الفصل الثاني

لآلئُ الأفكار

وإِنَّما الشعرُ مرآةٌ لغانيةٍ
هيَ الحياةُ فمِنْ سوءٍ وإِحسانِ
وإِنَّما الشعرُ تصويرٌ وتذكرةٌ
ومتعةٌ وخيالٌ غَيْرُ خَوَّانِ
وإِنَّما الشعرُ إِحساس بما خفقَتْ
له القلوبُ كأقدارٍ وحِدْثانِ
من كل معنًى يروعُ الفهمَ طائلُهُ
معنًى من الجان في لَفْظٍ من الجانِ
صاحب الديوان

مقدمة

الشعر ومزاياه

ليس الشعر لغوًا تهذي به القرائح، فتتلقاه العقول في ساعِ كلالها وفتورها، فلو كان كذلك لما كان له هذا الشأن في حياة الناس.

لا، بل الشعر حقيقة الحقائق، ولبُّ اللباب، والجوهر الصميم من كل ما له ظاهر في متناوَل الحواس والعقول، وهو ترجمان النفس، والناقل الأمين عن لسانها، فإن كانت النفس تَكْذِبُ فيما تُحِسُّ به أو تداجي بينها وبين ضميرها، فالشعر كاذب، وكل شيء في هذا الوجود كاذب، والدنيا كلها رياء، ولا موضع للحقيقة في شيء من الأشياء.

وقد يخالف الشعرُ الحقيقةَ في صورته، ولكن الحُرَّ الأصيل منه لا يتعداها، ولا يمكن أن يشذَّ عنها؛ لأنه لا حقيقة إلا بما ثبت في النفس واحتواه الحس، والشعر إذا عبَّر عن الوجدان لا ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى.

وما هذه الاستعارات والتشبيهات إلا أشياء تختلف في ظاهرها، ولكنها في كنهها واحدة لا خلاف بينها، فليس الجميل قمرًا، ولا الزئير رعدًا، ولا الكريم غمامًا، والشمس لا تنكدر لغياب الحبيب، ولا الليل ينجاب لحضوره، ولكن الغبطة بالصورة الحسناء كالغبطة بالليلة القمراء، والرهبة من زمجرة الأسود في غابها كالرهبة من جلجلة الرعود في سحابها، وتَجَدُّد الروض بعد انهمال المطر كتَجَدُّد الأمل بعد نوال المطر، وإنَّ الشمس إن كانت تُشْرِق بعد نأْيِ الحبيب، فكأنها لا تشرق لأن عين المحب لا تنظر إلى ما يجلوه نورها، وإن تكشَّف لها فكأنما هو بادٍ لغيرها، والليل إذا عسعس فما هو بساتر عن عين المحب منظرًا يشتاق رؤيته بعد أن يمتعه بوجه حبيبه، فإنما هو من الدنيا حسبه، وهو الضياء الذي يُبْصِرُ به قلبُه.

فهذه معانٍ مترادفة في لغة النفس، وإن اختلف نطقُها في الشفاه؛ إذ إنه لا محلَّ في معجم النفوس إلا للمعاني، فأما الألفاظ فهي رموز بين الألسنة والآذان.

وهل تُبْصِر العين أو تَسْمَع الأذن إلا بالنفس؟ أو تبلغ الحواس خبرًا إذا كانت النفس ساهية والمدارك غير واعية؟

والشعر بهذه المثابة باب كبير من أبواب السعادة، بل إن السعادة — ما لم تَعُقْها حوائلُ الحياة — لا تَدْخُل إلى القلوب إلا من بابه، فإنه ما من شيء في هذه الدنيا يَسُرُّ لِذَاتِه أو يُحْزِن لِذَاتِه، وإنما تَسُرُّ الأشياء أو تُحْزِن بما تكسوها الخواطر من الهيئات، وتُكَيِّفها الأذهان من الصور، وآية ذلك أن الشيء الواحد بينما يكون مدعاةَ البهجة والرضى، إذ يكون في غير ذلك الوقت مجلبةً للأسف والأسى وطريقًا إلى الشجن والجوى، والشعر وحدَهُ كفيلٌ بأن يبدي لنا الأشياء في الزمن الذي ترضاه خواطرنا، وتأنس به أرواحنا؛ لأنه سلطانٌ متربِّعٌ في عرش النفس، يخلع الحلل على كل سانحة تمثُل بين يديه، ويُغِضُّ الطرفَ عن كل ما لا يُحَبُّ النظر إليه. والشعر أيضًا مِسْلَاةٌ لمن شاء السلوى، وصدًى تسمعه النفس في وَحْشَة الوَحْدَة، فتطمئن إليه كما يطمئن الصبيُّ التَّائه إلى النداء في الوادي، ليأنس برجع صوته، أو يسمع من عساه يُقْبِلُ لِنَجْدَتِه.

فقد سَبَقَتْ مشيئة الفطرة بأن يعيش أبناء آدم جماهير وأممًا مجتمعة، وأن يكونوا نوعًا له غرائزُ كامنة في طبائعِ أفراده يقتضيها بقاؤه ودوامه، فوجب أن يُجْبَل أبناؤه على الألفة ويُذْرَءُوا على التعاطف ودواعي الاجتماع، وقد درج نوع الإنسان على هذه الفطرة، فصرنا وليس يهنأ امرؤ منَّا بأن ينعم منفردًا، ولن يطيق أحد أن يبتئس وحده، وما كان المعرِّي يمدح نفسه، ولكنه قال قولًا في شِرار الناس، كما يَصْدُق في خيارهم، إذ يقول:

ولو أنِّي حبيت الخلد فردًا
لما أحببت بالخلد انفردَا

فذلك ما لا فَخْر فيه لإنسان على إنسان، وأحسب لو أن الناس كلهم كانوا فجرة خسرة، وكان لا يجوز منهم إلى فردوس الأبرار إلا رجل واحد، لكان هذا الرجل التَّقِيُّ أشدَّ عذابًا بتقواه وأسوأ جزاءً من كل جناة الجحيم وعصاته. وكأني بذلك الرجل، وقد طاف في الجنة حتى بَلِيَتْ نعلاه، ثم نظر إلى ما حوله نظرةَ الكاره الزاهد، فطرح بنفسه في الكوثر هربًا من هذا النعيم الأعجم، أو صاح بهم ليحملوه إلى جهنم، فيصلى النار فيها وهو واجد من يقول له: إن عذاب النار أليم، خير من أن يبقى في جنة لا يرى فيها من يقول له: ما أرغد هذا النعيم!

ويقيني أنه لو نُزِعَ الحسد من الناس يومًا ما، لاشتراه أولو النعمة وفرقوه على الناس مجانًا ليحسدوهم على ما بهم من نعمة؛ فإن السعادة أُنْثَى لا يكتمل سرورُها حتى تستجلي مثالها في المرآة، وسواء لديها أكان رافع تلك المرآة لها شانئًا حسودًا أو صديقًا مخلصًا، ومن أجل ذلك يرتاح العاشق إلى من يناجيه بأسرار حبيبه ونكايات عذوله، ويحيط الغني مجلسه بحاشية ينفق عليها لتقول له إنه ربُّ عيشة راضية، وهناءة محسودة.

ولا تُصَدِّق أنَّ أحدًا يَصِلُ به احتقار الناس أن لا يبالي بهم قاطبة، ولكنه ربما احتقر جيلًا منهم وهو ينتظر النصفة من جيل سواه، أو يهزأ بالفئة التي يعاشرها، ولكنه يعتقد أنَّ هناك فئة لو لَقِيَتْه ولَقِيَها لأرضته وأرضاها، وإلا فلو احتقر المرء ما مضى من الناس وما سيجيء منهم، لما كلَّف نَفْسَه مشقةَ أن يقول ذلك بلسانه.

كذلك خُلِقَ الإنسان عضوًا من جسم تدب حياته في عروقه، فلا سبيل له إلى الانفصال عنه والتخلي عن عاطفته النوعية ما دام داخلًا في اسم الجنس الذي يشمل الإنسان بأجمعه.

فإذا كان هذا شأن التعاطف، فاعلم أنَّ الشعر شيءٌ لا غنى عنه، وأنه باقٍ ما بَقِيَت الحياة، وإن تغيَّرَتْ أساليبه، وتناسخَتْ أوزانه وأعاريضه.

وإذا كان الناس في عهْدٍ من عهودهم الماضية في حاجة إلى الشعر، فهم الآن أحوج ما يكونون إليه؛ فقد باتت النفوس خواء من جلال العقائد وجمالها، وخلا جانب من القلوب كانت تعمره، فإن لم تخلفها عليه خيالات الشعر وأحلامه، كسر اليأس القلوب، وحطمتها رجة الشك واضطراب الحيلة. وها هو القرطاس القديم بين أيدي الشعراء، فليخُطُّوا فيه رسم الفردوس الجديد، وليجعلوه في الأرض أو في السماء، وليكن معاده المثل الأعلى، أو خلود الذكر، أو وحدة الإخاء؛ فإنَّ الإنسانية لا تعيش بغير رجاء.

هذا ولو أنَّ ما ألمحنا إليه مِنْ تعاطُف الأرواح وتآلُف المشارب، كان أوَّلَ ما يستفاد من الشعر وآخرَهُ، لما كان الشعر جديرًا بالعناية من عصر المادة الذي نحن فيه، ولكن ثمرة الشعر على ما بها من النعومة والجزالة، وما لها من ذكاء المشمِّ وحلاوة الطعم، تُشْبِع المعدة وتملأ الفم، ولو أمكن إرجاع كل حركة إلى مصدرها الأول من النفس، لما عسر علينا حساب فضل الشعر بالدرهم والدينار، وإحصاء قواه المعنوية بما تحصى به قوة الكهرباء والبخار.

فمما لا مشاحَّة فيه أنَّ كل نهضة من النهضات التي تشحذ عزائم الأمم وتحدوها في نهج النماء والثراء، لا تكون إلا بعد فترةٍ يتيقظ فيها الشعور، وتتحرك العواطف، وتعتلج نوايا النفوس ومَنَازِعها، وفي هذه الفترة ينبع أعاظم الشعراء وتظهر أَنْفَسُ مبتكرات الأدب، وما الشعر من تلك العواطف إلا مناطها الذي تتعلق به، بل هو ناقوسها المنبه لها، وحاديها الذي يأخذ بزمام رَكْبِها.

وهذه إنكلترا نهضت في تاريخها نهضتين بَلَغَتْ في كلتيهما أسمى ما تحلم به أمة من العظمة والمجد؛ كانت أولاهما في القرن السابع عشر؛ أي عقب ازدهار الأدب الإنكليزي في عهد شكسبير، فتحركت في ذلك القرن عوامل الحياة في الأمة الإنكليزية، ووُضِعَ عهدئذٍ أساسُ إنكلترا الجديدة، وها هي الآن في إبان نهضتها الثانية تقبض على صولجان الدنيا، وتطالب كلَّ فئة منها بقسطها من الحياة والعمل. وما جاءت نهضتها هذه إلا مسبوقة بنهضة أدبية كبرى، ظهرت في أثنائها أكبر الأسماء المعروفة في الأدب الإنكليزي، وأعني بهم أمثال: شلي وبيرون وسكوت وكيتس ووردزورث وكولوردج وسوذي وماكولي، وغيرهم ممن لم يقرضوا الشعر ولكنهم كتبوا في النقد والأدب.

وهذا شبيهٌ بما حدث في فرنسا، فإنَّ جمهوريتها ليست إلا نفحة من نفحات تلك النهضة الأدبية التي كان يُشْرِف عليها لويس الرابع عشر، وما كان يدري ذلك الملك المتجبر، وهو يمد يديه بالحباء إلى زعماء تلك النهضة، أنه يزلزل بيديه قوائم العرش الذي يجلس عليه، ومن حقَّقَ تاريخ القرن الثامن عشر في فرنسا ولم يَرَ في ثورته يدًا لكورنيل وراسين وموليير وبوالو وشينيه وأمثالهم، فهو قاصر النظر، ومثله في ذلك كمثل من تقول له: إنَّ المد والجزر من فعل القمر، فيقول لك: أين السماء من الماء؟! ثم تتابَعَتْ بعد ذلك ثوراتٌ كان يقوم على رأس كل ثورة منها رجال من أهل الخيال، الذين يَظُنُّ بعض كُتَّاب التاريخ أنهم أبعد الناس عن التأثير في عالم الجد، وقد جهلوا أن الأمم تدأب في حياتها بين عامِلَي الحاجة والأمل. فإن كانت المادة تحكم حيِّز الحاجة من نفوسها، فالخيال صاحب السلطان على حيز الأمل، وهو أشد العاملين حثًّا وأعذبهما نداءً.

وجاء بسمارك في ألمانيا فأتمَّ تأليف وحدتها بعد أن شاعت في ولاياتها مصنفات ليسنغ وهردر وجيتى وشيلر وهيني ورفقائهم، فكان الألمانيون أمة ذات أدب واحد قبل أن يكونوا أمة ذات دستور واحد.

وأقرب من ذلك شاهِدٍ إلينا، الدولتان الأموية والعباسية، بل أقرب منهما هذا الذي نشاهده من إقبال ناشئة مصر على الأدب واشتغالها بصوغ الشعر وحفظه، فإنه — ولا شك — عنوان النهضة المرجوة لمصر، ودليل على تفتُّق الأذهان وسريان النبض في مركز الشعور. وفي الأمة نفر ممن يتعاطون صناعة الطب الاجتماعي يزعمون أن البلد في غنًى عن الأدب، وأنه ليس بحاجة إلى غير مباحث الاقتصاد وما شاكَلها. قالوا ذلك؛ لأن الثروة قوت الأمة، ومصر لا تنتفع إلا بقُوتِها ولا يمرأها الدم في شرايينها، وهو قول — كما يرى القارئ في حديث الطب — يقضي بأن لا يجوز الكلام مع الممعود في غير الأطعمة الدسمة والكينا وسلفات الصودا … ولا غرابة فالطب تجارب!

على أن كثرة الكلام في المال ليست هي التي تُوجِد المال متى كانت الهمم راكدةً والنفوس باردةً.

فالشعر لا تنحصر مزيته في الفكاهة العاجلة والترفيه عن الخواطر، لا، بل ولا في تهذيب الأخلاق وتلطيف الإحساسات، ولكنه يُعِين الأمة أيضًا في حياتها المادية والسياسية، وإن لم تَرِدْ فيه كلمة عن الاقتصاد والاجتماع، فإنَّما هو كيف كانت موضوعاته وأبوابه مظهرٌ من مظاهر الشعور النفساني، ولن تذهب حركة في النفس بغير أثر ظاهر في العالم الخارجي.

خُدِعَ بعض الباحثين ولا سيما من كان منهم من علماء الطبيعيات، فقالوا: إن الناس اليوم في دور العلم والتحقيق، وإن آباءنا كانوا ينظرون إلى العالم بعين الشعر أيام الجاهليات الأولى، وكان يحيرهم في تلك الأزمات المظلمة ما يدركونه الآن من أسرار الطبيعة وخفايا نواميسها، فيذهبون في تأويلها مذاهب الحدس والتخيل، وإنما غَشِيَتْ أصحابَنا العلماء ماديةُ العصر فرأوا ذلك الرأي، ولست أدري كيف يخطر لأولئك العلماء الجهلاء أنه يجيء يوم على الإنسان يقف فيه جامدًا بين يدَيْ هذا الوجود مهما حصَّل من العلم وأحاط بأسراره، وهل يؤثر علم النباتي العارف بأجزاء الأشجار على خيشومه وبصره فلا يدعه يتنشق رائحتها ويبتهج بألوانها؟ وهل علمي بنواميس الطبيعة يعصمني من الانفعال بمؤثراتها ويذود عني الخوف مما يدعو فيها إلى الخوف، أو الطرب إلى ما يطرب من بدائع مشاهدها؟

اللهم إنه عِلْم يُفْقِد الإنسان حواسه، ويا لله ما أضعف الإنسانية! فإن الفرد منها لَتملكه العاطفة، فلا يكاد يبصر إلا بنورها أو يسمع إلا بصوتها، وإنَّ الإنسانية بأسرها لتغلب عليها حالةُ من الأحوال الطارئة في بعض الأجيال، فلا تكاد تتوهم أنها تنتقل من تلك الحالة إلى سواها. ظهرت أميركا بمناجمها، واخترعت الآلات التي تصنع الواحدة منها صنع الألوف من العمال، وأعلنت الحرية فأُلقي حمل كل طبقة على عاتقها، وتوجهت الطبقات المختلفة إلى العمل لنفسها والسعي في طلب رزقها، فحدث من جراء ذلك جميعها تهافُتٌ غير مألوف على الذهب، فما هي إلا سنوات مضت في مقدمات هذه الزوبعة قد ملأت الدنيا غبارًا، ثم أصبحنا لا نسمع إلا سياسة المال وعلم المال وقوة المال وعصر المال. نسي الناس كل شيء إلا أنهم في عصر المال، ونسوا أيضًا أن الإنسان لم ينفض عنه في عصر المال عنصره القديم، وأنه إن كان قد انتقل من فترة إلى فترة، فإنه لا يزال في مكانه من الطبيعة، ولا يزال يهتز بنبراتها ويجري مع طياراتها. ولسوف يمضي عصر المال هذا فلا تسمع عنه الأجيال القادمة إلا كما نسمع نحن عن أخبار العصور الخالية، وكذلك لا يبقى إلى الأبد إلا الأبد نفسه.

أقول ذلك ولا أعني بما قُلْتُ كُلَّ الشعر، ولكني عنيت منه المطبوع الأصيل؛ إذ ليس لشعر التقليد فائدة قط، وقلَّ أن يتجاوز أَثَرُهُ القرطاسَ الذي يَكْتُب فيه، أو المنبر الذي يلقى عليه، وشتان بين كلام هو قطعة من نفس، وكلام هو رقعة من طرس.

فالشاعر العبقري معانيه بناته، فهُنَّ من لحمه ودمه، وأما الشاعر المقلد فمعانيه ربيباته، فهنَّ غريبات عنه وإن دعاهن باسْمه. ولا يثمر شعر هذا الشاعر مهما أتقن التقليد، كالوردة المصنوعة يبالِغُ الصانعُ في تنميقها، ويصبغها أحسن صبغة، ثم يرشُّها بعطر الورد فيُشَمُّ منها عبق الوردة، ويُرى لها لونها ورواؤها، ولكنها عقيمة لا تنبت شجرًا ولا تُخْرِج شهدًا، وتبقى بعد هذا الإتقان في المحاجر زخرفًا باطلًا.

ألا وإنَّ خير الشعر المطبوع ما ناجى العواطف على اختلافها، وبثَّ الحياة في أجزاء النفس بأجمعها كشعر هذا الديوان.

•••

فإذا تلقى قرَّاء العربية اليوم هذا الجزء الثاني من ديوان شكري، فإنما يتلقون صفحات جَمَعَتْ من الشعر أفانين، قد سمح بها قلمٌ سخيٌّ وقريحة خصبة.

في هذه الصفحات نظرة المتدبر، وسجدة العابد، ولمحة العاشق، وزفرة المتوجع، وصيحة الغاضب، ودمعة الحزين، وابتسامة السخر، وبشاشة الرضى، وعبوسة السخط، وفتور اليأس، وحرارة الرجاء. وفيها إلى جانب ذلك من روح الرجولة ما يكظم تلك الأهواء، ويكفكف من غلوائها؛ فلا تنطلق إلا بما ينبغي من التجمل والثبات.

وإن شعر شكري لا ينحدر انحدار السيل في شدة وصخب وانصباب، ولكنه ينبسط انبساط البحر في عمق وسعة وسكون.

قد يعسُر على بعض القرَّاء فهم شيء من شعر شكري، فهؤلاء هم الذين يريد أكثرهم من الشاعر أن يخلق فيهم العاطفة التي بها يفهمونه، وليس ذلك مما يُطْلَب منه، ولو حاوله لأفسد شعره بالتعمل والزيادة، ومن دأْب المبتدئين من الشعراء أن يتوخوا في كلامهم الشرح والإسهاب والتفصيل، ظنًّا منهم أن ذلك يزيد معانيهم جلاءً ويقربها من إحساس قرَّائهم، وليس أبعد من هذا الظن عن الصواب؛ فإن العواطف لا تتأثر بالإطناب، وإنما هو مما يُتَوَسَّل به إلى إفهام العقول، وإدخال المعاني إلى الأفكار.

ومن النفوس من لا يصلح لتوقيع جميع أدوار الشعر عليه، كما لا تُوَقَّع أدوار «الأوركستر» على القيثار أو المزهر؛ فإن هذه الآلات الصغيرة لا تسع تلك الأنغام المتنوعة الكثيرة. فإذا سَمِعَتْ إحدى هذه النفوس أنشودة الشاعر، فسبيلها أن تستغرب رنة اللحن الذي ليس في معزفها وتر يهتز به.

•••

قال لي بعض المتأدبين: إن شعر شكري مشرب بالأسلوب الإفرنجي. وأنا لا أعلم ماذا يعني هؤلاء بقولهم: الأسلوب الإفرنجي والأسلوب العربي! فإن المسألة على ما أعتقد ليست مسألة تبايُن في الأساليب والتراكيب، ولكنها مسألة تفاوُت في جوهر الطبائع، واختلاف بين شعراء الإفرنج وشعراء العرب في المزاج كاختلاف الأُمَّتَيْن في الملامح والسحناء.

وأشبه بالحقيقة عندي أن يقال: الأسلوب الآري والأسلوب السامي؛ فإنه أدل على جهة الاختلاف بين شعر الإفرنج وشعر العرب.

الآريون أقوامُ خيالٍ نشَئُوا في أقطارٍ طبيعتُها هائلة، وحيواناتها مخوفة، ومناظرها فخمة رهيبة، فاتسع لهم مجال الوهم وكبر في أذهانهم جلال القوى الطبيعة، ومن عادة الذعر أنه يثير الخيالات في الذهن ويجسم له الوهم، فيصبح شديد التصور، قوي التشخيص لما هو مجرد عن الشخوص والأشباح.

والساميون أقوام نشَئُوا في بلاد صاحية ضاحية، وليس فيما حولهم ما يخيفهم ويذعرهم؛ فقَوِيَتْ حواسهم وضَعُفَ خيالهم.

ومن ثَمَّ كان الآريون أقدر في شعرهم على وصْف سرائر النفوس، وكان الساميون أقدر على تشبيه ظواهر الأشياء؛ وذلك لأن مرجع الأول إلى الإحساس الباطن، ومرجع هذا إلى الحس الظاهر.

السامي يُشَبِّه الإنسان بالبدر، ولكن الآري يزيد أنه يمثل للبدر حياة كحياة الإنسان، ويروي عنه نوادر الحب والمغازلة والانتقام كأنه بعض الأحياء، وهذا — ولا مراء — أجمع لمعاني الشعر؛ لأنه يمد في وشائج التعاطف، ويُوَلِّد بين الإنسان وبين ظواهر الطبيعة ودًّا وائتناسًا يجعلهما الشعرُ السامي وقفًا على الأحياء، بل على الناس دون سواهم من سائر الأحياء.

وهذا الفرق بين الآري والسامي في تصوُّر الأشياء، وهو السبب في اتساع الميثولوجي عند الآريين، وضيقها عند الساميين؛ فليست الميثولوجي إلا إلباس قوى الطبيعة وظواهرها ثوب الحياة، ونسبة أعمال إليها تشبه أعمال الأحياء، وتلك طبيعة الآريين، فإنهم — كما قلنا — قد امتازوا بقوة التشخيص والخيال على الساميين.

