الخيال

  • نشأته في الفكر البشري.

  • ما كان يفهم منه عند الإنسان الأول.

  • انقسامه.

قد أراد النادي الأدبي لجمعية قدماء الصادقية أن أتحدث عن (الخيال عند العرب)، وقد لَبَّيْتُ هذا الطلب لأنه صادف من نفسي هوًى طالما نازعتني إليه، وللحديث عن الموضوع وقفتُ منكم اليوم موقفي هذا.

ولكن قبل أن أحدد الوجهة التي سأتبعها في هذا البحث، أريد أن أبسط لكم رأيي في «الخيال» في نشأته، وفي انقسامه، وفي ما كان يفهم منه. فأقول: إن لي رأيًا في الخيال لا أدري هل تشاطرونني الإيمان بصحته، أم تؤمنون ببطلانه؟ ولا أعلم هل انفردت بالذهاب إليه، أم سُبقت إلى اعتقاده؟ ولكن الذي أدريه هو هذا: أنني مؤمن أشد الإيمان بصحة هذا الرأي الذي أرتئيه، ومُعتَقِدٌ كل الاعتقاد أنه حق لا ريب فيه، وأنني لهذا الإيمان ولهذا الاعتقاد أردت أن أعرضه عليكم بين يدي هذا الحديث. وهذا الرأي ينحصر في نقطٍ ثلاث إنْ أَبَنَّاها أشرق الرأي واتضح المراد.
  • النقطة الأولى: هي أن الخيال ضروري للإنسان لا بد منه ولا غُنْيَةَ عنه، ضروري له كالنور والهواء والماء والسماء، ضروري لروح الإنسان ولقلبه، ولعقله ولشعوره، ما دامت الحياة حياة والإنسان إنسانًا. وإنما كان كذلك لأن الخيال نشأ في النفس الإنسانية بحكم هذا العالم الذي عاش فيه الإنسان وبدافع الطبع والغريزة الإنسانية الكامنة وراء الميول والرغبات، وما كان منشؤه الغريزة ومصدره الطبع فهو حي خالد، لا ولن يمكن أن يزول إلا إذا اضْمَحَلَّ العالم وتناثرت الأيام في أودية العدم.
  • النقطة الثانية: هي أن الإنسان الأول١ حينما كان يستعمل الخيال في جمله وتراكيبه لم يكن يفهم منه هاته المعاني الثانوية التي نفهمها منه نحن ونسميها (المجاز)، ولكنه كان يستعمله وهو على ثقة تامة لا يخالجها الريب في أنه قد قال كلامًا حقيقيًّا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فهو حينما يقول مثلًا: (ماتت الريح) أو (أقبل الليل) لم يكن يعني منه معنى مجازيًّا، وإنما كان يعتقد أن الريح قد ماتت حقًّا وأن الليل قد أقبل حقًّا بألف قدم وبألف جناح. يدل لذلك ما في أساطير الأقدمين من أنهم كانوا يؤمنون بأن الريح والليل إلهان من الآلهة الأقوياء … وتلك هي سُنَّةُ الأقدمين في ما حولهم من مظاهر الطبيعة ومشاهد الوجود ينفخون فيها من روح الحياة على ما يوافق مشارب الإنسان وطبيعة تلك المظاهر، حتى إذا ما استفادت (أُنْسَ الحياة) وأصبحت تشاركهم في بأساء الدهور ونعمائها وتساهمهم أفراح الوجود وأتراحه — على ما يخالون — ذهبوا يقيمون لها طقوس العبادة وفرائض الإجلال، فإذا بها آلهة خالدة بين آلهتهم الخالدة … وما أكثر آلهة الإنسان عند الإنسان … وهذا أعظم دليل على أن الإنسان متدين بالطبع، فهو ظامئ إلى منبع الحياة الأول الذي كرعت منه الإنسانية على كَرِّ العصور مشاربها المختلفة ما بين صفو وعكر … حتى إذا ظفر برَشْفة منه اطمأنَّت نفسه وقر ضميره.

