وفي هذه الكلمة الأولى أقدم مشروعي، وفي الكلمات التالية أعززه وأشرحه، وإني أتقدم لأعضاء اللجنة بهذا المشروع ولي بهم كل الثقة أن سيمحصوا كل فكرة تكون نافعة للبلاد ومتمشية مع روح الشرع الشريف.

إن ما تحس به الأمة من الحاجة الشديدة للإصلاح في هذه الجهة من جهات حياتها، ليدعونا للتفكير فيها ويجعلنا نطالب بتشريع تراعَى فيه أحوال البلد الحاضرة، ويكون الغرض منه تقويم عوج اجتماعنا وإصلاح شأنه.

كتاب مفتوح إلى الوزير الجليل ناظر الحقانية

يا سعادة الوزير:

وُليتَ نظارة المعارف فعملت فيها نعم العمل وتركت الأثر الجليل، وأسفت الأمة كلها حين انتقلت منها لنظارة الحقانية، وحق لها أن تأسف إذ كنت عمدتها في إصلاح أبنائها وتربيتهم، على أنَّا لا نعدم أن نجد في الحقانية مواضع إصلاح كبير يخلد لصاحبه ذكرًا باقيًا، ويقدم للأمة الأساس الذي تبنى عليه سعادتها.

من القوانين ما يرتب صلات الحكومة مع الحكومية، وهاته أغلب الأحيان، وفي مثل بلادنا قوانين تخلقها ظروف وتقضي عليها ظروف، وتغيرها متى شاءت السلطة القادرة، هاته القوانين نكِلُها للزمان والحوادث وننتظر بمعوجها أن تعد له الأيام.

ولكن أخرى تنظم صلات الأفراد فيما بينهم، وتدخل إلى بيوتهم وفي غرفهم، وتشكلهم إلى حد كبير يشكلها وتكون عاداتهم وكثير من معتقداتهم، ولا تتغير إلا كل ردح من الزمن، هي التي نطلب إلى الوزير اليوم أن يدخل الإصلاح عليها، تلك هي قوانين الأحوال الشخصية.

نسمع من زمان أن نظارة الحقانية تعد للمحاكم الشرعية قانونًا موحدًا تسير عليه… لذلك فلا فرصة أنسب من الساعة الحاضرة نطلب فيها تعديل القديم وإصدار تشريع تراعَى فيه أحوال البلد الحاضرة، ويكون الغرض منه تقويم عوج اجتماعنا وإصلاح شأنه.

ضَجَّ الناس ويضجون من تعدد الزوجات عندنا، يأتون ويشكون من الطلاق ونتائجه… يتألمون من حال العائلة الحاضرة، والكثير منهم يقدر لهذه الأشياء قيمة كبيرة، ويرى في صلاحها الأمل في خير الأمة كما أنها بفسادها اليوم مجلبة شر كبير.

كتب الكاتبون يصفون فظاعة الموقف الحاضر ويطلبون عنه بدلًا، رفعوا أصواتهم إلى المشرع يريدون تداخله وإلى الأمة يحثونها على العمل من نفسها … ولم يَمْضِ بعد الوقت الذي ييأس فيه من أن يمد المشرِّع يد معونته، وأن تنتبه الأمة لحالها فتجاهد لنجاة نفسها، بل لا يزال باب الأمل واسعًا في كليهما، في المشرع وفي الأمة.

فَتَّشَ كثيرون عن الدواء لهاته العلل الاجتماعية عندنا، ومنهم من وصل إلى نتيجة من بحثه، ولكنما يخيل لي أن ما يراد من إدخال حدود قانونية على قوى الزوجين وتداخل القاضي فيما بينهما لا يسير مع شرعنا الحنيف ولا مع عوائدنا القومية … كلا بل ولا يجيزه الذوق.

يقول أقوام إن أهل أوربا يجعلون الفصل في الطلاق لأمر القاضي؛ فلِمَ لا نجعله نحن؟ لأن أهل أوربا انتقلوا من المنع المطلق وعدم الفرقة بين الزوجين إلا بالموت إلى الدرجة التي بعد ذلك، ولكنا نكون إذا عملنا عملهم هادمين لحرية كبيرة نتمتع بها، وإذا كان الأفراد قد أساءوا استعمالها من قبل فلا يكون جزاؤهم أن يُحْرَمُوها، ولكن أن يجدوا من أنفسهم ما يقمع غيرهم ويردهم إلى الحد المعقول حين يريدون الخروج عنه.

من أجل الوصول إلى هذه الغاية أضع أمام أنظار اللجنة المحترمة اقتراحي الذي أعتقده خير دواء للحاضر وخير قانون يبقى أجيالًا إلى أن يقضي تغير الزمان والحال الاجتماعية تغيرًا ظاهرًا بتعديله أو استبداله.

ذلك أن تضاف المواد الآتية لقانون الأحوال الشخصية ويلغى ما يخالفها.
  • (١)
    يعطي القانون للمرأة حق تطليق نفسها في الأحوال الآتية:
    • أولًا: إذا تزوج عليها الرجل بزوجة ثانية.
    • ثانيا: إذا ثبت زنا الرجل وطلبت هي الطلاق في ظرف ثلاثة أشهر من تاريخ ثبوت الزنا.
    • ثالثًا: إذا ارتكب الرجل أمرًا ثبت ويثبت به أن وجودها معه يمس شرفها ويخدش كرامتها، وطلبت الطلاق في ظرف ثلاثة أشهر من ذلك الثبوت.
  • (٢)

    طلاق المرأة نفسها طلاق بائن بينونة صغرى، إلا أنه يصح للزوجين أن يتراضيا على الرجعة من غير مهر.

  • (٣)

    لا يقع الطلاق إلا إذا كان المطلِّق يريده وينويه، وأن يعلم الزوجان به، وكل طلاق ينقصه أحد هذين الشرطين لا يقع.

  • (٤)

    تبتدئ أيام العدة من بعد توفر الشرطين المذكورين في المادة السابقة.

أعتقد أن إضافة المواد السابقة إلى باب الطلاق وإلغاء كل ما يخالفها يداوي ما عندنا، كما أنها كلها تتمشَّى مع روح الشرع أكثر بكثير من التفسير القديم حين اشتغل الفقهاء بتحديد ألفاظ الطلاق والكنايات عنه، وبما لو وقع الطلاق بائنًا بقوله طلقة شديدة أو ثلاثًا بقوله أكثر الطلاق، وتركوا لب ما جاء به الكتاب والسنة، كما أحسب أنه يوفِّر علينا إلى حد كبير تداخل المحاكم في المسائل العائلية الصرفة.

بهذه المواد نحسم مشكلًا من أكبر المشكلات الحاضرة في حياة مصر الاجتماعية، بها نعطي الناس معنى جديدًا من تقدير حرية الفرد واحترامه، بها نقضي القضاء الكبير على مسألة تعدد الزوجات التي يرتكبها الأزواج أحيانًا كثيرة انتقامًا من زوجاتهم، بها نقيم للعائلة قائمة تجعلها أساس بنيان الأمة المقبلة.

أفضل دائمًا أن يترك للفرد من الحرية ما يتمكن معه من تنمية قواه والحصول على أغراضه، لكن لا ليضير بذلك غيره، وأرى واجبًا أن ينحصر القانون في أضيق دارة ممكن حصره فيها، وليس ما يضمن هذين في باب الطلاق مثل إدخال المواد التي أشرنا إليها بين مواده.

والشرع الشريف الذي تأخذ عنه أحكام أحوالنا الشخصية يحض عليها ويساعد على إيجادها في قانوننا، فإذا ما نحن تركنا قليلًا تفاسير العصور المختلفة التي أدخلناها على ما بها من الغريب في قوانينا، ورجعنا إلى الكتاب والسنة وجدناهما نعم السند لنا.

قال تعالى: لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ وقال جل شأنه: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا، وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ فلم يدع للقاضي أن يتداخل في مسالة خاصة كمسألة الطلاق، بل ما يتعلق بهاتين الآيتين يكلها للرجل أو للأهل من الطرفين، وعلى هذا يكون إدخال القانون والمحكمة مع ما فيه من المساس بروابط دقيقة أحرى بها، وأوجب أن يبقى أمرها مجهولًا لغير صاحبيها غير متمشي تمامًا مع قواعد الشرع.

وقال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وفسرت هذه الدرجة في موضع آخر بقوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فإذا حددنا مسالة القيام في الزواج بما يجب له عليها من طاعة ما دامت الزوجة قائمة وتوليه أمرها والإنفاق عليها وتحقق هنا معنى الدرجة، كان لها في غير ذلك ما عليها وكان لها بالطبع حق الطلاق.

ويؤيد ذلك أن الآية التي ذكرنا قبلًا: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا … إلخ، لم تجعل غضب الرجل وتألمه وحده هي الداعية لهذا الخوف، بل أي الزوجين غضب يقيم خوف الشقاق على قدم، فإذا كان ذلك آتيًا من جهة المرأة ولم يريدا إصلاحًا كانت النتيجة أن يتفرقا، وجاءت الفرقة هنا على غرض المرأة.

ثم غير هذا قد نص الفقهاء على أن للمرأة حق طلاق نفسها إن اشترطت ذلك في العقد، نصوا على ذلك أيام كانوا يوسعون للرجل في السلطان على المرأة، حتى ليقع طلاقه عليها ولو لم ينوِهْ، أي حين كانوا يجعلون حق المرأة في البقاء مع الرجل معلقًا على الحوادث والصدف، ولم يَبْقَ اليوم من قائل إن عملًا لم يَنْوِهِ صاحبه يقيده، بل إن أصل الشريعة الغراء مبني على هذا فإن من متواتر الحديث المشهور قوله «إنما الأعمال بالنيات» فإذا كنا لنأخذ بهذا الحديث ونقيم من عقولنا ما يجعلنا نصل إلى البديهي من أن لا عمل يقيد العامل إلا ما نواه، ثم نرى أن هؤلاء السلف كانوا يجيزون للمرأة اشتراط طلاق نفسها في العقد، أظن من المعقول جدًّا أن سير الفكرة ونموها يصل بنا كذلك إلى الاعتراف بالحق الذي أعطاه الله للمرأة من استطاعتها تسبيب الفرقة ولو لم تشترط شيئًا في العقد.