وهذا أيضًا هو السبب في افتقار الأدب السامي إلى الشعر القصصي، ووفرة أساليب هذا النوع من الشعر في الأدب الآري. فإننا إذا راجعنا أكبر قصص الهنود والفرس، وتقصينا الملاحم الغربية قديمها وحديثها، وجدنا أنها تدور كلها على روايات الميثولوجي، وتَسْتَمِدُّ منها أصولها، وقد وسعت القصص منطقة الشعر الغربي، فكانت له ينبوعًا تفرعت منه أساليبه، وتشعبت أغراضه ومقاصده، وحُرم الشعر العربي منها، فوقف به التدرج عند أبواب لا يتعداها.

أما تقسيم الشعر إلى قديم وعصري، فليس المراد به تقسيمه إلى عربي وإفرنجي، ولا يراد بالعصري مقابلته بالقديم؛ فإني أعتقد أن الشعر العصري يشبه الشعر القديم في أن كليهما يُعَبِّر عن الوجدان الصميم، ولكن المراد منه التفريق بين الشعر المطبوع وشعر التقليد الذي تَدَلَّى إليه الشعر العربي في القرون الأخيرة.

فالشاعر قد يكون عصريًّا بريئًا من التقليد، إلا أنه لا يلزم من ذلك أن يكون إفرنجيًّا في مسلكه.

وأيما شاعر كان واسع الخيال قوي التشخيص، فهو أقرب إلى الإفرنج في بيانه وأشبه بالآريين في مزاجه وإن كان عربيًّا أو مصريًّا، ولا سيما إذا كان مثل شكري، جامعًا بين سعة الخيال وسعة الاطلاع على آداب العربيين.

بقلم الأستاذ عباس محمود العقاد

حياة الأمم أو التجدد والتغير

حياةُ الناس إِمَّا ماءُ نهرٍ
فيصلحهُ التدفُّقُ والمسيرُ
وإِمَّا ماءُ آجنةٍ كثير
قذاه، ويأجن الماءُ الطهورُ
وليست هذه العادات إِلَّا
رداءُ العيش تبليه الدهورُ
رداءُ العيشِ تبليه الليالي
ويبكي عهد جِدَّته الغرورُ
وأبكارُ المعاني حائكات
رداءً عهدُ جِدَّته نضيرُ

•••

نظامات وعادات تقضِّي
وبعضُ الأمرِ يصلح إِذ يحولُ
وأسبابُ البقاء لها صيالٌ
صيال السيل يهلك إِذ يصولُ
وأحكامُ الوجودِ لها مسيلٌ
مسيلُ السيلِ يهلك إِذ يسيلُ
فإِن تسدُدْ طريقَ السيلِ تَهْلِكْ
ولا يُغني البكاءُ ولا العويلُ
ويحيا بالتغيُّر كلُّ حيٍّ
ويردى الفاسدُ القدر العجولُ
فلا تكُ جازعًا في إِثرِ أمرٍ
جليلُ الأَمر يعقبهُ الجليلُ
وآمال وآراءٌ وعادٍ
سواء في تغيُّرها شكولُ

•••

وكم من أمةٍ تخشى زَوالًا
على الأَيامِ أَدْرَكَهَا الزوالُ
تُحَاذِرُ أن تغيرها الليالي
فيودي حالها ويجيءُ حالُ
وبين الدهرِ والدولِ استباقٌ
وبعضُ النَّاس يُعْوزهُ المجالُ
فقل للغافلين إِذا أصاخوا
حياتُكُمُ هي الداءُ العضالُ
ستُنْفِذُ فيكم الأقدارُ حكمًا
ويرجمكم بأنكده المآلُ
وهل يخشى الجديدَ سوى جبانٍ
له من حبِّ أقدمه عقالُ

الإيمان والقضاء

ليس يدري مضاضةَ القَدَرِ الْغَا
لِبِ إلا مُعَالِجُ اليأساءِ
تَفْتِقُ الذهن مثلما يَفْتِقُ الأَزْ
هار وهْنًا مرقرقُ الأنداءِ
غير أن الشقاءَ قد يَخِزُ النفْـ
ـسَ ويُصْمِي مجامعَ الأهواءِ
فهْو طورًا يكون برءًا لداءٍ
وهْو طورًا يُعدُّ في الأدواء
هو سيفُ القضاءِ في يَدِ عَدْلٍ
رُبَّ عدل في وقْعِ ذاك البلاءِ
خَفِيَتْ حكمةُ الحوادث عنا
فشقينا شقاوةَ الجهلاءِ
لو رأينا منابتَ العدل فيها
لنعمْنا بالعيشةِ الخشناءِ
لو رأينا مطالع العدل منها
ما شَكَوْنا مضاضةَ الأرزاءِ
وخداعُ الحياةِ أروعُ جلبًا
لأسى المرءِ من خداع النساءِ
سكناتُ الإِيمان برءٌ من الحز
ن ومأوًى لهاربٍ من قضاءِ
هو حصنٌ من الشقاءِ حصينٌ
ووقاءٌ أَنْعِمْ به من وقاءِ
كنفٌ مانعٌ وظلٌّ ظليلٌ
وشرابٌ يشفي أوامَ الظماءِ
يلج النفسَ بالثبات وبالحَزْ
مِ ويطوي جوانِبَ الضرَّاءِ
هو روض جمُّ الفروع أنيقٌ
ونعيمٌ موطَّأ الأفناءِ
يُدْخِل الأمنَ والسلامَ على قَلْـ
ـبٍ خفوق الضلوع والأحشاءِ

الحياة والعبادة

أكْذَبُ الدينِ ما يُنِيمُ قُوَى المَرْ
ءِ كما يُخْرِسُ الرياحَ الركودُ
إِنَّما الدينُ أن تفكَّ عن النفْـ
ـس من اليأس والخمولِ قيودُ
إِنَّما الدينُ أن يجدَّ مجدٌّ
أعْمَلَ السعيَ أو يُجِيدَ مُجيدُ
إِنَّما الدينُ قوةٌ وجمالٌ
وحياةٌ وعدةٌ وعديدُ
كيف يدري جلالةَ النفسِ غِرٌّ
أزعَجَتْه بوارقٌ ورعودُ
كيف يدري جلالةَ الله غِرٌّ
حَركَّتْهُ ضغائنٌ وحُقودُ
اُعْبد الله بالجهادِ وبالتفْـ
ـكيرِ، والعقل عابدٌ معبودُ
إِنَّما هذه الحياةُ جهادٌ
والجبانُ الموهونُ فيها جَحُودُ
خُلِقَ المرءُ كي يناهضَ أمرًا
فهْو في الموتِ والحياةِ شهيدُ
كُتِبَ الصبرُ في الحياةِ علينا
فالْبَس الصبرَ فالعظيمُ جليدُ
عِشْ شهيدًا تُنَاجِز الهمَّ والدَّا
ءَ إِذا أمَّ حتفه الرعديدُ
فحنينُ الثكلى ووخزُ ضميرٍ
ودموعٌ يريقها المكدودُ:
هي ما يعبدُ الأنامُ به اللهَ
كما يعبدُ القضاءَ الوجودُ

القلق والغفلة

يا أسيرًا قيودُه آمالٌ
مشكلات لا تستبين لرائي
تبتغي الخيرَ في مجاهل ما يأ
تي من الدهر والقضاء النائي
لك صدرٌ جم الحنوِّ على النا
سِ ولكن يضيق بالأرزاءِ
أنت عبدُ البقاءِ لو كَرِهَ العبْـ
ـدُ إِباقًا من رقِّ ذاك البقاءِ
أنت تقري الأنام من دمعك الغمْـ
ـرِ شآبيب عاجزات السخاءِ
أنت تبكي مما يعالجه النَّا
سُ وتأسى لبادرات البلاءِ
إِنَّ عتبًا على القضاءِ سفاهٌ
غاب عنه مطالع النعماءِ
ينعم الغافلُ الغبيُّ ويشقى
عاتبٌ ساءهُ وقوعُ القضاءِ
أيُّها اللائمون في الحزنِ مهلًا
غافل القلبِ ميتُ الأحياءِ
ما بَكَيْنَا من الشقاءِ ولَكِنَّـ
ـا بَكَيْنَا من ذلنا للقضاءِ
ضُرِبَ الأمن والسلامُ عليكم
وعلينا عرفانُ وقْع البلاءِ
لو مُنِينَا بعيشِكم ما رضينا
ضاحك القلبِ جاهلٌ بالبقاءِ
لا يصيب السلامَ إِلا غبيٌّ
كيف نرضى بعيشِ أهلِ الغباءِ؟
كم عظيمٍ قضى ولم يَبْلُغ النجْـ
ـحَ وغرٍّ أصابه برياءِ!
كم جليلٍ مرجَّم بسبابٍ
وضئيلٍ مزيَّن بالثناءِ!

اليتيم

يتيمٌ تقاضاه الهموم حياته
وتُظْمِيهِ من طيبِ الحياةِ خطوبُ
وما اليتمُ إِلا غربة ومهانة
وأيُّ قريبٍ لليتيمِ قريبُ
يمرُّ به الغلمانُ مثنى وموحدًا
وكلَّ امرئٍ يلقى اليتيم غريبُ
يرى كلَّ أمٍّ بابنها مستعزةً
وهيهات أن يحنو عليه حبيبُ
يسائلهُ الغلمانُ عن شأنِ أهلهِ
فيُحْزِنُه أن لا يجيب مجيبُ
إِذا جاءه عيدٌ من الحول عادَهُ
من الوجد دمعٌ هاطلٌ ووجيبُ
كأنَّ سرورَ الناسِ بالعيد قسوةٌ
عليه تُرِيق الدمعَ وهْو صبيبُ
يظل حَسودًا للذين أَظَلَّهُمْ
من العيشِ، فينانُ النعيمِ رطيبُ
وما عَلِمَ الغلُّ الفتى كمصيبةٍ
دَهَتْهُ فلم يَعْطِفْ عليه ضَرِيبُ
فيا وَيْلَهُ قد مزَّق الغلُّ قَلْبَهُ
وأُنْشِبَ فيه للشقاءِ نُيُوبُ
عزاءك لا يلمم بك الضيمُ إِنَّنا
يتامى ولكنَّ الشقاءَ ضروبُ
فهذا يتيمٌ ثَاكِلٌ صَفْوَ عيشهِ
وذاك من الصحْبِ الكرامِ سَلِيبُ
وكلُّ امرئٍ في الناس باكٍ وضاحكٍ
وكلُّ يتيمٍ لليتيم نَسِيبُ
فإِن شِئْتَ فاعْدُدْ من رُزِئْتَ أمانيًا
وإِنَّكَ منها ما حَيِيتَ سَلِيبُ
وما الرزءُ إِلا فَقْدُ مَنْ لو حُرِمْتَهُ
حَيِيتَ ولم يعنف عليك وجيبُ
ألا إِنَّ بَيْنَ الناسِ قُرْبَى ولو طغى
جفاءٌ وأَوْدَتْ بالحنانِ شَعُوبُ
فإِن جَهِلُوا أنَّ القلوب أواصرٌ
فما جَهِلُوا أنَّ القلوبَ قلوبُ

الجمال والعبادة عند قدماء اليونان

كم أمةٍ أَحْكَمَتْ بالحُسْنِ دَوْلَتَهَا
فخَلَّفَتْهُ وأودى مَجْدها الفاني
حبُّ الجمالِ حياةٌ لا نفادَ لها
لا نهبَ دهرٍ ولا أسلاب حدثانِ
تلك التماثيلُ أم هذي المعابدُ أم
تلك الفنون عليه خيرُ عنوانِ
يا رُبَّ مرأى لنا منها ورُبَّ مُنى
فيها وحُسْنٌ قديمُ العهدِ يوناني!
لهْفى على زمنٍ كان الجمالُ به
ما يَعْبُدُ الناسُ في دينٍ وإيمانِ
لم يَحْبِسِ المرءَ عن آمالهِ فَرَقٌ
منها ولم يُثْنِهِ عن عزمِه ثَانِي
الحبُّ والحسنُ والأشعارُ دينُهُمُ
أَنْعِمْ بذلك دينًا بيْنَ أديانِ
لم يُزْرِ بالحقِّ حبُّ الحُسْنِ بيْنَهُمُ
فالحقُّ والحسنُ إِن فكَّرتَ سيَّانِ
كأنما عَيْشُهُمْ من طيبِ مَخْبَرِهِ
بيتٌ من الشعر في حُسْنٍ وتبيانِ
يَرَوْنَ في كلِّ شيءٍ حَوْلَهُمْ نَفْسًا
حيًّا وروحًا نماهُ طِيبُ جُثْمَانِ
لكلِّ شيءٍ إِلهٌ ملؤه جذلٌ
معبَّدٌ بين أَزهارٍ وأغصانِ
وللجمالِ إِلهٌ غيْر ذي بخلٍ
مكللٌ بوريق العودِ فينانِ
لقد أضاءَت وُجُوهَ العيْشِ عنْدَهُمُ
محاسنُ الحبِّ من صدقٍ وإِحسانِ
لا تَحْسَبِ الحبَّ بين الناس مَنْقَصَةً
فالحبُّ سلوةُ هذا العالمِ الفاني!

الحياة والعمل

المرءُ لَيْسَ بمالكٍ يَدَهُ
حتى تكونَ وسيلةُ الأملِ
والمرءُ يقمر جِسْمَهُ كَسَلٌ
والعمرُ بعض غنيمةِ الكسلِ
والعيشُ سرٌّ أنْتَ باحِثُهُ
فعسى تجوب مجاهلَ السُّبُلِ
والعيش سجفٌ أنت رافعه
عما جهلت بجدِّ ذي حِيَلِ
والعيشُ تجربةٌ لسالِكه
واليأسُ أخطل فيه من خطلِ
فحذارِ أن تَعْتَدَّهُ غرضًا
إِن الحياةَ وسيلةُ الرجلِ
لو كان هذا العيشُ غايَتَنَا
لم نطرق الأقدار بالأجلِ
لا تَزْدَهِيكَ منازلٌ وُطِئَتْ
فالسعيُ خيرُ منازلِ النزُلِ
والنجحُ ليس بخير مُكْتَسَبٍ
كم نجحةٍ شرٌّ من الفَشَلِ
كم ظافرٍ بأقلِّ مُطَّلَبٍ
خذلَتْ يداه بمَطْلَبٍ جَلَلِ
فالطيشُ ليس بعائب الأملِ
والعجزُ ليس بعائبِ العملِ
إِن الذي يسعى على وجلٍ
غير الذي يسعى على جذلِ!

ضحكات الأطفال

ضِحْكَةٌ منك صَوْتُها صَوْتُ تَغْرِيـ
ـدِ العصافيرِ تستفزُّ القلوبَا
ضِحْكَةٌ ردَّتِ المشيبَ شبابًا
وأماتَتْ من الوجوهِ الشحوبَا
ضَحِكَاتٌ كأنَّها كَلِمَاتُ الله
تَمْحُو مآثمًا وذُنُوبَا
ضَحِكَاتٌ كأنها نغماتٌ
تَتْرُكُ الغافلَ الغبيَّ طَرُوبَا
ضَحِكَاتٌ لا تَعْرِفُ الخيرَ والشرَّ
ولا تُضْمِرُ الجوى واللُّغُوبَا
تُفْزِعُ الهمَّ من ضلوع ذوي الهمِّ
وتُحْنِي على القلوبِ القلوبَا
كم أنامَتْ دون الفؤادِ وجيبًا
وأغاضت من الدموع غروبَا
رُبَّ ضِحْكٍ قد يَضْحَكُ الغدرُ فيه
ويُغطي عن خبِّه أن يريبَا
أَبْيَض النفْسِ صادق الضحكِ والغا
درُ يعطيك ضِحْكَهُ المكذوبَا
ولقد يَضْحَكُ اللئيمُ رياءً
فَتَرَاهُ وهْوَ الضَّحُوكُ قَطوبَا
يا رعى الله للطفولة حالًا
تَرَكَتْ بعدها العزاءَ سليبَا
يا رعى الله للطفولةِ حالًا
ما عهدنا الزمانَ فيها مُرِيبَا
كم صَحِبْنَا فيها الزمانَ أَمِينًا
ولبسنا فيها النعيمَ قَشِيبَا

الجمال والموت

باعَدَ الهمُّ عن فِراشي المنامَا
فَرَعَيْتُ الأشجانَ نهبًا سوامَا
وجَعَلْتُ الفِرَاشَ مأوَى همومي
فاستزادَتْ من الظلام ظَلَامَا
هو مُورِي الأشواقِ بعد خمودٍ
وهْوَ داءٌ مرٌّ يهيض السقامَا
وهْوَ أَحنى عليَّ مِنْ وَضَحِ الصُّبْـ
ـحِ وأندى يدًا وأهدى مقامَا
غيْرَ أنَّ الفناءَ يَخْطِرُ في شَمْـ
ـلَتِهِ غابنا جسومًا نِيَامَا
طَرَقَتْنِي في جنْحهِ خَطَرَاتٌ
أَنَا مُحْيِي الدُّجَى وهُنَّ الندامَى
نَضَّدَتْ فَوْقِيَ الرِّجَامُ ضريحًا
وسَقَتْنِي مِنَ الحِمَامِ مُدَامَا
فرأيتُ الثِّيَابَ فَوْقِيَ أَكْفَا
نًا وحَوْلِي جماجمًا وعِظَامَا
ورَمَيْتُ الظلامَ بالنظر الآ
مِلِ أبغي مِنَ الظلامِ مَرَامَا
إِنَّ هذا الظلام بابٌ إِلى المَوْ
تِ نراه وراءنا وأَمَامَا
يا سميرَ الْمَوْتَى أَبِنْ لي حبيبًا
كان في مقلتيَّ بدرًا تَمَامَا
غَبَنَتْنِي المَنُونُ فيه ولو شَا
ءَتْ لسامَتْ به الأنام مسامَا

•••

أيُّ زُورٍ يفري الدجى عن ضِيَاءٍ
أيُّ زُورٍ يسعى إِليَّ لمامَا
أنتِ أنتِ التي هَجَرْتِ لحاظي
وتركتِ الفؤادَ يشكو أوامَا
أنتِ في الموت والحياةِ تَقُودِيـ
ـنَ فؤادًا مُتَيَّمًا مُسْتَهَامَا
عانقيني فرُبَّ صَدْرٍ خفوقٍ
ظلَّ يَحْنُو عليكَ عامًا فَعَامَا
واجعلي ساعِدَيْكِ عُقْدًا لِجِيدِي
واجعلي مِعْصَمَيِكِ فيه زِمَامَا
عانَقَتْنِي فعَانَقَ الداءُ جسمي
وكأَنَّ الخيالَ صار رمامَا
ورأيتُ العظامَ تُعْرَى منَ اللحْـ
ـمِ وَقَدْ فارَقَ البهاءُ العظامَا
أَبْعِدِي عن مشمِّيَ النَّفَسَ المُرَّ
فَقِدْمًا شَمَمْتُ منه البشامَا
أَبْعِدِي فَاكِ ذاكَ عن شَفَتِي الظَّمْـ
ـأَى فَقَدْ أَبْدَلَ الرُّضَابَ لُغَامَا
بينما أَنْتِ كالضياءِ بهاءً
إِذ تعودين رمَّةً تتحامَى

عابدة الشمس (اسم زهرة معروفة)

تُدِيرِينَ نحو الشمسِ وجْهًا كَأَنَّمَا
تَرَيْنَ بِوَجْهِ الشمسِ ما كتَبَ الدهرُ
فما حَسُرَتْ عيناك مِنْ طُولِ رقْبَةٍ
ويا رُبَّ ترصادٍ يَنُوءُ به الصَّبْرُ
أتبغين من تلحاظها شُكْرَ نعمةٍ
هى النور لم يحسب عليك له أَجرُ؟
تُسَقِّيك من أضوائها بلواحظٍ
وللشمس لحظٌ لا بطيءٌ ولا شزر
إِذا غربتْ أَرْخَيْتِ أجفانَ عاشقٍ
يناجى حبيبًا دُونَهُ للدجى ستْرُ
تضيئين وجْهَ الروض من فرط صُفْرةٍ
فأنْتِ له شمسٌ وأنتِ له بَدْرُ
وفي اللون آياتٌ من النورِ غضةٌ
ويا رُبَّ لون قد يضيءُ له جمْرُ
كأنَّك بين الزهرِ في ليل أَرْبَعٍ
وعشرٍ هِلَالٌ حَوْلَهُ الأنجمُ الزُّهرُ
وصفراء من نسل المجوسِ كأنها
تعالج أمرًا لا يعالجه الزهرُ
تهمُّ إِلى وجه السماءِ كأَنما
لها في صميم الأرضِ من جذرها أسْرُ
كما يَشْرَئِبُّ النسرُ هيض جناحِهِ
مقيم على الدهماءِ ألحاظه طيرُ
جحدنا مغاليق الطبيعةِ ضلة
فكانت حياةُ المرءِ أكثرها سرُّ

صوت الليل

ملأتَ الكونَ مِنْ نَفَسٍ عميقِ
فأسمع كلَّ ذى قلبٍ مفيقِ
وأجْرَيْتَ الجلالَ على سكونِ
يَفِيضُ على ظلامك كالأنينِ
وأخْرَسْتَ الحياةَ وراغبيها
وريحُ الموتِ تخفق منك فيها
كأنكَ شدو ظئر للوليدِ
إِذا طردت به صحْو العنيدِ
كأن النومَ صِنْوُكَ حين تجري
على سمْعٍ سرارك ليس يدري
وأنتَ علالةُ الروحِ الكبيرَهْ
إِذا أصغت ولجت إِلى السريرَهْ
فصوتُ الليلِ من صوت الضميرِ
مهيب القولِ كالهادي النذيرِ
يئنُّ صداه في صمِّ الضلوعِ
ويكسو النفسَ ثوبًا من خشوعِ
فيا مأوايَ مِنْ عَنَتِ الحياةِ
إِذا أنا متُّ لا تهجر رفاتِي
فكم ناجيتُ سرَّك في الظلامِ
وداءُ النومِ يسري في الأنامِ
خَلَسْنَا مِنْكَ أسرارَ البيانِ
فأنت اليمُّ تعمره المعاني

