الفصل السابع

التدريس في المغرب والبحث الدولي في اليابان (١٩٨٢–١٩٨٧م)

وبعد كُل هذا الشد والجذب تَعِبت، فعَرضَ عليَّ صديقي حبيب الشاروني الذي كان يُدرِّس بالمغرب بفاس أن أَحُل محلَّه لأنه سيعود إلى مصر، وبالفعل قبِلتُ. وغادرتُ إلى فاس مع زوجتي وأطفالي الثلاثة: حازم، حاتم، حنين. وأَدخَلناهم المدارس بجوار المنزل الذي كان أقرب إلى فيلَّا في حديقة في شارع بن عائشة رقم ١٢. وشَرَح إلِيَّ الإخوة المصريون والسوريون والعراقيون أن أوراقي ستَتوقَّف في الوزارة، ولا تسير وتأخذ طريقها إلا إذا دَفَعتُ ما نُسمِّيه في مصر «رشوة»، فرفضتُ، وظلَلتُ بلا مُرتَّب، وكان لا يزيد عن ألف دولار شهريًّا. وبعد تدخُّل الأصدقاء مثل محمد عزيز لحبابي صرفوا إليَّ المُتأخِّر كُلَّه. ولمَّا علِمَت مُوظَّفةُ البنك أنني مصري، وقد أرجع إلى مصر، طَلبَت مني أن أُحضِر لها قماش «بوبلين»، وكُنتُ سمِعتُ هذا اللفظ من والدتي وأنا صغير، كما طلَب مني العميد «المعلوم» حتى أُسوِّي أموري بالكلية والجامعة، فأخرجتُ رُزمةً من الأوراق فئة المائة درهم. ولمَّا أخذت زوجتي العربة السيات التي اشتريناها من إسبانيا ونَزلَت وسط المدينة لشراء بعض المواد الغذائية خاصة اللحوم، وعادت، وَجَدَتِ الشرطي واقفًا ﺑ «الكلبش» بجوار العربة، فعُفِي عنها لأنها سيدةٌ مصرية وإلا لكان له شأنٌ آخر. وكُنتُ قد ذهبتُ إلى إسبانيا، الدولة المُجاوِرة، واشتريتُ عربة سيات Seat وهي فيات الإسبانية، فيات الإيطالية المُصنَّعة في إسبانيا كي أَتحَّرك بها إلى الجامعة وأزور المغرب. وكُنتُ أُدرِّس للسنة الرابعة لطلابٍ غاية في العمق والشجاعة والجرأة في المناقشة. ولم أَرَ طالبًا عربيًّا في مثل هذه الثقافة والوعي العربي والجرأة مثل الطالب المغربي. وكُنتُ أُعطي درسًا ثانيًا للسنة الأولى التي كان يحضر فيها حوالي أكثر من أربعمائة طالبٍ من كُلِّ السنوات والكليات. وكنت أَسمحُ لمن يريد الحديث أن يتحدث، وطلب الأمازيغيون الحديث كثيرًا، وكذلك الماركسيون، ولم يكن هناك سلفيون، وكُنتُ لا أرفض أي دعوة للحديث خارج الجامعة مثل حزب الاستقلال. وحاضَرتُ في سلا ومكناس والرباط والدار البيضاء ومراكش في الجنوب، وتطوان في الشمال. واتَّصَلتُ بالأحزاب التقدُّمية والجرائد والمجلات الماركسية مثل «أنوال».

وقمنا بالسياحة، زوجتي وأنا وأولادي الثلاثة عبر المغرب جنوبًا وشمالًا وشرقًا؛ فذهبنا إلى الشمال عبر تطوان، وعبَرنا جبل طارق إلى إسبانيا. ورأينا الآثار الإسلامية، قصر الحمرا في غرناطة، جامع قرطبة وجيرالدا في إشبيلية، وهي بقايا المئذنة لمسجدها الكبير، بل ذهبنا إلى مدريد وقبلَها طليطلة لِنرى سورها وآثارها الإسلامية، وفخامة العاصمة مدريد. ثم ذهَبنا مرةً أخرى إلى الجنوب إلى بلاد الأمازيغ حتى مراكش وجبالها من حولها. ثم نَزلنا إلى الجنوب، مدينة العيون والحدود الموريتانية، وهناك حَدثَت حادثةٌ للعربة؛ إذ أَسقَط علينا عاملٌ على جبل حجارة فجاءت تحت العربة، فأوقف مُحرِّك السيارة تمامًا. وكان هذا العامل جُنديًّا بالجيش، فاستَدعَى الونش وجَرَّها إلى توكيل فيات بالمدينة، وانتظرنا حتى تم إصلاحها. ودعانا هذا الجندي إلى منزله بالطقوس المغربية، المائدة والمناديل البيضاء إرضاءً لنا، وإلا كان الجيش وقَّع عليه عقوبة الإهمال. وعُدنا إلى فاس، ومرةً ثالثة إلى الشرق، من فاس إلى وجدة على الحدود الجزائرية بعد أن تلقيت دعوة من المؤتمر العربي للقاء في تونس. فذهبنا عبر المغرب العربي كله. وعجبنا من غلق الحدود بين المغرب والجزائر، ودِقَّة التفتيش وخلع الأحذية. وكان مُوظَّف الجمارك يريد خلع باب العربة لَعلي أَخفَيتُ فيها شيئًا، وأخذوا ما لدينا من عملةٍ مغربية نستلمها حين العودة، ورأينا المُهرِّبِين عَبر الحُدود. ومَرَرنا عَبر الساحل الشمالي بعد أول مدينة، مغنية، وكان جَبليًّا، وخافَتِ الأُسرة، وفَضَّلَت طريق الأصنام الجنوبي حتى عبرنا الحدود الجزائرية التونسية. ووَصَلنا إلى تونس، وعُدنا من نفس الطريق الذي فيه السلامة والأمان دون التوقُّف في تلمسان غرب تونس، وعُدنا من نفس الطريق إلى فاس؛ لِغضبي أننا لم نَرجِعْ عن طريق الساحل الجبلي كي تزداد معرفتنا به.