لهذه الأسباب الشرعية وغيرها، ولأسباب اجتماعية أخرى كثيرة، أرفع إلى اللجنة طلبي أن تكون هذه المواد من بين مواد قانون المحاكم الشرعية الجديد، وأن يلغى كل ما يخالفها.

وأعتقد في ذلك للأمة أكبر الخير والصلاح.

الطلاق وتعدد الزوجات

١

يميل الناس للاعتقاد بأن ما هو حاصل اليوم كان موجودًا من قبل دائمًا، ويعطيهم هذا الاعتقاد من معنى التقديس للشيء وتقدير أنه حق من غير شك، ما يصعب معه مناقشتهم في قيمة ما أمامهم، ويظلون على رأيهم حتى تأتيهم الحوادث بقوة لا قِبَلَ لهم بها تغير الحاضر، فإذا انتقلوا إلى الجديد وبقوا فيه ثم اعتادوه دافعوا عنه بنفس القوة التي دافعوا بها عمَّا قبله، وبحثوا له في الماضي عن أصول يزداد سرورهم بها كلما وجدوها أكثر ابتعادًا في غياباته وذهابًا في أعماقه.

والواقع أن الحاضر في مثل بلدنا كما هو في كل مكان لم يعن أهله بالتفكير في إصلاح شأنه، إنما يحوي مجموع أغلاط الماضي الطويل وخطأه، ويندر فيه وجود حسنات الأقدمين وطيباتهم؛ ذلك أن الباطل أهون رواجًا في السوق العامة من الحق، وأسهل انتشارًا بين المجموع وتداولًا على الألسنة، هو كالعملة المنقوصة يريد كل أن يدفع به لغيره حبًّا في التخلص منه أولًا، ولكن متى راجت سوقه وتكلم به الناس تراه اعتنقه واعتقده.

ليس ما عندنا في قانون الأحوال الشخصية مأخوذًا عن عصر النبي وحده ولا من تفسير الإمام أبي حنيفة ولا واحد أو اثنين ممن تبعه من أصحابه، ولكنه يتناول شيئًا من كل عصر، ويضم بين مواده أقوال الرسول وأحكام الخلفاء وتفاسير الشراح وقضاء الولاة على مختلف القرون، ولما كانت هذه الأحكام والتفاسير وهي صادرة من بني آدم يخطئون بالطبع ويصيبون، لم تجد نقادة من العلماء في كل جيل يضعها موضع البحث، وتسلل منها إلى عصرنا زيف أكثر ممَّا تسلل إليه من الحق، ودخلت إلى الشريعة التي نستمسك بها أقوال ليس من السهل أن يقبلها العقل ولا أن تسير مع قواعد الدين وأصوله.

من ذلك الزيف الذي دخل إلى قانوننا موادُّ كثيرة جدًّا نذكر منها المادة (٢١٨) من قانون الأحوال الشخصية التي نصها (يقع طلاق السكران الذي سكر بمحظور طائعًا مختارًا لا مكرهًا ولا مضطربًا)، ولا أدري أي ذنب على المرأة يوجب انفصالها وأولادها الضعاف عن الرجل ولم يقصد هو من ذلك شيئًا، ولقد رأى ذلك أستاذنا الشيخ محمد زيد الأبياني فقال في كتابه (شرح الأحوال الشخصية) صحيفة (٢٩٧) ما نصه:

والظاهر عدم وقوع طلاق السكران ولو سكر بمحظور؛ لأن الطلاق ليس عقابًا له فقط، بل يترتب عليه قطع الزواج المترتبة عليه المصالح الدينية والدنيوية والإضرار بالزوجة وبأولادها منها وبأهلها، فلو أوقعنا طلاق السكران لعاقبنا غير المذنب ممن ذكر وهو غير جائز، فلا يعاقب إلا السكران وعقابه يكون بالحد لينزجر عن مثل هذا ويعتبر غيره.

وقوله هذا موافق لما قال به جمع من الصحابة ووافقهم عليه بعض الحنفية.

لذلك يجب أن لا نجعل أبعد نظرنا ما سطر في قانون الأحوال الشخصية أو بعض كتب الفقه وإن كانت كبيرة؛ لأن مقصد الإنسان الأسمى في الوجود أن يصل إلى الحق حيث يكون وأن يعضده وينصره.

كل الآيات التي وردت في باب الطلاق لم تفرق بين الرجل والمرأة، بل جاءت به على معنى أن لكل منهما حقًّا فيه، فمن ذلك قوله تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، فلم يجعل هنا شيئًا من حصر معنى الطلاق في أيهما، بل جعله على صيغة المصدر حتى لا يكون من معنى الحصر ما يمنعه عن المرأة، ثم لما كانت قوة الرجل على زوجته قد تبلغ الاستبداد أحيانًا ويفرط صاحبه فيه، نزلت بقية الآية نصيحة للرجل أن يعامل المرأة بالمعروف إن بقيت معه أو يتركها بالإحسان ومن غير إجحاف إن هي فارقته، وأما الآيات التي نزلت خطابًا للرجل وحده كقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ فإنما خوطب بها الزوج دون الزوجة لما لحقها من التخصيص بمسألة العدة التي تلزم المرأة وحدها، وليس من المعقول طبعًا أن يقول للنساء: (وطلقوا الرجال لعدتهم) إذ لا عدة على الرجل، كذلك قوله تعالى: لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ جاء في وقائع مخصوصة وجَّه فيها الكلام للرجال وحدهم.

والشريعة الغراء في عدالتها لم تكن لتفرق في الحق بين الرجل والمرأة لتعطي واحدًا كل شيء والآخر لا شيء، والله تعالى يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وإنما المرأة بطبعها لا تحب ترك زوجها متى كان لها منه أبناء، كما أن سلطانه عليها الكبير كان يجعلها تخضع لأمره من غير مناقشة ولا حساب، فظن بعضهم أن ذلك لأنها محرومة من كل حق، ولو كان هذا صحيحًا لما كان معنى لـ«لهن مثل الذي عليهن» وحاش الله تعالى وكبر كلامه عن أن يكون خلوًا من المعنى.

بمثل هذه التفاسير يفتح الشراح علينا بابًا من القول يرمينا منه مخالفونا بكل نقيصة، والله الذي لم يفرط في الكتاب من شيء أكمل لنا الدين، ولو اهتدينا بهديه وسرنا على معقول معناه لكنَّا اليوم في مقدمة الأمم رقيًّا وحضارة، أرأيت لو لَمْ يفتح المشرعون هذا الباب بأن يجعلوا الطلاق في يد الرجل وحده، ثم أن يقع منه متى نطق بكلمته هل كان الطاعنون إلا وراءنا بكثير، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله قد دخلت على الدين أشياء هو منها براء، وأضيفت إليه شروح ومطولات تحوي كثيرًا يتمسك به غير المسلمين ويسموننا مرة متأخرين وأخرى رجعيين، ولو فهمنا روح ديننا الحق وأفهمناها لهم لسكتوا أمام كمالها مبهوتين.

عن الدين الحنيف أخذت الأمم الطلاق، ولو بحثت فيما تعمله اليوم من القوانين لوجدته يسير تمامًا مع تلك الروح العالية، ولكنَّا لا نريد أن نتعب أنفسنا بالبحث عمَّا عندنا من الجواهر المكنونة في كتاب الله الكريم.

ولو أن الناس من المسلمين لم يقفوا وقفتهم التي وقفوا، بل جعلوا وجهتهم التقدم وترقية المبادئ التي عندهم؛ لما وجدوا من شرعهم إلا مساعدًا لهم على عملهم، الذنب — يعلم الله — على المسلمين لا على الإسلام، في كل هذه الوقفة الطويلة من غير سبب.

إن الحنيفية الغراء شريعتنا شريعة سير إلى الأمام، هي الشريعة التي تساعد الكون على التقدم والارتقاء وتوافق العقل على أن يكون حرًّا في تفكيره، فلِمَ نحرم نفسنا هذه المزايا العظيمة التي تهبها إيانا.

لسنا في الحقيقة نتبع الإسلام في مركزنا الذي سكنا إليه وتمادينا عليه، ولكنَّا نتبع مجموع عوائد الأمم الإسلامية حين ابتدأ تقهقر الأحوال واختلال الأمور وفساد الزمان، ننصر أيام الظلمات ونساعدها على البقاء حتى أمام النور الساطع الذي تبعثه علينا مجاوراتنا من الأمم بعد أن ساعدنا أمام نور ديننا وهديه.

أعطى الإسلام المرأة ما أعطى للرجل إلا فيما نَصَّ عليه القرآن من مسائل الشهادة والميراث وأشياء أخرى معدودة، فلِمَ نعتدي نحن على القرآن باعتدائنا على المرأة؟ لِمَ نسيء معاملة من أوصانا صاحب الشريعة السمحة بحسن معاملته؟ هل بعد ذلك نحن لديننا حقيقةً متبعون.

الآيات التي قدمنا تعطي المرأة حق الطلاق من غير ما قيد، فهلَّا نعطيها نحن ذلك الحق ولو بألف قيد وقيد، هلَّا نعطيها إياه في أحوال مخصوصة ومعدودة، إننا إن فعلنا ذلك نكن وافقنا العقل والشرع وخدمنا مصر خدمة الصادق الأمين.

٢

من الناس من لهم غرام مخصوص بالشكوى والتألم، فإذا ما أردت أن تزيل سبب شكواهم وقفوا في وجهك وحاربوك جهدهم وطعنوا عليك، ثم لا تلبث أن تتركهم حتى يرجعوا إلى ما كانوا فيه من الضجيج والتأوُّه، ويستغيثون بمن لا يغيث بعد الذي رأى منهم! ذلك لأنهم يحسون بالألم ولا يفكرون في موضعه ولا أي شيء هو، إنهم لا يقدرون على تشخيصه لذلك هم لا يقدرون على مداواته.

في الإنسانية أدواء كثيرة يعوق عن مداواتها هذا الصنف من الناس، ومحال أن يخلو الوجود منهم، ويساعدهم آخرون ليسوا مثلهم صرعى بتمجيد الماضي بحق ومن غير حق، ولكنهم يريدون أن يكسبوا لأنفسهم مركزًا ذا قيمة في الوجود، وأن يجدوا حولهم أتباعًا وأنصارًا هم أكثر فرحًا بعدتهم منهم بقيمتهم.