وصف البحر

ألا ليتني لجٌّ كلجَّكَ زاخرُ
أعب كما تهوى النهى والبصائرُ
فكم عَبَّتِ النفسُ اللجوجُ وحاوَلَتْ
كبعض سُطاك الآبياتُ النوافرُ
فأخفت من الدرِّ النفوس ومن حلى
كما اختبأت فيك اللهى والذخائرُ
كأن بها أُفْقًا كأُفْقِكَ نائيًا
ومن دونه كل المدى يتقاصرُ
أتطرب من لحنِ الخرير كأنه
خواطر تتلوها عليك السرائرُ
كما يَطْرِب النشوانُ من لحن صوته
فجاشت لديك الراقصات الزواخرُ
وإِلا فما للموج في اليمِّ راقصًا
دعاه عذارى البحر شادٍ وشاعرُ
خريرك يحكي صدحة الدهر صامتًا
كأنك دهر بالحوادث مائرُ
هو الدهر لا يخشى المنايا ولا يهي
صباه ولا تقضي عليه المقادرُ
وأنت شبيه الدهر لا أنت هارِمٌ
ولا أنت منقوصٌ ولا أنت خاسرُ
ويصطخب الآذيُّ فيك كأنما اصْـ
ـطِخَابُكَ من حكم المنية ساخرُ
أخَفْقٌ وإِعصارٌ ودَفْعٌ وهبَّةٌ
كأنك حيٌّ نابضُ القلبِ شاعرُ!
فريحُكَ أنفاسٌ وموجك نابضٌ
كنبض قلوبٍ أعجلَتْهُ البوادرُ
خَلَوْتَ من السُّمَّارِ كالبيد وامَّحَتْ
مَعَالِمُ لا تُبقي عليها الأعاصرُ
سوى شلْوِ فُلكٍ قد حدرت إِلى الردى
يلوح كما لاحت رسومٌ غوائرُ
وكم جزرٍ مثل الجنان مضيئةٍ
كأنْ جَهِلَتْهَا الصائلاتُ الدوائرُ
لَخِيلَتْ نجوم السعد والحب والمنى
فحنَّ إِليها الشخشخان المخاطرُ
كما حنَّ للآل الخلوب قوافل
تخب بها في البيد إِبْلٌ ضوامرُ
لخلَّقْتَ في قلب المخاطر همةً
على الدهر لا تبلى وتبلى العمائرُ
يحنُّ إِلى ما خلف أُفْقِك ناظرٌ
كما تنشد الغيبَ النُّهى والبصائرُ
كأنَّ منًى للنفس مِنْ خَلْفِ أُفْقِهِ
تلوح كما لاح السرابُ المبادرُ
أَوَ انَّ مجال السعد درٌّ منظَّمٌ
على الأفْقِ ينحوه الطلوب المغامرُ
بلى كل نفسٍ للغريب مشوقة
وإِنْ خَوَّفَتْها من سطاه المحاذرُ
ويصغر في مَرْآكَ عيْشُ ابْنِ يَوْمِهِ
ويَكْبُرُ رأيٌ ذاهبٌ فيك سائرُ
خواطر مثل الفلك فيك شواردٌ
يضلُّ عليها عازبُ اللبِّ حائرُ
تناءت بك الأمواج وَهْيَ نوافرٌ
وجاءت بك الأمواجٌ وَهْىَ ثوائِرُ
كأن بها عجزَ المشيب إِذا انْثَنَتْ
وعزمَ الشبابِ الغرِّ وَهْيَ بوادرُ
فَنمْ نومةَ الظل البطيء مَسِيرُهُ
وثِبْ وَثْبَةَ الغضبانِ حين يُسَاوِرُ
فيا رُبَّ حلمٍ خامِلِ البطشِ هادئٍ
ضُمِنْتَ وجهلٍ شرُّه متطايرُ
كأن لنا منْ لُجِّ مائِكَ واعظًا
بليغًا له مما أَثَرْتَ زواجِرُ
رأيتُكَ والأمواجُ في وثَبَاتِهَا
عساكر حرْبٍ قد تَلَتْهَا عساكِرُ
فبينا يُريق الضوءُ فوقك ماءَه
وتجري عليك الريحُ وَهْيَ خواطِرُ
ويتلو عليك الصائدون غناءَهم
يرجِّعُهُ لحن من الماء مائِرُ
ويُسْمِعُكَ الملاحُ مِنْ شَجْوِ قَلْبِهِ
أحاديثَ قد تاقت لَهُنَّ الحرائرُ
إِذِ الجوُّ جهمٌ والرياح كتائبٌ
وإِذْ أنت مقبوح السريرة غادِرُ
ورُبَّ سفينٍ يَقْرَعُ النجم مجْدُها
تقاذفها مستوفز اللجِّ هامِرُ
يروِّعها في كل هوجاء موعد
ويسعى لها قبْرٌ من الماء سائِرُ
فليس الغمامُ الغمرُ إِلا رياحها
وما المرسلاتُ الهوجُ إِلا الهوامرُ
وما ذلك اللج الذي في سمائها
بأهدأ من لجٍّ نَمَتْهُ الزواخرُ
إِذا ذَكَرَ الملَّاحُ زوجًا وصبيةً
طغى شجن في مرجل الصدر فائرُ
وتذهل عن مهْدِ الوليدِ رءومه
إِذا ما رَمَتْهَا بالوعيد الزماجرُ
وما هى إِلا صولةٌ ثمَّتِ انْجَلَتْ
وأَكْبَر غرقاها المساعي البوائرُ
كما غرقت في لجة الدهر دولةٌ
زهتْ ما زهتْ والدهرُ للناس غامِرُ

معانٍ لا يدركها التعبير

كم معانٍ يَوَدُّ لو صاغها المرْ
ءُ وحلَّى بها وجوهَ البيانِ
هي ملءُ الضميرِ لم يبلغ اللفْـ
ـظُ مداها ولم تُذِلْها المباني
كُلَّمَا رامَ أن يعبر عنها
أَنِفَتْ أن تُنالَ بالآذانِ
فَهْيَ عذراءُ لا تحنُّ لناءٍ
وهْي عذراءُ لا تَلِينُ لداني
نَزَلَتْ في النفوس مَنْزِلَ صِدْقٍ
كنزول النفوسِ في الأبدانِ
وتأبَّتْ عن قانص الحقِ باللفْـ
ـظ ولو كان واسعَ التبيانِ
هي جزءٌ من النفوسِ وهلْ تَبْـ
ـدو نفوسٌ لمدركٍ بالعيانِ
لن تراها بالرأي حتى تراها
بفؤادٍ موفَّقٍ يَقْظَانِ
طالما نالها أخو الصمتِ والصمْـ
ـتُ كريم البيان جمُّ الأمانِ
إِنَّما تنطق النفوسُ لدى كُلِّ
مصيخٍ إِصاخة المِذْعَانِ
ونجيُّ النفوس ليس الذي ألْـ
ـجَمَ فاه من رهبةٍ أو هوانِ
إِنَّ وأْدَ الأبناءِ أهْوَنُ خطبًا
وأثامًا مِنْ وَأْدِ تلك المعاني
ذلُّ من خاف لومةَ الناسِ في قَوْ
لة حقٍّ فلجَّ في الكتمانِ!

غلامْ مريضْ يكلم أمه

خبريني أمي أئن متُّ ماتَتْ
نزعاتي إِليكمُ وحنيني؟
والحنانُ الذي أضمُّ به كلَّ
قريب معانِقٍ أو قرينِ
والضياءُ الذي تَرَيْنَ بعيني
أمضيءٌ سواد تلك المنونِ
وهلِ المرءُ في المماتِ غبينٌ
أم هو المرءُ فيه غيرُ غبينِ
عاهديني أن لا تعاني لموتي
حرقاتٍ تُفِيضُ ماءَ الجفونِ
وإِذا شِئْتِ فاجعليه رشاشًا
ذلك الدمع واحبسي من أنينِ
في قليلٍ من البكاءِ بلاغٌ
وكثيرُ البكاءِ داء العيونِ
لستُ أرضى لحرِّ وجهك أن يُزْ
رى به من شحوب وجهِ الحزينِ
لست أرضى لأضلعٍ حَمَلَتْنِي
أن تعاني حملَ الأسى المكنونِ
ولصدرٍ قد كان يحنو على جسْـ
ـميَ في المهد لوعةً من شجونِ
العصافيرُ في الرياض تُغَنِّي
لا كجسمي تحت الترابِ الدفينِ
كنتُ في العيش مثل هذي العصافيـ
ـرِ أُغَنِّي في وكرِيَ المأمونِ
فألاحت لي المنونُ بوجهٍ
أيُّ راءٍ يرضيه وجْهُ المنونِ؟
ليس ما بي خوف الجبانِ ولكِنْ
خوفُ جهلٍ لا خَوْف جُبْنٍ وهُونِ
كالمكان الخراب يبعث في النفْـ
ـسِ خشوعًا ورعدةً للظنينِ
فهْو يخشى وليس يعرف ما يخْـ
ـشى ووجه الفناءِ غير أمين

التنويم المغنطيسي أو عزيمة المجرم (قصة)

بلحاظٍ رامياتِ
مصمياتٍ ساكناتِ
كلحاظ الحيةِ الرقْـ
ـطاءِ عند الوَثَبَاتِ
واعتزامٍ ليس يُثْنَى
بدعاءٍ أو شكاةِ
قادها كرهًا وكانَتْ
قبلُ خَيْرَ الآبياتِ
جَعَلَتْ تُغْضِي لتمحي
فِعْلَ تلك النظراتِ
فهْي كالطير قنيصٌ
فى الشباك القانصاتِ
ولها قلبٌ خفوقٌ
كجناحِ الطائراتِ
خيفة الرجس ولا خَوْ
فٌ كخوفِ الغانياتِ
صار يدعوها إِليه
بحديثِ اللحظاتِ
لحظاتٍ آمراتٍ
فهْي طوع الآمراتِ
تأخذ المرءَ اقتسارًا
باقتدارِ العزماتِ
رَحَمَاتُ الله تَرْعَا
هَا بخير الرحماتِ
كم يُضَحِّي الشَّرُّ بالطُّهْـ
ـرِ لِحُكْمِ الشهواتِ
رُبَّ جانٍ علَّمَ العا
جِزَ وَجْهَ العزماتِ
رُبَّ جانٍ عَلَّمَ الغرَّ
جذاب الفرصاتِ
كلُّ خبٍّ ودهاءٍ
واعتزامٍ للجناةِ
هو محسوب علينا
في أساليب الحياةِ!

ليتني كنت إلهًا

ليتني كنتُ في السماءِ إِلهًا
نافذَ الأمرِ في شئونِ الوجودِ
فأضمُّ الوجودَ بين جناحَيَّ
وأسطو على الشقاءِ بجودي
ثم أحنو على الأنامِ كما يَحْـ
ـنو شفيقٌ على الرضيع الوليدِ
ليس شرِّي عليهمُ بِهَتُونٍ
إِنَّما العدلُ آيةُ المعبودِ
إِنَّ وعدي لديهمُ خَيْرُ وعْدٍ
ووعيدي بالشرِّ غَيْرُ وعيدِ
ليس حكمي عليهمُ بشديدٍ
وقيودي لديهمُ بقيودِ
ونداماي في الملائكة الغرِّ
حِسَانٌ من الظباءِ الغيدِ
مجَّدُوني حتى عَطَفْتُ عليهم
فاستراحوا من ضجة التمجيدِ
هم أجادوا المديحَ والنَغَمَ العَذْ
بَ فأعفونا من ركعةٍ أو سجودِ
هم أضاءوا كواكبي بضيائي
وأثاروا بوارقي ورعودي
وهُمُ في الظلامِ حولي قيامٌ
لم يهيجوا لواعجي بالصدودِ
كم عناقٍ لي بينهم والتزامٍ
وارتشافٍ من الرضابِ البرودِ
لو تراني وعزتي وجلالي
وجنودي وعدَّتي وعديدي
لو تراني وعزتي غير عزها
ة وقولي: أحبكم يا عبيدي!
وهُمُ يَبْسِمُون عن جذلٍ جمٍّ
وعيشٍ هناك غير عميدِ
فتنوني بمبسمٍ وقوامٍ
وبجيدٍ وأعينٍ وخدودِ
ليس فيهم من خائنٍ أو خبيثٍ
أو لئيمٍ أو حاقدٍ أو حسودِ
ولهم في أوائل الفجرِ لحنٌ
يوقظون الطيورَ بالتغريدِ
وسقاني من الملائكة الغرِّ
وصيفٌ شرابَ أهلِ الخلودِ
رُبَّ ساقٍ متوَّجِ الرأسِ بالزهْـ
ـرِ صَقيلِ اللحاظِ غير عنيدِ
ولنا من سمائنا فوق هذا الـ
ـنَّاس إِشرافُ سيدٍ معبودِ
كم بعثنا اللحاظَ في غَسَقِ الليْـ
ـلِ ولحْظ الإِلهِ غير شريدِ
فإِذا النَّاسُ بين باكٍ وضحَّا
كٍ ومُضْنًى من لوعةٍ أو حقودِ
ورأينا في مرقد الغادةِ الرو
د نساءً حُلِّينَ بالتجريدِ
فضحكنا حتى أفقنا من الضِّحْـ
ـكِ وحتى حَسِبْنَهُ من رعودي
كم رفعنا قنانيَ الخمرِ للسا
ري إِذا ضلَّ في الليالي السودِ
فأضاءت له الطريق سويًّا
وهَدَتْه هَدْي اللبيبِ الرشيدِ
فأرقنا عليه دِيمَةَ مُزْنٍ
سَلَبَتْ منه جدة في البرودِ
وضَحِكْنَا ضِحْكًا يضجُّ له المَوْ
تى ويشكو منه حبيسُ اللُّحُودِ
هكذا تمزح الملائكةُ الغرُّ
ومزحُ الكرامِ غيرُ شديدِ
رُبَّ مزْحٍ سهْل المساغ ومزحٍ
مستطيل العداءِ غير حميدِ
ومزحنا مزح خالص النفسِ والكف
بريء من سوأةٍ أو حُقُودِ
بُسِطَ العرشُ فاستويتُ عليه
مُسْتَعِزًّا بمُلْكِيَ المدودِ
أنا بالخير قائمٌ، وأخي إِبْـ
ـليس بالشر قائم والوعيدِ
كم سخرنا من خائفٍ غير ندبٍ
إِنما الجبنُ آفةُ الرعديدِ
وطربنا من عابد العملِ الجمِّ
عظيم الفؤادِ غير قعيدِ
أنا والحب خالدان، كلانا
ذو صيالٍ ونشوة وجنودِ!
هو تِربي والكون طفلٌ وليدٌ
وسميري ومسعدي وعقيدي
يا جمالَ الحياةِ مَنْ عَلَّمَ الْعُشَّـ
ـاقَ رشْفَ اللمى ولثمَ النهودِ؟
يا جمالَ الحياةِ مَنْ عَلَّمَ الشا
عِرَ وَصْفَ الهوى ونسجَ القصيدِ؟
يا ضياءَ الحياةِ من علَّمَ الرا
سمَ رَسْمَ الضحى ووردَ الخدودِ؟
يا حياةَ الحياةِ من علَّم الصا
نع صُنعَ الدمى الحسان الغيدِ؟
يا حياة الحياةِ مَنْ علَّم المْطْـ
ربَ حسنَ الغناءِ والتغريدِ
يا حياة الحياةِ من علَّم العوَّ
ادَ إِفصاح عوده الغِرِّيدِ؟
قد أَرَتْهُمْ ملائكي طرفَ العَيْـ
ـشِ فأَوْرَوْا ذكاءَهم بزنودي
أنا شيخٌ وهُمْ تلاميذ صِدْقٍ
شايعوني بالنصرِ والتأييدِ
سُسْتُ هذا الأنامَ بالحلم حتى
صار رأيي في الحلمِ غيرَ سديدِ
وهجاني من البُغاثِ كثيرٌ
ليس فيهم من عاقلٍ أو رشيدِ
هكذا سُنَّة الورى، وقديمًا
هلك الليثُ في زمانِ القرودِ
وأتتني قوارصٌ عَنْ أَخِ الجَهْـ
ـلِ فويح لمثله من قصيدي
ذِهْنُه خاذِلٌ فلو كان ريًّا
لذبابٍ لمات من تصريدِ
كيف أخشى هَجْوَ البغاثِ وقد نا
هضْتُ إِبليسَ في زبون كئودِ
فاعتزامُ الجهولِ غيرُ جليلٍ
وأماني الحسودِ غيرُ وَلُودِ
ما رعودي لهم وعيدًا، ولكِنْ
ضِحْك سُخْرٍ بالشانئ المجهودِ
طارِقَ اليأسِ لا تَلُحْ لي بأمنٍ
واعفني من حديثِك المقنودِ
أنا أقْوَى من أنْ أذلَّ ليأسٍ
مستعيذًا بأمره المعقودِ
ودَمٌ للحياةِ هاجَ بقلبي
موقظًا بعضَ همتي بالوئيدِ
نبضاتٌ في القلبِ تحيي طموحي
وتزيحُ الهباءَ عن مجلودي
كلُّ عيشٍ سَهْلُ المساغ وإِنْ مرَّ
سوى عَيْشِ يائسٍ مصفودِ
لهفُ نفسي على مراتب عزٍّ
تَطَّبِينا بالسؤددِ المعقودِ
لهف نفسي على مراتبَ قَدْ يَبْـ
ـلغها المرءُ في الخيالِ البعيدِ
رُبَّ عيشٍ لي في السموات رَغْدٍ
ليس عيشٌ من بعده بحميدِ
كان يقضي القضاء أمري فما حُكْـ
ـمي لدى الحادثات بالمردودِ
عزلوني عن حكمها فكأنِّي
يوم ذاك السلطانُ عبد الحميدِ!
غير أني قد كنتُ أحسن عهدًا
وعهودُ البغاةِ غيرُ عهودي
ولَوَ انِّي بقيتُ في الدست حينًا
هلك الناسُ من زمانٍ بعيدِ
فكأني قردٌ يُقَلِّدُ فيها
ربَّه، بئسَ ذاكَ من تقليدِ!
أيُّها الغافلون قوموا جميعًا
واسألوني عن عدتي وعديدي
لم تَدَعْ لي نوائبُ الدهرِ منها
غيرَ قلبٍ على الحياةِ جليدِ
ولسانٍ مثل الحسام رهيفٍ
وبيانِ كاللؤلؤ المنضود!

لسان الغيب

يا لسان الغيبِ ناجي شاعرًا
كشفَ الغيبَ له طولُ الأنينْ
عرف الهمَّ فلم يخنع له
ورمى الدهرَ بصبرٍ لا يخونْ
إِنَّما العيشُ عزيم لا يني
يتقاضاه الأسى وهْو ديونْ
ودحا الكون بلحظٍ صادقٍ
فرأى ما لا يراه الناظرونْ
يبتغي المخبوءَ في مكْمنه
ويناجي الله في تلك الظنونْ
ويردُّ الناسَ عن غفْلَتِهِمْ
ما علا يومًا على الشكِّ اليقينْ
باشَرَ الحالاتِ كي يَخْبُرَها
ويرى في بعض ذاك العزِّ هُونْ
يا رسول الغيبِ لا تَعْنُفْ بِهِ
أطْرِقِ الشاعر في رِفْقٍ ولِينْ
إِنما الشاعر فيما يبتغي
باحثٌ برٌّ على الغيبِ أمينْ
بائعٌ باع رخيصًا عُمْرَهُ
بعلالات المنى وهْو غبينْ
ودهتهُ في العوادى حكمٌ
جُنَّ منها لُبُّهُ أيَّ جنونْ
قد أحبَّ العيش لا حُبَّ امرئٍ
واجدٍ يخشى على العيش المنونْ
وقلاهُ لا قلى مستضعفٍ
يبتغي الآمال أو حزَّ الوتينْ
واستقاد العيش لا تكرثُهُ
صولةُ العادات بالداء الدفينْ
فإِذا شاءَ رأى في الجدب خصبًا
ورأى في الراكدِ الماءَ المعينْ

نعمى الزواج

إِنَّما عقدةُ الزواجِ عقالٌ
وإِسارٌ أنعِمْ به من إِسارِ
هو ذاك النعيم لو أَسْلَسَ الحظُّ
وباب الجحيم عند العثارِ
وهْو مأوَى المطلول مِنْ حَدَثِ الدهْـ
ـر بشؤبوب دِيمةٍ مدرارِ
جاعلٌ بيننا هضابًا منيعا
تٍ وبين الأهواء والأوطارِ
غير أن الحلاب أعْذَبُ وردًا
وهْو أنأى عن ذلةٍ وصغارِ
إِنما المورد الحرام كسمِّ الـ
ـصِّلِّ في طرف مؤخرٍ غدَّارِ
أحكم الله عقدةً هي كالعضْـ
ـبِ لدى عقدة الخطوبِ الكبارِ
جاعلًا ذلك الزواجَ كريمًا
كزواج الأنداءِ للأزهارِ
إِنَّما الزوج موئلٌ حيث لا مَوْ
ئل يُنجي من صولةِ الأقدارِ
وهْي كالنجمةِ المنيرةِ في جُنْـ
ـحِ دُجَى الخطب للشريد الساري
ولَجَتْ في الصميمِ من حبَّةِ القلْـ
ـبِ وحلَّتْ بموطنِ الأسرارِ

الشاعر وصورة الكمال (قصة)

قد حَدَّثُوا عن شاعرٍ نابغٍ
مجوِّدِ الشعر شريفِ المقالِ
لم يَعْشَقِ الغيدَ ولكِنَّهُ
هامَ ببكرٍ من بنات الخيالِ
صُورةُ حسْنٍ صاغها لبُّه
وحدُّها في الحسن حدُّ الكمالِ
فصارَ كالطفل رأى بارقًا
هاج له أطماعه في المحالِ
يمدُّ نحو النجمِ كفًّا له
ويحسبُ النجمَ قريبَ المنالِ
فأينما سارَ تراءت له
كما تراءى خادعًا لمْعُ آلِ
خيالها دانٍ به حائمٌ
كأنه غير عزيز النوالِ
وربما ألبسها وهْمُهُ
جسمًا وكَمْ وَهْمٍ غريب الصيالِ
قد هجر الأترابَ من وحشةٍ
وصار يمشي فوق هامِ الجبالِ
يحدِّثُ النفسَ بأمرِ الهوى
ويسأل الأرواحَ رجْع السؤالِ
فبينما يسعى على قمةٍ
تروِّع النفسَ بمرأَى الجلالِ
رأى التي صوَّرها لبُّهُ
تصوير صبٍّ عابدٍ للجمالِ
قالت له: إِن كنتَ لي عاشقًا
فاتْبَعْ خُطَايَ واستضِئْ بالخيالِ
فسارَ يقفو إِثرها هائمًا
والمهتدي بالوهمِ جمُّ الضلالِ
وهمَّ أن يُمْسِكهَا جَاهِدًا
بين ذراعيه بأيدٍ عجالِ
ما زال يعدو جهدَه نَحْوَهَا
حتى هوى من فوق تلك القلالِ
فرحمة الله على شاعرٍ
مات قتيلًا للأماني الطوالِ!

ربَّما أو المزهوُّ بحميد خُلُقه

يا سعيدًا يتيه بالخُلُقِ الفَا
ضِل فينا كَتِيهِ أهل الثراءِ
خَفِّضِ اللحظَ قد يتيح لك العَيْـ
ـشُ أمورًا من حادثاتِ القضاءِ
ربما شبَّ بين جنْبَيْكَ للشرِّ
ضرامٌ ما إِن له من فناءِ
كلُّ نفسٍ فيها إِلى الخير والشرِّ
دواعٍ طويلة الإِغفاءِ
أنت في اليوم واسعُ الجاهِ غضُّ الْـ
ـخيرِ لَدْنُ الرخاءِ رطْبُ الرجاءِ
خالصُ الكفِّ من دماءِ قتيلٍ
أبيضُ الطبعِ لم يُشَبْ برياءِ
ربما كنتَ في غدٍ أَشْعَثَ الطَّبْـ
ـع لئيمَ الخصالِ جمَّ الشقاءِ
خاضبَ الكفِّ من دماءِ عدوٍّ
طائرَ الضغنِ ثائرَ الشحناءِ
أو طريدًا يرميه بالنظرِ الشَّزْ
رِ عظيمُ الرياء جمُّ الحياءِ
كم وجوهٍ مشبوبةٍ من حياءٍ
وقلوبٍ لئيمةِ الأهواءِ
كلُّ نفسٍ فيها عزائم وَسْنَى
فهْي كالغيبِ لا تَبِينُ لرائي
ليس تبدو حتى يمزَّقَ عنها
قَدَرٌ واقعٌ ستور الخفاءِ
أكثر النفس ساكنٌ غيرُ يَقْظَا
ن خفىٌّ خفاءَ غير عفاءِ
ربما أَضْرَمَتْ حوادثُ في النَّفْـ
ـسِ وُلوعًا بالخيرِ جمَّ السناءِ

النساء في الحياة والموت

قُمنَ يرفُلْنَ في الليالي السودِ
بعد أنْ صِرْنَ طعمةً للدودِ
بعد أن كنَّ للعيون جلاءً
فاتناتٍ بأعينٍ وخدودِ
مالئاتٍ وجْهَ الحياة ضياءً
عابثاتٍ بمسعداتِ الجدودِ
هزَّ منها الهوى ثمارَ صباها
هزةَ الريح زهرة الأملودِ
يتواقَعْنَ كالنسيمِ ويَجْنِيـ
ـنَ لِحَاظِي بثَنْيِ تلك القدودِ
صِرْنَ يخطرن في الظلام ويرميـ
ـنَ عيونَ الرائين منها بداءِ
ويرجِّعْنَ في الظلامِ صراخ الْـ
ـبُومِ حتى يُسْقِمْنَ وجهَ الهواءِ
لابسات أكفانهنَّ حياءً
إِن ترى قُبْحَهُنَّ عينُ الرائي
هنَّ في الموت والحياةِ يُخَبِّئْـ
ـنَ عيوبًا تزري بذاك الحياءِ
ربما أَضْمَرَ الرياءُ حياءً
وبدا في الحياءِ بعضُ الرياءِ!