والمرأة المغربية في هذا الوقت كانت حديثةً في لباسها وسلوكها؛ فلم تكن الحركة السلفية قد انتشرت بعدُ، تعتني بجمالها، شَعرِها، و«مكياجها». وكانت اجتماعية يسهُلُ الحديث معها، يغلب عليها الطابع الفرنسي، وليس الشرقي. وكان معي أخي وصديقي محمود إسماعيل أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس، مُعارًا إلى المغرب. وكُنَّا نذهب إلى المقهى، ونطلب قهوةً بالحليب، ونحادث الفتيات على الكراسي المجاورة أو السائراتِ في الطريق، فلا يُمانعنَ من تبادُل الحديث. وكان المصري محبوبًا للغاية، خاصة اللهجة المصرية من خلال الأفلام السينمائية؛ فكثيرٌ من العرب جُذورُهم مغاربة، نزحوا من الأندلس مثلي؛ فاسمي حسن حنفي حسنين أحمد حسنين المغربي؛ فقد نزح جَد جَدِّي من الأندلس، واستقر في المغرب. وكان كثيرٌ من المغاربة في طريقهم إلى الحج يمرون بمصر، ويستقرون بها حين العودة، وهناك حيٌّ بالإسكندرية يُسمَّى حارة المغاربة، وما زال الأقارب يسكنون فيها ويعملون بالمهن العربية مثل الحياكة. وكثيرٌ من مشايخ الصوفية نازحون من المغرب مثل السيد البدوي بطنطا، والمرسي أبي العباس في الإسكندرية من مدينة مُرسيا الأندلسية؛ فالتصوُّف المغربي رَدٌّ فعلٍ على انسحاب المُسلمِين من الأندلس وهزيمتهم أمام فرناندو إيزابيلا لآخر المعاقل في غرناطة، وتسليم عبد الله بن الأحمر قصر الحمراء لهما دون قتالٍ بشرط عدم قيام المارشال بيتان بتسليم باريس للألمان في الحرب العالمية الثانية شرط عدم تدميرها، كنائسها، ومتاحفها، وقصورها.

والعادات المغربية فريدةٌ في نوعها خاصةً في شهر رمضان؛ فالصوم واجبٌ ديني. وما إن ينطلق أذان المغرب حتى يبدأ المغربي بأكل الحلوى وشرب الشيشة وربما لعب الطاولة والدومينو وربما المعاشرة الجنسية. ويبدأ الإفطار في الساعة الحادية عشرة ليلًا بعد صلاة التراويح، ثم يبدأ الخروج إلى الشوارع للسَّمر ولقاء الأصدقاء. أمَّا السحور فقبل الفجر بقليلٍ مع صلاة الفجر. يوم الجمعة أكل السكسك «الكسكسي»، مُقدَّم بالخضار واللحم وليس بالسكر والزبيب في الأفراح كما هو الحال عندنا في مصر، ويُقدَّم على مائدةٍ مستديرة يجلس عليها الضيوف وما تبقَّى يُعطى لأصحاب المنزل، ثم يُقدَّم الشاي الأخضر. واللباس المغربي للسيدات جلبابٌ أَخضرُ طويل، عليه نقوشٌ من خيوط الذهب الصفراء، وتضع السيدة جميع أنواع الحُلي في وجهها وعلى صدرها. أمَّا الرجل فيلبس القُفطانَ المغربيَّ الطويل وعلى رأسِه الطربوش الأحمر ذو الزِّر الأسود، وفي قدمَيه الخُف المغربي، لم يتفرنس كما هو الحال في الجزائر وتونس. الحديث عن الدين يسبق الحديث عن السياسة، مؤمنٌ بالقلب ومُنفتِحٌ حُر في السلوك، يتكلم العربية الفُصحَى قَدْر الإمكان بالرغم من وجود اللهجة المغربية.