هؤلاء لا تدفعهم لعملهم الفكرة الممحصة، وإنما تدفع الأولين منهم حمية تشغل كل وجودهم، وينساقون بها إلى مواقف ما كانوا يقدرون مطلقًا أنهم واصلون إليها، ويدفع الآخرين غرضهم من حب الظهور بأي وسيلة ممكنة، هم يحصرون تفكيرهم في البحث عن هذه الوسيلة مدفوعين بهذا الغرض، ولا يهمهم من بعد ذلك خرب الكون أو عمر، وإن ادَّعَوْا بالطبع أنهم للإصلاح عاملون، ودعواهم مقبولة على العين والرأس من الأكثرين.

الآلام التي تضج لها بلدنا كثيرة جدًّا، أحدها الصلات العائلية فيما بين الزوجين — يدخل في ذلك الزواج والمعاملة وتعدد الزوجات والطلاق إلخ — وسببها لا يختلف في كثير عن أسباب العلل الأخرى، ولكنه أشد استعصاءً في المداواة؛ لأننا فيه محافظون أكثر منَّا في غيره، كلا بل نبلغ بمحافظتنا حد الجامدين المتقهقرين.

علة العلل وسببها الأول في كل شيء نقص الحرية، وكلما تقدَّم الناس إلى جهة الكمال منها وتمتعوا بها زالت عللهم؛ ذلك هو السبب أيضًا فيما نراه ممَّا يخص العائلة.

للرجل ما يسميه البعض حرية أكثر ممَّا يلزم، وما أسميه أنا حرية ناقصة، إن كل خطوة يزيد بها الفرد عن حقه في الحرية ترجع عليه فتنقص من حظه بمقدارها؛ لذلك رجع كل ما عند الرجل من زيادة فأفسد عليه وعلى المجموع طعم العيش كما ترك المرأة في بؤس قد تحس وقد لا تحس به.

يشكو الناس عندنا ولا يجدون دواء لسهر الرجال المفرد ونساؤهن جالسات في الدور، يلعب النوم برؤوسهن فيغالبنه، ويأخذ الضيق بخناقهن فيتنهدن، ولا ينفذ صبرهن في انتظاره، ويضرع الكتاب إلى الرجال مرة ويؤنبونهم على عملهم أخرى لعلهم يرجعون، فيذهب تأنيبهم وضراعتهم سدًى، ويبقى الرجال على ما هم عليه يقضون قسمًا كبيرًا من أوقاتهم في القهاوي.

وإذا غضبت المرأة عليه ساعة رجوعه، أو أظهرت أمامه الألم أعطاها ظهره إن لم ينتقم منها بأنواع الانتقام.

يشكون كذلك مر الشكوى من تعدد الزوجات، ويصورون العائلات المصابة بهذا المرض بأشكالها الفظيعة المؤلمة، ومع ذلك فتعدد الزوجات لا يزال شائعًا في معظم الطبقات وخصوصًا في الأرياف شيوعه من قبل، ويأتيه الرجال لسبب ومن غير ما سبب، بل في أحيان كثيرة جدًّا انتقامًا من زوجتهم الأولى، والأمة تنتظر لصلاح هذا الحال قضاء السماء.

والشكوى من الطلاق أمرُّ وأدهى، ذلك فظيعة الفظائع ورأس الآلام، وإن أكثر الناس نكاية منه من أصيبوا به من غير أن يريدوه، ولكنهم في ساعة حدة لفظوا كلمة الطلاق الكبير طلاق الثلاث فبانت زوجهم، وهم مكلفون لاسترجاعها أن يلجأوا لما تشمئز منه نفوسهم.

وإذا كنتم يا قوم تروم كل هذا موضع شكاية وألم، فلِمَ لا تفكرون في العمل لتخفيفه إن لم يكن في الإمكان القضاء عليه! من ذا يمسك أيديكم عن العمل إن شئتموه؟ إنني على يقين من أن المشرِّع لا يبخل على الأمة بما يصلح أمرها؛ إذ تلك هي وظيفته ومن غيرها لا معنى لوجوده، وإنما يغل يده أحيانًا عن تنفيذ ما يراه هو الخير ما يتوقع من السخط العام وما يتخوف من ألسنة المتكلمين وأقلام الكاتبين، ولكن اليوم الذي يجد فيه لعمله نصراء ومعززين هو اليوم الذي يضع فيه القانون المعقول ويعمل لتنفيذه.

وعهدنا بحكومتنا أن تنظر في مثل مسائل الأحوال الشخصية بعين خالصة كل غرضها خير الأمة، وما أحسب قانونًا يضمن لنا زوال القسم الأكبر ممَّا نشكو منه، ويقيم لنا أساسًا نبني عليه سعادتنا العائلية وطمأنينتنا مثل ما اقترح وضعه.

يقوم هذا القانون حدًّا لغي الرجل في معاملة زوجته؛ إذ ما دام يعلم أن هناك شيئًا من شبه المساواة بينهما فهو يعاملها كصاحب لا كمتاع، وما دام يعلم أن مس شرفها وكرامتها ليعطيها حق التخلص من الرابطة بينهما فهو لا شك عامل للمحافظة على ما له من الميزة بتحسين خطة سيره.

يقوم كذلك في وجه تعدد الزوجات؛ لأن الرجل يخشى أن يغضب بذلك زوجته الأولى فتتركه، كما أن هذه الميزة لها على الزوجة الثانية تعطيها — وخصوصًا فيما لو كان لها أولاد — سلاحًا وقوة تتدبر معه كثير من النساء حين يراد أن يأتي بهن زوجات ثانيات.

يقلل كذلك من الطلاق إلى حد كبير؛ إذ أنه سيبقى كما هو في يد الرجل وحده ما دام حسَن السير مكتفيًا بزوجته، ولا يكفي للتفريق بينهما أن تخرج من فم الرجل كلمة الطلاق، بل لا بد أن يكون مريدًا له وناويًا، وأن يبلغ علم الزوجة، وإنَّا لنرى أكثر الأحوال من يتألم ساعة لفظ الطلاق أشد الألم لا لأنه طلق زوجته فقط، ولكن لأن في الدار الآن من هي فرِحة مسرورة يلعب حولها أبناؤها ناعمين بجوار أمهم وينتظرون بفارغ الصبر عودة أبيهم يقبلهم ساعة دخوله؛ فإذا هو يحمل لهم معه الشر ويأتي منذرًا بالسوء، وما أراد أن يكون ذلك النذير الكريه.

كما فلاح من طبقة العمال — أولئك الذين لا يقرأون الجرائد ولا يفهمون كتابة الكتاب — كان يأتي متألمًا، ويكاد المسكين يبكي وينفطر قلبه لأنه حلف على زوجته بالطلاق من غير ما سبب، وكم كانت تنشب العداوة بين رجلين لأن واحدهما طلب إلى الآخر أن يأخذ معه (فنجال قهوة) وإلا فامرأته طالق، ومصلحة الآخر تناديه ألا يضيع من وقته؛ وبذلك تطلق زوجة الرجل.

يعلل المنتصرون للحاضر وقوع الطلاق في هذه الأحوال بأنه عقاب للرجل على تسرعه، وإذا سلمنا أن الرجل أخطأ فما ذنب المرأة وما ذنب الأولاد وما ذنب أهلها؟! أي عدالة توقع العقاب على رأس بريء إلا عدالة مجرمة؟ ألا إن ربنا أكبر عفوًا وأوسع حلمًا من هذا ولكن الناس إلى الظلم أميل.

وقوع الطلاق على هذا الشكل لا شك بقية من بقايا الفكرة العتيقة الخاطئة، فكرة أن المرأة لا روح لها، تلك الفكرة التي يدعي عليها كثير من الغربيين أنها من ديننا وهو منها بريء، جاءت أيام الجهل حين كانت تدخل الأفكار الزائفة فتجد في الوجود مجالًا، ثم بنيت عليها أحكام ليست أقل منها فسادًا.

لنرجع في أحكامنا وتشريعنا إلى أصل الدين وهدى العقل ونوره؛ نبلغ كثيرًا من السعادة التي يطلبها الناس من وراء قوانينهم، وإلا فما دمنا نرى الجرح الدامي ولا نستطيع أن نضع يدنا عليه فسيبقى الدم ينزف حتى يبلغ بنا الحال إلى ضعف كبير، أخشى أن يكون إلى الموت.

٣

(يجوز للحر أن يتزوج أربع نسوة في عقد واحد أو عقود متفرقة.)

تلك هي المادة (١٩) من قانون الأحوال الشخصية الذي اعتمد عليه، لا لأنه القانون المتَّبَع عندنا، ولكنه خلاصة بحث في مذهب الإمام أبي حنيفة.

رأى الأستاذ الشيخ محمد زيد الأبياني في شرحه هذا الكتاب أن زواج أربعة في عقد واحد ليس من الأمور السهلة التصور على الشكل المعتاد؛ إذ لا يعقل أن يقبل أربع نسوة أن يَكُنَّ معًا زوجات رجل واحد، فضرب مثلًا أقرب للعقل وأسهل في التصديق، قال في صحيفة (٣٨) من الجزء الأول ما نصه:

(بل يقتصر على أربع نسوة في عصمته سواء كان تزوجهن في عقود متفرقة، كما إذا تزوج كل شهر مثلًا واحدة أو في عقد واحد بأن وكَّلَ أربع نسوة رجلًا في أن يزوجهن لفلان فقال هذا الوكيل للرجل زوجتك موكلاتي فلانة وفلانة … إلخ، فقبل الرجل صَحَّ هذا العقد بالنسبة إلى الجميع إذا لم يكن متزوجًا غيرهن.)

والأستاذ طبعًا يريد أن كلًّا وكلنه وهي لا تعلم توكيل الأخريات.

ما أظن في القوانين الشرعية شيئًا يقف في وجه القرآن أكثر من هذه المادة، هي ضد روح الآيات التي نزلت في تعدد الزوجات وضد لفظها أيضًا، وما أدري كيف تكون من الشرع في شيء بعد ذلك.