الحلال والحرام

إِذا لم يَعْدُ بالشرِّ ما أنتَ ناعمٌ
به فانتهزه ليس فيه حرامُ
فكم لذةٍ للمرءِ كان اغتصابها
حرامًا أحلت والصروفُ كِرَامُ
وما كلُّ ما يأتيك عفوًا مُحَلَّلًا
ولا كلُّ ما لا ينتحيه ملامُ
ولكنها اللذات ما غاب ضرُّها
حلالٌ وإِن هابَ الحلالَ لئامُ
فَرُبَّ حلالٍ حرَّموه وحرمة
أَحَلُّوا وألباب الأنامِ نيامُ!
متى يَعْرِف الأقوامُ حلًّا محرَّمًا
فيروى من الحلِّ الحرامِ أوامُ؟

العقاب بالقتل

أطيلوا حياةَ الجارمين فإِنَّها
حياةٌ إِذا سدَّ المطامع عاقرُ
أتبغون أن تنفوا بجرمٍ جريمةً
هي القتلُ يأتيها مقيد وعاثرُ
فلو أنهم عاشوا وفي السجن معهدٌ
لتهذيبهم عاشوا وفي العلم زاجرُ
لقد أخلفتهم بلغةُ العيشِ برَّها
زمانًا وحاجات الحياةِ غوادرُ
لبئس حياة المرءِ والفقر عاكفٌ
عليه وأسباب الحياة جرائرُ
فقل للأُلى أذوى النعيمُ قلوبهم
أعينوا أُلِي الحاجاتِ فالفقرُ كافرُ
كأنكُمُ بالضامرين تعارفوا
على نيةٍ سوآءَ والجوعُ آمِرُ
هنالك إِنِّي للفقير لَعَاذِلٌ
وإِنِّي له مما يعانيه عاذِرُ!

عيون الندى

عيون الندى كُونِي على الزهر إِنَّه
يطلُّ على العشَّاقِ مِنْكِ ويُشْرِفُ
فليس عيونُ الغِيدِ أَشْعَلَهَا الصِّبَا
بأروع في لَأْلَائِها حين تعطفُ
ولا أطفأت منك الغزالةُ رونقًا
على الروضِ جذلان المدامع يذرفُ
ولا زال مكسالُ النسيم إِذا سرى
على روضةٍ يحنو عليك ويرؤُفُ
يهزك هزَّ الظئر مهدَ وليدِها
فلا المهدُ يشكوها ولا هي تعنفُ
ولا زال غرِّيدُ العصافيرِ واقعًا
على الزهرِ يحسو منك ريًّا ويرشفُ

الحاجة المكتومة (قصة)

زعموا أن فتاةً
جَمَعَتْ طيبَ النساءِ
شُهرت بالبرِّ والتقْـ
ـوى وحسنٍ وحياءِ
ما رآها عارِفُوها
ضَحِكَتْ ضِحْكَ الضياءِ
ما رآها عارفوها
ردَّدَتْ رجْعَ الغناءِ
هي عاشَتْ في جلالٍ
كجلالٍ للمساءِ
حين ترنو الشمسُ حزنًا
وهدوءًا في السماءِ
لم تجدْ وجدًا فتمحو
هُ بإِحياءِ البكاءِ
فلها عيشٌ رقيقٌ
كغديرٍ في الصفاءِ
وهْي لم تُمْنَ بهمٍّ
وهْي لم تُمْنَ بداءِ
غير داءٍ خَفِيَتْ أسْـ
ـبابُهُ عن كلِّ رائي
وافتقارُ النفس للحبِّ
عنيفٌ لا يرائي
هزلت في كل يومٍ
في صباحٍ ومساءِ
ولها لحظٌ ضعيفٌ
مثل ضعفٍ للفناءِ
أتراها سَتَرَتْ حا
جتَها ستْر رياءِ
أم تراها جهلتها
جهْلَ طُهْرٍ أو غباءِ؟
عُمِّرَتْ حينًا وماتَتْ
من عفافٍ وحياءِ!

الإنسان والزمن

حيوانٌ مهذَّبُ
أم إِلهٌ معذَّبُ؟
صرَّح الخيرُ والأذى
فيه والخيرُ أغلَبُ
فإِلى العُجْم نِسْبَة
وإِلى الله يُنْسَبُ
وهْو في الشرِّ يرْغَبُ
وهْو في الخير يرْغَبُ!
ولهُ دُونَ شرِّه
في الليالي مؤَنَّبُ
وله دُونَ خَيرهِ
في الليالي مهذَّبُ
نَهَلٌ هذه المنى
والمساعي تقرَّبُ
لِحياةٍ قبل الحيا
ةِ وعيشٍ لا يكذبُ
تَذْكُرُ النفسُ حالهَا
فيه والحالُ تعْجَبُ
فجنابٌ موطَّأٌ
واقتدارٌ محبَّبُ
ولها عند أمسها
في ضحَى اليومِ مطلَبُ
وملالٌ في يومها
وطموحٌ ومعتبُ
ولها كلَّ ساعةٍ
شجنٌ أو تطرُّبُ
مثلما أذكر الغريـ
ـب حبيبًا تغرَّبُ
مثلما هاج للغريـ
ـب جوى الحزنِ مغربُ
فالمآلُ التنقُّلُ
والمآل التقلُّبُ
والبقاءُ التغيُّرُ
والحياةُ التطلبُ
أوَمَا تبصر الزما
ن أَتيًّا لا ينضبُ
وهْو للعمر مالئٌ
وهْو للعمر يسكبُ
وله الكونُ خلعةٌ
يرتديها فيحجبُ
وله القلبُ منزلٌ
وله النفسُ ملعبُ!

مراجعة الحب

دعني أقتاتُ من عيونك بالـ
ـلحْظِ وأروى من خمرةِ الجذلِ
ودعْ جفوني تبلُّ خدَّك بالـ
ـدَّمعِ وتحكي مصارعَ الأمَلِ
نستدفعُ العتبَ بالعناقِ وننْـ
ـفيه بإِحياءِ ضجة القبلِ
هل تذكر الموقفَ الرهيب وقدْ
مالت بسمعيك حجة العذلِ
ولْهان أبكي وأنت ذو خجلٍ
وقد يراضُ الحبيب بالخجلِ
تحسب حبيك شرَّ منقصةٍ
تفعل بالجاه فعلةَ الأسلِ
وإِنَّما الحبُّ سلوة جلل
على شقاء ذي دولةٍ جللِ
وإِنَّما الحبُّ كالضرامِ إِذا
أُجِيعَ يخبو كخبوةِ الشعلِ
وإِنَّما الحسنُ نهزةٌ تَدَعُ الْـ
ـخائبَ يبكي منها على طَلَلِ
لقد عرفنا الحياةَ معرفةً
يهابها خائفٌ من الزللِ
فاملَأْ بعطفَيْكَ ساعديَّ ولا
تتركْ فؤادي بالصدِّ في شغلِ
لم يَخْلُق الله حسنكم عبثًا
يا باعثين الهيامَ بالمُقَلِ
أليس يرضيك أنني رجلٌ
طال من الشِّعرِ مبلغ الأُوَلِ؟
ما أنت بالقارئِ الأديبِ فأر
قيكَ بقولٍ من حكمةِ الرسلِ
يا دولةَ الحسنِ غير راقبةٍ
من الليالي مصارع الدولِ
إِن تسعدي الشاعرَ القئول فقد
أسعدت طبًّا بأمرك الخضل
أو تخذليه فأنت عادية
تسدُّ عنه منافذَ الحِيَلِ
يا باخلًا بالنعيم لا عَجَبٌ
إِن أنت عانَيْتَ شقوةَ البخلِ
أما ترى لذةَ الحبيبِ إِذا
قبَّلَه عاشقٌ على وجلِ!

الحاجات الممتزجة

كم حاجةٍ للنفسِ ممزوجةٍ
بحاجة الجسمِ كخمرٍ وماءْ
كذلك الحبُّ به شهوة الْـ
ـجسمِ وريٌّ للنفوسِ الظماءْ
ونفحةُ الزهرِ بها شهوة الـ
أنْفِ إِذا سِيقَتْ بريح رخاءْ
ولذةٌ للنفس في طيِّها
تفعل فيها مثلَ فعلِ الدواءْ
يا عجبًا للنفسِ يهتاجها
بشجوهِ الصوتُ سليل الهواءْ
كم من صلاتٍ بين نفسِ الفتى
وبين موجوداتِ هذا الفضاءْ
وربَّ لونٍ هاج شجْو الفتى
وفتَّح الذهنَ بمرأى الضياءْ
إِنَّ غذاءَ الذهن فيما احتوى
مِنْ سمْع أُذْن المرءِ أو رأيِ راءْ
والحسُّ بابُ النفْسِ كم والجٍ
منه إِليها بالحجى والغباءْ
إِنَّ عناءَ الجسم في فعلهِ
يغري بنفس المرءِ برْح العناءْ
وربَّ داءٍ والِجٍ جِسْمَه
يصاب عقلُ المرءِ منه بداءْ
لا راحةً للنفْس في حيث ما
للجسم فيه مطلب للرخاءْ

أنفاس السَّحَر

نسيمُ الرياضِ وريحُ السَّحَرْ
أهابا بشجويَ حتى ظهرْ
يمرُّ علينا النسيمُ العطِرْ
ببرد الدجى وبطيب الزهَرْ
فما اسْتَبْرَدَ القَلْبُ ريحَ السحَرْ
حتى استثير لهُ ما استترْ
وكم في الدجى من بديع الغررْ
مناظرُ تصبي الفتى ما نظرْ
وميض النجومِ بوجه الغُدُرْ
ولونُ الدجى حول ظلِّ الشجرْ
نظرتُ إِلى النجم لما سفرْ
ثقيل النعاس بعيد النظرْ
سويعة للقلب فيها عِبَرْ
يهيج الخيالُ بها والفِكَرْ
تطيب الأماني بها والذِّكَرْ
وتنشقنا من نسيمِ السحرْ
جنينًا من الحبِّ خيرَ الثمرْ
ونلنا من اللهو أقصى وطرْ
فيا نَفَسَ الصبحِ لما ظهَرْ
ويا حِندسَ الليلِ لما انحسرْ
لقد صرت ذكرى تشبُّ الذِّكَرْ
بطيب الزهورِ وبرد السحرْ

امرأة تُكَلِّم بَعْلها

ليس الجمالُ عقارًا أنت مالِكُهُ
إِنَّ الجمالَ جمالُ الله والناسِ
تعتدُّني سلعةً في ملكها أربٌ
تموت داءً ولا يدنو لها الآسِي
في كلِّ لحظٍ عطيلٌ ثارَ ثائره
وكلِّ خطرةِ فكرٌ رجْع وسواسِ
وتحسب البعلَ مولى زوجه سفهًا
فهل يُشايعُ رأيي رأَيك القاسي
وحاجةُ النفس في ندٍّ أخي كرمٍ
جمٍّ ورفقٍ وإِعزاز وإيناسِ
هل كلُّ قولك حقٌ لا ارتيابَ به
أم كلُّ طبعِكَ حلوُ الطعم للحاسي
أم أنت عندي كما تهواه من خطلٍ
أعزُّ عندي من العينين والراسِ
لا يطعم البعل منكم حبَّ زوجته
فليس يعرف فيهِ غير أرجاسِ
لا يصحب البعل منكم روح زوجتهِ
دعم الودادِ بأطنابٍ وآساسِ
فصار رأيكمُ في العيش ذا عِوَجٍ
جمٍّ وآمالُكم في الحبِّ كالياسِ!

الحسناء الغادرة

يأسِي إِليكِ أحبُّ من تأميلي
فدعي النفاقَ عزيزة التنويلِ
أدْنَيْتِني حتى ملكتِ مسالكي
ومنازعي فهجرْتِ هجر مَلولِ
وجعلتِ حسنًا فيك نحو نفوسنا
لك رائدًا والحسنُ خيرُ دليلِ
فأضاءَ بين ضلوعِنا لك ضوءُهُ
سرَّ الهوى ولواعج المخذولِ
ولبست أهل الحب حلية ساعة
أو خلعة أبدلْتها ببديلِ
فإِذا نأى لك عاشقٌ أُنْسيتهِ
إِنَّ المقيمَ لديك خيرُ خليلِ!
وحسبتِ غدرَك كافلًا بشفائهِ
من دائهِ والغدرُ غيرُ كفيلِ!

النعمان ويوم بؤْسه (قصة)

(كان للنعمان نديمان فماتا. فحزن عليهما حزنًا شديدًا، ودفنهما في قبرٍ واحد. وجعل يوم موتهما يوم نحْس سمَّاه يوم البؤس. فكان يخرج فيه إِلى البادية فيأخذ أوَّلَ من يمر به من الناس فيذبحه على قبرهما ضحية لهما! فحدثت القصة الآتية في يومٍ من أيام بؤسه):

لقد خرج النعمانُ في يوم بؤسِهِ
يرفِّه عنه من جوًى غالَ غائلُهْ
وقد كان آلى أنَّ أولَ قادمٍ
على قبْر ندمانيه تُدْمى مَقاتلُهْ
رأى شاعرًا ينحوه في بعضِ سيرِه
وكان رحيبًا للعفاة فناؤُهُ
يرجى لديه الخير والخير عازبٌ
فيا ليته قد غاب عنه رجاؤهُ
فجاءت به الحراسُ وهْو مقيَّدٌ
عزيزُ المُحَيَّا ثابتُ الجأشِ مطرقُ
فقال له النعمانُ قولةَ عازمٍ
على الشرِّ لا يلويه عنه الترفُّقُ:
طلَعْتَ علينا طلعةٌ لك شرُّها
وقد يدرك الإِنسانُ ما فيه ضرُّهُ
طلعتَ علينا والردى لك راصدٌ
عبوسٌ ويومُ البؤْسِ قد طار شرُّهُ!
فقال له العافي وقد حنَّ قلبُهُ
إِلى أهله شوقًا وهاجَ وجيبُهُ:
هو الجدُّ بالإِنسان غادٍ ورائح
ورُبَّ طلوبٍ يتقيه طَليبُهُ
تركْتُ ورائي صبيةً وحليلةً
وجئتُكَ أبغي حاجة من تفضُّلِ
فإِن لم يكنْ إِلَّا الممات فخلٌني
أودِّعُ أهلي قبل ساعةِ مقتلي
فقال له النعمان: هل لك ضامنٌ
حلالٌ لنا إِن لم تَعُدْ أن نقيدَهُ
أقم أنت نائي الدارِ لا غر بيننا
ضمين غريب خشية أن يكيدَه
فقام غريبُ الدار ينشد ضامنًا
له بين قُوَّادِ الأميرِ وصحبِهِ
إِلى أن رأى شيخًا كأنَّ بوجهه
دليلًا على ما فيه من طيبِ قلبِهِ
فقال له: هل فيك للخيرِ منزلٌ
دعوتُك للجُلَّى فهل أنت سامعُ؟
فقال له: اذهب إِنني لك ضامنٌ
وأنت وَفيٌّ لا محالةَ راجعُ
مضى ما مضى حتى إِذا آن عَوْدُهُ
وقد قَرُبَ الميعادُ أو كادَ يذهبُ
وجاءوا بذاك الشيخِ والسيفُ مصلتٌ
عليه وحبُّ العيش للنفس أغلبُ
وقالَ له النعمان: هذي جناية
عليك جَنَتْهَا فيك شيمةُ أخرقِ
ضَمَنْتَ غريبَ الدارِ لم تَبْلُ صِدْقَهُ
فأَوْقَعَكَ المقدارُ في شرِّ مزلَقِ!
رأوا فارسًا يعدو كأن وراءَه
مماتٌ يرجَّى إِنه غير سابقِهْ
فلما أتاهم قال: أين ضمينُكُمْ
لقد كنتُ أخشى أنني غير لاحِقِهْ
فإِنَّ أتِيَّ السيلِ عاقَ مطيَّتي
ولولا أتِيُّ السيلِ ما عاق عائقُ
فقال له النعمان: لا تَخْشَ بأسَنا
فأنت أمينٌ أبيضُ الودِّ صادقُ
وما كنتُ أدري أنَّ في الناسِ مَنْ له
على نفسه منها رقيبٌ يعينُهُ!
ووالله ما أدري أوافٍ بعهده
أحق بإِجلالِ الفتى أم ضمينُهُ؟
ألَا علِّلاني يا خليليَّ أنتما
على العيش بالإِحسان والصدقِ والندَى
فقدْ صرتُ لا أخشى من البؤسِ عودة
إِلى أن يتيح الدهُر لي عادِيَ الردَى!

اليأس داء والأمل داء

(يدفع العيشُ الإِنسانَ إِلى الأَمل فلا ينفعه الأمل. ويدفعه إِلى اليأسِ فييأس فلا ينفعه اليأس. ويرى في اليأس أملًا وفي الأمل يأسًا. ويرى الأَملَ يزجي إِلى اليأس؛ واليأس يزجي إِلى الأمل؛ فيعلم أن اليأس داء والأمل داء.)

كلما أضمرتُ حبًّا لحبيب
كذَّبَتْ أخلاقه ذاك الهوى
في ضياء الحسنِ وعدٌ كاذبٌ
مثلما أومضَ برقٌ وخَبَا
قال داعي الهمِّ قولًا صادقًا
إِنما نحن عبيدٌ للمنى
عجبًا للدهر في أحكامِهِ
يجلب النعمةَ في داعي الأسى
عجبًا ليس يُروِّي غلةً
وقلى والعيشُ لا يخشى القلى
خُلِقَ الإِنسان كي يشقى بما
يبتغي في نيله برءَ الشقا
ولَوَ انَّ اليأسَ بُرْءٌ للجوى
لم تكن فيه دواعٍ للجوى
ما أتيح اليأسُ إِلا شقوة
إِنما اليأسُ سبيلٌ للمنى
صاحِ إِن العيشَ خلق كاذبٌ
خلق اللخناء ممرور الجنى
نحن نهواه ونقلى حكمَه
فكأَن الحبَّ صنوٌ للقلى!

ضوء القمر على القبور

(إِذا رأى الإِنسان ضوء القمر على الزهور، خشع من جلالة ذلك المنظر. ولكنه إِذا رأى ضوء القمر على القبور، امتلكه الفزع من قساوة ذلك المنظر الذي يحكي له فناءَ الجمال في الموت، وفناءَ الموت في الجمال.)

إِني رأيتُ بياضَ ضوئك موهنًا
فوق القبور كعارضٍ يتهلَّلُ
ففزعتُ من ذاك البياضِ كأنه
لون المشيبِ على الذوائبِ يثقلُ
ولربما كره الفتى صُوَرَ الردى
وهْو الجريءُ على الحمامِ المقبلُ
ولَقدْ رأَيتك والقبور كأنَّها
أشباح ساكنة النواظر مُثَّلُ
نظر البريء إِلى القتيل مجندلًا
والروعُ في أنفاسه يتعجَّلُ
ولقد رأيت على الهلالِ سآمةً
سأم يعالج مِثْلَه المتأمِّلُ
فكأنَّه الحسناء يطرقها الردَى
فتَبِيتُ تذوي في الفراشِ وتذبلُ
طورًا يريك الموت في لحظاتِهِ
حتى كأنَّ الحسنَ داء معضلُ
ويبيت طورًا في الرياض يعلُّها
مما يريق على الفضاءِ وينهلُ

الندامة

(الندامة إِذا لم تطرق المرء على سيئ فعله، أغشاه الغي موارد الآثام، وأرهقه مرادها. وإِذا طرقته، طرقته إِما بالعزم والنشاط، وإِما بالهمِّ الذي يخلس العزم والنشاط.)

ندمنا وقد تمحو الندامةُ ما مضى
ولكنها قد توئس المرءَ في الباقِي
وتودي بعزمٍ صادقٍ ذي عرامةٍ
وتنحى على بالِ السليم بإِقلاقِ
وتغري همومًا جمَّةً بفؤادهِ
ومن لك من رقِّ الهمومِ بمعتاقِ
وقد يخلس الهمُّ الشجاعة والحجى
وينبذ لب المرء ليس له واقِي
إِذا لم تناصرنا عدا الغيُّ عدوةً
فترهقنا الآثام أعظم إِرهاقِ
وإِنْ هي آتَتْنا خشينا صيالها
بخطبٍ رهيف النابِ ليس له راقي
فطورًا تردُّ المرءَ عن نهج عزمِهِ
وتدفعه طورًا إِليه بإِعناقِ

ثغر

رُبَّ ثغْرٍ قد كان مرتادَ ثغري
ومجيري من الزمان المغيرِ
كان يحنو ثغري عليهِ كما يحْـ
ـنو شفيقٌ على الوليدِ الصغيرِ
نائمًا فوْقَهُ كما نام فَوْقَ الـ
ـزَّهْرِ شادٍ أَذْوَتْهُ نارُ الهجيرِ
ولقد أرشف الرضابَ بشدوٍ
مثل مصِّ الظمآن ماء الغديرِ
قُبَلٌ كالدلالِ من رقَّةٍ تفْـ
ـعل فينا فِعْلَ الدلال الغريرِ
أَخرس الهجرُ صوتَهَا لا رعى الله
الذي أحدثت بنات الدهورِ
كم جنينا من صوتها النغمَ العذْ
بَ وخمرَ الهوى وخمرَ السرورِ
ورشفنا فيها الحياةَ كما يُرْ
شَفُ محضُ اللبانِ من ثدي ظيرِ

ابتسامات

وميضُ ابتساماتٍ يضيء جوانحي
ويجلو ظلامَ الهمِّ واليأسَ من صدري
إِذا ابتسمت ضاءَ بعيني ابتسامُها
كما ضاءَ وَجْهُ البدرِ في صفحة البحرِ
يكادُ يضيء الغيب في مستقرِّهِ
وميضُ ابتسامٍ فِعْلُه صادِقُ السِّحْرِ
وأسمعُ في نفسي أغاريدَ جمَّةً
يهيج صداها في الجوانحِ والصدرِ
كأَنَّ بها من صادح الطيرِ شاديًا
يغرِّد في روضٍ من الحبِّ والشعْرِ
وإِنِّي لكالبذر الدفين ولحظها
غذاء كلحظ الشمس للزهرِ والبذرِ
ويوقظ آمالي ضياءُ ابتسامِها
كذاك شعاع الشمس يزخر بالذرِّ
شعاعُ ابتسامٍ كالغدير خواطري
نوازل فيه كالكواعبِ في النهرِ!