    فقد رأيتم هذا المجهود الخيالي العظيم الذي يبذله الإنسان لإرواء نفسه، وهو يحسب أنه الحق الأزلي الذي لا ريب فيه، وإلا فهل كان يطمئن إليه ويقيم له فروض العبادة وهو يعلم أنه من زخرف الخيال الشارد ووحي الأوهام المعربدة؟

  • النقطة الثالثة: هي أن الخيال ينقسم إلى قسمين: قسم اتخذه الإنسان ليتفهم به مظاهر الكون وتعابير الحياة، وقسم اتخذه لإظهار ما في نفسه من معنى لا يفصح عنه الكلام المألوف. ومن هذا القسم الثاني تَوَلَّدَ قسم آخر ولَّدته الحضارة في النفوس أو ارتقاء الإنسان نوعًا ما عمَّا كان عليه، وهذا القسم الآخر هو الخيال اللفظي الذي يراد منه تجميل العبارة وتزويقها ليس غير. والقسم الأول هو أقدم القسمين في نظري نشوءًا في النفس؛ لأن الإنسان أخذ يتعرف ما حوله أولًا حتى إذا ما جاشت بقلبه المعاني أخذ يعبر عنها بالألفاظ والتراكيب، ولما مارس كثيرًا من خطوب الحياة وعجم كثيرًا من ألواء الدهور وامتلك من أَعِنَّةِ القول ما يقتدر به على التعبير عمَّا يريد، أحس بدافع يدفعه إلى الأناقة فى القول والخَلَابة في الأسلوب، فكان هذا النوع الجديد من الخيال، هذا النوع الذي عمد إليه الإنسان مختارًا، فكان منه المجاز والاستعارة والتشبيه وغيرها من فنون الصناعة وصياغة الكلام.

ولزيادة البيان عن هذا الفكر الذي أريده أقول: إن الإنسان شاعر بطبعه، في جِبلته يكمن الشعر وفي روحه يترنَّم البيان. إذ أيُّ إنسان لا يهتاجه المنظر الساحر والمشهد الخلاب، وأيُّ امرئ لا يستخفه الجمال في أي مظهر من مظاهره وفي أية فتنة من فتنه؟

ولكن الناس يتفاوتون في إدراك الجمال والشعور به على حسب قوة هاته الغريزة الشاعرة أو ضعفها، فمنهم من تضعُف فيه هاته الغريزة ضعفًا بَيِّنًا حتى توشك أن تموت؛ لأن نفسه قد استحوذت عليها غريزة أخرى شغلت كل ما بها من فراغ. ومنهم من تقوى فيه هذه الغريزة حتى تتمرد فتطغى على كل ما عداها من الغرائز البشرية المتطاحنة. لأن النفس الإنسانية مضمار رحيب تتقارع فيه الغرائز وتتصارع فيه الميول والشهوات، وبقوة هاته الغريزة أو ضعفها يتفاوت الإحساس والشعور فيتفجَّر الشعر الخالد من بعض الأفئدة البشرية على حين أن الأخرى لا ترشح بغير الصديد. وتتكشف بعض النفوس عن عبقريات جبارة عاصفة على حين أن البعض الآخر لا يلد غير الغباوة المستخذية النائمة.

ولكن قوة هاته الغريزة أو ضعفها هي في كثير من الأحيان وليدة الحوادث والظروف. فرُبَّ دمعة يائسة أيقظت ألف عاطفة نائمة ورُبَّ ابتسامة حالمة أهاجت سواكن الوجود … ورُبَّ مشهدٍ رائع أحيا عبقرية خالدة، ورُبَّ فكرة واحدة صدعت أركان قلب كبير …

وهكذا هبط الإنسان هذه الأرض مُزَوَّدًا بتلك الغريزة الشاعرة فكانت هي الأمل الجميل الذي ينير له مسالك العيش ويمهد له سبل الحياة. وكانت هي الخيبة القاتمة التي تقذفه في هُوَّةِ اليأس وتُشقيه في نار الألم.