والفَقر في المغرب مثل الفقر في مصر، وسكان العشوائيات في المغرب مثل سكان العشوائيات في مصر، والقصور في المغرب مثل القصور والتجمَّعات الجديدة في مصر، والبطالة في المغرب مثل البطالة في مصر، ومغادرة الأوطان إلى أوروبا في المغرب مثل مغادرة الأوطان في مصر. المرأة في المغرب تعمل ربَّاتِ بيوت، وتُسمَّى في مصر «شغَّالة»، وأَكثَرهُن في المغرب، ولكنها تتأنَّق وتَلبَس خَير ما عندها من حُلي وجلاليبَ مغربية، عمِلَت لدينا أكثرُ من واحدة تطبخ وتغسل وتُنظِّف. وإذا خَرجَت الزوجة من المنزل لِعمَلها فإن الشغَّالة تقوم بباقي الواجبات للرجل مثل إعداد القهوة وغير ذلك، وقد تقوم بما تقوم به الزوجات حين غيابها. والمنزل المغربي منزلٌ عربي أصيل، الديكورات العربية والأرابيسك والأقواس العربية، ما تبقَّى من الأندلس. في قلب كُلِّ مغربيٍّ يسكُن قَصرُ الحمرا بأعمدته ونوافذه ونوافيره المتسقة. والخضرة في ربوع المغرب تجعله جنةً على الأرض، الورود بكافَّة ألوانها، والروائح العطرة التي تُنافس روائح الورود. وتمتد المغرب من طنجة شمالًا إلى العيون جنوبًا إلى وجدة شرقًا، جبال وتلال ونخيل وأشجار. من يَعشَق الحياة يُحب أن يعيش فيها، ومن يُعمِل عقله؛ فالطالب المغربي خيرُ مُحاوِر، ولُغته العربية الفُصحَى سليمة، والابتسامة على وجهه، لا يعبأ بالزمن، يُفضِّل الاستمرار في الجامعة على أن يتَخرَّج ويُصبحَ عاطلًا، وبالرغم من بعده عن الوطن العربي مثل مصر إلا أنه يحمل همومه، وفي قلبها فلسطين، وكما قال الجابري: تمَشرَق المغرب وتمَغرَب المشرق. وما زالتا مدينتا سبتة ومليلة تحت الاحتلال الإسباني، لا تثاران في السياسة المغربية خشية أن تطرد إسبانيا المغاربة من على أرضها، طابعها أوروبي وليس عربيًّا، العرب فيها يُهرِّبون ما يستطيعون رجالًا ونساءً، ولهم أسواقهم، تتركهم إسبانيا في المَدينتَين يدخلون ويخرجون في مقابل الاحتفاظ بهما إسبانيتَين، وتتحوَّل المدينتان إلى غُصَّة في القلب، وأنا ابن جيل التحرُّر الوطني.

كانت طنجة مِثلَهما ثم تَحرَّرَت، فلماذا لا تتحرَّر المدينتان أُسوةً بطنجة وسنغافورة وهونج كونج وكيب تاون وربما أيضًا قناة السويس قبل اتفاقية الجلاء ١٩٥٤م والتأميم ١٩٥٦م.

ومرةً دعاني حزب الاستقلال لِأُلقي محاضرةً في فندق فاس عن «نظام الحكم في الإسلام». فقلت ما يعرفه الجميع، صغيرًا وكبيرًا، مُؤمنًا ومُلحدًا، أنه ليس نظامًا إلهيًّا أو مَلكيًّا أو وراثيًّا. واستَشهَدتُ بآية إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً، وأن نظام الحكم في الإسلام شورى، وأن مقاومة الحاكم الظالم جزءٌ من واجب العلماء بناءً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغادَر بعض الأساتذة من الصفوف الأُولى، ولم أفهم ما السبب. وأَضَفتُ أنه لا يجوز تقبيلُ يدِ الحاكم أو قَدمِه أو حافرِ حِصانه لأن قَدْره لم يصل بعدُ إلى تقبيل القدم. وجاءت الشرطة إلى المنزل لاستجوابي في قسم الشرطة، وسألوني: إذا كُنتُ أقصد فعلًا مَلِكًا بِعَينه؟ ألا أُقبِّل يد الوالد أو الوالدة؟ فأجبتُ بالنفي. وما كان أَسهلَ من الردِّ عليَّ بالقول بأن سياق هذه الآية هو النظام الفارسي، نظام الكياسرة، والنظام الروماني، نظام الأباطرة! وقد كان داود ملِكًا على بني إسرائيل، وكانت سبأ ملكةً على شعب اليمن وآمنَت بنبوة سليمان، ولكن «اللي على رأسه بطحة يحس بها» أو «لكِ الكلام يا جارة». وظلَلتُ تحت الاستجواب، ورفضوا أن أتصل بالأسرة لِأُطمئِنهم عليَّ خاصة وأن حادثة بن بركة في الأذهان. وظل محمود إسماعيل وطه المصري الأستاذ الذي كان لصيقًا بالعميد الفاسي يبحثون عني. وأخيرًا جاء القرار بأن أترك البلاد في ظل أربعٍ وعشرين ساعة، ثم أُفرِج عني، وذهبتُ إلى المنزل والأسرة تبكي. وهنا ذهب محمد عزيز لحبابي إلى بن سودة المسئول عن الجامعات في القصر، وأَخبَرهم أنها ستكون فضيحةً لو طُرِد هذا الأستاذ الكبير من المغرب، فطلبوا مني الاعتذار، وعن أي شيء أعتذر؟ عن آية قرآنية لست مُؤلِّفَها؟ وأخيرًا رضي الملك أن يُؤخِّر مغادرة البلاد حتى ٣٠ يونيو نهاية العام الدراسي من أجل الأولاد في المدارس، وطلبوا من زوجتي التي كانت تُدرِّس اللغة الإنجليزية الاستقالة، واشتَرَطوا عليَّ ألا أتكلَّم خارج الجامعة. ووقعَت مظاهرات الشمال، في الحسيمة والناضور يناير ١٩٨٤م، مظاهرات الفُقراء مثل ١٨-١٩ يناير ١٩٧٧م في مصر، واتَّهَم الملك من جديدٍ الأساتذة المَشارِقة، مصريِّين وسوريِّين وعراقيِّين بنشر الأفكار الاشتراكية في البلاد، أمر بطردهم جميعًا في نفس التاريخ. وأنا أُعِد العدة للرحيل أَعدَدتُ بيانًا لشعب المغرب: «أتَيتُ المغرب طائعًا، وأتركه مكرهًا». وُزِّع على جميع الطلاب والجامعات. وأَرسَلتُ الأولاد الثلاثة: حازم، حاتم، حنين جوًّا إلى القاهرة، بالرغم من رغبة حازم العودة معنا بالعربة. ولمَّا كنا نخاف عليه وعلى أنفسنا فرجَوناه أن يعود مع إخوته بالطائرة. وقد أخبرني المؤرِّخ الاجتماعي والمؤرِّخ المغربي علي أومليل الذي أصبح سفيرًا لبلده في لبنان أن الفكر الفلسفي يُؤرَّخ قبل قدوم حسن حنفي وبعد مغادرة حسن حنفي، وما زال أَثَري في المغرب مشهودًا، أتلقَّى اتصالاتٍ هاتفية، أساتذة الفلسفة، وكانوا يومًا ما طلابي في فاس، ينقلون رسالتي إلى طلابهم؛ فالمغرب هو البلد العربي الوحيد الذي درَّستُ فيه سنتَين، وتَحمَّلني النظام السياسي على مَضَض هذه المدة. وما زِلتُ أرى أن الطالب المغربي هو أفضلُ من رأيتُ من الطلاب العرب. أتوق للحياة في المغرب، أنا والأسرة، ونعتبر هاتَين السنتَين أَجملَ عُمرٍ قضيناه من حياتنا. بنيتُ منزلي تقريبًا أندلسيًّا، والسكسك والبسطيلة أُحضِرهما معي كلما دُعيتُ إلى المغرب. لم أُوضَع على القائمة السوداء لِيحجزوني في المطار كما حدث في تونس في عصر زين العابدين بن علي أو في وقتٍ ما في مصر قبل ثورة ٢٠١١م، خاصة إذا كنتُ عائدًا من إيران. وما زال الجلباب المغربي لي ولزوجتي أفضل ما ترتديه في القاهرة. وبعد ذلك بعشرِ سنواتٍ دُعيتُ إلى عمالة فاس لِأُلقي محاضرة، وكُنَّا كأننا في مظاهرةٍ بميدان التحرير. بعدها دعَتني عاملةُ فاس وكانت من حزب الاستقلال للزيارة في لقاءٍ مفتوح مع طلابي القدامى، وأَهدَتني إبريقًا وصينيةً وأكوابًا ستةً فضية، وقالت: إن جلالة الملك يُهديك التحية، ويُهديك ذلك لِيعتَذر لك عمَّا بدر منه من عشر سنوات. وأَقبلُ الدعوة لزيارة المغرب دائمًا، مثل ذكرى الأربعين لصديقي محمد عابد الجابري التي أقامَها له الحزب الاشتراكي. وكان الطلبة يُصفِّقون ويَهتِفون كلما ذكَرتُ مثلًا اشتراكيًّا من القرآن الكريم مثل الأخ الذي له تِسعٌ وتسعون نعجةً ويُريد أن يأخذ نعجة أخيه الوحيدة حتى يستولي على كل شيء. رأيتُ للأسف بعض الأصدقاء الشيوعيِّين وقد مالوا إلى الحكومة، وتركوا المعارضة، كما رأيتُ انتشار الحركة السلفية، ووضع بواباتِ حديدٍ بين طُرقات الجامعة لمنع الطلاب من التجمُّع مثل الحواجز الحديدية في حَرَم جامعة القاهرة. وفي عام ١٩٨٤م قُبض على ثمانٍ وثلاثين من طلبة السنة الرابعة من قسم الفلسفة لِأوَّل مرة، وكُنتُ أُهرِّب لهم الكتب داخل السجن لعل وعسى. وتلقَّيتُ دعوةً أخرى للاحتفال بمحمد شكري صاحب «الخبز الحافي»، وكُنتُ من أوائل من كتَب عنه بعد أن زُرتُه في طنجة ولكني لم أستطِعِ الذهاب؛ فقد كبِر السن، وضعُف الجسد، وأصبحت جالسًا على كُرسيٍّ متحرك: غادرتُ المغربَ ولكنه لم يُغادِرني.