حدَّدَ القرآن مسألة التعدد بحدود شديدة ولم يُبِحْهَا إلا عند الضرورة، فقوله تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ثم أتبع ذلك بقوله: وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ليس ممَّا يحرض على تعديد الزوجات مطلقًا، بل يكاد يحرِّمها قطعًا إلا لضرورة ملجئة، وليس التحليل للضرورة إباحة مطلقة كما يفيده نص المادة.

أو أن أسيادنا الشرعيين يعتبرون أحكام القرآن الشريف تضعف هي الأخرى بالزمان، فيصبح ما كان محظورًا من المباحات؟ حاشا كلام الله الكريم أن يكون ككلام البشر، وما دمنا معتقدين به آخذين بنصوصه فالواجب أن نسير على مقتضى ما تقرره، وإذا كان الزمان الفائت قبلنا قد جاء فيه بعض الخطأ فعلينا أن نصلحه.

لم يكن تعدد الزوجات من الفضائل الممدوحة في زمن من الأزمان، وإنَّما هو كالأمراض اللازمة التي تعتري الجسم أو العقل، نحن مجبورون على احتمالها ما دام تركيبنا يستلزمها، كذلك الأمم التي يضعف فيها معنى العدالة ويتمشى إلى نفوس أهلها شيء من فساد الاستبداد، وتفقد بين أفرادها المساواة، تميل إلى صنوف من الترف توافق هذه الحال فيستكثر أغنياؤها من شراء الموالي واتخاذ الزوجات واقتناء كل شيء من شأنه أن يشبع منهم ذلك الإحساس الذي يملأ كل وجودهم من حب السلطة والسلطان والاستبداد بشأن غيرهم، ولولا أن ألغي الرقيق من العالم لكنَّا نرى مصداق ذلك في بلاد كثيرة محرومة منه اليوم، بل إن تركيا ظلَّت إلى عهد دستورها متجر رقيق هائل، ولم تزل إلى حد كبير رائجة السوق في العبيد والإماء خصوصًا على شواطئ البحر الأحمر، والفقراء تقليدًا للأغنياء يعددون زوجاتهم.

هذا المرض قديم في بلادنا، وحالنا اليوم تبشرنا بأنَّا نسير نحو الشفاء منه، ولكنه سير بطيء يكاد يكون غير محسوس، ولازم أن نستحثَّ السائرين بل أن ندفعهم بعض الشيء حتى لا تكون حركتهم ذَنَب كل الحركات الأخرى، وعلمنا في هذا ليس بأقل أهمية منه في غيره؛ لذلك ليس من العقل أن نغضي عنه قائلين هذا ثانوي فاتركوه.

صحيح أن تعدد الزوجات نتيجة لا سبب في أصل وجوده، ولكنه أصبح اليوم سبب مفاسد شتى وخراب للعائلات كبير، وأصبح من المحتوم العمل للقضاء عليه حتى يقضى على نتائجه.

كم من عائلة تفرقت أيدي سبأ من وراء تعدد الزوجات، كما من إخوة تنازعوا واقتتلوا وتباغضوا لأنهم من زوجات مختلفة، كم نسوة بائسات يذرين الدمع على شبابهن وعلى حياتهن لأن أزواجهن قد تركوهن وتأبى عليهن عفتهن أن يخاللن.

ويعلم الله أن الحال الحاضرة عندنا، وظلم الرجال الفاحش، يجعل للمرأة عذرًا إن اتخذت رفيقًا.

للمرأة شرف تحافظ عليه، عفافها يجب أن يبقى مكرمًا، يجب أن تبقى طاهرة الذيل نقية العرض، كل هذا صحيح ولكن المرأة لا تزال ولن تزال بنت آدم وحواء، ولها نفسٌ تحس وتتألم، وحقٌ إن اهتُضْم أثارَ من كامن ما بين جوانحِها ما قد يدفعها إلى غير ما تحب هي وترضى.

لِمَ يميل الناس على المسالم ويريدون نهبه وغصب كل حقوقه؟ ثم إن أراد الانتقام منهم رَمَوْهُ شَرَّ الرميات وسموه أقبح الأسماء.

وإني لأعتقد أن كل خطوة تخطوها الأمة نحو استقلالها وحريتها تضيف حتمًا إلى إحساس المرأة دقة كما تضيف إلى إحساس الرجل، وتجعلها كما تجعله أقل احتمالًا للضيم، وإذا كنا جميعًا نعمل جهدنا وبكل وسيلة لننال حريتنا فمن العقل أن لا ننسى النتائج اللازمة عن هذه الحرية.

إننا في سعينا وجهادنا لا نعمل للحاضر وحده، ولكنا نعمل لكل الأجيال القادمة، نعمل لأزمان لا تدري أشكال الناس الذين سيكونون فيها ويكون أثرنا عليهم قويًّا بمقدار أثر من قبلنا علينا؛ إذن فلنكن أبعد نظرًا من أن يحد الحاضر عيوننا فلا نرى إلا أنفسنا.

وكل يوم نكسبه للتشريع الذي نريد إدخاله على قانوننا يوم كبير النفع؛ لأن القوانين لا تنتج أثرها بمجرد إصدارها، بل هي تأخذ زمنًا طويلًا لتدخل في أخلاق الأمة وتمتزج بعادتها.

ولو أنا لنعطي المرأة حق طلاق نفسها بالشروط المذكورة في المواد؛ أي على أن تخبر به زوجها وهي تريده وتنويه، لوفرنا على الزوج أن يكون في موقف قد لا يرضاه أحيانًا، كما أنا نكون أعطينا المرأة قوة كافية تحارب كل فساد يأتي على العائلة من جهة زوجها، أو يريد أن يأتي عليها نتيجة ما عندها من الضعف الطبيعي المركب في النفس الإنسانية، كما أنَّا نحميها كذلك من شقاء كبير معلق على رأسها تتوقعه كل آنٍ وحين، ونضمن للرابطة التي بين الزوجين أن تبقى الرابطة الحرة الشريفة المبنية على اختيارهما.

إذا كان ملاك الأراضي في هذه الأيام يطبعون إيجاراتهم ويضعون فيها ألف قيد وشرط على المستأجر، وتنفذ هذه الشروط عليه متى أمضاها، فلِمَ لا يحتوي عقد الزواج، وهو أهم ألف مرة من الإجارة، الشروط اللازمة مطبوعة عليه؟ وبكلمة أخرى: حيث إن ورقة العقد ورقة رسمية وهي الحكومة التي تطبع هذا العقد، لِمَ لا يدخل حق الطلاق للمرأة في مواد القانون ولو في هاتِهِ المسائل المحدودة القليلة جدًّا التي ذكرنا.

ولا يجب أن ننسى أن فتح باب الحرية في هذه المسألة يسمح لعقد الزواج أن يسير سيره الطبيعي، ويعطي النتائج المطلوبة منه، وينتفي عنه هذا الشكل القبيح من أنه عقد استرقاق للمرأة يملك به الرجل كل شيء من أمرها، ويصرف بيده حياتها وحريتها.

جاء في قانوننا المدني أن إجارة الأشخاص مدة الحياة غير ممكنة، وتعليل ذلك أن فيه عودة للرق القديم، أليس عقد الزواج على ما عندنا أكثر من إجارة شخص، بل هو شراء شخص يبقى في حيازة الشاري ويرده له القانون بقوة البوليس إن نشز مهما أساء المالك معاملته ومهما اشترى إلى جانبه زوجات أخريات؟ فمن العدالة إذن أن ننفي ولو إلى حد محدود هذه الصفة الدنيئة عن هذا العقد الشريف، ونعطي للمرأة حق الطلاق متى ارتكب الرجل الجرم الفظيع المخيف جرم تعدد الزوجات.

٤

نص ثالثة المواد التي نريد إدخالها إلى قانون الأحوال الشخصية هو:

لا يقع الطلاق إلا إذا كان المطلق يريده وينويه وأن يعلم الزوجان به.

وكل طلاق ينقصه أحد هذين الشرطين لا يقع.

قسم الفقهاء العقود إلى عقود يبطلها الهزل وعقود لا يبطلها، وهاته الأخيرة هي النكاح والطلاق والعتاق، فلو فرض أن فتاة خفيفة الروح جلست إلى جانب صديق لها أو ابن عمها يتقاصَّان الأحاديث ويضحكان، فقالت في ضحكها: (بدي أجوزك يا ابن عمي) وقبل هو، أصبحت زوجته وملك عليها كل ما يملك الرجل على امرأته، كذلك لو في هزل الرجل مع زوجته جرى على لسانه الطلاق طلقت زوجته أو أكره على ذلك وقع طلاقه، وكالطلاق العتق وهو ما لم يَبْقَ له أثر بعد زوال رق الأفراد؛ لذلك جاء في المادة (٢١٧) فقرة ثانية من قانون الأحوال الشخصية ما نصه:

(ويقع طلاق كل زوج بالغ عاقل ولو كان … مكرهًا أو هازلًا.)

وأضاف الأستاذ الشيخ محمد زيد الأبياني في شرح هذه المادة قوله:

(وكما يقع طلاق المكره عند أبي حنيفة يقع طلاق المخطئ والناسي فالمخطئ هو الذي يريد أن يتكلم بغير الطلاق فيجري على لسانه الطلاق، والنسيان لا يتصور إلا في فعل الشرط المعلق عليه الطلاق … إلخ.)

وفي كل هذه الأحوال يقع الطلاق بلا نية.

لما أسند الفقهاء الطلاق للرجل دون المرأة علَّلُوا ذلك تعليلات شتى أكثرها تداولًا أن النساء يجزعن غالبًا فيتأثرون بأقل مؤثر فيقدمن على الطلاق كثيرًا، ولما كان مبنى عقد الزواج الاستمرار طول الحياة أو أكبر زمن ممكن، جعل سبب التخلص منه بيد الرجل؛ لأنه أقدر على نفسه وأكثر كبحًا لجماحها، ولا يندفع بالسرعة التي تندفع بها المرأة.

كل هذا كلام حسن ونتائج مبنية على أسباب ما داموا يعتقدونها صحيحة فالنتيجة قوية جدًّا، ولكن أليس يعد مناقضة نفسهم بنفسهم أن يأتوا بعد ذلك فيقولون يقع الطلاق ولو لم يَنْوِهِ الرجل أو لو أكره عليه، يقع مادامت تجري حروفه على لسانه، وكان في شخصه قديرًا على إيقاع الطلاق، ما أظن أحدًا ينكر ذلك مهما أراد الانتصار للمذهب القائم اليوم.

