الخيال الشعري والقصَّة في الأدب العربي

قد لا يعجز الباحث في الآداب العربية أن يجد شيئًا من القصص الرائع الفخم الجميل وأن يجد في ذلك القصص خيالًا عذبًا مشرقًا بالروح والحياة، هذا لا سبيل لإنكاره فيما أظن، وهل ينكر هذا وفي العربية مثل ابن أبي ربيعة شاعر الشبيبة الغزلة والجمال المدل، ذلك الشاعر الذي قصر شعره على الحب والجمال فكان جميلًا كالحب حبيبًا كالجمال، وكان أكثره قصصيًّا رائعًا فيه من الفن والعذوبة ما لا تستطيع وأنت تقرؤه إلا أن تعجب به وتسيغه وفيها مثل امرئ القيس ذلك الشاعر الشقي بشعره المضحاك الفروح، التعيس بنفسه الغريدة الشاعرة، ذلك الشاعر التعيس الذي استهتر بالحب فكان له لذة سائغة في فجر شبابه وغصة مرة في مساء الحياة!

وفيها غير هذين ممن لم يتوفروا على القصص توفرهما ولكنهم ضربوا فيه بسهم غير يسير.

كل هذا أؤمن به وأُقِرُّهُ ولا أريد أن أعرض له بنقص أو تحوير، ولكن الذي أريده بعدُ هو أننا لو بحثنا في ما أبقاه لنا العرب من تراث أدبي جليل فهل نعثر فيه على شيء من القصص الحق الذي يجدر أن يُسَمَّى قصصًا؟

هل نجد هذا القصص الجميل الذي يراد لنفسه كفَنٍّ مستقل من فنون الأدب التي تتخذ للتعبير عمَّا في الحياة من حق وفن، هذا النوع الذي لا يُراد منه اللذة والإمتاع فحسب بل يراد منه إلى ذلك فهم الحياة الإنسانية بما اشتملت عليه من خير وشر ومن حسن وقبح ومن لذة وألم.

هل نجد هذا القصص الذي يقصد منه سبر جراح النفس البشرية الدامية، ورسم تلك الدماء الدفاقة التي تندفع آنًا بعنف وقوة وحينًا على رود وأناة؟

نجد هذا النوع القوي الذي يعمد إلى قلب ابن آدم، إلى يم الحياة! ليصور للبشرية ما فيه من الآمال المجنحة بأجنحة النجوم خفاقة مترنمة، وليريها طفل السماء الجميل … الذي يدعونه (الحب) واقفًا على ضفة اليم ينفخ نايه مستفزًّا بنات الأعماق الحالمة … وليعطيها صورة شيقة من تلك العواطف العتية الجامحة التي ترغي وتزبد وتصطفق، وتدوي بكل ما في الحياة من قوة وما في الحياة من صوت ثم تطغى فتأكل كل شيء وتقضي على كل كائن … فإذا الكل خراب في خراب، وإذا الكل قبضة من ضباب، وإذا اليم وحده يعج عجيج العاصفة ويدوي دوي الرعود، ثم يقر ويسكن فإذا نطفة بائسة تترجح في راحة الموت!

وأخيرًا، هل نجد في الأدب العربي شيئًا من هذا القصص الذي يتصل بالخيال الشعري أدق اتصال لأنه يتفهم الحياة بما اشتملت عليه؟

غير أني أرى من الخير أن أرجئ الإجابة عن هذا السؤال إلى ما بعد الإجابة عن سؤالين آخرين، أولهما: هل القصص العربي مستقل بنفسه عن غيره من فنون الأدب؟ ثانيهما: هل كان القصص العربي من ذلك النوع الذي ينقد ويمحص، ويسبر ويحلل؟ أما السؤال الأول فالجواب عنه هو أن القصص إما أن نبحث عنه في النثر وإما أن نبحث عنه في الشعر، فإن بحثنا عنه في الشعر، فالجواب أنه لم يستقل بنفسه استقلالًا يؤهله لمنزلة القصص الحقيقي أو ما يقاربه إلا في شعر ابن أبي ربيعة، ففي شعر هذا الشاعر وحده قارب القصص أن يستكمل قواه ولو أتاح الله للشعر بعد ابن أبي ربيعة من سار على قدمه وطبع على غراره لَكُنَّا نرى في الأدب العربي شعرًا قصصيًّا جميلًا جديرًا بهذا الاسم.

فإن الباحث في الأدب العربي ليستطيع أن يجد لغير ابن أبي ربيعة من شعراء العربية شيئًا من القصص الجميل ولكنه غير مستقل بنفسه، فقد يجد للمنخل اليشكري هذا القصص الصغير الجميل الذي يصف موقفًا من مواقف الحب:

ولقد دخلت على الفتا
ة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء تر
فل في الدمقس وفي الحرير
فدفعتها، فتدافعت
مشي القطاة إلى الغدير
ولثمتها فَتَنَفَّسَتْ
كتنفس الظبي الغرير
ودنت فقالت: (يا منخـ
ـل! ما بجسمك من حرور؟)
ما شف جسمي غير حبـ
ـك فاهدئي عني وسيري

ولكنه لم يكن مستقلًّا بنفسه ولا مسوقًا بذاته لأنه من قصيد للشاعر أراد أن يفتخر فيه فتنقل في معانيه تنقل الطائر المدل. وقد يجد مثل هذا عند امرئ القيس في معلقته حين يقول:

وبيضة خدر، لا يرام خباؤها
تمتعت من لهو بها، غير معجل
تجاوزت حراسًا، وأهوال معشر
عليَّ حراصًا، لو يسرون مقتلي
إذا ما الثريا في السماء تعرضت
تعرض أثناء الوشاح المفصل
فجئت: وقد نضت لنومٍ ثيابَها
لدى الستر إلا لبسة المتفضل
فقالت: (يمين الله! ما لك حيلة
وما إن أرى عنك الغواية تنجلي)
خرجت بها، تمشي، تجر وراءنا
— على أثرينا — ذيل مرط مرجل١
فلما أجزنا ساحة الحي، وانتحى
بنا بطن حقف، ذي قفاف عقنقل٢
هصرت بفودي رأسها، فتمايلت
عليَّ هضيم الكشح، ريا المخلخل٣

ولكنه كالأول لا يزيد عن أنه بعض قصيدة تصرف فيها قائلها تصرفًا كبيرًا.

