الباب الرابع

قصائد كاتولوس

في حب ليسبيا

٥١

إنه لقرين الإله
كما يبدو لناظري،
إنه أسمى من الآلهة
لو كان ذلك ممكنًا؛
من إذا جلس تجاهكِ،
رفع بصره إليكِ،
وظل يحدق فيك،
مرةً بعد مرة،
فيسمعك تضحكين،
في عذوبةٍ مطربة.
إن هذا يا ليسبيا
يسلبني جميع مشاعري؛
فيا لتعاستي وشقائي!
فكلما أرى طيفك؛
ينعدم صوتي على الفور،
ويختلج لساني في فمي،
ويدب في سائر أوصالي
سعير لظًى رقيق،
وتجلجل آذاني
بطنين داخليٍّ،
وتُحجب عيناي
في أكفانٍ من الدجى.

٢

أي عصفور فتاتي،
يا جل سلوتها،
ومَن تداعبك
قابعًا في حِجرها،
وتعطيك أُنملتها؛
عسى أن تُنَقِّرها،
وتحثك دائمًا؛
لتجدَّ في التنقير.
كلما ألحَّتْ على فتاتي،
فتاة حبي المشرقة،
رغبةٌ في أن تلهوَ،
آملةً أن تجد
— كما يخيل إليَّ —
بلسمًا لجراحها.
يوم تخبو في قلبها
لواعج الحب المتأججة.
آه لو أستطيع مداعبتك
كما تداعبك هي،
فأزيح عن قلبي
أثقاله المُبرِّحة.

٣

يا أهل العشق والهوى،
وكل من تختصهم بعطفها فينوس،
نوحوا، ثم نوحوا، ثم نوحوا؛
فعصفور حبيبتي قد طواه الردى.

•••

كان هذا العصفور دعابة غادتي،
وكانت تحبه كعينيها؛
لأنه كالشهد حلاوة.
ويعرف سيدته،
كما تعرف أي بنت أمها.

•••

وعصفور فتاتي يهيم بحِجرها،
يقفز فيه من هنا ومن هنا،
ويخصها بالغناء وحدها.

•••

والآن يا عصفور غادتي،
أنت تجتاز طريقًا
في دياجير الظلام،
لا يعود منه فرد
كما أجمعَ الأقوام.

•••

أي رب العالم السفلي! أي رب الظلمات!
لعنتي عليكما، لعنة ما لها مثال؛
فقد سلبتما عصفورها،
وكان آيةً في الجمال.

•••

أي عمل من الشيطان هذا؟!
آه يا عصفور الحبيبة،
يا عصفورها الصغير،
وا حسرتاه عليك يا عصفور!

•••

محبوبتي تقرَّحت عيونها؛
من عدم النوم وطول العويل،
فأضناها الفراق ولوعته،
وشوقها إليك وإلى تغريدك الجميل.

•••

غنِّ لفتاتي أيها العصفور غنِّ،
فموتك المبكر وفراقك حالًا؛
قد أدميا عينيها حرقةً وبكاءً.
فحرام عليك ورحمة بفتاتي.

٥

أي ليسبيا، أي حبيبتي وحياتي،
تعالَي نعش في دنيا الغرام،
لا نبالي بحديث العجائز؛
فهم من التزمُّت بمكان،
وكلامهم سخافات وهراء.

•••

تغرب الشموس مساءً؛
لتشرق من جديد في الصباح،
أما أنا وأنت فليس لنا،
متى غاب عن ناظرَينا
شعاع الحياة القصير،
إلا أن ننام طويلًا،
في ليلٍ ليس له صباح.

•••

هيا أعطيني ألف قبلة ثم مائة،
ثم ألفًا أخرى، من بعدها مائة،
وبعد الألف الثالثة، هاتي مائةً وهكذا.
حتى إذا طبعنا على الشفاه
آلافًا من القبلات؛
كففنا عن العد
لاختلاط الأرقام.
فلا ندري كم ارتشفنا من رضاب.

•••

ويحك يا حبيبتي، ثم ويحك،
وحذاري أن تنسَي الحسود،
فعينه الشريرة لو أحصت قبلاتنا؛
لهالها ذلك الفيض العظيم.
فتبًّا لها، ثم تبًّا لكل حسود.