عتابْ أم دَلال

لامَ إِنِّي ناديتُه يا حياتى!
قلتُ: أنَّى يكون وجْه شكاةِ؟
قال: لو كنتَ صادقَ الحبِّ لم تَدْ
عُ على مَنْ تُحِبُّه بالمماتِ
من ينادي حبيبَه بحياةٍ
والمنايا رواصدٌ للحياةِ؟
نادِنِي — لو أردتَ — يا نفسُ! إِنَّ الـ
ـنَّفْسَ أبقى على نعيقِ النعاةِ
قلت: إِني أخاف أدعوكَ بالنفْـ
ـسِ فنفسي كثيرةُ العثراتِ
لك نفس بيضاءُ خالصةُ الوَجْـ
ـه ونفسي مُسودَّةُ الصفحاتِ!
قال: بيني وبين نفسك في الحُبِّ
اقتسامٌ لزلةٍ أو هناةِ
فاقتسامٌ يكون في سيئاتٍ
واقتسامٌ يكون في الحسناتِ!

الحسن والآمال النبيلة

يا ليتني لو تكون مجديةً
هذي الأماني صنَّاع أصنامِ
أعطي لآماليَ التي طرقَتْ
في يقظة الحبِّ بابَ أحلامي
جسْمَ رخامٍ يصونها أبدًا
ورُبَّ حسنٍ رهين أجسامِ
آمالُ تُنسي الفتى شقاوتَه
وتعدم الشرَّ أيَّ إِعدامِ
تعلو بنفس المحبِّ عن دنسٍ
فيها ولؤم جمٍّ وأوغامِ
وصحةُ النفسِ صحة أبدًا
للحسن والحسن نهلةُ الظامي
إِلى جلالٍ للعيش يظهره
حسنُ نفوسٍ وحسن أفهامِ
أصور الحبَّ دميةً تَذَرُ الْـ
ـخالي شجيًّا ضمينَ آلامِ
حسناء تغري الوقور بالمرح الْـ
ـجمِّ وترضي فؤاديَ الدامي
ومن سَمَتْ نفسُه لغايتها الْـ
ـقصوى بعزمٍ ثَبْتٍ وإِقدامِ
يُكَرِّم الحبَّ كلَّ تكرمةٍ
ويُعظم الحسنَ أيَّ إِعظامِ
فالحسنُ أنواعه سواسيةٌ
حسنُ طباعٍ، أو حسنُ أجسامِ
أو حسنُ رأيٍ، أو حسنُ مأثرةٍ
أو حسن فعلٍ خلا من الذامِ

شرب الخمر والحبيب

يا ليت أنك تستحم بخمرةٍ
مشمولة في الدنِّ ذات ضياءِ
فتريق فوقَ محاسنٍ لك كأسَها
فتزيدها من رقةٍ وصفاءِ
وتعيدها في دنِّها وتصبُّها
لي شربةً بلباقةٍ وحياءِ
فتلذُّ لي فيها محاسنُ جمة
وتبلُّ حرَّ لواعجي وظمائي
فَلِشَدِّ ما ظمئت إِليك جوانحي
ظمأَ الجريحِ إِلى شراب الماءِ!

أمل فريضة

هل ينفعنِّي ذلك الْـ
أملُ المخضَّبُ بالدمِ؟
يدحو شقاءَ الأبريا
ءِ وينثني لم يكلمِ
أمل يرى ظُلم الحيا
ةِ بوجهها المتجهمِ
فيعيده طلقًا كوجْـ
ـهِ الأغيدِ المتبسِّمِ
أملٌ يطلُّ على السنيـ
ـن بحسرةٍ وتندُّمِ
ويرى الحياةَ فريضةً
من آجلٍ ومقدَّمِ

صوت الموتى

ألا إِن للأمواتِ صوتًا كأنَّهُ
خرير المياهِ الجارياتِ على الصلدِ!
ويحكي خفيفَ الغصن في لينِ وقْعِهِ
وطورًا كأَصداءِ الطبولِ على بُعدِ
ويُعولُ أحيانًا كإِعوال ثاكلٍ
رَمَتْها صروفُ الدهرِ في الولد الفردِ
يئنُّ أنين الريحِ عند خفوتها
ويعوي عواءَ الذئبِ في المهمهِ القفرِ
ويصرخ أحيانًا فيحكي صراخُهُ
صراخَ العباب الغمرِ في لججِ البحرِ
يئن أنين الليل إِن هدأ الورى
وطورًا له صوت كحشرجةِ الصدر

الحجاب

أطلقوا عن عِرسِه حتى يراها
ويرى أين هواهُ من هواها
واحسبوها لو أردتم سلعةً
يُتَرَجَّى عَرْضها قبل شراها!
كيف يهوى غادةً لم يَرَهَا
يافع أبدت له الدنيا صباها؟
إِنَّمَا الأرواح شتَّى فاسلكوا
كل روحٍ حيث لا تذوي مناها
رُبَّ حسناء إِذا كشَّفْتها
عن أمورٍ كان ينميها خفاها
لنَبتْ عينُك عمَّا أبصرت
ودهى نفْسك ما أصمى عماها
رُبَّ ريان الصبا غضِّ الهوى
مضمر في نفسِه ملءَ دهاها
فدعوا الحسناءَ تبدي لكُمُ
منه طبعًا غابَ عن عينٍ سواها!

الموت والتخيُّل أو أحلام الأحياء بالموت

تسائلني عن الموتى، وإِني
ربيبُ الموتِ في هذا الأنامِ!
ولو بطلَ التساؤلُ ما رضينا
بعيشٍ مثل أحلامِ النيام
وأحوالٍ كآراءِ السكارى
إِذا دبَّتْ بهم خُدَع المدامِ
ولو بطلَ التخيُّلُ ما رضِينَا
بما يلقى المغيَّب في الرجامِ
خيال يطَّبِي الأهواءَ منا
كبرقٍ لَاحَ في وجه الظلامِ
وكم في الشعر من حلمٍ لذيذٍ
يعين على حياةٍ أو حمامِ
فزهرُ الروضِ أو زهر النجومِ
ووجهُ البدر في سجفِ الغمام
نُزِينُ به الممات وقد خلَوْنا
به في العيش أيامَ الغرام
وكان العدلُ أن نرضى بموتٍ
فلا طيفٌ يساعدُ باللمام
أليس الكونُ أكبرَ منك شأنًا
وأولى بالمقادرِ والنظام؟!
خذ الموتَ المحلَّى بالأماني
وبالأحلام تطرق في الظلامِ
ودعْ لي ميتةً لا حلم فيها
فما أخشى وقد هدأت عظامي
ولكنَّ التخيُّل ماءُ ريٍّ
حلالٌ أن أَبُلَّ به أوامي!

شاعر في الغربة

كنتُ مثل الغريد جيئَ به من
روضِهِ والزمانُ غيرُ ذميمِ
حيث وجهُ النهارِ جذلان بسَّا
مُ، ووجهُ الظلامِ غيرُ بهيمِ
ودواعٍ إِلى الغناءِ كِثَار
من حبيبٍ وموطنٍ وحميمِ
أنزلوه في منزلٍ مثل بطن الْـ
أَرضِ جهمِ السماءِ جهم الأَديمِ
عاش يبكي أيامه حيث صفْو الْـ
ـعَيْشِ سهل الجنابِ سهلُ النسيمِ
فقضى عيشَه غريبًا عن الأهْـ
ـلِ قليلَ العزاءِ جمَّ الهمومِ
إِنْ أكن عائشًا فعيشُ عليلِ الـ
ـنَّفْسِ يذوي مثل الرجاءِ العقيمِ
الهوى والحياة واليأسُ والحُزْ
نُ وريبٌ من الزمانِ خصومي

حنينُ غريب

ابْغِ في مصرَ آمرًا بالتأسِّي
وتمهَّلْ وانظر أماكنَ أُنسي
خذلَتْنِي فقمتُ أنشدُ حظِّي
في سواها فكانَ موردَ نحسي
أنشقوني نسائمَ النيلِ إِني
لَعليلٌ والنيلُ حاجةُ نفسي!
مَنْ مُعِيني على خواطر إِما
طرقَتْني أغرت هواي بأمسي
حيث وجهُ النهارِ يضحك بالبِشْـ
ـرِ فيروي ظماءَ زهرٍ وغرسِ
أنا في بلدةٍ يمرُّ بها الدهْـ
ـرُ حزينًا لا يستضيءُ بشمسِ
فهْي مثلُ السجنِ العبوسِ نهارًا
قد رمتني فيها الخطوبُ بيأسِ!
لبِسَتْ فوقنا السماءُ حدادًا
فكأَنَّ السماءَ قبةُ رمسِ!

كأس خمر

اسقنيها فإِنَّني غيرُ صاحي
ليس شأنُ السليمِ كالملتاحِ!
ما على من دهاه من حادثِ الدهْـ
ـرِ عظيمٌ إِذا انتشى من جُناحِ
عذلٌ راشَه العذول سفاهًا
هل يلوم العليل غير الصحاحِ؟
أنا ظمآنُ ليس يُعوِزُني الما
ءُ ولكنْ رقيقة الأقداحِ
فاسقنيها على وجوه ملاحٍ
لهف نفسي على الوجوهِ الملاحِ!

الزوجة المهجورة تعالج السِّحْر

هرمَ اليومُ فقومي أشعلي
في دجا الليلِ ضرامَ الساحرِ
قد نبشت اليومَ قبرًا غائرًا
جادني منه بعظمٍ ناخرِ
فضعيه في اللظى واسعَيْ إِلى
بيت هامان بقولٍ ماكرِ!
أخبريه أنني هيمانةٌ
لم يَدَعْ لي الحبُّ حزمَ الصابرِ
وخذي منه الرقى في خُفْيةٍ
خفية تطفئُ لحظَ الناظرِ
وأعينيه بما يطلبُهُ
وسليه عن حبيبي الهاجر!

•••

أيُّها الليلُ أَفِضْ من ظلمةٍ
تشعل النارَ بجفنٍ ساهرِ
لا يرى فيك رقيبٌ أدمعي
وزفيري غيرُ نجمٍ زاهرِ
أيُّها النجمُ استمع شكوى التي
علقتْ وجهَ خليعٍ سادرِ
بليت منه بوجهٍ عابسٍ
بعد أن قِيدَتْ بجفنٍ ماطرِ
بليت منه بقلبٍ فاركٍ
بعد أن قيدت بلحظٍ فاترِ
لو يكون الجوُّ نارًا والكرى
حُرَقًا تلفحُ وجهَ الجائرِ
أشْعَلَتْ من شوقهِ ما قد خبا
وجرَتْ منه بقلبٍ نافرِ
يا ولاة الشرِّ هبوا هَبَّةً
وأعينوني بحلف ناصرِ
أنا والسحر وأنتم والأذى
نبتليه بالمذلِّ الفاقرِ
أنشبوا فيها نيابًا خُضِّبَتْ
بدمٍ ينبع منه مائرِ
فعسى أن ينثني مستشفعًا
بجوًى بادٍ وجسمٍ ضامرِ
أنا أهواه وأقلاه معًا
شدُّ ما هاج بقلبي الحائرِ
إِنَّمَا البغضُ أخو الحبِّ إِذا
ظفر الحبُّ بجدٍّ عاثرِ
حسْب نفسي منه وصلًا مانحًا
ظمئي ريًّا كريِّ الطائرِ!

الشاعر والزمن الخرب

أرمي بشعري في حلق الزمان ولا
أبيتُ منه على همٍّ وبلبالِ
لا أبتغي الجاه أسعى نحوه ضرعًا
جزاءَ شعريَ إِنَّ الجاهَ يسعى لي
قد ناهضتني خطوبٌ كُلَّمَا عَصَفَتْ
عفَّت على أملٍ كالمنزلِ الخالي
حتى كأنَّ فؤادي منزلٌ خربٌ
مهدَّمٌ بين آثارٍ وأطلالِ
ماذا أفادت بناتُ الشعر قائلَها
إِلَّا عداوة حسادٍ وعُذَّالِ؟
إِنَّ الذكاءَ وإِنَّ الشعرَ مَهْلَكةٌ
فاربأ بنفسك واعقلها بأعمالِ!
لولا لذاذة قولِ الشعرِ ما خدعَتْ
خديعة المصحر الظمآنِ بالآلِ
فارفق بنفسك أن تُدْعَى الأديبَ وأنْ
يجري بك النحسُ من ذلٍّ وإِقلالِ!
إِنَّا لفي زمنٍ عيشُ الأديب به
عيش الجناةِ سقيم الوجه والحالِ!

الحب والحجاب

بينى وبينك سِترٌ لا انكشافَ له
ككلة السحبِ بين النجمِ والبصرِ
لا فرَّقَ الله قلبَيْنِ اتصالهما
مثل اتصال فتاءِ السنِّ والوطرِ
لا فرَّقَ الله جسمَيْنِ انتعاشهما
بالحبِّ مثل انتعاشِ الزهر بالمطرِ
لا فرَّق الله رُوحَيْن ائتلافهما
مثل ائتلاف صروفِ الدهرِ والقدرِ
في مقلتَيْك معاني الخلد باديةٌ
فخلدينا بلحظٍ ربة الخمرِ
وأيقظينا ففي العادات مُخملة
وكيف يَسْعَدُ من يحيا على غررِ؟
وهذِّبِينا بلحظٍ كلُّه جذلٌ
وأسعدينا بحسنٍ ساطع الغُرَرِ
فالحسنُ أعظمُ من يلحى على دنسٍ
والحبُّ أشرفُ من يلحى على نُكُرِ
الله يعلمُ أنَّ الحبَّ مكرمةٌ
وإِنَّما الوزر غدرٌ غير مغتفرِ
وسنة الله لا تجري بذي ضررٍ
وحاجب الحبِّ عنا واسع الضررِ!

قبلة الزوجة الخائنة

قد قبَّلَتْني قبلةً مُرَّةً
كأَنها من حمةِ العقربِ
تحسب أني راتعٌ غافلٌ
ألذُّ ما تدينه من مأربِ
ماءٌ من الحسنِ روينا به
عاد كوعدِ البارقِ الخُلَّبِ
تنهش جاهًا لم يكن نهزةً
لشاحذ الأنيابِ والمخلبِ
ولو درت أنَّ على رأسها
سيفًا من الغدرة لم تلعبِ
لولا وميضُ الرأي يقتادني
يعيذني من سفهِ المغضبِ
جللتها بالسيفِ أمحو به الـ
ـذَّنْبَ بذنبٍ رائعٍ معجبِ
بِينِي فقد بانت بما قد جَنَت
غوادر ما كنَّ من مطلبي!

خطأ الحُرِّ وإصابة العبد

إِذا ما أصابَ العبدُ في بعضِ فعلِهِ
فما الفضل إِلَّا للذي هو آمِرُهْ
وإِنْ أخطأ الحرُّ الأبيُّ فإِنه
لَأَفْضَلُ من عبدٍ تهون مصادِرُهْ
فلا تحسد العبدان مجدًا مؤثلًا
بناه لهم ربٌّ طغاة أوامِرُهْ
وهل يرفع الإِنسانَ فضلٌ أصابه
إِذا كان يزجيه إِلى الفضلِ زاجِرُهْ
فيا رُبَّ مجدٍ في الإِباء مشيَّدٍ
وإِن لم تَبِنْ للصاغرين مآثِرُهْ!

الحبُّ والكِبْرُ

هي والكبرُ والوقارُ رقيبَا
ها تداني محبها وهْي تنأى
نسبٌ باذخٌ ومجدٌ قديمٌ
وثراءٌ جمٌّ وجُبنٌ وتَقْوَى
أبعدتها عمن تحبُّ فأخفَتْ
في صميم الفؤَادِ ما ليس يخفَى
فلها نظرةٌ من الحبِّ سكرى
ولها نظرةٌ من الكبرِ سَكْرَى
يا ابنة الفاخرين بالجاهِ والما
لِ وقبرٍ فانٍ ومجدٍ تقضَّى
إِنَّ مجدي في الحبِّ والصدقِ لا يَفْـ
ـنى ومجدُ النفوسِ بالفخر أحرَى
أنتِ تخشينَ أن يقالَ أحبَّتْ
غير سامي الأحسابِ منشا ومعْزَى
هل يفيد الإِباءُ والشمم الجمُّ
نفوسًا صرعى من الحبِّ نضْوَى
أبعد الكبر دانيات الأماني
لهْف نفسي على أمانيَ شتَّى
ضَرَبَ الدهرُ بيننا من طباع الـ
ـسُّوءِ سترًا فنحن بالحبِّ نشقى
بين كبرٍ وبين جبنٍ ضياع
لنفوسٍ بالحبِّ تُمنى فتَحْيَا

مَلَل من الحياة

بينا ألذ نعيم العيشِ في دعةٍ
رمى بيَ الشكُّ بين السهدِ والمللِ
كفى بنفسي داءً أنني رجلٌ
أخشى الحياةَ وأقلى سطوةَ الأجلِ
أُجَنُّ بالعيشِ طورًا ثم أبغضه
ما أضيعَ المرءَ بين اليأسِ والأمل
إِنِّي ولعتُ بعيشٍ كله خدع
كما برمتُ بعيشٍ غير مقتبلِ
ما من مجيرٍ على هذا الملالِ سوى
موت يبعِّد بين النفسِ والعللِ
لو كان لي حيلةٌ أفني بها مللي
من الحياةِ لما قصَّرْتُ في الحيلِ

ذكر

ذِكرٌ كأَنفاسِ المحبِّ
إِذا تحرق أو تلدَّدْ
وكأَنَّها نشرُ النسيـ
ـمِ إِذا تصوَّبَ أو تصعَّدْ
وكأَنَّها ورقُ الخريـ
ـفِ إِذا تناثرَ أو تبدَّدْ
وكأَنَّها قبرُ الهوى
وخميلةُ الأملِ المجدَّدْ
ولرُبَّ آمالٍ مَضَتْ
عاوَدْتُها والعودُ يُحْمَدْ
فكأنني قَبَّلْتُ ميْـ
تًا أو نَظَرْتُ إِليه يُلْحَدْ
بعض الأماني كالحيا
ةِ إِذا انقضَتْ ليست تُجَدَّدْ

رثاء عصفور

ليْتَ أنَّ الربيعَ إِذ متُّ ماتا
حُلت ميتًا بين الربيعِ وبيني
كنت حلْيًا للروضِ والروضُ غضٌّ
بالتدلي في أيكه والتغني
فرزئناكَ شاديًا علم الشا
عر أن يخلب القلوبَ بلحنِ
نغماتٌ مثلُ الربيعِ حِسانٌ
وغناءٌ يحيي الهوى والتمني
كفِّنُوه بالغضِّ من ورقِ الورْ
دِ ولا تضرحوا الضريح لدفنِ
وحفيفُ الغصونِ أروعُ ناعٍ
للذي كان حليةً فوق غصنِ
فالأزاهيرُ كالطيورِ على الغصْـ
ـنِ سكوتٌ والطير زهرٌ يغني

فى دفة قديمة ملقاة على شاطئ البحر

لقد جار الزمانُ عليك حتى
حكيت عزيمةَ الرجلِ الضعيفِ
تُصَرِّفُكَ الأكفُّ وكلُّ عزمٍ
يؤثر فيه تصريفُ الصروفِ
وللأهواءِ في الآراءِ فعلٌ
كفعلٍ فيك لليمِّ المخوفِ
وما هجروك من عبثٍ ولكـ
ـنَّ غايات الوسائلِ في الحتوفِ
كذاك الناسُ مثلك والليالي
وسائلُ للقضاءِ وللصروفِ
كذاك العيشُ عيش الناس طرًّا
وسيلتهم إِلى الأملِ الصدوفِ

ذكرى على جفاء

نسانِيَ طيبُ العيشِ إِنْ كُنْتُ أنساكَا
وما عِشْتُ حتى الآن إِلا بذكراكا
رأيتك معبودَ الجمالِ مُنعَّمًا
فما حيلتي إِن كان قلبيَ يهواكا
تدلُّ علينا بالجمالِ وليتنا
ندلُّ بشوقٍ في القلوب لرؤياكا
وإِنَّا لَنَسْتَعْدِي الوصالَ على الجفا
ونخلس حُسْنَ العيش مِنْ حُسْن مرآكا
متى يجمعُ النأيُ المشتَّتُ شَمْلَنَا
فتلثمني خدًّا وتُلثمني فاكا
لعلك يومًا أن ترى في وصالِنا
مآرب تدنينا إِذا التيهُ أقصاكا

إلى صديق

أإِبراهيمُ قد طالَ اغترابي
فهلَّا كان عندك بعضُ ما بي؟
عليلُ النفسِ في بلدٍ غريبٍ
يؤرِّقُه التذكُّرُ والتصابي
عَهِدْتُكَ مرةً تبغي إِخائي
وأنت اليومَ توغلُ في اجتنابي!
أراكَ على اغترابي ذا ابتعادٍ
وكنتَ على اقترابي ذا اقترابِ
فلولا منزلٌ لك في فؤادي
لَأَنْسَانِيكَ هجْرك وارتيابي
سلام الله لا أبغي جذابًا
وهل يدنو المنابذ بالجذابِ؟
سلام ليس يُغْنِي عن ودادٍ
ولا يعدي على غدرِ الصحابِ
إِذا كان الحبيبُ على سلوٍّ
فلا يغني التودُّدُ بالعتابِ!