كذلك هبط الإنسان الأرض لا يملك غير حِسِّهِ ونَفْسِهِ وغير قلبه وشعوره، أما عقله فما زال يحلم في مهد الحياة … فكأنَّ له من مشاهد الكون ومظاهر الطبيعة ألغازًا غامضة ومعاني مستترة، تبدو له ملتَفَّةً في ثوب من ضباب كما تبدو الذكريات القَصِيَّةُ في زوايا القلوب حتى إذا ما حاول أن يمسكها توارت عنه كما تتوارى الأشباح، وكان فيما بينها كالنائم السادر في أحلام الليل ورُؤاه تبهجه هذه وتبكيه تلك وتفزعه واحدة وتسكنه أخرى، ولم يكن له من عقله في تلك الساعة ذلك العقل القوي الجبار الذي عَبَّ من نهر الحياة المندفع فاشتد أسره وتوثَّقَت قواه، بل كان عقلًا ضعيفًا واهنًا متهدمًا لم تضرسه الحياة ولا علمته الخطوب.

وما كان الإنسان بخامد النفس ولا هامد الحس حتى يغضي على ما حوله زاهدًا فيه ويقنع بالجهل الأخرس والصمت الكئيب، بل كان قويَّ المشاعر متحفز الخيال. فذهب يعلل مظاهر الكون بما شاء له الشعر أن يذهب، وأخذ يفسر تعابير الطبيعة الداوية بما يملي عليه الخيال المرح والشعور النشيط، دون أن يَعْلَقَ بوَهْمِهِ قَطُّ أنه سادرٌ في الخيال بعيد عن جدد الحقيقة، وإنما كان على ثقة ويقين من أن ما وصل إليه هو في الصميم من الحق وفي الحبة من الصواب، ومن هنا كانت بذور الأساطير الدينية الأولى تثمر في النفوس وكانت المعتقدات الوثنية تتكون في أعماق القلوب تَكَوُّنَ الجنين في بطن أمه. وهذا هو منشأ الخيال في الفكر البشري القديم قبل أن تصقله الحضارة وتشذبه المدنية.

وكانت تعوزه الألفاظ أحيانًا للتعبير عما يجيش بنفسه من فكر وعاطفةٍ وشعورٍ وليدٍ، فكان يتخذ من الخيال مطايا لأغراضه وأجسادًا لمعانيه دون أن يخطر بباله أنه استعمل تلك الجملة أو الكلمة في غير ما وُضعت له — كما يقول علماء البلاغة — لأنه واثق أنها مستعملة في وضعها الطبيعي الذي (لا تمجز فيه) ولو شئت أن أسوق الكلمات تباعًا لهذا الغرض لضاق الوقت وما تم الحديث، ولكنني سأكتفي ببضع كلمات أتخذها دليلًا على مدعاي، من ذلك ما قدمته من قولهم: «أقبل الليل، وماتت الريح»، ومن ذلك «ابنة الجبل»، فإن هاته الكلمة يطلقها العرب ويريدون منها الصدى، وأنا أعتقد أن هذه الكلمة أسبق وجودًا في العربية من الصدى لأن المعاني الخيالية أقرب إلى ذهن الإنسان الأول من المعاني الحقيقية، وأعتقد أيضًا أن واضع هذه الكلمة كان يحسب أن الصوت الذي أجابه صوت جنيَّة من بنات الجبال فسماه بهذا الاسم. وهل يُنْكَرُ مثل هذا على عربي قديم لعله عاش قبل هذا العصر بآلاف القرون وبين أيدينا ما يؤيد ما ادَّعَيْتُهُ من أن الخيال يعتبر حقيقة في أول نشأته ولا يعد خيالًا، فإنني أعرف لحد الآن في بعض بوادي المملكة من لو سُئلَ عن الصدى لأخبر — بجد — أنه شيطان يهزأ بالبشر ويسخر من أبناء آدم. وأعرف في بعض جهات الجنوب من يسمون الصدى: «حديدان» وإذا استفسرتهم عن (حديدان) هذا، نبؤوك أنه شيطان يسكن الجبال والأودية … ومن ذلك كلمة «الريح» فإنني لا أشك أن أصل هذه الكلمة كان الروح وأن واضعها كان يعتقد أنها واحدة من الأرواح الخفية المتجبِّرة ثم وقع فيها التصحيف على تراخي الزمن حتى أصبحت «الريح»، يدل ذلك أنهم جمعوها على أرواح كما جمعوا الروح هذا الجمع وأنَّثُوا معناها كما أنثوا الروح بل وأنثوا جميع الكلمات التي تدل على معنى الريح. ثم ألا ترون هذا التقارب الكبير بين مرادفات الروح ومرادفاتها؛ فإنهم قالوا النسمة والنسيم وقالوا النفس والنفس، وليس هذا بمستبعد عن الذهن البشري القديم، فإن من أساطير الإسكنديناف: أن الزوبعة إله من الآلهة الأقوياء يسمونه: «آجير»، وقال توماس كارليل إن البحارة في جنوب إنقليترا لم يزالوا لعهده إذا أحسوا بوادر الزوبعة يقولون: «حذار! إن آجير قادم».