وتلقَّيتُ دعوةً في الصيف لزيارة اليابان، جامعة طوكيو، زميلًا لإيزوإتاجاكي لتدريس فلسفة الغرب والشرق، دراسةً مقارنة، ويُركِّز هو على تدريس الفكر الإسلامي في الوسط، فذَهبتُ أنا وزوجتي وأولادي الثلاثة إلى طوكيو. دخل حازم وحاتم المدرسة الفرنسية ذاهبَين بالمترو، وحنين إلى الحضانة نُوصِّلها على درَّاجةٍ مثل معظم اليابانيِّين. وسَكنَّا في بيت للجامعة، وفي البيت المجاور إيراني وزوجته من المعارضِين للثورة. وعجِبتُ من سُهولة الحياة، بجوارنا سِتُّ أوانٍ، في كل آنيةٍ نَوعٌ من المُخلَّفات: الزجاج، البلاستيك، الكانز، الكارتون، الجرائد، ثم مُخلَّفات المطبخ. وهذا يُسهِّل على تدويرها لإعادة استعمالها. والمواصلات في طوكيو عن طريق المترو تحت الأرض، وتذاكرُ إلكترونية تفتح البوَّابات آليًّا، لا أحد يدفع أحدًا أو يُسابقه، لا أحد يُعاكس أحدًا أو يتحرش به، الشوارع نظيفة، وكل يابانيٍّ يكنس الرصيف أمام بيته بمن في ذلك رئيس الوزراء. والمطاعم وما أكثرها! بين كل مَطعمٍ ومطعمٍ مطعم، وأمامنا كرةٌ حمراءُ مُعلَّقة، والأكلة الشهيرة إسباجيتي بالمرقة، تُؤكَل بالعصايتَين الشهيرتَين. والياباني لا يأكل مع زوجته رسميًّا إلا في نهاية الأسبوع عندما يلبس الكيمونو الياباني، ويذهب الجميع إلى المعبد. والطالب الياباني يستمع جيدًا للأُستاذ ويُدِّون ملاحظاته، ولكنه لا يُناقش ولا يُعبِّر عن تساؤلاته للأستاذ، بل لرئيس الشركة التي يأتي منها؛ فالفائدة عمليةٌ له وليس نقاشًا حُرًّا بُغيةَ العلم مع الأستاذ، والبحث عن الحقيقة أو كيفية البحث عنها؛ فالأستاذ يُحاضِر وكأنه يُكلِّم نفسه.