شكوى شاعر

قد طال نظميَ للأشعارِ مقتدرًا
والقومُ في غفلة عنِّي وعَنْ شاني!
قد أولعوا بكبير السنِّ أو رجلٍ
بنى له الجاهُ ما يغلو به الباني
ولو سفلت إِلى حيث القريض لقًى
بين الأثافي وربع المنزلِ الفاني
ولو سفلتُ فقلتُ الشعرَ في خبرٍ
من السياسةِ في زورٍ وبهتانِ
ولو سفلتُ فقلتُ الشعرَ مبتذلًا
في وصْف مخترعٍ أو ذمِّ أَزمانِ
لقيل: نِعْمَ لَعَمْرِي أنت من رجلٍ
جمِّ المحاسنِ من صدقٍ وتبيانِ!
وإِنَّما الشعرُ تصويرٌ وتذكرةٌ
ومتعةٌ وخيالٌ غير خوَّانِ
وإِنَّما الشعرُ مرآةٌ لغانيةٍ
هي الحياةُ فمن سوءٍ وإِحسانِ
وإِنَّما الشعر إِحساسٌ بما خَفَقَتْ
له القلوبُ كأَقدارٍ وحدثانِ
قالوا: أتيت بشعرٍ كلُّه بدعٌ
فقلت: نِعْمَ لعمري قَوْلَةُ الشاني!
مِنْ كلِّ معنًى يروع الفهمَ طائِلُهُ
معنًى من الجانِ في لفظٍ من الجانِ
من كل معنًى كموج اليمِّ مطَّردٍ
جمِّ الجلالِ فلولا الله أعياني
هذي المعاني تناجيهم فما لهُمُ
لا ينصتون بأفهامٍ وأذهانِ
متى يتاح لهم شادٍ بما رقَصَتْ
له القلوب وتحنان كتحناني؟
هل في أكابرهم برءٌ لذي أدبٍ
من كفِّ كلِّ جديبِ الكفِّ منَّانِ؟

عاطفة شوق

أنا فوْقَ الفراش لا أَطْعَمُ الغمْـ
ـضَ وقلبي إِليك بالأشواقِ
أشتكي ما جنى الفراقُ ويا لَيْـ
ـت حنينَ الغريبِ برءُ الفراقِ
يا حليفَ النوى عليك سلامٌ
وحنينٌ يريق ماءَ المآقي
أين أياميَ التي حسنتْ حيـ
ـنًا وكأس الشقاءٍ غير دهاقِ؟
لم تكن كلُّها نعيمًا ولكنْ
كان ينفي الأسى وجوهُ رفاقي
كنتُ في مصرَ أندبُ العيشَ والعَيْـ
ـشُ ورِيقُ الغصونِ حلوُ المذاقِ
فرمَتْني النوى بأوجع ما يُرْ
مى به واعظ بغيض الخلاقِ
ونأَت بي عن الأنيس صروفٌ
وكلتْ بي لواعج المشتاقِ
لا صديق لديَّ أشكو إِليه
غير غرٍّ بسَّام وجه النفاقِ
عالج الغدرَ والفسولةَ حتى
أنْكَرَتْهُ مكارمُ الأخلاقِ
فاذكر البائس الغريبَ بخيرٍ
رُبَّ ذكرى تُعيد عهدَ التلاقي
وأعِنِّي بالدمعِ إِنَّ بلاغَ الْـ
ـودِّ أنْ لا تضنِّ بالإِشفاقِ
وهنيئًا لك الليالي المواضي
وهنيئًا لك الليالي البواقي
أنت مني بمنزل الحبِّ في القلْـ
ـب ومجرى الضياءِ في الأحداقِ

الحريَّة

حسبوكِ صافيةَ الجبينِ خريدةً
تسبي القلوبَ بأكحلٍ وسنانِ
بيضاء ناعمة كأنَّ قوامها
في لِينِه غصن من الأغصانِ
هلَّا رأَوكِ وأنت بين معاشرٍ
وضعوا السيوفَ مواضعَ التيجانِ
ظمأَى إِلى الدمِ قَدْ أَبَحْتِ حرامَهُ
كالذئب يعوي باديَ الأسنانِ
أوَكُلَّما أدمى الذليلَ قيودُهُ
زَأَرَتْ لديك زئيرةُ الأضغانِ
لا يبلغ المقهورُ منك نصيبَهُ
حتى يضرَّجَ بالنجيعِ القاني
عجبًا لقاسيةِ الفعالِ حبيبةً
وقليلة الغفران والنسيانِ
سكرى من الدمِ قد أنام ضميرها
ومعالج الأضغان كالنشوان
نَظَرَتْ بعين الصلِّ حين وثوبها
نظرًا يسمُّ مجامعَ الأشجانِ
تقسو كما يقسو القضاءُ وإِنَّما
موتُ الذليلِ وعيشُه سيَّانِ
ولَرُبَّ جرمٍ مَحْوُه بجريمةٍ
ظلم الظلومِ وقتله جرمانِ

نبوءة شاعر

لئن خانني الذِّكْرُ الجليلُ وملَّني
مسامعُ قومي أو غُلِبْتُ على أمري
سيَرْوي عظامي شاعرٌ بدموعهِ
وينثر أزهارَ الربيعِ على قبري
إِذا جنني الليلُ البهيمُ أطاف بي
خيالًا له يزري على صفحةِ البدرِ
يجيء مجيءَ النومِ من حيث لا أرى
ويسمعني ما قد قرضْتُ له شعري
فيا ساكنًا في الغيب هذي نبوتي
فذَكِّرْ بها القومَ الأُلَى جهلوا قدري!
أتيح لهم صاد إِلى النهلةِ التي
شربتُ بها ريًّا يبلُّ جوى صدري
فساموه أن يسعى على منهجٍ عفا
قديمًا كما يسعى المقيَّدُ في الأسرِ!

أنا والغيب

ليت لي نظرة إِلى الزمن الآ
تي البعيدِ الخُطَا الغريبِ الحالِ
فتريح الفؤادَ مما يعاني الـ
ـطَّرْفُ من لؤمِ هذه الأحوالِ
أو تميت النفوسَ بالنبأ الأعْـ
ـظمِ إِن الوجودَ نحسُ المآلِ
فهْي بشرى محمودة أو نعيٌّ
لمساعٍ مآلها للفواتِ
كيف تعنو الأقدارُ للمرءِ والمرْ
ءُ ستبلى أعماله كالرفاتِ؟
وَيْحَ شمل الصحابِ لو كان صِدْق الْـ
ـقولِ أن لا حياةَ بعد الحياةِ!
أيُّها الغيبُ كم رمَيْتُكَ بالظَّنِّ
فأبديتَ لي كَوجه السحابِ
أنا والغيب كالغلامِ إِذا حا
وَلَ فتحًا لمغلقِ الأبوابِ
ليس يغني وجيبه وبكاه
ليس تجدي ذريعةُ المرتابِ!

ثورة النفس

وللنفس في بعضِ الأحايينِ ثورةٌ
يكاد لها جسمُ الفتى يتمزق
فيا نفسُ كم تَبْغِينَ ما ليس حادثًا
وحتَّام آمالي لديكِ تحرَّقُ
هياجٌ كما هاجت قطاةُ تعلَّقَتْ
بأحبولة الصياد إِذ ليس مهربُ
أما في سكون الليل يا نفسُ واعظٌ
أما في هدوءِ الروض ملهى ومَطْلَبُ؟
فهل تحسبين نائمًا كلَّ ساكنٍ
وهل تحسبين ميِّتًا كلَّ هاجعِ؟
نَعَمْ إِنَّ للشلال روعًا وهيبةً
ورُبَّ جلالٍ للعواصف رائعِ
نَعَمْ للرياح الهوجِ هولٌ وقوةٌ
وللبحر أمواجٌ تهيج فتحربُ
أغرَّك من هذي الطبيعةِ أنها
تثورُ فلا يقوى عليها المغلبُ
وما أحسب اليمَّ الخضمَّ بثائرٍ
إِذا كان هذا اليمُّ يشقى ويألمُ
وما القلبُ إِلاَّ لوعة تأكل الحشا
وما الجسم إِلا ذلك اللحمُ والدمُ
نعم أنتِ فيما تبغضين مصيبةٌ
ويا حُسْنَ ما تبغين من خيرِ مطْلَبِ
ويا حُسْنَ ما تملي الخيالات إِنها
حُليٌّ على جيدٍ من الدهر أجربُ
تريدين أن الجسمَ يغدو كأنَّما
يضيءُ به منك الضياءُ المحجَّبُ
إِذن لأراقت كلُّ نفسٍ ضياءها
على ظلمةٍ للعيش والعيشُ غيهَبُ
سأبذل جهدي في تعلُّمِ رقصة
لأرقصها إِن الحوادثَ تُطْرِبُ!
فيا نفس قومي فارقصي في جوانحي
كما رَقَصَ المجنونُ يهذي ويلعبُ
فلا تعذلوني إِنَّ لليأس رقصةً
تَعَلَّمَها المحزونُ من نشوةِ الأسى
وللنفس آهاتٌ من اليأسِ والجوى
تحقر آهات الأناشيدِ والهوى
فيا ليت أني في فم البرقِ كامنٌ
فيودعه الأشجان قلب معذَّبُ
ويا ليت أني مثل زوس مسيطرٌ
على الرعد إِنْ أَغْضَبْ كذا الرعدُ يغضَبُ
ولكنني إِما صرخت كصارخٍ
غريقٍ له صوتٌ من الماءِ خافتُ
ورُبَّ بليغٍ راجحِ الرأي والحجى
ولكنَّه بين الحوادثِ صامتُ
نعم، نحن أبناء الزمانِ وصرفه
وحالاته حتى يتاحَ لنا الردى
فإِنْ تكن الحالات تأتي بترحةٍ
فنحن بنوها للتجلدِ والأسى
رضعنا من اليأس الصريحِ لبانَه
وكان وكنَّا في بطون الحواملِ
فما آمل فينا سوى صنوِ يائسٍ
وما يائس فينا سوى صنو آملِ
وفي اليأس يأسٌ يبعث المرءَ بعثة
إِلى الغاية القصوى من السعي والجدِّ!
فلا تعذلونا دهركم غير دهرِنا
فإِنَّا علقنا بالبعيدِ من المجدِ
أفي كل يومٍ يائسٌ بعد يائسٍ؟
لقد جال ذاك الداءُ كلَّ مجالِ
وليس الملام وحده بدوائه
فلا تطلبوا في العذلِ غيرَ محالِ

فجر الشباب

إِني لأَذكُر أيامًا لنا سلفت
كما تَذَكَّرَ صوتَ اللجةِ الصدفُ
فكان للفجر قلبٌ خافقٌ أبدًا
من الحياة ووجهٌ كله لطفُ
والضوءُ يرقص في الأنهار موقعه
فقدُّه مائسٌ فيها ومنقصفُ
وناظر ونجوم الفجرِ مائلة
نحو الغروبِ كما يرنو لها الدنفُ
وكلمتني الرياح الهوجُ في فمِها
سرُّ الطبيعةِ مخبوءٌ ومنكشفُ!

الإيمان بالحياة

لي في الحياةِ اعتقادٌ لا فناءَ له
الكونُ يعلنُه والفكرُ يوضح لى
وإِنَّما الكون قلبٌ لا سكونَ له
حياتُه نبضاتُ الحادثِ الجللِ
فالعينُ ظامئةٌ، والنفس ظامئةٌ
إِلى محاسن مِنْ قولٍ ومِنْ عَمَلِ
لا ترجمونا بيأسٍ في مقالِكُمُ
فاليأسُ أقبح ما يُنْعَى على الرجلِ
أعاظمُ الناسِ في اللأْواءِ كم صبروا
إِنَّ العظيم عظيمُ السعي والأملِ

محبٌّ يرد لحاظه

أردُّ لحاظي عنك وهْي مشوقة
إِليك ولي دون الضلوعِ وجيبُ
ولو كان لي عيشٌ رغيدٌ وحالة
تعيدُ كساءَ العمرِ وهْو قشيبُ
لأقدمت إِقدامَ الشجاعِ وكان لي
إِليك طموحٌ طائرٌ وهبوبُ
ولكنَّ لي حالًا أخافُ صيالها
عليك إِذا صالت وأنت قريبُ
أحبك حبًّا لا يحبك مثله
أبٌ لك، ذو رفقٍ عليك نجيبُ
فيا بؤس نفسي تضرم الحبَّ بالمنى
وقد علمت ما لي لديك نصيبُ!

العظيم في قومه

رأيتُ حياةَ الحرِّ في نفْع قومِهِ
ولا خيرَ في كنزٍ إِذا كان خافيَا
يغالبُ ما يبليه في جمْعِ أمرِهم
وإِن كان فيهم شاحبَ اللونِ طاويا
وما نصب المصباحُ إِلا لضوئه
وإِنْ كان في أحشائه الدهنُ فانيا
وليس الذي يحيا حياةً ذليلةً
خليقًا بأن يُدْعَى على العيش باقيا
يفيض بيانًا يقطر الحزمَ ماؤُهُ
فتصغي إِليه في العروق دمائيا
ويبري سهامًا من مقالٍ قويمة
مهذبة يرمي بهنَّ المراميا
يهدده الجبارُ بالضيم ضلةً
وهل يستقاد الحُرُّ ما دام آبيا؟
فلا تحسبنْ أَنَّ الرجاءَ مضلةٌ
وهل خابَ ذو عزمٍ إِذا كان راجيا؟

نحن إخوة

إِنَّما نحن إِخوة جَعَلَتْنَا
نزعاتُ القلوبِ كالأضدادِ
إِنَّما نحن إِخوة تركتنا
وقعات الأقحادِ كالأحقادِ
إِنَّما نحن إِخوة جعلَتْنا
حمة البغضِ طعمةً للأعادي
نتمادى على القطيعةِ والهجْـ
ـرِ فماذا جنى علينا التمادي؟
قد أقمنا على التخاذلِ دهرًا
فدهانا بسيلهِ كلُّ وادي
وإِذا كانت النفوسُ لئامًا
فلماذا تقر في الأجسادِ؟!

لذة المحبوب والمحبِّ

أتمنعون القلبَ من وجيبِهِ
وتزجرون الصبَّ عن نحيبِهِ؟
وتأمرون الرشأَ الأغيدَ أنْ
يقسو على ولهان مستطيبِهِ
وزاجر الأَغيدِ عن عاشِقِهِ
كزاجر المسعود عن نصيبِهِ
ولذة المحبوبِ في محبِّهِ
ولذةُ المحبِّ في محبوبِهِ
وغفلةُ الفاتنِ عن لذَّاتِهِ
تزيد قلبَ الصبِّ من لهيبِهِ
ما أَنصف الأغيد من يهواه إِن
لم يُعْطِه من حسنهِ وطيبِهِ
ماذا يُرَجِّي المرءُ من حياته
لو مُنِعَ العاشقُ من حبيبِهِ؟
قد خلقَ الله الحسانَ سلوةً
تشغل قلبَ المرءِ عن كروبِهِ!

الشاعر وجمال الحياة

أيُّهذا العذول في شهواتِ الْـ
ـعَيْشِ يدعو إِلى حياةٍ عليلَهْ
نحن كالنحل لا نُحِبُّ من الزهْـ
ـرِ سوى كلِّ غضةٍ مطلولَهْ
لا تَلُمْ شاعرًا رأى العيشَ حلوًا
فأُتِيحَتْ له الحياة جميلَهْ
هو مهما آتاه فيها نعيمٌ
لا يرى في الحياةِ كلَّ فضيلَهْ

فى قبيح اسمه حسن

إِذا وصفوا بالحُسْنِ مثلك ضلةً
فمَنْ ذا يُسَمَّى قاتِلَ الوجهِ أخرقا
فما الحُسْن في خلقٍ ولا في خليقةٍ
لديك وليس الحسنُ فيك تخلُّقَا
لقد كانت الداياتُ يَسْخَرْنَ حينما
وصفْنَ بحسنٍ أظلم الوجه أحمَقَا!
فكُنَّ كمن نادى من الزنجِ أَسْوَدًا
فقال له يا أبيضَ الوجهِ مُشْرِقَا
وما صاغك الرحمنُ إِلا فكاهةً
وماذا عليه أن يشاءَ وتُخْلَقَا!

الكاذب

لا تَلُمْهُ في كذبةٍ بعد أخرى
هو أهلٌ لأَن يكونَ كذوبَا
لو سمعنا له مقالةَ صدقٍ
لم يكن صدقُه إِلينا حبيبَا!
قم فبيِّنْ للناس فلسفةَ الكِذْ
بِ وناجز عدوَّهُ والرقيبَا
وأَحَقُّ اللئامِ بالسخرِ غرٌّ
لا يرى حوله بصيرًا لبيبَا!
خدَعَتْهُ خوادعٌ تصدق النَّا
سَ وقِدْمًا كان اللئيمُ مريبَا!

كلمة مدح

شِيَمٌ كأَخلاق المسيحِ كريمةٌ
ومحاسنٌ لك غيرُ ذات نضوبِ
لَطُفَتْ كما لَطُفَ النسيمُ وأُحْكِمَتْ
أسباب ذاك الفضلِ والتهذيبِ
وكأَنَّها من رقةٍ وعذوبةٍ
جرعات ماءِ المنهلِ المشروبِ
تجلو عن النفس القطوبِ قطوبها
وتزيح يأسَ اليائسِ المكروبِ
وكأنَّها قِطعُ الرياضِ يعلها
مطرٌ رقيقُ السجم غيرُ صبيبِ

العهد والخدر

كم تَحْتَ مئزَرِ ذاتِ الخِدْرِ مِنْ دَنَسٍ
وفي ابتذالِ ذواتِ العهرِ مِنْ خَفَرِ!
إِنَّ الفضيلةَ لا يودي بها خُلُقٌ
قضى به العيشُ في حالٍ من الغيرِ
حسْب الكريم إِذا ما غاب عن دنسٍ
أن لا يسبَّ ذواتَ العهر بالنظرِ
فقد تَخُونُ ذواتُ البعل آمِنَها
وقد تَخُون الألى ظلوا على حَذَرِ

العادات

ألَا إِنَّما العاداتُ كالبحرِ، والفتى
كراكبِ ذاكَ البحرِ يُخْشَى زماجِرُهْ
إِذا لم يكن ذا درْيَةٍ بأمورهِ
ليوشك أن تُطْوَى عليه زواخِرُهْ
كذاك ذوو العاداتِ غرٌّ وباحثٌ
جريءٌ له رأيٌ على الشرِّ ناصِرُهْ
فمَنْ لم يُمَيِّزْ غثَّهَا من ثمينها
سعى كرحاءِ الشرِّ دارَتْ دوائِرُهْ
يعيشُ كما عاش الكثيرُ من الورى
يجوبُ ظلامَ الجهلِ والجهلُ آسِرُهْ

أم إسبرطية قتلت ابنها

فرَّ يبغي من الحمامِ مجيرًا
فأعانَ الردى عليه المجير
بادَرَتْهُ بحتفه أمُّهُ وهْـ
ـوَ على عارهِ إِليها حبيب
ولوَ انَّ النذيرَ أَوحى إِليها
وهْو في المهدِ أنه سيخور
لَرَمَتْهُ بجانب الجبل الشا
مخ لم تُنْتَزح عليه الغروب
إِن إِسْبَرْطَة التي قَمَعَ الطا
مِعَ فيها خميسُها المنصور
جَعَلَتْ ذلك الفرارَ حرامًا
والذي يركبُ الحرامَ مريبُ
أيُّها الخائن الجبان خَشِيتَ الْـ
ـموتَ والموتُ حادثٌ مقدورُ
إِن أُمًّا تُعزَى لها قَتَلَتْ في
قَتْلِكَ العار لم يُصِبْهَا معيبُ
شَرُفَتْ ثم أَجْرَمَتْ فَلَكَ العا
رُ ولكنْ لها الجوى والزفيرُ

مناجاة الحبيب

اللهَ في نزعاتِ الوالهِ العاني
وفي شفيعٍ من العينين هتانِ
وفي الوجيب الذي تشقى الضلوعُ به
وفي الفؤادِ الذي يحنو على الجاني
وفي اللحاظِ التي ناجَت ضميرَك من
وراءِ مسترسلِ الهدبين وسْنانِ
يا نظرةً خَلَسَتْ مني على غَرَرٍ
عزْم الحسامِ صقيلًا غير خوَّانِ
لو كنتُ أملكُ أن ترتدَّ خاسئة
قبل اجتلاء أغنِّ الطرفِ جَذْلَانِ
لما احتسبتُ فؤادي وهْو منصدعٌ
ولا الشباب الذي أذوته أشجاني
كانت شفاءً فعادت ملؤُها شجنٌ
فكيف أبرئُ أشجانًا بأَشجانِ
ورُبَّ ذكرى تهيج الشجوَ عن عَرَضٍ
وتترك الدمعَ في آثارِها قاني
إِنَّ الجمالَ لماءٌ طاب مورِدُهُ
فما لِحُسْنِكَ لمَّا طاب أظماني؟
فمن لذي شجنٍ بالكبرِ يكتمه
يحنو على ضاحكِ اللألاءِ ريانِ
صُنْ بالفضيلةِ حسنًا أنت زائِنُهُ
ما كلُّ حُسْنٍ بعفِّ الذيلِ فتَّانِ
إِنْ كان حبُّك أقصى عنك لي أملًا
رحب المرامي فإِنَّ الذِّكْرَ أدناني
أنت النعيمُ وأنت السعدُ منعطفًا
وظِلُّ عيشٍ من الإِحسان فينانِ
وأنت كالدهرِ لا يُرْثَى لذي ضرعٍ
وأنت كالحظِّ في مَنْحٍ وحرمانِ
يا مُرْخِيَ اللحظِ من دلٍّ ومِنْ خَفَرٍ
ماذا تركت لِلَحْظِ الآثم الجاني؟
أُسَائِلُ النفسَ في أمْرٍ يرادُ بها
ماذا تعالج من شوقي وتحناني
ينأى ويدنو كما شاءَ الدلالُ له
لعب النسيمِ بأزهارٍ وأغصانِ
فيأسر القلبَ في جدٍّ وفي لعبٍ
ويشعل الوجدَ في وصلٍ وهجرانِ
أهواه والحبُّ يدلي لي بمعذرةٍ
من حسنه وجفاء الهجرِ يَلحاني
فإِنْ تناءى فما في هجرِه سرفٌ
وإِن تدانى فسمح غير منَّانِ
يتلو على القلبِ في دلٍّ وفي خَفَرٍ
آيَ الجديدَيْن من حسنٍ وإِحسانِ
فلا يشاركني في لوعتي دنفٌ
ولا يشارِكُهُ في حسنهِ ثاني
جاء الخيالُ مضيئًا في الدجى مرحًا
فكيف يصدق ما غالى به ماني
إِنَّ الظلامَ على العشَّاقِ مؤتمنٌ
طب بأدواءِ آمالٍ وأحزانِ
أريق في الدمعِ ما يعيا الفؤاد به
إِنَّ الدموعَ على الأحزان أعواني
والدمعُ أَخْوَنُ من تُرْجَى معونَتُهُ
في أغيدٍ بحياءِ الوجهِ غصَّانِ!

الكبر والمجد

أهاب بباغي المجدِ كِبْرَ مضللٍ
وما الكبرُ إِلَّا داءُ من يتوقَّلُ
وما الكِبْرُ إِلَّا ثغرة يلج الأذى
إِلى المرءِ منها فهْو نصلٌ ومقتلُ
إِذا ما رمى الرامي به جنةَ العدا
تغلغل في أحشائِه منه منصلُ
وما الكِبْرُ إِلَّا صنوُ كلِّ جريمةٍ
وداءٌ نبا عنه المداوُونَ مُعْضِلُ
فلما دعاه الكِبْرُ طاح به الهوى
إِلى حيث هابَ العاقلُ المتأملُ
يرود مراد الغيِّ حتى إِذا عنا
له آخر الأهواءِ جُدِّدَ أوَّلُ
وما والِغٌ هاب الرجالُ نيوبَهُ
يعلُّ من الأهواءِ دهرًا وينهلُ
بأَرغدَ عيشًا من كريمٍ موادِعٍ
له من رجيح الرأي درع ومعقلُ!

إلى صديق

ليس الذي الهجرانُ من هفواتِهِ
بمُعَاتِبي يومًا على الهجرانِ
أَلْفَيْتُ عتبك يا مراد كأَنَّه
سيفٌ له حدَّان مسنونانِ
فإِذا ضَرَبْتَ به أصابَكَ نَصْلُهُ
فمصيبتي كمصيبةِ المطعانِ
أَصُرِفْتَ عنا أم عَرَتْكَ ملالةٌ
أم أسكَتَتْكَ طوارقُ الحدثانِ؟
اعْذُرْ أخاك إِذا تقاربَ خطْوُهُ
في الشعر أو أعيا عليَّ بياني
ولأَنت تعلم أنني ذو منطقٍ
يأتي السميعَ بأحسنِ التبيانِ
بيني وبينك يا مرادُ مسافةٌ
تُنْسِي الملول أواصرَ الإِخوانِ
إِنِّي يُذَكِّرُنِيكَ خفْقُ أضالعي
إِنَّ الفؤادَ لدائمُ التحنان
فأخوك مثل أبي عبادة لم يَجِدْ
«قلبًا يشايعه على الهجران»!