٧

تسألينني يا ليسبيا
كم قبلةً من قبلاتك
تشفي غليلي، وتكفي
أو تزيد لتطفي الأُوار؟
فأقول عُدِّي رمال ليبيا،
وذرات تربتها الخصيبة،
ما بين معبد جوبيتر اللافح،
والقبر المقدس لباتوس العجوز،
أو بقدر نجوم السماء
وسَط القبة الداجية،
التي إذا عسعس الليل اطَّلعت
على اختلاس العشاق لشهد الهوى.
فإن تقبيلك يا ليسبيا
قدْرًا كهذا من القبل،
فيه ما يكفي كاتولوس
حبيبك المتيم المجنون،
وما يزيد على الكفاية.
فما أحلى هذه القبلات
التي لن يستطيع العَذول عدها
بعيونه اليقظة الفضولية،
ولا مجال لأخي الشر
أن يحسدها بلسانه الثرثار!

٨٢

عزيزي كونتيوس،
إن شئت من كاتولوس
أن يفديَك بمقلتيه،
أو بما هو أعز منهما
— لو صح وجود الأعز —
فاتركه ولا تسلبنَّه،
ما هو أثمن عنده،
وأغلى من عزيز عينيه،
أو يزيد ويعظم.

٨٦

يرى الكثيرون كوينتيا
جميلةً فتانة،
لكنها في عيني
أزكى من الريحانة،
مليحة القسمات،
بمقلة وَسْنانة،
ممشوقة القَوام،
طويلة فرعانة.
ولا أنكر أبدًا
بلوغها في كل حالة
حد الكمال طبعًا،
دون شك ولا إطالة،
ولكنها ليست جُملةً
جميلةً في ناظري؛
فالجمال عندي لا يعرفها
كما هي لا تعرفه،
ولا أخال جسمها
تبدو به ذرة واحدة
تغريني فأستسيغها.
أما فتاتي ليسبيا
فكلها حسن وكلها إغراء؛
إذ قد سرقت من السيدات طُرًّا
كل فتنة وكل بهاء،
فاختصت بالجمال وحدها،
دون سائر النساء.

٩٢

تسيء ليسبيا القول فيَّ،
دائمًا، دائمًا.
وسيرتي على لسانها،
دائمًا، دائمًا.
فليتني أموت، وليتني أندثر.
لو كانت ليسبيا حقيقة،
لا تحبني، لا تحبني.
وأي دليل عندي؟
وعلاقتها معي،
هي، هي، كما هي.

•••

إنني أصب عليها اللعنة،
دائمًا، دائمًا.
ولكن هل لي أن أموت؟
لو أنني لا أحبها،
لو أنني لا أحبها.

٣٦

أي سِفْر فولوسيوس التاريخي،
أي تلك الصحيفة الدنسة،
هيا ونفذ النذر،
من أجل حبيبتي؛
فإنها قد قدَّمت
لفينوس المقدسة،
وكيوبيد المبارك
نذرها ونصه:
لو أنني عدت
ثانيةً إلى حبها،
وكففت عن قذفها
بأشعار الهجاء
ذات الوزن المفعولي؛
فسوف تعطي الإله
ذا القدم العرجاء
خير ما كتب وأنتج،
أسوأ الشعراء؛
كي يُدمَّر حرقًا
بحطب شُجيرةٍ لعينة.

•••

ولقد رأت فتاتي
أنك أسوأ الأشعار
التي نذرتها للآلهة
في نوبةٍ من الفرح،
ولحظةٍ من المرح.
والآن بربك،
أيتها المولودة
من البحر الأزرق،
يا قاطنة إيداليوم المقدسة،
وأوريي الفسيحة الأرجاء،
يا مقيمةً في أنكونا
وكنيدوس ذات الأحراش،
وفي أماثيوس وجولجي،
وفي منطقة ديراخيوم
ملتقى البحر الأدرياتي.

•••

هيَّا سجلي في سجلك
أن النذر قد وُفِّي،
وقُدِّم كما اشتُرط،
ولم يكن سقيمًا،
ولا عديم الرُّواء.