وبعد أن انتهى عام جامعة طوكيو دعَتني جامعة الأمم المتحدة، وهي الجامعة التي أنشأها يوتانت سكرتير عام الأمم المتحدة الفيتنامي من أجل ربط العالم الثالث بمجموعةٍ من الباحثين الشبان، تَنشُر الجامعة أعمالهم، وتخرج الجامعات اليابانية من عُزلتها، وليست جامعة طلابٍ وشهاداتٍ ودرجاتٍ علمية، كي أُشرِف على الأبحاث في العلوم الاجتماعية فيها، أُنسِّق بينها بدلًا من تناثُرها، فذهبت لمدة عامَين ١٩٨٥–١٩٨٧م. وكان هناك مشروعان كبيران: الأول لأنور عبد الملك بعنوان «البدائل الاجتماعية الثقافية» Socio-Cultural Alternatives (SCA). والثاني عن التنمية الوطنية لعالمٍ نرويجي كبيرِ استقَر في اليابان وتزوَّج يابانية، ويدور على العالم شرقًا وغربًا، ويشرف عليه أزنييرو. وكان حسام عيسى قَبلي في هذا المنصب، وكُنتُ أزور مواقع البحث العلمي في أفريقيا وآسيا وفي أفريقيا في غانا حيث كان سمير أمين يقوم ببحثٍ في المكتب التابع للأمم المتحدة. وكان هناك مكتبان: الأول في القاهرة يُشرِف عليه أبو سيف. والثاني في كوناكري-نانا يشرف عليه سمير أمين، يستعملان المنهج الماركسي، كانا لا يَقبَلاني بسهولة وأنا لستُ ماركسيًّا بل يساريًّا إسلاميًّا. قابلتُ سمير أمين في إحدى المسيرات الشعبية في روما ضد الاستعمار، وجهًا لوجه وكأنه لا يعرفني، وكنت في مكتب القاهرة كنت أشعر أنني غريب عنه، ولسان حاله يقول: ما الذي أتى به إلى هنا؟ كان الأول معروفًا برسالته للدكتوراه بعنون «النمو اللامتكافئ» Unequal Development، يأتي إلى مصر بين الحين والآخر، تستقبله دارُ نَشر عين لعدة أسبابٍ، علميةٍ وغيرِ علمية، كما عَرفَ لبنانيةً كثيرة الكلام كمثقَّف لبعض هذه الأسباب. ويُحمد له أن جمع حوله عديدًا من الباحثين الشبان الأفارقة.

وفي الهند عند الباحثِين الشُّبَّان الجُدد، وفي مصر في المكتب التابع للأمم المتحدة. وكانت كل هذه البحوث تحت إشراف موشاكوجي، عالمٍ ومُفكِّر وباحثٍ منفتح على العالم الثالث خاصة أمريكا اللاتينية. وكان رئيس الجامعة من إندونيسيا، المرشح لرئاسة الجمهورية. كان مُفكِّرًا من مُفكِّرِي العالم الثالث. وفي كل مرةٍ أذهبُ إلى أحد مراكز البحث في أفريقيا أَمرُّ على القاهرة لأرى الأسرة. ولم أنقطع عن طلابي فكان نصر حامد أبو زيد في أوساكا أستاذ اللغة العربية، وكُنَّا نتهاتف كل يوم، وهو يكتب «مفهوم النص»، ودعوته إلى مؤتمرات الجامعة عن الثقافة العربية حول مفهوم النص. وبعد سنتَين في جامعة الأمم المتحدة وسنة في جامعة طوكيو وسنتَين في المغرب يكون المجموع خمس سنوات، وهو ما تسمح به قوانين الجامعة المصرية، فعُدت. وكان يمكنني أن أُجدِّد إقامتي بجامعة الأمم المتحدة باعتبارها مهمةً قومية، وعلى صلةٍ دائمة بسفير مصر في اليابان وبمستشارها الثقافي الذي كان لا صوت له تقريبًا، والمُعَار من إحدى الجامعات المصرية خاصة قسم اللغة اليابانية بكلية الآداب. وكان أحد الماركسيِّين المصريِّين يحوم حول المنصب كي يخلعني مع تشجيعِ ومؤازرةٍ من كانوا قبلي في المنصب. وكانت أسرتي قد غادَرَت طوكيو بعد عامٍ واحد نظرًا لأن ابني الكبير حازم قد وصل إلى مرحلة الثانوية العامة، وهي شهادةٌ لا يمكن امتحانها في الخارج مثل باقي السنوات السابقة في السفارة المصرية. وكان أحمد عبد الحليم يراسلني في فيورباخ، وأرسل لي رسالته لِقراءتها وإعداد الملاحظات عليها. وقبل العودة النهائية، عادت زوجتي إلى طوكيو لِتُساعدني في الإعداد للعودة النهائية. وأثناء العودة وبمصاحبة زوجتي بدأنا ببانجوك، والمعبد الكبير لبوذا ثم مانيلَّا وحي اللهو، ثم جاكرتا إندونيسيا وكولالمبور وماليزيا وسنغافورة. وفي كل دولةٍ أتعرَّف على جامعاتها وأساتذتها ومدى ما وصل إليه المسلمون من مناصب. تَعرَّفتُ على عبد الرحمن وحيد رئيس جماعة نهضة العلماء بإندونيسيا والذي أصبح رئيس جمهوريتها فيما بعدُ. دعاني إلى القصر الجمهوري وأَلقَى محاضرةً عن فكري والحاضرون ينظرون إليَّ بإعجاب. وكان قد أتى إلى القاهرة من قبلُ وهو طالب واستمع إلى محاضراتي قبل أن يُكمِل دراسته، وغادر إلى العراق. وتَعرَّفتُ على زين العابدين رئيس جماعة المسلمين بسنغافورة والذي أصبح فيما بعدُ عمدةً لها؛ فقبل العودة إلى القاهرة كان الطواف بالشرق الآسيوي بعد الطواف في المغرب العربي.