الزوجة الغادرة (قصة)

أيُّ شيءٍ يهفو بلبِّك عن وصْـ
ـلِ الغواني وعيش أهل الجدودِ؟
قائمًا في النعيم مثل مقام
طالِب الريِّ في جوارِ الغديرِ؟
لا تُعِدْ لي ذِكْرَ الغواني فإِني
لم أكن عند ذكرِها بجليدِ
كلُّ حسناء في لحاظي عظامٌ
عاريات من البهاءِ المنيرِ
أىُّ شيءٍ أسمى صباك بسهمٍ
فأراك الجديدَ غيرَ جديدِ؟
استبق نهزةَ المجدِّ إِلى صفْـ
ـوِ زمانٍ فينان رغْد نضيرِ
كل خلوٍ من الخطوبِ مُبرًّا
ليس يدري مضاضةَ المكدودِ
عِشْ بخيرٍ ولا يضرُّك يَأسِي
إِنَّ يأسي على الحياةِ نصيري
إِنَّ قلبي من ذلك اليأسِ دامي
ودموعي أَودى بها مجهودي
أنت مني بمنزلِ الحبِّ والودِّ
ومأوى سِرِّي ونجوى ضميري

•••

كنتُ في صحةٍ من العيش دهرًا
أتمنى زيادةَ المستزيدِ
لاعبًا بالنعيمِ لِعْبَ نسيمِ الـ
ـرَّوْضِ يشدو في الروضِ شدوَ الخريرِ
فأَلَاحَتْ لِي الخطوبُ لِحِينِي
بفتاةٍ كبُغْيةِ المستجيدِ
ولجت في الصميمِ مني ونالَتْ
ما يشاءُ الهوى بدلٍّ غريرِ
فرأيتُ الحياةَ بغية من يهْـ
ـوى، وإِنَّ الهوى قرينُ الخلودِ
وتمادى بيَ الغرور فيا لهْـ
ـفي على نشوةِ الهوى والغرورِ
عيَّنَتْ موعدًا فبتُّ أُناجيـ
ـه إِلى أن دعا نذيرُ الوفودِ
فأزحتُ الرتاجَ أَنْظُرُ ضيفي
وسروري من اللقاءِ سروري
فإِذا طارقي أخي صِنْو نفسي
ونصيري على المنى وعقيدي
جاءَ يسعى سعْيَ اللهيف ويهتزُّ
اهتزارَ المحمومِ والمقرورِ
قالَ والدمعُ ملءُ عينيه واللحْـ
ـظُ شريدٌ في إِثر دَمْعٍ شريدِ
إِنَّ «أسماءَ» لا تحبُّكَ فاستقْـ
ـبِلْ بحزمٍ فَوَاقِرَ المقدورِ
هي روحي التي أعيشُ بها وهْـ
ـي سقائي الذي به زَهْوُ عودي
وهْي مأواي من مناهضة الدهْـ
ـرِ ومنجاي من رجامِ القبورِ
قلت والدمعُ كاشفٌ ما أُداريـ
ـهِ وصوتي صوتُ القوي الجليدِ
ووجيبُ الضلوعِ يدعو إِلى الظنِّ
بما تحتوي ضلوعُ الصدورِ
يا ابنَ أُمِّى ومن أُرَجِّي له عِيـ
ـشَةَ مستجمعِ الهوى مجدودِ
تلك «أسماء» أَقْبَلَتْ تتهادى
في خمارٍ من حسنِها المستنيرِ
إِنَّ حبي لكالرياحِ إِذا ها
جَتْ زمانًا فطيشها لركودِ
فاستبيني «أسماء» رأيًا رجيحًا
وأَعِينِي أخي بحبٍّ طهورِ
واعلمي أنني خلصت خلوص الْـ
ـحُرِّ من سرِّ حسنِك المعبودِ
نافضًا عنيَ الغرورَ كما ينْـ
ـفض ليثٌ عنه هباءَ الضفورِ
فرمتني بلحظةٍ هي كالسهْـ
ـمِ إِذا ما استوى بقلبِ المصيدِ
ثم قالت والدَّمعُ يطرده الدَّمْـ
ـعُ على خدِّها طرادَ المغيرِ:
تحسبان العروسَ مثل إِماء الـ
ـسُّوقِ تُشرى بصُرَّةٍ من نقودِ!
أيُّ شيءٍ يجني أخوك إِذا زَوَّ
ج من لا تقريه غير النفورِ؟
فدعاني أخي وقال: أقِلْنِي
إِنَّ ذنبي ذنبُ اللئيمِ الحسودِ
أين كانت رجولتي وإِبائي
وامتناعي على بنات الدهورِ؟
سَفَهًا أن أرومَ غيرَ رغيبٍ
وشجًى أن أحبَّ غير ودودِ
قدك إِني راجَعْتُ حلمي ونادا
نيَ عزمٌ طب بداءِ الأمورِ
ثم أهوى إِلى الرتاج فأجرا
ه قليلًا بهزةِ الإِقليد
ومضى يمتطي الطريقَ بعزمٍ
مسترابِ الإِقدام والتشميرِ
فبقينا نُجْرِي العتابَ ونستد
فعُ صولاته برأيٍ سديدِ
وعَقَدْنا عقدَ الزواجِ وثيقًا
ونعمنا بيومه المشكورِ
ثُمَّ جاءت من بعد ذلك أيا
مٌ كرامٌ كحِلْفِنا المعقودِ
فخلسنا نعيمَها كاغتفال الـ
ـطِّفْلِ عينَ المولى لقطفِ الزهورِ
بينما نحن في رواءٍ من العَيْـ
ـشِ نغطَّى بظله المدودِ
جاءَنا زائرًا أخي مستنيرَ الْـ
ـوَجْهِ طلقَ الجمالِ جمَّ النورِ
ضاحكًا كالصباحِ ممتلئًا بِشْـ
ـرًا كريم المرأَى نضيرَ العودِ
فلقيناه بالبشاشة، والتَّرْ
حيبُ في طيبه كنفحِ العبيرِ
وأفضنا عليه من كرم العيْـ
ـشِ نعيمًا ما إِن له مِنْ مزيدِ
ورعيناه آمنًا مأمونًا
مستفزَّ الضحكات جمَّ السرورِ
كنتُ يومًا أرقى من السُّلَّم الأعْـ
ـلى بقايا إِلى مكانيَ تودِي
فإِذا خادمٌ صغيرٌ أتى يهْـ
ـتزُّ من خوفِه اهتزازَ الوكورِ
ثم قال: اسْتَمِعْ حديثيَ وانظُرْ
سيدي ما ترى بخطبٍ جديدِ
قد تسمَّعْتُ خلفَ بابٍ من الأبْـ
ـوابِ يا هَوْلَ ما جرى في الخدورِ!
ربة البيت في يديها سقاء الـ
ـسُّمِّ والضيفُ خلفها كالعقيدِ
قالتِ: اهدأ دعني أدوف له السمَّ
وأبغي غفرانَ ربٍّ غفورِ
قد أتاني هواك في غفلةٍ عنْـ
ـكَ فلم ينعقد له مجلودي
أنت روحي التي أعيش بها فاسْـ
ـتَبْقِ روحي معي وكن لي أميري!
أيُّ شيءٍ هدَّ الأضالع منِّي
ودهاني بهزة الرعديدِ
كلما رُمْتُ أن أقول مقالًا
ضلَّ في منطق الغلام الصغيرِ
فولجْتُ الأبوابَ ممتلئَ السمْـ
ـعِ طنينًا من رعدةِ المزءودِ
نحن حول الخوان ننتظر الطعْـ
ـمة مما قد هيَّأَتْ في القدورِ
وهْي قد أفرغت ليَ السمَّ في كو
بي وقامت تمر غيرَ بعيدِ
ثم غافلتُها وأفرغْتُ كوبي
فوق ماءٍ بكوبها منزورِ
ثم نلنا من الطعامِ بلاغًا
وشربنا برءًا من التصريد
ثم جاءَ اليومُ الجديدُ فنامَتْ
زوجيَ الرود نومةَ المقبورِ
فَعَلَ السمُّ فِعْلَهُ في حشاها
ودهاها من الردى بقيودِ
كلما جنَّني الظلامُ أتَتْ تطْـ
ـرقُ في شملةِ الظلامِ سريري!

كلمات النفس

وطورًا أكونُ كبعض الهبا
ءِ لجَّ به العاصفُ الثائرُ
وطورًا أكونُ كذاتِ القلو
عِ همَّ بها الهائجُ المائرُ
وطورًا أكونُ كأُرجوحةٍ
يرجرجها طفلُها الجامِحُ
وطورًا أكونُ كغصنِ الجنى
يميلُ به الثمرُ الصالحُ
وإِنَّ الجسومَ غذاءُ النفوسِ
وإِنَّ النفوسَ حياةٌ لها
ورُبَّ نفوسٍ تُعَنِّي الجسومَ
وربَّ جسومٍ تُعَنَّى بها
وللكونِ روحٌ وهذي النفو
سُ أجزاء من بعض أجزائها
يحللها الموتُ تحليلَهُ
وتحيا النفوسُ بأزيائها
فيا عجبًا كيف نرجو الحياةَ
ولا يعرفُ المرءُ معنى الحياةِ
ولو عَرَفَ المرءُ معنى الحياةِ
لما جهلَ المرءُ سرَّ المماتِ
وما ساءَه مثلُ وخزِ الضميرِ
ولا ضرَّه مثلُ موتِ الضميرِ
وقد يَخِزُ الشرُّ روحَ الغبيِّ
كما يَخِزُ الدودُ أهلَ القبورِ
وجهلُ النفوسِ بكُنهِ النفوسِ
مبين لها عن وجودِ الإِلهْ
فهل يَعْرِفُ الغيبَ حيٌّ سواهُ
وهل يَفْقَهُ الكونَ حيٌّ سواهْ؟

عتاب

سهَوْتُمْ كسهو الموتِ عنَّا وفيكُمُ
حبيبٌ إِلينا مثله ونصيرُ
أأحبابنا لم ينقض الدهر مرتى
فإِنِّي على ريب الزمان صبورُ
ولكن آمالًا إِليكم نوازعًا
دَهَتْها أمورٌ منكُمُ وأُمورُ
هنيئًا لكم ذاك التقاطع والجفا
فكلُّ حبيبٍ بالجفاءِ خبيرُ
لقد كنت أرجو أن يثوب ضميركم
إِلينا وكلًّا لا يثوب ضميرُ

المقاطيع

النفوس الضئيلة

أدور بعيني لا أرى غير أنفسٍ
ضئالِ المنى والسعيُ في ضعةِ القملِ
فهم يمدحون الخيرَ من خوفِ سامعٍ
وهم يهجرون الشرَّ خوفًا من العذلِ

مصر مهد العلوم

كنتِ مهدَ العلومِ والذهنُ طفلٌ
كنتِ أمَّ النعيمِ وهْو وليدُ
هل يعودُ الزمانُ بالعزِّ والمُلْـ
ـكِ وماضي الحياة أَنَّى يعودُ؟
نحن نرجو من الحظوظِ معينًا
كيف تحنو على الضعيفِ الجدودُ؟
هل فعالٌ تجلو عن الهممِ العجْـ
ـزَ ورأي جم السدادِ حميدُ
كم يعيدُ النصيحُ نصحًا وما يو
دي بضعفٍ في أنفسٍ ما يعيدُ!

عظم الشر وعظم الوجود

كلُّ ما في الوجودِ مما يريق الـ
ـدَّمْعَ أو يستميح شجْوَ الرحيمِ
كلُّ غدرٍ وقسوة واحتيالٍ
واجترامٍ ولوعةٍ وهمومِ
كلُّ شرٍّ مهما تعاظَمَ، لو قِيـ
سَ بشأن الوجودِ غير عظيمِ
عِظَمٌ للهمومِ غطى عليه
عظمٌ للحياةِ غيرُ ذميمِ

الطبيعة

تعالَوْا بنا نُعْطِ الطبيعةَ حقَّها
من البثِّ والإِجلالِ والصلواتِ
فقد زعموا أنَّ الحياةَ رزيئةٌ
إِذا لم تُنَلْ ساعاتها الحسناتِ
وقد حَرَّكَتْ تلك العصافيرُ شَجْوَنا
بوقعِ غناءٍ ليِّن النغماتِ

نصير الظالم

غُلُّوا يدَ الجبارِ في غلوائه
فبِكُمْ يصولُ إِذا أَراد ويَظْلِمُ
إِنَّ الذي اتخذ الظَّلُومَ ولِيَّهُ
أطغى إِذا عُدَّ الطغاةُ وأظلمُ!

المتعصبون في الدين

يتهارشون على العقيدةِ ضلَّة
فعْلَ الكلابِ على خبيثِ المطعمِ
إِنَّ العقيدةَ في الضميرِ مكانُها
ليست بتحريك اللسانِ ولا الفمِ!

أسف على الأَسف

كم قد أَسِفْتُ على الدنيا وباطلها
فما أَسِفْتُ على شيءٍ سوى الأسفِ!
وكم سَخِرْتُ من الأقدار في صلفٍ
فما ندمت على شيءٍ سوى الصلفِ!

سوار ومعصم

معصمٌ ناعمُ المجسِّ لطيفُ الـ
ـصُّنْعِ يحكي لطفَ النسيمِ أصيلَا
وكأَنَّ السوارَ وُكِّلَ بالمعْـ
ـصمِ خوفًا عليه من أن يسيلَا!

للكاذب

قد عالجَ الكِذْبَ حتى إِنه رجلٌ
لو عالجَ الصدقَ يرجو قولَهُ خابَا!
لو واقَعَ الصدقَ يومًا عدَّه خطأً
منه فكان على حالَيْهِ كذَّابَا!

ضحكة الفاتن

يشكو إِليك القلبُ من لوعةٍ
لو ذُقْتَهَا كُنْت الغفور الرحيمْ
وكلما أفصح عن شجوهِ
ضَحِكْتَ سخرًا ودلالًا قديمْ
يا ضحكة الفاتنِ كوني جوًى
في الكبد الحرَّى وشجوًا أليمْ!

المال والحجى

لعمرك إِنَّ المالَ حملٌ على الحجا
ولكنه حملُ الظعينِ المزودِ
إِذا هو لم يحمله آلمه الطوى
وفي حملِهِ جهدُ المجدِّ المسهدِ!

أنين كأنين الريح

رحم اللهُ محبًّا والهًا
لم يَجِدْ عن حبِّكُمُ وجْه المآبِ
إِنَّ مما نابَهُ مِنْ هَجْرِكُمْ
كأَنين الريحِ في الربعِ الخرابِ
أنا أهواك فهل ترحمني
إِنَّما يرحم مذكوُّ التصابي!

الحياء الكاذب

بعضُ الحياءِ هو الرياءُ وربما
لبسَ الحياءَ مخادعٌ ومنافقُ
ينأى بمكذوب الحياءِ سفاهةً
عما يحث به الحياءُ الصادقُ!

سوء الظن

لا تعدَّ الظن رأيًا صادقًا
يفتح الظن مغاليق الحمام
هو كالأخفشِ في ألحاظهِ
لا يرى الأشياءَ إِلَّا في الظلام!

القدرة والرجاء

ومن شقوةِ الإِنسانِ أنَّ اقتدارَه
ضئيلٌ وما يرجو من العيشِ واسعُ
فلو كان ما يرجوه دون اقتدارِهِ
لهان عليه سؤله والمطامِعُ

هائب الموت

متعلقٌ بالعيشِ يرجو صفوَهُ
كتعلقِ الطفلِ الرضيع بأمهِ
يخشى مجالَدَةَ الحوادثِ عزمه
والخوفُ ينقض عقدةً من عزمهِ!

ربح وخسران

إِذا بلغَ المرءُ الغنَى كان خاسرًا
بنَيْل الغنى قدْر الذي هو كاسبُهْ
فيربح حالًا لدنة الوجه غضة
ويخسر شيئًا خافيًا عزَّ حاسبُهْ!

دافع الشر بالظن

ومتَّقٍ بالظنونِ الشرَّ يكلؤُهُ
دهاهُ بالشرِّ ذاك الظن من أممِ
ومنزل الظنِّ في صدق وفي كذبٍ
كمطرح العينِ بين الفجرِ والظلمِ!

السعادة

إِنَّ السعادةَ لم تَسْلَسْ لطالبها
كربَّةِ الديرِ لا تحنو على رجلِ
كلتاهما عفةُ الأذيالِ طاهرةٌ
لكنَّ في المنعِ مزجاة إِلى الأملِ!

مالك كفاقد

أيا باكيًا يخشى زوالَ محبَّبٍ
من التلْد لا تُدْنى إِليه مسالكُهْ
كأَنك لا تبكي لخوفِ افتقادِهِ
ولكنَّما تبكي لأنك مالكُهْ

الإحسان

كما يضيئُ الإِحسانُ في عالم الشرِّ
ضياءَ المصباحِ تحت الظلامِ
فيه برءٌ لكل داءٍ ولو كا
ن عقامًا جمَّ الأذى والعرامِ

الود الصحيح

حببتك حبي للضمير إِذا دعا
فؤادي إِلى حبِّ الفضيلةِ والخيرِ
وإِنِّي لأرجو في إِخائك لذةً
كلذة أهل الرأيِ في حَسَنِ الفكرِ

هائب الحياة

لا يهابُ الحياةَ إِلَّا جبانٌ
لم تُعِنْهُ على الحياةِ الجدودُ
إِن من لا يخشى الحياةَ خليقٌ
أن يردَّ الخطوبَ وهْو جليدُ

رغبة في العيش

ولولا رجائي أن أقولَ مقالةً
تعودُ بخيرٍ أو تُعين على شرِّ
لما كان لي في بسطةِ العمرِ رغبةً
ولم أحْمَدِ الأيامَ أن زِيدَ في عمري

غناء يصم

سمِعْنا غناءً ما سمعناه رغبةً
ولكن لأمرٍ في الحوادثِ مقدورِ!
تغنيتَ حتى مادت الأرضُ تحتنا
كأَنَّكَ إِسرافيلُ ينفخُ في الصور!

إراقة العمر

لو كان عمري كأسَ خمرٍ في يدي
ورَنَت إِليَّ بطرفِها الفتَّانِ!
لأرقته طربًا ومن لي أن أرى
لحظًا يروح بفضلةِ النشوانِ

اسم ممزق

إِذا ذَكَرَ اسمي حسودٌ لئيمٌ
ومَزَّقَهُ بين أسنانِهِ
أبى لي احتجازي وكِبْرٌ حميدٌ
هُجُوَّ امرئٍ عبْد أضغانِهِ!

عتاب

ألا بعض هذا الذم إِن كنت حازمًا
فما الذمُّ مما قد كرهت بمانعي
لعلك يومًا أن تثوبَ إِلى الرضا
فتعلم أني بالرضا غير قانعِ!

سلوة في جمال الطبيعة

أليسَ يُسْلِيكَ عمن صدُّهُ مللٌ
هذي الأزاهير أو تلك العصافيرُ؟
يروح كلُّ جليدٍ في تجلُّدِهِ
وأنت في كَفَنِ الأحزانِ مقبورُ!

شفة

شفةٌ تحلَّتْ باللمى
فتَبِيتُ تحلم بالقُبَلْ!
غالى بها رغد النعيـ
ـمِ وفوقها هبط الأمَلْ!

إله الرعد في خرافات الوثنية

رَبَّ البوارق تُزْجِيها مشفَّعَةً
بالرعدِ يضحك ضِحْك المرءِ من أَلمِ
أَنْزِلْ على الزرع ما نرجوه من ديمٍ
واحْبِسْ عن الناس ما يُخْشَى من النقمِ
إِنِّي لمحتك والأنواء داجيةٌ
يُضيء لي فيك سرٌّ غير مكتَتَمِ
فأنت كالناس في حلم وفي غضبٍ
وأنت كالناسِ في بخلٍ وفي كرمِ

لذة الحب

حَرَّمَ الناس لذة الحب جهلًا
وأقاموا العذال للعاشقينا
جَهِلُوا أنه المعينُ على العيْـ
ـشِ المزيحُ الأسى عن الفاقدينا
متعةٌ للفؤاد والجسم فيه
متعةُ العاشقين والفاتنينا

حجة المستجدي

شقيتم بإِقبالِ النعيمِ وشقوتي
بإِدباره إِنَّ الشقاءَ فنونُ
شرقتم بصفوِ العيشِ لو قد تبلَّلَتْ
لهاتي به كان الشقاءُ يهونُ

عتاب

نَعِمْنَا بِكُمْ حينًا فلما صَدَفْتُمُ
ثكلناكُمُ ثكل الفتاةِ رضِيعَهَا
كما أفلتت من قانص الدرِّ درةٌ
وقد أَمنت أطماعه أن يضيعَهَا

الكسل وصاحبه

يُحْجِمُ حتى كأَنَّما خَشِيَتْ
أعضاؤه أن يموتَ في غدِهِ!
فيدرك الشيءَ غيرُ طالبِهِ
ولا ينال المكسوب في يدِهِ
ورَاعَه أن ينالَ ما ضمن الْـ
ـمسعى فيشقى بقول حاسدهِ
يودُّ أن الأقدار تسعدُهُ
فيغتدي شاكرًا لمسعدهِ
يحسب أنَّ الأقدارَ ما خُلِقَتْ
إِلا لتجري بنسج سؤددِهِ

المجد والفخر

يطلب المجد كي يصح به العيْـ
ـش وقد يبتغيه للفخر باغي
فإِذا ما رآه خلوًا من الفخْـ
ـر طواه عنه القلى والتنائي!

الوسائل والغايات

إِنَّ الوسائلَ والغاياتِ ما اشتبهَتْ
على امرئٍ فدواعي الطيشِ في العملِ
فإِنَّ مَنْ جَعَلَ الغاياتِ واسطةً
أو الوسائل غاياتٍ من الأملِ
لم يستقم سَعْيُه من حيث يمَّمَهُ
وعاقَهُ جَهْلُه عن دقة الحِيَلِ

العزيمة المضللة

لَعَزْمُ ذوي العزم المضلِّل بالغٌ
من الحزمِ ما لا يبلغ المتردِّدُ
ففي العزم إِصماءٌ وفي السعي قدوة
ولو كان سعيًا شاردًا ليس يُحْمَدُ
فقد يخطئ الإنسان ما هو طالبٌ
ويصمي من الأشياء ما ليس يقصدُ

سبر غور الرأي

من شاءَ أن يسبرَ آراءَهُ
فليجعل الفعلَ لباسًا لها
فالرأي مَيْتٌ والمعاني لقًى
إِذا المساعي عِيف إِصدارها

الخرافات

أُولِعَ الناسُ بالخرافات حتى
أسكنوها العقولَ حصنًا حصينَا
كُلَّمَا قيلَ قد مضت أوشَكَتْ في
خيرِ آراءِ خيرهم أن تبينَا

الرحمة تهدي إلى صحة الرأى

وما الرحمةُ الغراءُ إِلَّا وسيلةٌ
بها يستقادُ الرأيُ والرأي ثاقبُ
وما غلظ الأكبادِ إِلَّا نقيصةٌ
تُضِلُّ ذكاءَ المرءِ والحقُّ عازبُ
يرى غررَ الأشياءِ لا يستبينها
إِذا بان منها جانبٌ غاب جانِبُ

حجة الأشقياء

يا مَنْ يعيب علينا أننا نفرٌ
سود الخلائقِ لعَّانون للقدرِ
هلَّا شربْتَ من الكاسِ التي أخذت
منا مآخذَ مِنْ سَمْعٍ ومن بَصَرِ؟
كأسٌ من البؤْس لم تَرْؤُفْ بشاربها
دافت لنا السمَّ في حالٍ من الغِيَرِ!

عزم في الشر

وأصدقُ الناسِ عزمًا وهْو ذو أملٍ
في الشرِّ يبلغ منه كلَّ ما بَعُدَا
أحقُّ بالمدحِ من مستضعَفٍ تَعِسٍ
مُقَلْقَلِ العزمِ لا يصمي الذي قصدَا
يرجو الفضيلةَ لكنْ لا يعالجها
ويطلبُ الخيرَ لم يمدد له مددَا

العقل والخلد

إِنَّما العقلُ خالقٌ جَعَلَ الخلْـ
ـد له في القضاءِ أمر الحكيمِ
أبدًا يبرز الذي حاجة النا
س إِليه من حادثٍ وقديمِ

وظيفة الإنسان في الحياة

خُلِقَ الإِنسانُ كي يمهدَ ما
عاقَ عن مسعاه من هذا الوجودِ
فهْوَ حرٌّ ما سعى في نهجهِ
يدرأ العائق بالفعلِ الحميدِ
وهْو عبدٌ ما ازْدَهَتْهُ حالةٌ
فنبا عن خطةِ الرأي السديدِ

حياة الإنسان

كأَنَّ حياةَ المرءِ حسناءُ أرمل
إِذا قيل ساءت حالُها طاب حالُها
لها شافعٌ يدعو إِلى الحزنِ حُكْمُهُ
وآخر يخشى أن يزولَ جمالُها!