•••

تعالَ في الوقت نفسه،
تعالَ إلى النيران،
يا سفر فولوسيوس التاريخي،
يا أيتها الصحيفة الدنسة،
يا حشاشة السذاجة،
يا لمامة السماجة.

٨٣

تحدِّثني ليسبيا
في حضرة زوجها
بما لا يستباح قولًا،
ولا يستساغ سمعًا،
ماجنةً سادرة،
خليعةً مستهترة.

•••

ولأقوالها هذه
في نفس بعلها
أبلغ السرور وأعظمه.
فيا له من غفلٍ أحمق!

•••

فيا أيها البغل الغبي،
لستَ تفهم شيئًا.
يا عديم الإحساس،
ويا قصير النظر.

•••

لئن نسيتْني ليسبيا،
وقنعت بالصمت الطويل؛
برأ قلبها،
وصح جسمها.

•••

ولكنها في الحقيقة
تنصب لي شباكها،
وتكثر من حديثها؛
فتنجلي أسرارها.

•••

وهذا يعني أنني
أحتل كل عقلها،
وأنها لا تذكر غيري،
ولا أحد سواي قط.

•••

وليس كل ذا فقط،
بل يرمي لشيءٍ خفي،
أشد من هذا وأنكى،
والخفي في كل أمر أعظم.

•••

فجُلُّ مغزاه أنها
تحمل لي غيظًا دفينًا؛
فإذا بالقلب منها يشتعل،
ولظى الهُيام يستعر،
فتبدؤني مغازلة،
قولًا ولفظًا سادرة.

١٠٤

أيدور في خَلَدك أبدًا
أنه في استطاعتي
أن أقول عن حياتي
ما يُفرح الأعادي؛
فأتحدث عن حبيبتي
بالسوء والضر معًا،
وهي التي أعزها
أكثر من عيوني.
كلا وايم الحق كلا!
فما يمكنني أبدًا
أن آتيَ فعلًا كهذا،
ولو سلمنا جدلًا
أني فعلت هذا الأمر،
ما كان حبي لكِ
هكذا مبتذلًا،
ولا قبيحًا هكذا،
ولكنك مع تابو
تبالغان دائمًا؛
فتهولان اليسير،
وتجسمان النقير.

١٠٧

إن مما يسعد المرء،
ويفرح قلبه وعقله
أن يتوق إلى الشيء،
في شوقٍ جارف،
فلا تحدوه أو تداعبه،
كي يقتنيه ويملكه
بارقة من أمل.

•••

ومصدر غِبطتي وسعادتي،
اللتين هما في ناظري
أغلى من النضار قيمة؛
أن تفيقي يا ليسبيا،
وتعودي ثانيةً إليَّ؛
فقد أضناني في صبابتك
كل شوق عارم.

•••

بلى، لقد برح بي الهوى،
والشوق إلى جسمك البض،
بيد أنه لم يحدث قط
أن داعبني الأمل
في أن تلبي رغبتي،
فتعودي إلى حظيرتي.

•••

أيها اليوم السعيد،
أيها المفعم بالبياض،
إنك لأنصع ما رأيت
منذ وجودي في الدنيا.
قل لي بربك صادقًا،
هل أحسست في الدنيا بمخلوق
أسعد مني حظًّا؟

•••

اصدقني أيها اليوم المجيد،
ولا تخشَ لوم اللائمين،
أي كائن آنست في العالم
يمكنه أن يثبت ويقول:
إن في الحياة حظًّا
يتوق إليه التائقون،
أكثر من حظي هذا؟
أو هل يوجد في كنوز الدنيا
ما يطمع فيه المرء،
أعظم من سعادتي هذه؟

٨٧

لو دار حيٌّ من الدنيا
يسأل النساء قاطبةً؛
ما رأى واحدةً منهن
في مقدورها أن تدِّعي
أن شخصًا ما قد هام بحبها،
أو أن امرأً قد جُنَّ صبابةً
بعشقها وغرامها،
كما جننت أنا
بحبك يا ليسبيا،
يا محبوبتي أنا وحدي.