وكان الصراع في جامعة الأمم المتحدة التي أَسَّسها يوتانت السكرتير العام للأمم المتحدة السابق بين الإداريِّين والأكاديميِّين. وقد كتبتُ مذكرةً إلى رئيس الجامعة الإندونيسي، ورئيس قسم العلوم الإنسانية الذي أعمل به برئاسة موشاكوجي. كان الإداريون لهم رؤيةٌ إداريةٌ محضة، وكان الأكاديميون لهم رؤيةٌ أكاديميةٌ خالصة، وأَصَرُّوا على تغليب الرؤية الإدارية على الرؤية الأكاديمية، كما أَصرَرتُ على إقامة سيمينار مرةً أسبوعيًّا ندعو فيه المُتخصِّصِين في الجامعات اليابانية ونقضي على عزلة جامعة الأمم المتحدة التي أنشأها يوتانت كجامعة للعالم الثالث، بحيث تَفتحُها عليه، وتَفتحُ اليابان عليها.

وكانت الفائدة الكبرى هي السياحة في اليابان خاصة رؤية هيروشيما ونجازاكي، وأَثَر القنبلة النووية عليهما حتى بعد أن أُعيد بناؤهما إلا جزءًا صغيرًا للذكرى. وما يُميِّز الحكم الياباني بالإضافة إلى الديمقراطية الشديدة الحِرفية، تقديس الإمبراطور كما هو الحال في المغرب العربي؛ فهو خارج لعبة الديمقراطية، يعيش في قصر في طوكيو هو وعائلته، ولا يكاد يراه أحد إلا نادرًا. وناطحاتُ السحاب الطويلة في وسط المُدن لا تنفي البيت الياباني التقليدي في ضواحيها، ويَظهَر الإحساس بالجمال في كل شِبرٍ فيها، والخضرة والورود تحوط كل شيء. والكُل يشهد بالنبوغ الياباني: أربع جُزرٍ بين آسيا والمحيط الهادي لا مواد أولية فيها ولا طاقة ولا أرض، تستورد الطاقة من الخارج، والحديد من جارتها، لديها فقط العقول والسواعد، وأصبَحَت تُنافِس أمريكا الممتدة من الأطلنطي إلى الهادي. والصين التي أصبَحَت الآن الأُولى في التصدير نظرًا لِمِساحتها من المحيط حتى أواسط آسيا، أشار إليها المصلحون كنُموذجٍ لِلمُسلمِين.

وامتحن الأولاد الثلاثة سنواتهم الدراسية قبل الثانوية العامة في السفارة المصرية، وحين أتت الثانوية، اضطُرَّت الأُسرة إلى العودة إلى مصر. وكان الأولاد قد دخلوا المدرسة الفرنسية وتعلَّموا ما استطاعوا، اللغة والعلوم الإنسانية. واضطُرِرتُ إلى مغادرة منزل الجامعة الكبير والسكن في غرفةٍ أرضية في منزلٍ ياباني بكيشيجوجي. وكنتُ قد تَعرَّفتُ على ممرضةٍ يابانية في إحدى العيادات التي تملأ الأحياء، ورحَّبتُ أن أُعلِّمها الإنجليزية، واتفقنا على أن تأتي مرةً أسبوعيًّا في نهاية الأسبوع، وفي المقابل تُعطيني هي درسًا في أساليب الحياة اليابانية، تنسيق الزهور والرقص والموسيقى والرسم. وكانت تأتي ومعها بعض الحلوى والفاكهة من السوبر ماركت القريب من محطة المترو، وتتصل تليفونيًّا أنها وَصلَت، فأذهبُ إلى المحطة على الدرَّاجة لِأَصطحِبها وهي تجلس على المقعد الخلفي كما نفعل في مصر. وبعد الغداء نستريح، ونسمع الموسيقى السيمفونية، حفل السادسة مساءً، ثم تُغادِر. ومرةً أتت وهي جادةٌ أكثر من اللازم، فلمَّا سَأَلتُ: ما الخبر؟ قالت كنتُ في عمليةٍ جراحية. ولمَّا كُنتُ أعلم ضَعفَ مُرتَّبها ساهمتُ معها بالنصف، وعندما غادرتُ بعد سنتَين كانت تبكي. وأتت زوجتي من القاهرة إلى طوكيو لمصاحبتي في رحلة العودة النهائية، فبكَت أكثر لأنني لم أستطِع أن أراها بعد ذلك. وغادرتُ طوكيو في عام ١٩٨٧م. وراسلَتني عندما قَرأَت عني في صحيفة Japan Times، وهي صحيفةٌ بالإنجليزية، ورَدَدتُ عليها مرة، ثم انجرف كلٌّ منا في تيار الزمن. والمرأة اليابانية على الرغم من أدبها وإخلاصها لزوجها إلا أنها تُحب الاستطلاع، وتغييرَ إيقاعِ الرتابة التي تعيش فيها، والصداقة نوعٌ من المعرفة وحُب الاستطلاع، إذا صادَقَت أحدًا فلِمرةٍ واحدة، ثم تختفي وكأنه لم يعرفها حتى لا يكون لها سِجِلٌّ وتاريخ؛ فهناك فَرقٌ بين الأبدي لزوجها وأسرتها والحب الوقتي العابر لمن لاقَته مصادفة وأُعجِبَت به وتُريد معرفته.