عدو الفضيلة

إِذا أنت لم تُعْطِ الفضيلةَ حَقَّهَا
أصابك من رجس الرذيلةِ عائبُ
وما كنتَ إِلا قاذف الريحِ بالثرى
لَوَتْهُ عليه الريح والترب تاربُ
ألم ترَ أنَّ الشرَّ مُغْرَى بربِّهِ
يغالبه عن نفسه وهْو غالِبُ؟

الأديب والشقاء

ألا إِنَّ آلامَ الأديبِ لنفسه
صقالٌ وإِنَّ النارَ صاقلةُ العضبِ
ألم ترَ أن القرطَ ليس بحليةٍ
على الأذْنِ حتى تَأْلَمَ الأذْنُ بالثقْبِ؟

الحسن والغرور

عابوا عليها غرورَها سفهًا
كلُّ جميل بالعيشِ مغرورُ
الحسنُ فضلٌ، وكلُّ منفردٍ
بالفضل جمُّ الدلالِ مسرورُ

حب القدير للعيش

حبَّبَ العيشَ للقدير مساعٍ
سامياتٌ ومطمحٌ واختبارُ
فلديه الحياةُ نهزةُ نجْحٍ
وابتغاءُ الحمامِ خذلٌ وعارُ
إِنَّ حبَّ القديرِ للعيش جودٌ
واصطبارٌ وهمةٌ واقتدارُ

كاذبان

ونُبِّئْتُ أني مادحٌ غير مادحي
رقيبًا على الزَّلَّات يوسعني لومَا
لعلَّ كلينا كاذبٌ في مقاله
أُقَرِّظُهُ ظلمًا ويشتمني ظُلْمَا

رباعية من رباعيَّات عمر الخيام

الشاعر الفارسي

إِرمٌ قد عَفَتْ وصوَّح قِدْمًا
في رباها الربيعُ والزهرُ
كأسُ جمشيد قد مضت حيث لا حَيْـ
ـث لدينا من أمرها خبرُ
لكن الكرمُ لا يزال جوادًا
برحيقٍ حبابه دُرَرُ
ولنا منزلٌ من الروضِ فَيْنَا
نُ تروِّي أزهاره الغُدُرُ

رباعية أخرى

هاج للقلبِ جدة الحول أشجا
نًا لديه قديمةُ العهدِ
تأنسُ النفسُ بالتفردِ والخلْـ
ـوةِ في ظلِّ حالهِ الرغدِ
حيث تحكي الأزهار راحة موسى
في بياض النوارِ والوردِ
ولها نفحةٌ كأَنفاس عيسى
باعثات للميْت من لحدِ

رباعية أخرى

هاتِ لي الكأسَ يا حبيبي دهاقًا
لا تطع عائبًا كئوس العقارِ
إِنَّ ثوبَ الوقارِ ثوبُ شتاءٍ
ليس يغني في الصيفِ ثوبُ الوقارِ
انْضُ عنك الوقارَ وارمِ به في
جمراتٍ للقيظ مثل النارِ
إِنَّما العيشُ طائرٌ بين غُصْنَيْـ
ـنِ فخذه مآخِذَ المستطارِ

شكوى

أما ترى البدرَ يا حبيبي
كأنَّه في الهوى رقيبي؟
والنجمَ حيران مستفزًّا
يضارع القلبَ في الوجيبِ
والسحب تُرْخِي عليه سترًا
كأنَّها هيئةُ المريبِ
والليل بالأفقِ مستقرًّا
كأنَّه عيشةُ الأديبِ
ما أشبَهَ اليأس بالرجاءِ
لو دام ما كان يا حبيبي
وأشبَهَ السعد بالشقاءِ
إِنْ لم أَجِدْ في الهوى نصيبي
وأَشْبَهَ الحب بالعداءِ
إِن كنت في الحب كالرقيبِ
مصيبةُ العينِ بالبكاءِ
مصيبة القلب بالوجيبِ!

الحب والجمال

عندي من الحبِّ يا حبيبي
قدْر الذي فيكَ من جمالِ
فالقلبُ أسوان في وجيبٍ
وأنت جذلان في دلالِ
ورُبَّ ظمآن من لغوبٍ
يغصُّ بالبارد الزلالِ
ورُبَّ ولهان مستثيبٍ
أصلحه غائضُ النوالِ!

الأديب المتكلف

يبيت طوالَ الليل يقدح رأيَهُ
كما قدح المقرورُ صخرَ زنادِ
يعالج في نسجِ القريضِ قصيدةً
كأَنَّ له فيها أشدَّ جلادِ
فيأتي بها كالبكر قد طال حبسُها
تُحَدِّثُ فينا عن ثمود وعادِ
يُقَلِّب فوقَ الفرش جنبًا كأَنما
يحكُّ به في الفرش شوك قتادِ
ويزحر كالحبلى إِذا آنَ وَضْعُهَا
ولكنَّه زحر بغير ولادِ!

الثأر

هلِ الثأرُ يُحْيِي المَيْتَ بعد هلاكِهِ
أم الثأرُ يشفي غلةَ المَيْتِ في القَبْرِ؟
ألَا إِنه يحيي العداءَ ويَعْمُرُ الْـ
ـقلوبَ بأضغانٍ عقاربها تسري
فلا تحسبنَّ الذنبَ يمحو أخًا لهُ
ولا تحسبنَّ الشرَّ يُدْفَعُ بالشرِّ

شكوى الزمان

أعيذكَ من شكوى الزمان فإِنها
تُمِرُّ حياةَ المرءِ وهْو طَلُوبُهَا
فأَحْسَنُ من شكوى الزمانِ احتقارُهُ
إِذا عَدَوَاتُ الدهرِ غالت خُطُوبُهَا!

خلوة

يا خلوة ليَ بالحسناءِ أَذْكُرُهَا
بالليل، والليلُ والحسناءُ مِنْ أَمَلِي
وكلما لَمَسَتْ كفَّاي راحَتَها
وقُمْتُ ظمآنَ أبغي رشفةَ القُبَلِ
تقول إِيَّاك إِنَّ البدرَ ثالثنا
يرنو لنا بلحاظ الشكِّ والعذلِ!

العذر في الهجر

لم يَكُنْ عن زهادةٍ ذلك الهجْـ
ـرُ ولكنْ هي الحوادث تُنسي
تتخطى إِليَّ من حيث لم أُذْ
نِبْ فأغدو ما بين طرْسِي ورمْسِي!

نظرات مسالك

إِذا شئتِ أن أنساكِ مما رميتِني
به، كيف أنسى أنني لك عاشقُ؟
وما نظراتُ العين إِلا مسالكٌ
إِليك وإِن عاقتك عنِّي العوائقُ!

كاذب أبدًا

لام قومٌ أني وصَفْتُك بالكِذْ
بِ مرارًا ومرَّة فيك تكفي
ويْك لو أنني وصفتك بالكِذْ
ب على سبحةٍ لقصَّرَ وصفي!

الحب والهجر

يا وَصُولًا في التداني
ومَلُولًا في التنائي
وحبيبًا ليس يجزي
عن إِخاءٍ بإِخاءِ
وحليفَ النأْيِ والغَدْ
رِ ودلٍّ وجفاءِ
ومَطُولًا للتراضي
وعدوًّا للرجاءِ
لك في القلبِ مكانٌ
ليس يُطْوَى من عفاءِ
غير أن الغدرَ داءٌ
لا يداوَى بدواءِ!

ذم الشتاء

جاء الشتاءُ وجاءَتنا غياهبُه
كأَنَّها نكدٌ في قلبِ متعوسِ!
ترى المدينةَ لا يمشي الضياءُ بها
كأَنَّها قطعة من وجْهِ إِبليسِ!

عتاب

نَعِمْتُمْ بهجرٍ قد شَقِينَا بطولِهِ
فلا تحسبونا في الودادِ سواءَ
هنيئًا لكم هجرانكم ونزاعنا
إِليكم وإِن كان الملامُ هباءَ

لكل دهر إمام

لكلِّ دهرٍ إِمامٌ قائمٌ أبدًا
يُبِينُ للناس معنى الصدقِ والكذبِ
وليس ينسخ ما جاءَ الأخير به
معنًى تمادى على الأيام والحقبِ!

صبر في الأمل وصبر في اليأس

طُموحٌ ويأسٌ لا يَرى المرءُ فيهما
سوى الصبرِ خلْقًا كابحًا من جموحِهِ
فصبرٌ يعين المرءَ في حين يأسهِ
وصبرٌ يُعين المرءَ عند طموحهِ

إِذا أكرمتَ اللئيم أهنته

إِذا أنتَ أكرمْتَ اللئيم أهنْتَهُ
بفعل حميدٍ ناقدٍ لفِعالِهِ!
يرى الحمدَ عبئًا لا يقومُ بحَمْلِهِ
فكيف يردُّ الحمدَ غدرُ نبالِهِ؟

صاحب الغيبة

وأكثرُ الناسِ عَيْبًا للرجالِ فتًى
جمُّ العيوبِ إِذا بَيَّنْتَ باطنَهُ
يظن أن عيوبَ الناسِ ماحيةٌ
محْوَ البراءةِ ما قد بات ضامنَهُ!

الوليد

لكأَنَّ الوليدَ عُرْيان عند الْـ
ـوَضْعٍ تخفى الأقدارُ عنه بضيرِ
تاجرٌ عارَضَتْ مساعيه ريحٌ
ورَمَتْهُ الأمواجُ فوقَ الصخورِ
فهما خاسران قد رَبِحَا العيْـ
ـشَ بجاهٍ جدبٍ وجدٍّ عثورِ!

الدهر بحر

وإِنَّما الدهرُ بحرٌ لا انتهاءَ له
والناسُ غرقاه والبؤسى دواهِيهِ
وما أخالُ حياةَ المرءِ فيه سوى
سفينةٍ غفلَتْ عنها عواديه
حتى إِذا الحدث المقدور ناهضها
بارت بوارَ المساعي في طواميه!

الحسناء ومرآتها

لا تحسبي أنْ قد رأيت الذي
في صفحةِ المرآةِ مطبوعُ
فالعجبُ قاضٍ والهوى جائرٌ
وإِنَّ طرفَ العين مخدوعُ

حلم

رأيتُ كأَنَّا وسْط روضٍ وفوْقنا
سماءُ هجيرٍ نال منه لهيبُهَا
خلعنا ثيابًا قد شقينا بلبسها
إِذا جمرات الصيفِ غالت كروبُهَا
وفي ساعدي راوٍ من الحسن ناعمٌ
له حركاتٌ آسِرٌ لي خَلوبُهَا
أضمُّ إِلى نحري محاسنَ جسمِهِ
وفي النفْسِ حاجاتٌ بعيدٌ قريبُهَا
فنِمْنَا على الأزهار جنبًا لجانبٍ
وقد غاب عن عين المشوقِ رقيبُهَا

الجنة الخراب أو الشام في عهد الاستبداد (من الشعر المرسل)

إِن الشآم حديقةٌ فينانةٌ
تهفو بلبِّ الشاعرِ الولهانِ
وكأَنما نَسَجَ الإِلهُ جنانَهَا
شرك النهى وحبالة الأهواءِ
من لي بيومٍ في جنانِكِ صالحٍ
يفديه عُمْرٌ في النعيمِ غبينُ
مدَّ الظلومُ عليكِ فضْلَ عرامه
والظلمُ موتٌ للنفوس ذليلُ
كالميتةِ الحسناءِ أَدْرَكَهَا الردى
قبل استلابِ الدهرِ من آياتها
فتكاد تحسب في المماتِ حياتها
لولا افتقاد تنفُّسِ الأحياءِ
فإِذا رأيتَ رأيتَ ثَمَّ محاسنًا
نَسَجَ المماتُ لها غطاءَ وقارِ!

اللئيم المستنبت

مهما تطاوَلَ بالنباتِ فروعُهُ
فأصولُهُ في الأرض ذات طرائقِ
وكذا اللئيمُ إِذا ترافَعَ قدرُهُ
غالى برأيٍ في الفسولةِ صادقِ
ولئن أصيب العالمون بجاهِهِ
فمصابه بالجاه أعظمُ بائقِ!

اليوم وغد

يسوءُك اليومُ فترجو غدًا
إِنَّ غدًا ليس بيومٍ جديد
فانظر إِلى أمسٍ مضى واستَعِنْ
منه على اليومِ برأيٍ سديد

منظر

منظرٌ رائعُ البهاءِ جليلٌ
يَطَّبِي الناظرين منه بلحْنِ
يحمد السمع ما جنته لحاظي
فكأني رأيت ذاك بأذْنِي!

كاذب لئيم

حياتُك كلُّها كَذِبٌ
وعمرُك كلُّه ريبُ
لقد برَّزْتَ في اللؤمِ
إِذا ما برز النُّجُبُ
وودُّك ملؤهُ حنقٌ
وجدُّكَ ملؤه لَعِبُ
وفيك عن العلا جنفٌ
وفيك إِلى الأذى طَرَبُ
وفي إِدبارِك الأربُ
وفي إِقبالِك النوبُ
وكلُّ رذيلةٍ فلها
إِليك من الخنى نَسَبُ
وفيك الشرُّ معهودٌ
فلا خيرٌ ولا أَدَبُ!

عتاب الملك حجر لابنه امرئ القيس (من الشعر المرسل)

تريق دماءَ الخمرِ جُبْنًا وخسَّةً
ولو قد أرقت الماءَ كُنْتَ ظَلُومَا!
فإِنَّ دماءَ الثائرين كثيرةٌ
وهذي السيوف الباترات صوادي
فهل تترك المصقولَ يشكو من الصدى
وتهنأُ بالدنِّ الرويِّ شرابَا؟
وإِنَّ كريمَ الطبعِ ماضٍ بِظِمْئِهِ
ومُنْجٍ أخاه من أوارِ صداهُ
وكم من كريمٍ بات يعوي من الطوى
وفي داره الضيفُ الذليلُ عزيزُ
وما حبُّكَ الغاداتِ إِلا نقيصةٌ
أصبت بها جاهي وكان صحيحَا
إِذا واقَعَ المرءُ المَسُودُ رذيلةً
أتاها ولم يشهد بذاك رقيبُ
فإِمَّا أتاها سيد القوم نالَهُ
من اللومِ لفَّاحٌ بكل حرورِ
كذلك شهب الطيرِ إِنْ مسَّ ريشَها
مدادٌ رمتها بالسهامِ لحاظُ
وإِنَّ سوادًا في المداد مبغَّضًا
لصنْو سوادٍ في الغراب معيب
ألم ترَ أنَّ الليلَ أسترُ للهوى
وليس على وجهِ النهارِ نقابُ؟
وما يُدْرِكُ الشنعاءَ عارٌ إِذا زَنَتْ
كما يُدْرِكُ الحسناءَ وهْي كعابُ
وما يحفلُ الرائي إِذا غاب كوكبٌ
كما يحفلُ الرائي لِفَقْدِ هلالِ
وما الناسُ إِلا كالملوكِ فلا تعبْ
على القومِ أمرًا أنت فيه ملومُ
أتتركني بين الملوكِ كأَنني
جنيتُ الذي تغدو له وتروحُ؟
ومجدُك من مجدي فكيف أذلته
ألست تراني بالعلاءِ خليقَا؟
وكم والدٍ أهدى إِلى الذلِّ وُلْدَهُ
وكم ولدٍ أهدى إِلى الذلِّ والدَا
وقد يحمدُ الإنسانُ عقبى ذنوبِهِ
ويشقى بما لم يَجْنِهِ ويصابُ
أليس قنيص العرِّ يعدي قرينه
ومن يَقْرَبُ النيران يصْلَى لَهِيبَهَا؟
ومن سكن الوادي شكى من أَتيِّه
ومن يصحبُ الولهانَ يشقى بدائِهِ!

واقعة أبي قير (من الشعر المرسل)

ملكُ البحارِ أتى يحثُّ سفينَهُ
كالطيرِ تسبحُ في الفضاءِ الواسعِ
لججٌ على لججٍ يدبر أَمْرها
ثبْتٌ وأجبالٌ على أجبالِ
حتى إِذا بَلَغَتْ أبو قيرَ اعتلى
علمٌ على أعوادها خفَّاقُ
وسفائنُ الإِفرنس تُنْكِرُ أمرَها
حتى أفاق أميرُها المكدودُ
أنَّى رمى بلحاظه وجدَ العدا
كالْأُسْدِ حَوْل فريسةِ المغوارِ
حِيَلٌ يُدَبِّرُها المُغَلَّبُ (نلسنُ)
وكذا العداءُ خديعةٌ ودهاءُ

•••

يا مُوقِظَ النيرانِ من غَفَلاتها
ومحرِّك الأقدارِ من سكناتها
إِنِّي سمعتُك داعيًا في صولةٍ
فأجابت الأحداثُ في وَثَبَاتِهَا
كم من غريقٍ في المياهِ ضريحُهُ
ومقطَّعِ الأوصالِ والأحشاءِ
قَذَفَتْ به الأمواجُ من أمعائها
قَذْفَ المريضِ طعامَه المردودَا
كم من جريحٍ زاد في آلامِهِ
ذكرى الزمانِ الناعمِ الفينانِ
حيث الحياةُ حديقةٌ، أحداثها
نفحاتها، ورياضها الساعاتُ
فيجود بالنفس العزيزِة جوده
بالأهلِ والآمالِ والأهواءِ
يا لهْف للرجل المفارقِ أَهْلَهُ
في غمرةٍ من دونها الغمراتُ
ما حلَّ بالأحياءِ بعد مماته
قد حلَّ بالمقتولِ قبل مماتِهِ
وكذا الحياةُ إِذا بلوتَ أمورَها
خدع السراب الراقصِ الخدَّاعِ
يا رُبَّ عيشٍ في الممات منعَّمٍ
ولَرُبَّ موتٍ في الحياةِ ذليلِ!

•••

ماذا أعَدُّوا للشقاءِ وحزبهِ
لمَّا أعَدُّوا للعداءِ عديدَهُمْ؟
الفقرُ بين ربوعهم ذو عدوةٍ
والجهلُ في أرواحهِم فعَّالُ
تُبْنَى السفينُ بما يُزِيلُ خصاصةً
ويُبِيدُ فعلَ الجهلِ بالأرواحِ
والمالُ روح الكونِ حين تصونُهُ
إِلَّا عن الوجهِ السديدِ الأقومِ
انظر إِلى الأسطولِ بعد بهائِهِ
قد صارَ أشلاءً على أشلاءِ
قابيلُ في أرواحنا متنكِّرٌ
متحكِّمٌ متأسِّدٌ متمادِي
ماذا دهى الإِنسان حتى إِنه
يتطلبُ الإِصلاحَ بالإِفسادِ؟
هل بعد ذاك على فسادِ نفوسِنا
نبغي الدليل لمُنْكِرٍ وممارِي؟
لو يعلم المغرورُ يومَ فخارِهِ
إِنَّ الفخارَ خديعةٌ لإِسارِ
لطغى وثارَ ونالَ من قوادِهِ
نيلَ الحديدِ من الأسيرِ المصفدِ
ويْلَ القويِّ من الضعيف إِذا طغى
ويْلَ الضعيف من القوي العادي!
أوَلَمْ يخبِّرْكَ الزمانُ وصرفه
أنَّ الذليلَ قنيصةُ الجبارِ؟!

نابليون والسَّاحر المصري (قصة من الشعر المرسل)

سَدَكَتْ بنابليونَ سالبةُ الكرى
والنومُ لا يعنو لكلِّ عظيمِ
في ليلةٍ قلْبُ اللئيمِ كقلبِها
زنجيةٍ قد عُرِّيَتْ مِنْ حلْيِهَا
فإِذا أراد الطيفُ أن يسري بها
مَنَعَتْ مهابتُه الظلامَ من السرى
عبست فخال الأُفق طلعةَ قاتلٍ
جهْمِ المحيَّا رائعِ اللحظاتِ
وتنفست نفس المحبِّ إِذا قضى
وحبيبه بِحَنِينِه لم يَعْلَمِ
هل أطفأَتكِ يا كواكب ريحُها
أم لم تُضِئْكِ ملائكُ الرحمنِ!
خرج العظيمُ يخطُّ في ترب العرا
خطَّ المدلِّسِ في تراب الطالعِ
ولَوَ انَّ وجْهَ الأرض دهرٌ واسعٌ
كانت خطوطُ حذائِهِ أحوالَا
يمشي وحيدًا في الخلاءِ وحوله
جيشٌ من الآراءِ والعزماتِ
يرمي بعين النسرِ أرجاءَ العرا
كالقانصِ الرامي بسهمٍ صائبِ
فرأى على بعض التلالِ بقربه
شبحًا كما نظر المريضُ الهالكُ
متعمِّمًا بعمامةٍ مهدولةٍ
متلفعًا بعباءةٍ سوداءِ
فكأَنَّما اتَّخَذَ الهلالَ عمامةً
ثم ارتدى قطعًا من الظلماءِ
تجري الرياحُ خلال لحيته التي
صُبِغَتْ بلون غدائر الشمطاءِ
وتهزها حتى لتلطم وجْهه
لَطْم الرضيعِ عوارضَ الآباء
النارُ من ألحاظِهِ مقدوحةٌ
حتى تكاد تشبُّ فيما ينظرُ
في كفِّهِ عودٌ ضئيلٌ، صوتُهُ
شكوى المريضِ إِلى الصديقِ العائدِ
يستخرج الألحانَ من أضلاعِهِ
والعودُ في تحنانِهِ يتألمُ
يبكي فيهتاج الرياحَ بكاؤُهُ
فكأَنما ضُمِنَتْ قلوبًا ترحَمُ
لمَّا رأى الجبارَ يمشي قُرْبَهُ
والليلُ يسجدُ في غلالةِ راهبِ
رفعَ الغناءَ ومرَّ في إِنشادِهِ
مرَّ النسيمِ على الربوعِ الخاليَهْ
يا أيُّها البطلُ العظيمُ الغالبُ
أَرِحِ الخطى واسْمَعْ نبوءةَ ساحرِ!
درسَ النجومَ فلم يغادر غامضًا
حتى أُتيح له الجليل الغامضُ!
وله من الجنِّ الكرامِ معاشرٌ
يأتونه بنفائسِ الأخبارِ!
كم قد سقيت من الدماءِ طماعة
لك خيرها وعلى سواك خراجها
في كل جرحٍ مقْوَل ذو سطوةٍ
يدلي عليك بحجةٍ بيضاء
ولسوفَ تبلغُ بالسيوفِ مبالغًا
تدعُ الممالكَ في يَدَيْكَ بيادقَا
لكنْ سيعقبكَ الزمانُ وصرفهُ
زمنًا يكونُ بهِ الطليقُ أسيرَا
في صخرةٍ صماءَ فوق جزيرةٍ
في البحر يضربها العبابُ الأعظمُ
يسعى بكَ الجبار سعي موكَّلٍ
فيظلُّ يأكلُ من حياتِك كيدُهُ
فاستلَّ نابليونُ سيفًا ماضيًا
لما رأى العَوَّادَ ساءَ مقالُهُ
لكنهُ ضربَ الهواءَ بسيفهِ
حيث اختفى المتنبئُ السحَّارُ!
فأعاد في الغمدِ الحسامَ تخوُّفًا
ومضى إِلى أصحابِه يتعجبُ!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