•••

فلو درست قصص الأولين،
وأساطير الحب أجمعها؛
ما عرفت روعة الإخلاص
الذي فاقت به واتصفت
أسطورة هُيامي بحبك،
وقصة غرامي بشخصك.

٧٠

تقول حبيبتي؛
لا يروقها امرؤ
كما أروقها أنا،
زوجًا أشاركها الحياة.
ولو أن جوبيتر جاءها،
بمجده وجلاله،
وسأل أن يتزوجها،
طالبًا يدها؛
لردَّته عنها خائبًا،
يجر أذيال الفشل.

•••

وكذا تقول حبيبتي؛
إن ما تهمسه الفتاة
في أذن حبيبها
الصب غرامًا في هواها،
لا بد وأن يسجل توًّا
على نسمات الرياح،
وفوق صفحات المياه
السريعة الجريان.

٧٢

لقد اعترفتِ يا ليسبيا
ذات يوم علنًا،
وجاهرت أمام الملأ،
بأن صديقك الأوحد
ليس سوى كاتولوس.
وكان من عادتك أيضًا
أن تقولي وترددي،
بأنك لا تفضلين
أحدًا عليَّ، ولا تؤثرين،
حتى ولو أتاك جوبيتر،
وطلب صداقتك بنفسه.

•••

وكنت يومئذٍ أحبك يا ليسبيا،
لا كما يحب السابلة
سيدةً أو فتاةً عابرة،
بل كما يحب الأب أبناءه،
وكما يحب أيضًا صهره.
وها أنا ذا الآن يا ليسبيا
أتمتع منك بالصداقة،
ورغم أن عواطفي
على أشدها وتضطرم،
ورغم أن قلبي
متأجج بحبك،
ويزداد في التلظي
والاحتراق والتردي؛
فإنك في ناظري
أحط قيمةً وأقل شأنًا.

•••

أراك تسألين؛
وكيف كان ذاك؟
فَرَدِّي عليك دائمًا
يكون فظًّا قاسيًا؛
لأن إهانةً كهذه
إن تلحقْ أبدًا محبًّا؛
دفعته من توها
إلى المزيد في الهوى،
وساقته إلى الحماقة،
أو الإقلال من شأن الصداقة.

٨٥

إنني أكره وأحب،
وأمقت وأود،
وخليق بكِ أن تتساءلي؛
ما العلة في هذا؟

•••

فـأقول يا حبيبة قلبي؛
عِلْم ذاك ليس عندي،
ولكن هذه أحاسيسي،
وأحاسيسي تمعن في عذابي.

٧٩

«إن ليسبيوس لفتًى رشيق.»
وما الغرابة في ذلك؟
طالما أن ليسبيا
تفضِّله عليك يا كاتولوس،
وعلى جميع قومك طرًّا.

•••

ولكن دع هذا الفتى الرشيق
يبيع كاتولوس وعشيرته
إن حظي بتزكية
ثلاثة من معارفه.

٧٥

ألا فاعلمي يا ليسبيا
أن عقلي ضل السبيل،
هكذا كما تبصرين.
وليس غيرك يا ليسبيا
مسئولًا عما حلَّ بي.

•••

فبجريرتك يا ليسبيا
قد حطم الإخلاص قلبي،
وصيَّره خرابًا بلقعًا،
هكذا كما ترين.
حتى إنكِ لو أصبحت
الآن خير السيدات؛
لما استطاع مطلقًا
غمرك بالأماني الطيبات،
ولما أمكنه نبذ حبك
مهما اقترفت منكرًا،
أو أتيت من الأفعال،
أشر ما يخطر بالبال.

٧٧

أما بان منك يا روفوس حقًّا؟!
أحقًّا، وأنا صديقتك؟!
لقد وثقت بك عبثًا،
وعبثًا كنت أثق بك.
كلا وايم الحق كلا،
فقد كلفتني أغلى الثمن،
وكان ثمنًا باهظًا؛
إذ قد سمحت لك
أن تتسلل إلى أعماق نفسي،
وتضرم النيران في أحشائي،
بعد أن مزقتها إربًا،
وتسلبني أنا المسكينة
جل سعادتي وهنائي.
أواه، وا حسرتاه،
يا من سلبتني نفسي،
وأقصيتها عني وأقصيتني عنها.
يا ترياق نفسي وسُمها،
وزُعاف حياتي القتَّال.
فيا ويلتى وحسرةً على الشباب.
يا من قتلت صداقتي،
ودفنت آثارها بيديك.