وكانت فرصة ونحن في اليابان أن نزور كوريا الجنوبية والعاصمة سيول والتي أصبحَت نموذجًا للتنمية، ورأينا المعابد البوذية. وفي معبدٍ يَتكرَّر بوذا اثني عشر مرةً أو يزيد من الكبير إلى الصغير، والابتسامة على وجهه، يدٌ مفتوحة إلى السماء ويدٌ مُوجَّهة نحو الأرض كما نقول نحن رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، ولكنَّ يدَينا الاثنتَين مفتوحتان كالشحَّاذ إلى السماء. ومنها إلى جزيرة هاواي في وسط المحيط الهادي، سيادةً أمريكية ولكن شعورًا يابانيًّا. ما أسهل السكن هناك في فيلات، وليس في فنادق! وما أسهل أكل اللحوم، الاستيك الأمريكي، والأيس كريم الأمريكي! وركبنا الطائرة السياحية لنرى الجزيرة «من فوق» وأشجار الموز. صحيحٌ أنها تربط بين الشرق والغرب. طالبتي وزميلتي وصديقتي يُمنى طريف الخولي أخبرتني كم هي مُعجَبة بجامعة هاواي، ومحاولة التعرُّف على الفكر العربي المعاصر بما فيه فكري.

وكثيرًا ما تَوقَّفتُ في جاكرتا إندونيسيا؛ فقد كان عندي في الولايات المتحدة طلبةٌ إندونيسيون من جماعة نهضة العلماء التي كان يرأسها عبد الرحمن وحيد الذي كان طالبا عندي في الستينيات، ثم ذهب إلى العراق، ثم عاد إلى إندونيسيا. وقد بدَأَت هذه الجماعة صوفيةً ثم تطوَّرَت فأصبَحَت عقلية، تسير في تيَّار محمد عبده. وكانت الجماعة الثانية المحمدية، بَدأَت عقلانيةً ولكنها انتهت صوفيةً بزعامة الريس، تعمل بالسياسة مباشرة في حين أن نهضة العلماء تعمل بها بطريقٍ غير مباشر، يكفي استنارة الجمهور ووعيه بالوضع السياسي. تجاوَزَهما محمد مهاتير العقلاني التجريبي في ماليزيا، وأصبح قادرا على أن يُصبِح رئيسًا للوزراء، وقد عَرفتُه في معهد الفكر الإسلامي الذي أَسَّسه وأداره في كوالالمبور، وعَمِلتُ معه في كيفية تطوير المعهد، بعمل برامجَ تنمويةٍ محددة، وعندما أتى مصر طلبني، فحادثتُه عبر التليفون في برنامجٍ معه. كان يلتفُّ حوله السلفيون والإصلاحيون والماركسيون؛ فالتحدِّي هو التنمية وبناء البلاد. ولمَّا اطمأنَّ إلى مشروعه التحديثي ٢٠٢٠م استقال، ونادرًا ما يحدُث ذلك في الوطن العربي؛ فالرئيس في الحكم إلى أن يقضي نحبه بشكلٍ طبيعي أو اغتيالًا أو إزاحة من الحكم بانقلابٍ أو بثورةٍ شعبيَّة، وهو في سجنٍ أو مستشفى أشبه بفندقٍ من النجوم الخمسة!