وصفوة القول أنَّ الإنسان مضطر إلى الخيال بطبعه، محتاج إليه بغريزته؛ لأن منه غذاء روحه وقلبه ولسانه وعقله. وأن اضطراره إليه جعله في نظره الأول حقيقة لا خيالًا، وما أصبح يعرف الخيال من الحقيقة إلا بعد أن تطورت نظرته إلى هذه الحياة وأصبح يعرف أن الليل والنهار والعواصف والبحار ليست أرواحًا ولا آلهة، وإنما هي مظاهر لهذا النظام الإلهي العتيد الذي يسخر كل شيء.

ولكنه رغم كل ذلك لم يزل بحاجة إلى الخيال لأنه وإن أصبح يحتكم إلى العقل ويستطيع التعبير عن خوالج نفسه فهو لم يزل يحتكم إلى الشعور، وسيظل كذلك لأن الشعور هو العنصر الأول من عناصر النفس، واحتكامه إلى الشعور يدفعه ولا بد إلى استعمال الخيال؛ لأن الشعور أيها السادة هو ذلك النهر الجميل المتدفِّق في صدر الإنسانية منذ القدم، مترنمًا بأفراحها وأتراحها، متغنيًا بميولها ورغباتها، جائشًا بكل ما لها من فكر وعاطفة، ومن ضجة وسكون. ومن هذا النهر الجميل تتولد خرائد الفكر وبنات الخيال، كما نشأت «فينيس» من أمواج البحار الناصعة، وعلى ضفافيه يُرَتِّلْنَ للبشرية ترانيم الحياة، ويُفَسِّرْنَ تعابير الوجود، ويفكرن في مآتي الحياة والموت وفي معاني الخلود والعدم.

أجل! فهو رغم كل ذلك لم يزل بحاجة إلى الخيال لأن اللغة مهما بلغت من القوة والحياة فلا ولن تستطيع أن تنهض — من دون الخيال — بهذا العبء الكبير الذي يرهقها به الإنسان، هذا العبء الذي يشمل خلجات النفوس الإنسانية وأفكارها وأحلام القلوب البشرية وآلامها وكل ما في الحياة من فكر وعاطفة وشعور، بل إنها لا تقتدر على الاضطلاع بهذا الحِمل الثقيل حتى بالخيال وإنما الخيال يمدها بقوة ما كانت لتجدها لولاه.