والذي أعتقده أن الذين قالوا الكلام الأول وعللوا ذلك التعليل المعقول، هم غير الذين أصدروا الحكم الثاني، وقليل من البحث يكشف الغطاء عن هذه الحقيقة، ويبدر إلى ذهني أن القائلين بوقوع طلاق المكره والسكران ومن لم يَنْوِ الطلاق هم جماعة من يعتقدون أن المرأة لا روح لها وبالتالي فلا قيمة لها، ومن لا روح له ولا قيمة له بقاؤه وعدمه سِيَّانِ، خصوصًا وأن الرجل يستطيع أن يضم إلى بيته من النسوة أربعًا ومن الموالي ما شاء.

هل بقي من أحد يقول بهذا الرأي اليوم ويعد نفسه إنسانًا عاقلًا؟ هل في بلادنا من يرى هذا الرأي فيظهره لنا ويجهر به ويقيم على قوله أدلته؟ أحسب الناس أصبحوا أعقل بكثير من هذا، والزمان الذي يبين كل يوم عن جديد كشف عن أن المرأة إنسان مثل الرجل تحس وتتألم وتفكر وتعيش.

من أجل أن يتم الإنسان أصغر الأعمال قيمة نراه يطيل التفكير والتقدير، ويستشير معارفه وذوي الخبرة فيما يريد عمله، وينتظر اليوم وغدًا وإلى شهر حتى يقلِّبَ الموضوع في رأسه على مختلف وجوهه، ويُقْدِم ويُحْجِم ويكاد يكون انتهى من كل شيء، ثم إذا هو أعاد الكَرَّةَ وبحث من جديد، فإذا ما وثق من عمله أتمه بكل تحرز وتحفظ، وإن تعلق هذا العمل بغيره دارت بينهما مكاتبات ومناقشات وجرى بينهما رسل ومتكلمون، أفنجعل نحن الطلاق مستهانًا بأمره بحيث يقع لشيء وللا شيء، وسواء فكر الرجل فيه أو لم يفكر وأراده أو لم يرده وعلمت به زوجته أو لم تعلم نجعله ألعوبة وأضحوكة.

يقال إن العرب قبل الإسلام كانوا إذا أرادوا الطلاق أدارت المرأة وجهة بيتها فجعلت الباب بدل أن يكون شرقيًّا غربيًّا مثلًا (وهذا سهل بالطبع في بيوت الشَّعْر) فمتى رجع الرجل ورأى ذلك علم أن قد انتهت العلاقة بينه وبين زوجته، وما أحسبها كان تأخذ هذا العناء قبل أن تفكر في الأمر وتصمم عليه، وإذا اتَّفَقَ أن ساقها طيشها إلى البدء فيه فإنها في أثناء العمل تتروى في المسألة وترجع إلى صوابها، وإن أحوج الأمر ردت البيت إلى أصله، والتشريع في كل الدنيا يسير إلى الإمام لا إلى الوراء ويزيد في حرية الناس ولا ينقص منها.

وليت التشريع الذي عندنا وقف عند الحد الذي ذكرنا، بل إن فيه سوى هذا مضحكات مبكيات فيما يختص بالطلاق والزواج، يقف عليها من كلَّف نفسه عناء مراجعة أي كتاب من كتب الفقه ولو أصغرها حجمًا، أو ما كتبه أقلام مفكرين اضطروا بحكم الوسط والحال التي وجدوا أنفسهم فيها لتسطير أشياء لو أنهم جلسوا بعيدًا عن بلدهم وعن التفكير العام فيها لخجلوا من تسطيرها.

وإني موقن أن ليس في بلدنا مفكر إلا هو آسٍ آسف على كثير ممَّا في قوانيننا، كما لا أحسب أحدًا يظن مجرد ظن في الدفاع عن فكرة وقوع الطلاق من غير نية، وأن أعمالنا اليومية من أكبرها إلى أصغرها لدرس غير صغير يعلمنا أنما الأعمال بالنيات وأن لكل امرئ ما نوى.

بل الذي أعتقده أن كثيرين عندنا ممَّن خصَّصُوا أنفسهم لدرس شيء غير القانون لا يعرفون أن الطلاق يقع بلا نية، وكيف يدور ذلك بخلدهم وأن القانون إلا تقرير ما يفهمه العقل، وتوحي به المنفعة وكل قانون لم يتوفَّر فيه هذان الشرطان قانون فاسد، وإنهم ليدهشون متى علموا ذلك، ويزيد دهشتهم إذا رأوا أن من الناس من لا يزال يجول بخاطره أن يدافع عن أمر غير معقول.

هذا الشيء الخطير — الطلاق — يكاد يكون الشيء الوحيد الذي ينفذ على الإنسان ولو لم يَنْوِهِ، ولو قاله مخطئًا أو ناسيًا، وما سواه يستلزم النية، أشياء كثيرة جدًّا في قانون العقوبات متى فقدت شرط النية سقط العقاب عن مرتكبها، فإذا فرضنا فرضًا غير معقول من أن الطلاق عقوبة نصبها على رأس الرجل، فما أصل جريمته التي تعاقبه من أجلها؟ ثم أي شيء يوجب اشتراك المرأة فيها حتى تقع هي الأخرى تحت طائلة العقاب؟ والأبناء — إن كان ثَمَّتَ أبناء — ما ذنبهم؟

قلَّبت ما استطعت أمام نظري علِّي أجد مبررًا لوقوع الطلاق من غير نية، فرجعت من تعبي بخفي حنين، رجعت خجلًا أن نبقى السنين الطوال — إن لم يكن القرون — تحت حكم قانون غير معقول ونحن به راضون ولأحكامه خاضعون، وعدنا من الشراح من يعلق عليه الشروح الطوال وينتحل لبقائه أعذارًا هو أعلم مني أنها واهية، رجعت وقد علمت أن لا سبيل لإصلاح خطأ الماضي إلا القضاء عليه وإصدار تشريع جديد يسير مع روح الشرع ويقبله العقل.

٥

يجوز للزوج شرعًا أن يؤدب زوجته، فإذا أحوج الأمر أن يضربها أبيح له ذلك على أن يكون الضرب خفيفًا، فإذا ما اشتد الخصام بينهما أو رفع الأمر إلى الحاكم فله أن يعين عدلين ويجعلهما حكمين، والأَوْلَى أن يكون أحدهما من أهله والآخر من أهلها ليستمعا شكواهما وينظرا بينهما ويسعيا في إصلاح أمرهما، أما إذا اشتكت المرأة نشوز زوجها وضربه إياها ضربًا فاحشًا ولو بحق وثبت عليه ذلك بالبينة يعذَّر (راجع المواد ٢٠٩ و٢١٠ و٢١١ من قانون الأحوال الشخصية).

هذا هو الشرع على ما فسره فقهاؤنا، أي أن ليس للمرأة على الرجل من شيء فيما يختص بمعاملته إياها إلا أن لا يضربها ضربًا فاحشًا، وتقدير فحش الضرب بالطبع يختلف على حسب القضاة، فمنهم من يعتبره كذلك لمجرد ظهور أثر الكرباج على جسمها، وآخرون لا يقتنعون إلا إذا كان من نتيجته كسر ذراعها أو ساقها أو أحد أعضائها، وفيما سوى هذا فلا حق لها في الشكوى.

يحكون عندنا حكاية تفسر ذلك الرأي تفسيرًا ظاهرًا؛ ذلك أن امرأة اشتكت زوجها للقاضي مدعية عليه سوء معاملتها، فلما سئل الزوج عن ذلك أجاب: اسألها يا سيدنا القاضي: هي جعانة؟

أجابت المرأة: لأ.

– والهدوم اللي هي لابساها: مين شاريها؟

– جوزي.

– الولد اللي في بطنها من مين؟

– من جوزي. كان ذلك جواب المرأة في حياء.

– اسألها يا سيدنا القاضي عايزة إيه لسه؟

فاقتنع القاضى بأن المرأة لا حق لها في شيء وطردها من مجلسه.

هذا مبلغ ما تفسره به العلاقات الزوجية عندنا، والزوجة مهما كانت رقيقة حساسة كان زوجها شرس الطبع قبيح الخلق ثقيل الدم، مهما عاملها أقبح المعاملة فهي لا تجد ما يدفع عنها شراسة طبعه ولا ما يحميها من رذائله، وبمقدار ما أهملها القانون وتشكَّلت طبعًا بشكله العادات فساعدته أن يضيف إلى هذه الأخلاق من الزوج قوة، وبالزمان تتحول نفس المرأة من نفس صافية بكر لم تلطخ بسوء إلى نفس شريرة دنيئة خبيثة، وبعد ذلك نقول: النساء شياطين.

قص عليَّ بعضُ مَنْ أعرف الحادثة الآتية قال: كنت في بيت مأذون البلد وعنده رجل وامرأته يريد أن يصلح بينهما ويرضي الزوج عنها أو أن يطلقها، فلم يكد يذكر لفظ الطلاق حتى بدت على البنت علائم التأثر، وانهالت الدمعة من عينها ومانعت في ذلك جهدها، وكلما استنكر المأذون سلوكها وسألها إن لم تكن كارهة زوجها حلفت أنها لا تكرهه وكل مناها رضاه عنها، ولكن الزوج العنيد لا يريد أن يرضى ولا يريد أن يطلق، وأخيرًا ساعدت المأذون عليه حتى قبل أن يطلق بشرط أن تعطيه خمسًا وثلاثين مجرًا عدد ما على برقعها، واشتد المأذون مع الصبية حتى قبلت أن تأتي بها، وغابت ثم رجعت ومعها الذهب، فنقدناه فإذا أكثر من نصفه ذهب كذاب، فلما أعلمناها الخبر ارتعدت مستغربة كيف يكون ذلك! وأخيرًا جاءت بها ثلاثًا وعشرين مجرًا صادقة ووقع الطلاق، وكتب المأذون ورقته وختمها الزوج، فما علمت أن أخذتها بيدها حتى إذا الدار ترن بزغروتة طويلة، وإذاها تميل على يدي ويد المأذون تقبلها ثم خرجت مستبشرة ضاحكة كأن قد حصلت على أكبر أمانيها، ثم أضاف إلى ذلك ملحوظته: فانظر صاحبي مكر النسوان وخبثهن، ولتعلم أن من تحت رؤوسهن تأتي كل الدواهي.