ولمَّا ذهبتُ إلى المغرب واليابان (١٩٨٢–١٩٨٧م) كان أبو الوفا التفتازاني هو رئيس الجمعية الفلسفية، فلم تنشَط الجمعية، وعُدتُ ووجَدتُ في محمود حمدي زقزوق خيرَ صديقٍ ورئيسٍ للجمعية، وما زال حتى الآن يباشر نشاطَه خاصةً المؤتمر السنوي من كل عامٍ في الجلسة الافتتاحية مع رئيس القسم والعميد ورئيس الجامعة وكلمة الضيوف العرب. وكان أول رئيس للجمعية هو إبراهيم بيومي مدكور، وهي الجمعية التي أَسَّسها منصور فهمي باشا ثم انقطع نشاطها بسبب الحرب، ثم استأنفه علي عبد الواحد وافي ومحمود قاسم وعثمان أمين وعثمان نجاتي، وكانت تجمع بين الفلسفة والاجتماع وعلم النفس، كان يقتصر نشاطها على الإصدارات، ولم يكن لها مقَر ولكن كان يُديرها محمود قاسم من كلية دار العلوم بالمنيرة، ثم انقطع من جديد. وكُنتُ أنا قد أعدت نشاطها، وبَحَثنا عن مكانٍ ووجدناه في مساكن هيئة التدريس بجامعة القاهرة بالدور الأرضي، شقة كان يمتلكها أستاذٌ في كلية الهندسة، فاتَّفَقنا على تقسيط التسعين ألفًا. واستمر النشاط بتأييدٍ من جامعة القاهرة في المؤتمر السنوي، وبدعمٍ من وزارة الثقافة التي خفَّضَت الثلاثين ألفا من فاروق حسني إلى المنتصف عندما كلَّمه محمود حمدي زقزوق رئيس الجمعية في ذلك الوقت ووزير الأوقاف، فتبَرَّع للجمعية، وأعطانا على مدى خمسِ سنوات كل سنةٍ ثلاثين ألفًا سدَّدنا بها أقساط الشقة، وأسَّسناها، وفتحنا صالة كبيرة للمُحاضَرات، وصنَّعنا دواليب للكتب ومكتبًا للكومبيوتر والتليفون والإنترنت، وعيَّنَّا موظفةً ثم موظفتَين. وبدأنا في طباعة مجلة الجمعية السنوية، ومطبوعات الجمعية، وندوات الجامعة الشهرية، والندوة السنوية التي أصبَحَت تجمُّعًا للتفلسُف للوطن العربي خاصة الوطن الشقيق، الجزائر والسودان، ثم قطعها جابر عصفور، ثم عادت بفضل صابر عرب وشاكر عبد الحميد وحلمي النمنم مع تخفيضها إلى النصف من صندوق التنمية الثقافية، مع تقديم كل الوثائق اللازمة في كيفية الصرف. وقد بدأنا بِعدَّة محاضرات للأساتذة، ثم بمؤتمرٍ سنوي في الجامعة أيَّدَته الكلية بخمسمائة جنيه. واستمر نشاط الجمعية على هذا المستوى الصغير بدفتر توفيرٍ في البريد في يد الزميل أحمد عبد الحليم كان فيه أربعون جنيهًا قبل أن تتَحوَّل إلى الحساب البنكي حينها لرغبة وزارة الشئون الاجتماعية التي تَخضَع لها الجمعيات الأهلية. ونظرًا لِشدَّة خلافي مع النظام السياسي حول سياساته خاصة كامب دافيد، فقد أمرنا العميد في ذلك الوقت بالمغادرة؛ فنحن جمعيةٌ أهلية والمكان مؤسسةٌ حكومية، فاستغربتُ لأن معظم الجمعيات الفلسفية تُمارِس نشاطها من خلال أقسام الجامعة المماثلة. وأنا أدير الجمعية منذ نشأتها الثانية ١٩٧٦م منذ أربعين عامًا متواصلة، فإذا افتَقرَت لأسبابٍ مالية دفعتُها من الجوائز التي آخُذها، التقديرية والنيل. والآن نُفكِّر في تغيير الأجيال حتى نطمئن على استمرارها من جيلٍ آخر بعد اعتلال صحتي، وقد وصلت أربعًا وثمانين عامًا. وما زال زقزوق يتَحمَّل أعباء الجمعية واستشارته فيما يطرأ عليها من مصاعب. وحاولنا أن ننقل مسئولياتها على جيل، ولكن عين البعض كان على الرئاسة، يُريد أن يأخُذ أكثر مما يُعطي، فظلَلنا كما نحن عَمودَين للجمعية، ولو بصفةٍ شرفية حتى يقل طمع الطامعِين خاصةً بعد أن أصبح لها وديعةٌ في البنك نصرف من عائدها على النفقات الشهرية للمُوظَّفِين وفواتير الكهرباء والماء والإنترنت والإيميل وصيانة العمارة التي بها شقَّة الجمعية لاتحاد الملاك. واستقال أمين الصندوق سمير أبو زيد وقاطَع الجمعية لأنه رفض صرف هذا القِسطِ الكبير للشقة من ميزانية الجمعية، فأخبرتُه أن المقر ضروري، وأن البديل بعد أن تَرَكنا الجامعة هو الشارع. واستلَمَها صديق عمرٍ منذ عودتي من باريس وهو أحمد الأنصاري كسكرتير عام، ولم أَرَ إنسانًا مخلصًا مثله في العمل التطوُّعي، وهو خِرِّيج قِسمِ فلسفة، وقد أَشرَفتُ على رسالتَيه، الماجستير والدكتوراه، وراجعتُ ترجماته العديدة لِمؤلَّفاتِ رويس، فتَطوَّع باستلام الجمعية وأصبح دعامَتَها الأُولى ماليًّا وإداريًّا، وكان وفيًّا في الإشراف على حِساباتها وطباعة مجلتها وأعمال ندواتها السنوية، والاشراف على الجمعية العمومية السنوية، والاستجابة لمطالب وزارة الشئون الاجتماعية التي لا تنتهي، فكان ذراعي الأيمن الذي حاول آخرون قطعه، أستشيره في كل شيء، وأعرف أن نصيحته خالصةٌ لوجه الله. أمَّا السابق فقد كان يكتب عدة مقالاتٍ في الأهرام ويمضي باسمه عضو الجمعية الفلسفية المصرية، ولمَّا نصحته بالعودة إلى نشاطه بالجمعية اعترض بأن واحدًا فقط هو المسيطر عليها، فطلَبتُ منه أن يحاضرنا في اعتراضاته على سير الجمعية، فأتى ولم يقُلْ شيئًا ذا قيمة. وأَذكُر إخلاصَ رشا ماهر وقدرتها على الإدارة التنفيذية للجمعية حتى شَعَرَت بالتعب، وفضَّلَت إكمال رسالتها للماجستير واختَفَت، فخلفتها ليزا سعيد وآلاء شلتوت بقيمتهِما الفائقة في إدارة الجمعية، والاتصال بالأعضاء، والترتيب الإداري للندوات الشهرية، الأحد الثاني من كل شهر، والمؤتمر السنوي في الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر من كُلِّ عام. والجمعية تُبارِك للسكرتيرة الأُولى بالزواج والإنجاب من المهندس كريم، وترجو لآلاء أن تَلحَقَ بها عن قريب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