وكيف يتصور من هذه اللغة الخامدة التي منشؤها هاته المادة الباردة أن تحمل بين جنبيها ذلك اللهيب المقدس المتدفِّق من أبعد قرار في النفس الإنسانية الخالدة بكل ما فيه من توهُّج وتألُّق وضياء؟

فهل تريدون أن تسمعوا من الصخرة الصماء أناشيد الملائكة؟ أم هل تريدون أن (توقعوا على ناي من القصب أنغام الفلك؟!)

إن اللغة البشرية لَأصغرُ وأعجزُ من أن تحمل مثل هذه الأمانة السماوية مهما بلغت من الرُّقِيِّ والتقدم لأنها ضيقة محدودة فانية والنفس الإنسانية فسيحة لا نهائية باقية. وستظل اللغة في حاجة إلى الخيال لأنه هو الكنز الأبدي الذي يمدها بالحياة والقوة والشباب، ولكنه مهما أمدها بالقوة والشباب فستبقى عاجزة عن استيفاء ما في النفس الإنسانية من عمق وسعة وضياء …

وقد قلت من قبل إن الخيال ينقسم في نظري إلى قسمين: قسم اتخذه الإنسان لا للتنويق والتزويق ولكن ليتفهم من ورائه سرائر النفس وخفايا الوجود، وهو هذا الخيال الذي نلمح من خلفه ملامح الفلسفة وأسرة الفكر. ونسمع من ورائه هدير الحياة الكبرى يُدَوِّي بكل عنف وشدة وهو هذا الفن الذي تندمج فيه الفلسفة بالشعر ويزدوج فيه الفكر بالخيال. وقسم اتخذه الإنسان أولًا ليعبر به عن ذات نفسه حين لا يجد لها مساغًا في الحقيقة العارية، ثم تطور هذا النوع مع الزمان فكان منه هذا النوع الذي نعرفه والذي أُلفت فيه كتب البلاغة على اختلافها. قلت هذا من قبل ولكنني أردت أن أقول الآن إنني أسمي هذا القسم الأول (بالخيال الفني) لأن فيه تنطبع النظرة الفنية التي يلقيها الإنسان على هذا العالم الكبير، وأسميه (بالخيال الشعري) لأنه يضرب بجذوره إلى أبعد غور في صميم الشعور. أما القسم الثاني فإنني أسميه (الخيال الصناعي) لأنه ضرب من الصناعات اللفظية، وأسميه (الخيال المجازي) لأنه مجاز على كل حال سواء قصد منه المجاز كما عندنا الآن أم لم يقصد منه كما عند الإنسان القديم. وبعد هذه الكلمة فأي نوع من أنواع الخيال أريد أن أبحث عنه عند العرب فللخيال نواحٍ كثيرةٍ. هل إنني سأبحث عن الخيال الفني أو عن الخيال الصناعي؟ وهل إنني سأعرض له من وجهته الصناعية البحتة التي تتناول المجاز والاستعارة والتشبيه ومبلغ قوة العرب في هذا الضرب من الكلام؟ أم إنني سأبحث في المجاز والاستعارة والتشبيه من ناحية أخرى هي تطور هاته التَّمَجُّزَاتِ مع العصور واتباعها سنة النشوء والتدرج من حسن إلى أحسن ومن صالح إلى أصلح وأثر الشعراء والكُتاب في تطور هذه المجازات ورقيها واصطباغها بألوان العصور المختلفة التي ارتقت معها في سلم الحياة، أم ماذا؟

لا أريد أن أعرض للخيال من وجهته الصناعية، لا من هاته الناحية ولا من تلك؛ لأن لمثل هاته المباحث هواتها وأنا لست منهم — والحمد لله — ولأن كلًّا من هاتين الناحيتين جامد جافٌّ في نظري لا غنية فيه ولا جمال، ونفسي لا تطمئن إلى مثل هاته المباحث الجافة ولا تحفل بها. ثم لأن مثل هاته المباحث لا يمكننا أن نستشفَّ من ورائها خوالج الأمة ولا مشاعر الشعب ولا نستطيع أن نلمس في جوانبها ذلك النبض الحي الخفوق المترنم بأنباء النفس الإنسانية وأهوائها، ولا أن نعرف مقدار شعورها بتيار الحياة كعضو حي في هذا الوجود وأي فائدة من بحث قائم لا ينير سبيلًا؟