٧٣

إليك أقول: كفَّ،
كف وألف مرة كف،
كف أن تنتظر
من سائر البشر
رد الجميل بالشكور،
ولا الشكور على الجميل.
وإليك أقول: إياك،
إياك وألف مرة إياك،
إياك أن تعتقد
أن من بين البشر
من للجميل عنده قدرٌ
من فضةٍ أو ذهب.
إن الجمائل كلها منكورةٌ؛
فالجميل فعله لا يحتسب،
يُنسى ويطويه الزمن.
وما فعله مشوب بالتعب،
بل حسْب عقباه الأذى،
فضلًا عن المشقة والنَّصب.
وهذه هي الحال معي.
فالآن لا يغيظني،
ولا يمعن في إزعاجي،
سوى الذي استأثر بي،
ولم يتخذ له صديقة
إلَّايَ من دون البشر.

٦٠

أمِن لبؤة في جبال ليبيا
قد وُلدتِ يا قاسية؟
أم من وحش ذي ستة رءوس،
يقبع في برزخ مسينا،
قد نشأت يا ضَبُعًا ضاربة؟
حتى تزدري وتحتقري،
نداء ذا المتضرع،
في أشد ساعات حاجته.

•••

أواه منك يا عاتية؛
فإن قلبك صخر
في القسوة المتناهية.

٨

أي كاتولوس!
أيها الشقي التعس،
كف عن حماقتك،
واعتبر ما ضاع منك
كأنه لم يكن.
كانت أيامك فيما مضى
ساطعةً مشرقة،
يوم كانت عادتك
مرافقة حبيبتك،
أينما رغبت وحيثما اشتهيت.
وكانت يومئذٍ تحظى بحبي،
كما لن تحظى فتاة أبدًا بحب.
وحيثما كنت يومذاك،
تمتعت بفيض المداعبات
التي كنت تمعن فيها،
كما تمعن فيها فتاتك.
حقًّا ما أسعد تلك الأيام
التي أطلَّت عليك بمشرقها!
بيد أن معشوقتك
بعد كل هذه المتعة والهناء،
ما عادت ترغب فيك أبدًا؛
فعليك إذن أيها المجنون
أن تكف عن الرغبة فيها،
بل وتَعْدل عن اقتفائها،
فهي تكويك بهجرانها.
وإياك ثم إياك أن تعيش
مكمودًا حزين الفؤاد،
ولا ذليلًا مهيض الجناح،
ولكن تأسَّ بعقلٍ رزين،
وكن حازمًا شديد المِراس.
وداعًا، حبيبتي، وداعًا؛
فكاتولوس الآن حازم،
إنه حازمٌ شديد المراس،
ولن يلحَّ أبدًا في طلبك،
وهو مغلوبٌ على أمره،
ولكنك لن تلومي غير نفسك،
يوم لا يرغب فيك أحد.
حسراتي عليك ولعناتي،
أيها المخلوق التعس.
ما أتعس الحياة التي تنتظرك!
فمن ذا سيطرق باب مخدعك؟
ولمن سوف تتبرجين؟
ومن ستحبينه الآن؟
وما اسم الحبيب الذي ستنادين به؟
ومن الذي سترتشفين شفتيه؟
أما أنتَ يا كاتولوس،
فكن حازمًا صارمًا،
ثابتًا شديد المراس.