رواية مرتبة قامت الزوجة فيها بتمثيل فصلها أحسن قيام، حقيقة أنها خبيثة ماكرة وعرفت كيف تصل إلى أن تطلق من زوجها، ولكن الذي علمها ذلك المكر كله ليس أنها امرأة ولكن أنها مستضعفة أمام القانون والعادة، مهضومة الحق يُدَاسُ كل ما يخصها بالأقدام.

يوصَف اليهود في نواح كثيرة من الأرض بالخبث والدهاء، ليس ذلك لأن خلقهم مركب فيه الدهاء، وإن هم إلا ناس من دم ولحم ويأكلون ويشربون، ولكن الضغط عليهم وتحميلهم الأذى والضيم والميل ضدهم يضطرهم للتهاون في حقهم، ثم يرسل إلى نفوسهم الخديعة والختل والمكر؛ ذلك شأن كل المستضعَفين في العالم، وذلك الحكم يحكم به كل الأقوياء.

القضية العامة المسلم بها من الأكثرين أن المرأة ضعيفة، ولا نستطيع مع الأسف أن نطبق عليها قانون بقاء الأقوى؛ لأنَّا في حاجة مطلقة لها، فإذا كانت ضعيفة يكون من المعقول أن يأتي القانون لمساعدتها وتقوية عضدها، ويكون لها منه ظهرًا تستند إليه عند الحاجة، أو أن يزيدها على ضعفها ضعفًا حتى يضطرها لأن تتحول من المخلوق الوديع الصافي إلى المرأة الخبيثة الماكرة.

يضرب الرجل زوجته تأديبًا لها إن أذنبت، ومن ذا الذي يؤدب الرجل في عظيم خطئه وكبير اعتدائه كل يوم وكل ساعة؟ ليس من العدل أن يُتْرَكَ هكذا مطلَقًا يعمل ما يريد ولا يجد من يردُّه عند حده، وليس من الإنسانية ولا من الرحمة أن تترك المرأة الضعيفة من غير سلاح تدافع به عن نفسها.

إنا لا نريد لها أن تعتدي عليه يومًا ما، هي أودع من أن تبلغ هذا الحد من الوحشية، ولكنَّا نريد لها درعًا تحتمي فيه وتدفع به عن نفسها أن أحوج الموقف دفاعًا وأن وجود درع لها ليكون من شأنه أن يرد الرجل إلى صوابه ويحفظ عليه غيظه أغلب الأحيان، فلا يغضب لكل شيء بل ومن غير ما شيء، ولا يضايقها بزوجة ثانية انتقامًا منها، ولا هو يسيء معاملتها حتى يضطرها إن شاءت الخلاص أن تدفع له جزية فادحة.

وما نطالب بكثير ولا نقول اجعلوا لها من الحقوق مبلغ ما للرجل؛ فإنَّا نعتقد أن الرجال قوامون على النساء، ولكنا نريد أن تكون في مأمن من أن يتزوج بزوجة ثانية إلا إذا كان الموقف يقتضيه بأن تكون الزوجة لا تصلح لشيء أو أن تكون سيئة العشرة بحيث لا تحتمل، وفي كل حال أخرى تكون صلات الزوجية قد أصبحت معها غير ممكنة، وفي كل هذه الأحوال ليس من السهل تصور المرأة تطلق نفسها لأنها تعلم أنها تقضي بذلك على كل أمل لها في الحياة الهنية، أما أن نجبرها وهي زوجة صالحة قائمة بواجبها على البقاء مع رجل قلبه صادف عنها إلى غيرها طامع في مطامع صغيرة فذلك الظلم عين الظلم، وغير هذا من الأحوال التي ذكرنا في المواد المقترحة من أسباب طلاق المرأة نفسها فأحسبه من الوضوح بحيث لا يحتاج كلمة عنه، وكيف نجبر امرأة على بقائها مع زوج زانٍ لنطالبها في الوقت عينه أن تكون عفيفة، أو مع زوج ارتكب ما يمس شرفها وكرامتها، اللهم إن طالبناها بذلك فإنا نكون من الظلم بحيث لا يحتملنا إنسان.

٦

قيل إن امرأة كان لها صاحب تجلس إليه ويتقاصان الأحاديث، فأراد يومًا أن يضحك منها فحكى لها أن السلطان أمر بأن الزوجة يمكنها أن تطلق زوجها، فما لبثت أن سمعت الخبر حتى قامت مسرعة وأخبرت به جماعة من صاحباتها، وما غربت شمس اليوم حتى قررن جميعًا تطليق أزواجهن.

سمعت هذه الأحدوثة مرات من رجال ومن سيدات، ويريد كل من قصها البرهان على أن وضع الطلاق في يد المرأة يدعو إلى جعلها تسيء استعماله إلى حد فظيع، فلا يكون أقرب على لسانها من لفظه عند كل صغيرة أو كبيرة تحدث بينها وبين زوجها.

إذا صَحَّ هذا فهو لا يمس المشروع الذي نريد أن يكون في قانوننا بشيء، فإنَّا لم نعط المرأة الحرية في الطلاق إلى آخر درجاتها، كلا بل ولا إلى قليل منها، بل حددنا هذا الحق لها وحصرناه ووضعنا له الضمانات بحيث لا يكون ألعوبة في يد المرأة، وفي الوقت عينه يكون المؤدب الذي يتقي الرجل شره، على هذا فليس لأحد أن يجعل موضع مناقشة للمواد أن المرأة سريعة الغضب أو أنها خفيفة العقل، فإنَّا لم ندع لها أن تجعل من غضبها سببًا في فساد.

هذا من جهة المواد في ذاتها، وأما من جهة تقرير الواقع فلست أرى من السهل الحكم في المسألة بحيث نعطي عنها حكمًا عامًّا، وأخيرًا كالذي تفيدنا إياه هذه الأحدوثة، وكما يفتكر كثيرون فإنَّا لم نخبرِ المرأة بعد في هذا الموضوع، والنظريات كثيرًا ما يبين الواقع فسادها إلى حد كبير، كما أن بعضهم يرى العكس من ذلك ويريد أن يكون الطلاق بمجرد إرادة أحد الزوجين في يد المرأة دون الرجل، قال ذلك الكاتب: «الطلاق بإرادة أحد الزوجين تريدون؟ إذن فليكن طلاق المرأة زوجها لا الرجل زوجه؛ إذ أن الطلاق بعض ما يسر به الرجل نفسه في حين أنه للمرأة دواء محزن مؤلم لا تلجأ إليه إلا للضرورة المطلقة» على أنه لا ضرورة للتمسك بشيء من هذا ما دام كل طلبنا ينحصر في نقطة محدودة وبسيطة وظاهرة.

يفكر آخرون ويظهر أن هؤلاء أكثر عددًا من الأولين في إخراج الطلاق من يد كل من الرجل والمرأة ووضعه في يد القاضي، فإذا ما اختلفا تخاصما إليه في خلافهما، وله هو إذ ذاك الحكم ببقائهما أو بالتفريق بينهما بمقدار ما تثبت له الأدلة الموضوعة أمامه من كلا الطرفين، وحكمه ككل الأحكام نافذ عليهما.

هذا كلام قد يتفق مع ظاهر القانون، ومن الممكن جدًّا لأصحابه أن يقولوا إنه يضمن بقاء رابطة الزوجية، ويعطي للعائلة القوة اللازمة لحفظ كيانها؛ وبالتالي لحفظ كيان الأمة، وإن الطلاق يكون معه نادرًا ممَّا يجعل الصلة بين المرء وزوجه تصبح على ما يقصد منها شركة الحياة.

كل هذا حسن إذا صح ولكنَّا مع الأسف نراه غير صحيح؛ فإنه أولًا لا يتمشى بقليل ولا بكثير مع روح القانون؛ إذ القاعدة العامة حرية التعاقد وأن كل شخص مكلَّف بالقيام بما تعهد به، فإذا لم يقم به كان للقاضي أن يقدر مبلغ الضرر الذي ينتج عن هذا الامتناع في شكل غرامة مالية، وليس في طوقه أن يجبره على سوى هذا؛ وإذن فإعطاؤه حق إرغام المرأة على بقائها مع زوجها أو الرجل على بقائه من امرأته منافاة لروح القانون وللحرية الشخصية.

على هذا فإن ما يظهر على هذه الدعوى لأول نظرة من اتفاقها مع القانون غير صحيح، ولا وجه للاحتجاج بما عند أوروبا؛ فإنهم كما ذكرت قبلًا منتقلون من أن عقد الزواج عقد فيه يد الله ولا يمكن حله، في حين أن عندنا حق الطلاق مطلق بيد الرجل يصرفه كما يشاء، وإما أن هذا الرأي يعطي للعائلة قوة فهو تزويق ينجلي لأقل تدقيق؛ إذ لو فرضنا تنفيذ قانون كهذا وحكم قاضٍ ببقاء زوجة كارهة في عصمة زوجها كان ذلك ممَّا يدعوها لإدخال أبناء في العائلة لا حق لهم أن يكونوا فيها، ويفسد بذلك أمرها وينقلب بنيانها وتضعف الروابط فيها بين الزوجين وبين الرجل والأولاد، ويصبح حالها مزريًا يستحق الرحمة.

وإن الشكوى التي عمَّت أنحاء أوربا اليوم من فساد العائلة هي في الواقع نتيجة هذا الحَجْر على الحرية عندهم؛ فإن المرأة التي لا تجد وسيلة للخلاص من زوجها بالقانون وتُسَدُّ في وجهها أبواب الفرج، تلجأ إلى حمى غيره حتى تستريح من عنائه، وما أدري إذا كان الحال على هذا عندنا غير أني أعرف أن كثيرات من طبقة العمال والأوساط في الريف يركنَّ إلى شيء يشبهه، فتجد الواحدة منهن من اللذة في خيانة زوجها الذي تكره ما يحرضها على ارتكاب أشياء لم تكن ترضاها من قبل؛ وذلك لتحمله على تطليقها.