إنما أريد أن أبحث في الخيال من ذلك الجانب الذي يتكشف عن نهر الإنسانية الجميل الذي أوله لا نهاية الإنسان وهي الروح وآخره لا نهاية الحياة وهي الله. أريد أن أبحث في الخيال عند العرب من ذلك الجانب الذي تَتَدَفَّقُ فيه أمواج الزمن بعزم وشدة، وتنهزم فيه رياح الوجود المتناوحة مجلجلة داوية جامحة، وتتعاقب عليه ظلمات الكون وأضواؤه وأصباح الحياة وأمساؤها؛ ذلك الجانب الذي يستلهم ويستوحي، ويحيا ويشعر، ويتدبر ويفكر، أو بكلمة مختصرة إنني أريد أن أبحث عند العرب على ما سميته خيالًا شعريًّا أو خيالًا فنيًّا.

فالخيال بهذا المعنى الذي بسطته وعلى هذا اللون الذي تكلمت عنه هو الذي أريد اليوم أن أتلمسه في جوانب الحياة الفكرية العربية، وهو الذي أريد أن نتعرف إليه في ما أبقى لنا أجدادنا الأقدمون من تراث روحي ضخم وثروة أدبية طائلة حتى نعرف ما هي عليه من قوة وإنتاج، ولأجل هذا فإنني لا أُقْصر بحثي على ما أبقاه العرب من شعر ونثر ليس غير؛ بل إنني سأجتاز هذين إلى قسم آخر هو كالشعر صورة مغرية من صور الخيال ولون قوي من ألوان التفكير الإنساني في دور من أدوار الحياة. بل ربما لا أغلو في كثير ولا قليل إن قلت إنه أقوى دلالة من الشعر على هذا الضرب من الخيال الذي جئت للحديث عنه. أما هذا القسم الآخر فهو الأساطير وأما أنه أقوى دلالة من الشعر فلأنني أذهب إلى أن الأساطير هي الكلمة الأولى التي تَوجسها الإنسان من تعابير الحياة وحاول أن يتفهم منها معاني هذا الوجود المتناقضة وأنها هي الصوت الأول الذي رن بين جنبيه من أصوات الفكر وأجراس الشعور، أو بعبارة أدنى إلى الذهن إنها طفولة الشعر في طفولة الإنسان وما كان مصدره الطفولة الساذجة فهو أدنى إلى الطبع وأدل على النفس من أي شيء آخر لأنه يلقى بريئًا من كل كلفة أو تَصَنُّع بعيدًا عن كل زخرف أو تمويه، وعلى هذا الضوء الذي أرجو أن ينير لنا سبل الحق ويمزق أمامنا غياهب الشك والجهالة نحاول أن نمشي في هذا الدرب المتعرِّج الملتوي لعلنا نظفر خلف هذه الظلمات المتدجية والضباب المركوم بشمس الحقيقة الساطعة وفجر الأمل المنشود، وإن كنت لا أدري هل إننا سنسمع غماغم الخيال الشعري في صحراء العرب وسنلمح طيفه الجميل هازجًا في تلك الجزيرة النائية؟ أم أننا لا نبصر غير ظِلِّهِ تائهًا تحت أشعة الشمس المحرِقة ولا نتبيَّن إلا آثار قدميه فوق الرمال؟ ومن يدري …؟ ولكن فلنحتقب على كل حال حقيبة الصبر والأمل في هاته الرحلة الغامضة ولنبدأ سيرنا على اسم الله.

هوامش

(١) نريد بالإنسان الأول حيثما أطلقناه، ذلك الإنسان الذي ما زال على فطرة الطبيعة الأولى سواء في ذلك من أظله الدهر الدابر أو من ما زال يستنشي نسيم الحياة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