٧٦

إن يجد المرء لذةً ما
في استعادة ذكرى صنيع قديم،
يوم يعتقد أنه صديقٌ صادق،
لم يحنث قط في يمينٍ مقدس،
ولم يخدع الناس أبدًا.
تحت ستار مجد الآلهة،
في أي عهدٍ له معهم.
ففي حياتك الطويلة إذن،
مباهج جمة يا كاتولوس،
تستطيع أن تستخلصها
من حبك المجحود هذا،
فما من جميلٍ أو صنيع
يستطيع أحد فعله
بالقول إن يكن أو بالعمل،
إلا وقمت يا كاتولوس
بإنجازه قولًا وفعلًا حتى تم.
بيد أن صنائعك وجمائلك
إلى ذلك القلب الجحود،
قد ضاعت في مهب الريح.
فلم تعذب نفسك بإمعان؟
لم لا تقطع برأي أخير؟
لم لا ترجع إلى الصواب؟
ولم لا تكف عن البأساء؟
رغم عين الآلهة،
لا ريب أنه أمرٌ عسير
أن تتخلى بغتةً
عن حبٍّ طال عليه الأمد،
إنه حقًّا لأمرٌ عسير.
ولكن لا مناص من فعله،
سواء رضَيْت أو أبيت؛
فهذا وحده سبيل الخلاص،
وهذا وحده ما ستعمله،
عليك وربي أن تفعله،
سواء قدرت أو عجزت.
أيتها الآلهة!
لو أن الرحمة من شيمتك،
لو أنكم حقًّا قد ساعدتم
أحدًا من الناس في الرمق الأخير،
فلترعوني في محنتي.
ولئن ثبت لكم طهر حياتي؛
فلْتبعدوا عني هذا البلاء،
ولْترحموني من هذا الدمار.
فيا ويحي ويا مصيبتاه!
ما هذا الفتور
الذي يدب في أوصالي؟
فأُخلي قلبي وفؤادي
من شتى مباهج الحياة،
إنني ما عدت بعد اليوم أطلب
أن أحظى بحب حبيبتي،
أو أنها — وهذا محالٌ —
ترضى معي بعلاقةٍ طاهرة؛
عندئذٍ أستعيد صحتي،
وأتخلص من مرضي الفتاك.
أواه! أيتها الآلهة،
حسبك أن تمنحيني كل هذا
مقابل إيماني وتقواي.

٥٨

ليسبيتنا، يا كايليوس،
ليسبيتنا التي أحبها كاتولوس،
فأحبها أكثر من نفسه،
بل وأكثر من جميع أقاربه.

•••

إنها الآن في مفترق الطرق،
وفي الأزقة والحواري،
تقوم بإشباع الشهوات الدنيئة،
لنسل ريموس النبيل،
ذي العقل الراجح والرأي السديد.

١١

أي فوريوس وأوريليوس،
يا رفيقَي رحل كاتولوس،
سواء شق طريقه إلى الهند النائية،
حيث الشاطئ تتلاطم عنده
أمواج الشرق الصاخبة،
أو توغل في هيركانيا،
وبلاد العرب الملساء.
وسواء زار السكيثيين،
أو البارثيين المحاربين،
أو توغل في السهول الناضرة
التي يصبغها النيل بفروعه السبعة.
وسواء عبر جبال الألب الشامخة
ليرى آثار قيصر العظيم،
ويشاهد نهر الرين الغاليِّ،
ويبصر البريطانيين المهولين
القاطنين أقاصي المعمورة.
يا أيها المستعدان لهذه الأهوال كلها
مهما كانت إرادة الآلهة،
أعلما فتاتي واحملا إليها
هذه الرسالة القصيرة،
غير الرقيقة ولا اللطيفة.
بلغاها ألَّا تنتظر مني
حبًّا كسابق عهدها بي
فيما مضى من الزمان،
ذلك الحب الذي بخطئها
حطمته وهوت به إلى الحضيض،
كما تهوي الزهرة على حافة المرعى،
وقد بترها بحد سلاحه،
عندما مر بها المحراث.

٤٣

سيدتي، إليك تحيتي،
يا طويلة الأنف،
يا بشعة القدمين،
يا ذات العيون الكالحة،
يا قصيرة الأنامل،
يا مبللة الشفاه،
يا ذات اللسان غير العفيف،
إنني أحييك،
يا صديقة مفلس فورمياي.
أأنت هي الجميلة الفتانة
التي يتحدث بذكرها أهل الولاية؟
أبك تقارن ليسبيا حبيبتي؟
لعمري! يا لهذا الجيل!
ويا لقلة ذوقه!
ويا لسوء نشأته!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