إذن فليس بصحيح أن هذا القانون المرجو الذي يسمح للقاضي بالتداخل في أمر الطلاق يكون سببًا في احترام رابطة الزواج ولا في حفظ كيان العائلة، ولا في شيء من هذا، بل إنه يكون اعتداء على حرية مقدسة هي حرية الإحساس، ويضطر كثيرين وكثيرات لإذاعة أشياء لا يَوَدُّونَ إطلاع أحد عليها من أسرار العائلة، وهل من العدل أو الذوق أو من المعقول أن يجعل الإنسان يسرد الحوادث الدخيلة التي تغير من أجلها شعوره ليحكم فيها محكمون.

إذا كان هذا الرأي لا يسير مع القانون ولا يتفق مع المصلحة ولا ينصح به العقل، فأي سبب دعا أصحابه للقول به ومنهم عقلاء مفكرون ليس من السهل الحكم بأنهم قالوه جزافًا؟ السبب بين واضح: أنهم رأوا كثرة الطلاق عندنا إلى حد مريع وقفوا إزاءه مبهوتين، وأرادوا في الوقت عينه أن يجدوا ما يداووا به الحال، وأول ما يطرأ بالبال أن يضع الإنسان في الطريق مانعًا يقف في وجه الشر الذي يرونه، وكأنما يغيب عنه أن وضع المانع يضيف إلى قوة هذا الشر المحجوز، فيدفع بناره كل ما أمامه، ويسير بقوة أكثر من ذي قبل، في حين إن استطاع أن يجد له منفذًا ينصرف منه هدأ ذلك من حدته رويدًا رويدًا حتى يزول، كذلك لنقوم نحن في وجه الطلاق بحزم وحكمة يلزم أن نضع مانعًا في الطريق مسألة الإرادة والنية وعلم بالزواج الثاني، ثم نفتح منفذًا بإعطاء المرأة حق الطلاق ولو في المسائل القليلة التي ذكرنا.

وإنه ليخيل لي أن هؤلاء المفكرين لم يَرِدْ ببالهم هذا الحل، ولو أنه ورد لما استعاضوا عنه بديلًا ولا عدلوا به آخر يقص أطراف حرية نملكها اليوم ويجعلنا بدل أن نتقدم مع الزمان إلى أوسع نطاق ممكن من الحرية نتقهقر يومًا بعد يوم، كما أنه يظهر لي كذلك أن الحال في أوربا بلاد المدنية أثَّر عليهم فقالوا: وما لنا لا نكون مثلهم فنبلغ مبلغهم وترقى العائلة عندنا رقيها عندهم! ولكن العادات والأخلاق والآداب في الأمم لا تجيء مسألة نقل عن آخرين، ولكنها نتيجة عمل أزمان وأجيال تنقلت فيها الأمة من حال لحال، وتدرجت من يوم إلى ما بعده، وتنمو فيها عادة وتستيقظ أخرى، ويقوم قانون ويلغى آخر مع دورة الزمان؛ لذلك من الخطأ الواضح أن تريد أمة إقامة بنيانها بمجموع أخلاق غيرها وقوانينهم وآدابهم؛ فإنها إن عملت ذلك فقدت شخصيتها ونسي أبناؤها أنهم أبناؤها؛ إذ لا يجدون قلوبهم ملأى باحترام ماضي أمتهم الطويل، وإن وجهوا أنظارهم لشيء وجهوها لمن أخذوا عنهم، فتموت فيها صفات الأمة وتسقط عنهم كل معانيها.

حسبنا ما أخذنا في الماضي عن أوربا إرضاء لأطماع ملوكنا وحكامنا؛ فإنا لا نزال ننوء بأحماله إلى اليوم، ولنجعل مستقبلنا دائمًا نتيجة من نتائج الماضي تنقلها الأيام وتضيف لها قليلًا قليلًا من أجزاء الحرية التي نفقد، وإنَّا بعد ذلك على يقين من أن الغاية التي نصل لها تكون أرسخ قدمًا ألف مرة ممَّا لو كنَّا لنستمر في التقليد البحت كما أنها تكون أقرب منالًا.

٧

من الأشياء التي تشغل فكر كل باحث في شأن العلائق بين الرجل والمرأة مسألة العائلة، فهي دائمًا الغاية التي ترمي بفكره وأكبر آماله أن يصل من بحثه إلى جعلها متماسكة وسعيدة؛ ذلك لأن العائلة هي الأمة المصغَّرة، فإذا ما سعدت هي وتماسكت كان ذلك سعد الأمة وتماسكها، هي كذلك موضع فزع أنصار الحاضر المتخوفين من كل تغيير المعتقِدين أن كل خطوة إلى الأمام دخول إلى عالم الشرور، وهؤلاء يخيل لهم أن الموجود مهما كان به من فساد وعوج خير من غير الموجود ولو تحقق عنه النفع والخير.

لا حاجة لي أن أذكر هنا فساد هذا المبدأ، فلو تحقق يومًا ما لكان الضربة القاضية على العالم، ولو عمل به جديًّا لكُنَّا اليوم لا نزال في عهد آدم وحواء، هذا رغمًا عن أنه من المحال أن يعمل به إذ ما دام للناس في رؤوسهم عقول يفقهون بها وأعين يبصرون بها فهم دائمًا سائرون أرادوا ذلك السير أو أَبَوْهُ.

مسألة العائلة مسألة كبيرة عويصة الحل، ومن أجل أن نصل إلى إسعادها يجب أن نضع أمامنا فروضًا كثيرة لنرى أيُّها يصل بنا إلى ما نشاء، وكما هو الحال في كل أمور العالم يلزم أن نطلب دائمًا ما هو أحسن من الحاضر، ونوجه كل سعينا هذه الوجهة غير متخوِّفين ولا مزعزعي العقيدة في ما نعمل أو الثقة بأنفسنا، يجب أن نطلب ذلك مهما كان الحاضر حسنًا؛ فإن الكمال لم تطأ قدمه أرضنا بعد، وكل عمل الإنسانية إنما هو السعي نحو الكمال.

فرضت أمامي أشكالًا من العائلة متعددة فلم يكن ما عندنا اليوم بخيرها، كلا بل ولا هو بالحسن منها، وما بالك بعلاقة منغصة العرى ورابطة مفصومة، وأفراد كل يحس من ناحيته غير التي يحس منها صاحبه، ويفهم بشكل غير الذي يفهم به الآخر، ويعيش بعيدًا عنه أغلب الأحيان، ويهتم بأمور لا تعني الثاني ولا يعلق عليها شيئًا من الأهمية، فإذا ما جمعتهم الصدفة أو الحاجة رأيت مجموعًا مفكك الأجزاء يحكم عليه أغلب الأحيان سكوت أخرس، وإذا ما تكلموا ظهر على كلامهم من أثر التكلُّف، وينادي كل منهم صاحبه إما بألقاب التفخيم والتبجيل والإجلال أو الإصغار والاستهانة، ما بالك بقوم ينحصر كل ما بينهم من الصلة في إنتاج الأبناء.

ولقد وجد من يهتمون بزيادة الأمة ضعفًا عن ذلك المكان ما يبلغون به غرضهم، فزادوا الهوة بين المتفرِّقين سعة وخرَّجوا الابن على غير شكل آبائه، وأعطوه من التعليم ما لا يُبقي له سبيلًا لمشاركتهم في الإحساس، ولما كُنَّا لا نهتم بشأن الرابطة بيننا وبين أبنائنا وأزواجنا بما نفثه هذا الشكل من الحياة في قلوبنا، لم نشعر بعملهم ورحنا نتخبط في البحث عن أذاهم وننسب لهم أشياء كثيرة صغيرة في حين نسينا هذا الداء الكبير.

أصل هذا الضعف في البناء العائلى عندنا يرجع إلى أسباب متعددة، من أقواها ما نعاني اليوم من تعدد الزوجات والطلاق، وما أحسب إنسانًا يتردد مطلقًا في القول بأن وجود زوجتين لرجل واحد كلاهما أمٌّ تحب أبناءها يخلق بين الأبناء وآبائهم أو بين الإخوة فيما بينهم من خير مطلقًا، وإني أؤكد للقارئ أني أعرف أشخاصًا هم أكبر إخوانهم أعطتهم الصدفة من الحظ أن وجدوا بعيدًا عن عائلاتهم هم ومن أصغر منهم، وأوحى لهم عقلهم أن يجاهدوا ما استطاعوا لمحو كل ما من شأنه أن يعد فرقًا بين إخوتهم الأشقاء وبين الآخرين، وعملوا لذلك كثيرًا، ومع ذلك وبعد أن حسبوا أنهم أفلحوا إذا حوادث صغيرة أثارت خلافًا ظهر لهم من خلاله مبلغ خطئهم، وأنه لا تزال الفروق توجد، ويعد الصغير أحد أخوته أحب إليه لا لشيء آخر إلا لأنه أخوه شقيقه.

هذه نتيجة مؤلمة ولكنها الواقع، وأكثر منها إيلامًا ما أعرف كذلك عن كثيرين شكوا إلي مرَّ الشكوى ممَّا تثيره زوج أبيهم بينهم وبين هذا الأب من الخلاف حتى لتحمله أحيانًا على إرسالهم على وجههم يبتغون رزقهم من غير ما رحمة ولا حنان.

وأشد إيلامًا وأوقع في النفس حال أبناء المطلقة، يا لشقائهم! لا يجدون في الشتاء القارس مبيتًا عند أحد، والزوجة الجديدة أو الزوجات الأخريات مع أبنائهن في الكن والدفء، يسير ابن المطلقة البائس وسط صحن الدار يقرسه البرد، حتى إذا ما كده الألم غلبه النوم فيلجأ إلى جانب من جوانب الدار يتخذ مخدة تحت رأسه عتبة قاعة من القاعات أو قالبًا من الطوب، أو يلجأون إلى غرفة الخدم، هذا في الأرياف وما أدري ما شأن البائس المشرد تحت سماء القاهرة.

وليس أحسن حظًا من ابن المطلقة الباقي مع أبيه ابن المرأة المكروهة من زوجها التي تثير في نفسه لكل مقابلة لها معه من القسوة والحقد ما يجعله الأسد الضاري المفترس.

يجب من أجل سعادة العائلة أن يكون بين الرجل وزوجته شيء من الحب، أو على الأقل شبه الحب، وهل يتيسر ذلك مع تعدد الزوجات، كذلك لا بد أن يشعر الابن في أعماق نفسه بالصلة الكبيرة بينه وبين آبائه، يجب أن يحس أن هناك بينهم شيء آخر سوى أنهم ينفقون عليه ويقدمون له أسباب معيشته، إن هناك رابطة قوية بين أبويه وإخوته وبنيه، وإن هؤلاء الذين يعيشون معه تحت سماء واحدة أيام صغره ليسوا أفرادًا أوجدتهم الصدفة، فهم كغيرهم بالنسبة له، ولا هم مضايقات أرسلت بها الطبيعة لتفسد عليه حياته، ولكنهم أهله الذين يحبونه ويسرون معه ويتألمون لألمه، وهل ذلك ممكن مع حالنا التي وصفنا؟

إذا كانت السعادة غير ممكنة مع هذه الحال فأي لذة ترانا نجد في بقائها، أو أي قوة ترغمنا على هذا البقاء؟ لِمَ نتمسك بها ولا نبحث عمَّا هو خير منها؟ هل ذلك تعلق منا بالحاضر؟

يقول أقوام: باللهِ لقد جُربت علينا أشياء كثيرة في مسائل الحكومة والإدارة ولم تنجح فلنقنع بما عندنا فيها وفي غيرها. ويقول آخرون: إن المساواة بين الرجل والمرأة لم تجرب بعدُ في أمة من الأمم فلا نجربها نحن. ويتبع هؤلاء من يقول: كذلك كل شيء لم يجرب عند غيرنا أحرى بنا أن ننتظر فيه الغير. وعار على الأمة كل ما يقولون، هل قضي علينا قضاء أخيرًا أن نكون أذنابًا لكل الأمم؟ أم نحن من قصر النظر وضعف النفس بحيث لا نستطيع سوى تقليد غيرنا.

أكرر أن لنا ماضيًا يجب أن نحتفظ به ونبني عليه حتى يكون سيرنا أكيدًا ومعقولًا، وأن نستمر في البناء مقدمين غير متهيبين؛ فإن الأمم مجموع أجيال على قرون من الزمان عديدة، ونسيان الحاضر الماضي جريًا وراء أقوام غيرنا قتل لقوى وملكات، وفصم للسلسلة المتتابعة بين الأجيال، كما أن الرضى بالحاضر والتماوت عليه وقوف في حين يمشي العالم وجمود غير مغتفر، فإذا صدق ما نطلب من التقدم وإذا كنا ككُلِّ الناس مدفوعين بطبيعتنا للسير إلى الأمام فلنسِرْ من غير ما تخوُّف ولا وجل.

وإذا كنا نسارع إلى إصلاح الممكن إصلاحه فها هي العائلة تئن وتضج، ومظهرها وحده يستدعي الرحمة فلنسارع لإصلاحها، وإصلاحها إن لم يكن بالأمر السهل فما هو كذلك بمستحيل.

٨

مصاب العائلة نتيجة من نتائج التشريع الحاضر وما تركه من الأثر في النفوس بالزمان الطويل، واعتقاد الناس أن هذا التشريع قضاء من الله نازل بهم، فواجبهم أن يشكلوا أنفسهم بشكله حتى يقدروا على احتماله، ومع أن هذا الاعتقاد غير صحيح؛ إذ القوانين التي تحكمنا اليوم هي قضاء أبي حنيفة وأصحابه ومن تبعه وأحكام الولاة وذوي السلطة، فقد بقي راسخًا في نفس الكثيرين، ولا يزال من الناس من يؤمن بأن تغييره تغيير لما أنزل الله، وإِنْ تغييره إلا تغيير ما قال أبو حنيفة أو أحد أصحابه ممن عاصره أو جاء من بعده.

أما التشريع الذي نقترح وضعه فمع تمشيه مع أصول الشريعة ومع موافقته لأقوال جماعة من الفقهاء، فهو رغمًا عن أنه خطوة ضيقة جدًّا في طريق سيرنا يفتح لنا بابًا نسير منه بالفرد وبالعائلة إلى السعادة التي ننشدها، ويقف حائلًا دون أضرار شتى وفساد كبير ممَّا هو ناتج عن التشريع الحاضر، كما أن له فضيلة أنه نتيجة قريبة عن هذا التشريع الحاضر، ماذا عملنا نحن؟ شيئًا بسيطًا جدًّا، حددنا وقوع الطلاق بالحد المعقول من النية والإرادة وعلم الشخص الثاني به، وكل تلك الحدود توجد في العقود كلها وفي التصرفات من أي نوع كانت؛ فإنه إن فرضنا وتَمَّ عقد بيع مثلًا، ثم أراد المتعاقدان فسخه أو الرجوع فيه، لم يصح رجوع من أيهما إلا إذا نواه وأخبر به الآخر، وغاية ما في الأمر أن لم نجعل رضى أيهما هنا واجبًا؛ لأن هذا الرجوع يتعلق بالحرية الشخصية، وكل ما تعلق بها لا يكون فيه إلزام أو جبر، إلا أن يحكم القاضي بالتعويض على الراجع، وأقرب العقود شبهًا بعقد الزواج ويعطينا معنى منه كاملًا عقد إجارة الأشخاص وكل العقود الشخصية، فلو حصل واتفقتُ مع آخر أن يبني بيتًا ثم امتنع، لم يكن في طوق أحد ولا القاضي ولا غيره أن يجبره عليه، وإنما ينفذ على ماله التعويض الذي يحكم لي به.

وأعطينا المرأة حق طلاق نفسها في أحوال شتى، لم تتقدم بكثير عن القانون الموجود اليوم، إنه يسمح لها أن تشترط لنفسها حق الطلاق في العقد، فنقلنا نحن أحوالًا محددة وجعلناها بدل أن نشترطها في العقد تكون لها من غير شرط؛ على هذا فعملنا الذي نريد اليوم ليس هدم الحاضر ولكن تعديله تعديلًا بسيطًا.

مع بساطة هذا التعديل فإنه سيفتح لنا بابًا تسير منه العائلة للسعادة؛ ذلك أن يخرج الزوجية من أن تكون الحياة المملوءة بالأنانية، والكبرياء من جهة الرجل والتذلل والخضوع من جهة المرأة إلى حياة يخالطها شيء من الحب المتبادل والشرف والمساواة إلى حدٍّ ما، ويرفع بذلك حتمًا من نفوس الجميع إلى شيء من العزة، ويعطيها من الحرية ما تعرف معه كيف تطعم العيش السعيد.

محال أن يكون لحياة العائلة قيمة ما دامت المرأة تحس من جانبها بالضعف المطلق؛ لأنها تصرف وقتها إذ ذاك لا في تربية أبنائها تربية حسنة حرة ولا في تنظيم بيتها تنظيمًا اقتصاديًّا وجميلًا معًا، ولا في العمل لعزاء زوجها عمَّا قد يصيبه، ولكنها تصرفه في الجهاد للوصول إلى الطريق التي تملك منها على الرجل كل وجوده، ويكون لها عليه من السلطة مقدار ما له عليها، وتصبح الحياة المتبادلة بينهما لا حياة هناء مشترك يتذوقان لذتها معًا مسرورين بوجودها، ولكن حياة جهاد من جانب المرأة أن تجمع في يدها قوة تعدل ما وضع القانون في يد الرجل وحياة، تخبط من جهة الرجل في أمر زوجه وحياة شر وفساد من جانبهما معًا.

لكن إذا حققنا لهما شيئًا من المساواة مهما كانت جزئية، وجعلنا الزوج يشعر بوجوب احترام زوجته، وجعلناها تشعر هي من جانبها أنها عزيزة الجانب؛ لم يَبْقَ هناك من حاجة لما ترمي به اليوم، وبحق أغلب الأحيان، من المكر بزوجها وقياده إلى حيث تريد هي بطرق شيطانية لا يعرفها هو ولا يعرفها أمثاله، ولكنما يقف على دقاقها من عليه من الضغط الشديد مبلغ ما هو واقع على رأس المرأة.

والواقع أنه كلما تساوت حقوقهما أمام القانون كلما كانا أقرب للسعادة، ولكنَّا لا نطلب ذلك اليوم، لا نطلب للمرأة أن تطلق الرجل متى شاءت لأن الاجتماع الحاضر عندنا لا يساعد عليه ولا ينصح به، وليته كان ممكنًا فكنَّا طلبناه ولكنه غير ممكن.

يقول أقوام إن هذه المساواة غير معقولة مطلقًا؛ لأن طبيعة المرأة غير طبيعته، وإن بينها وبينه من الفروق في الوظائف الاجتماعية ما يجعلنا نجزم بوجوب التفريق، وأن نزيد في حقوقه على حقوقها، ولا أناقش مطلقًا في أن بين الجنسين فرقًا، ولكني أقول إنه مهما يكن الفرق فلا يدعو للتفرقة بينهما في التشريع … هل نفرق نحن بين الغني والفقير أو بين القوي والضعيف أو بين العامل والكسلان أو بين العالم والجاهل، أو أنَّا نقول إن الناس جميعًا متساوون أمام القانون، وتخالفهم في الطبقات والدرجات والأشكال لا يبرر مطلقًا إيجاد تفاوت بينهم من الوجهة القانونية.

أو أنه يخلق فروقًا؛ لأن الطبيعة وضعت الرجل في مركز غير الذي وضعت فيه المرأة؟ ما أشبهه إذ ذاك بالرومان والأقدمين ممَّن كانوا يحكمون العامة بقوانين غير التي تحكم الخاصة، وإذا كان اليوم الذي تساوى فيه جميع الرجال جاء قبل اليوم الذي يتساوى فيه جميع الناس؛ فليس ذلك لأن هذا اليوم الثاني غير آتٍ، ولكن لأن اليوم الأول وجد أنصارًا قبله.

كل ذلك نقوله مع اعتقادنا أن الزمان الآتي هو الذي سيحققه، وأما طلبنا اليوم فهو محصور في المواد التي قدمنا ذكرها والتي نظن أنها أقوى الضمانات في الحاضر لسعادة الفرد والعائلة، وبالتالي لسعادة المجموع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