وقد يجد مثل هذا في (أيامه) وفي (أحارِ ابن عمرو!) وفي (ألا عم صباحًا) ويجد مثله عند النابغة في قصيدته (يا دار مية) وفي معلقته، بل ويجد مثل هذا عند أكثر شعراء العربية ولكنه لا يجده مستقلًّا بنفسه يستغرق القصيدة كلها لا يدع فيها مجالًا لغيره إلا عند ابن أبي ربيعة. وإنني لا أكتفي بقصيدة واحدة من شعره القصصي الكثير تبين لكم طريقته الشعرية في سرد القصص. تلك الطريقة الساحرة المغرية التي استهوت عذارى مكة وشبانها حتى حرم الكبراء رواية شعره على فتيانهم، والتي استهوت نفس جميل فقال: هيهات يا أبا الخطاب لا أقول واللهِ مثل هذا سجيس الليالي. والله ما خاطب النساء مخاطبتك أحد. على ما ذكره صاحب الأغاني، أما هاته القصيدة فهي هذه:

راح صحبي، ولم أُحَيِّ النوارا
وقليل لو عرجوا أن تزارا
ثم إما يسيرون في آخر الليل
وإما يعجلون ابتكارا
ولقد قلت حضرة البين، إذ جد
رحيل، وخفت أن أستطارا
لخليل يهوى هوانا مؤاتٍ
كأن لي عند مثلها نظارا
(يا خليل اربعن علي — وعينا
ي من الحزن تهملان ابتدارا)٤
(هاهنا فاحبس البعيرين! واحذر
رائدات العيون أن تستنارا)
(إنني زائر قريبة. قد يعلـ
ـم ربي أن لا أطيق اصطبارا)
قال: (فافعل، لا يمنعنك مكاني
من حديث تقضي به الأوطارا)
(والتمس ناصحًا، قريبًا من الور
د يجس الحديث والأخبارا)٥
فبعثنا مجربًا، ساكن الريـ
ـح خفيفًا معاودًا بيطارا
فأتاها، فقال: (ميعادك السر
ح إذا الليل سدل الأستارا)
فكمينا، حتى إذا فقد الصو
ت دجا المظلم البهيم، فحارا٦
قلت لما بدت لصحبي: (إني
أرتجي عندها لديني يسارا)
ثم أقبلت رافع الذيل، أخفي الـ
ـوطء، أخشى العيون والنظارا
فالتقينا، فرحبت حين سلمـ
ـت، وكفت دمعًا من العين مارا٧
ثم قالت عند العتاب: (رأينا
فيك عنا تجلدًا وازورارَا)
قلت: (كلا! لاه ابن عمك! بل خفـ
ـنا أمورًا، كنا بها أغمارا)٨
(فجعلنا الصدود — لما خشينا
قالة الناس — بيننا أستارا)
(وركبنا حالًا تُكَذِّبُ عَنَّا
قول من كان بالبنان أشارا)
والليالي إذا نابت طوال
وأراها إذا دنوت قصارا
فعرفت القبول منها لعذري
إذ رأتني منها أريد اعتذارا
ثم مالت، وسامحت بعد منع
وأرتني كفًّا، تزين السوارا
فتناولتها، فمالت كغصن
حركته ريح عليه فحارا٩
وأذاقت بعد العلاج لذيذًا
كجني النحل شاب صرفًا عقارا
ثم كانت دون اللحاف لمشغو
فٍ، مُعَنًّى، بها مشوق، شعارا
واشتكت شدة الإزار من البهر
وألقت عنها لديَّ الخمارا١٠
حبذا رجعها إليها يديها
في يدي درعها تحل الإزارا
ثم قالت، وبان ضوء من الصـ
ـبح، منير، للناظرين، أنارا:
(يا ابن عمي! فدتك نفسيَ! إني
أتقي كاشحًا إذا قال جارا)

فأنتم ترون في هذه القصيدة نوعًا طريفًا من القصص لا عهد للأدب العربي بمثله قبل ابن أبي ربيعة، لا عند امرئ القيس ولا عند النابغة ولا عند الأعشى ولا عند غير هؤلاء ممن تقدمه من الشعراء، فابن أبي ربيعة جدير أن يسمى أبا الشعر القصصي لأنه هو الباذر الأول لبذرة هذا الفن، ولو تعهدنا من بعده من الشعراء لأنشأت نشأ حسنًا تعم فروعه جميع نواحي الحياة بعد أن كان قاصرًا على أحاديث الحب ونجوى القلب، ولكن هذا القصص الشعري قد استهل بحياته وانقضى بموته ولم يبعث على يد شاعر بعده من جديد.

وتلك حياة القصص في الشعر العربي وهي كما ترون حياة موجزة قصيرة كأعمار الورود … وأما في النثر العربي فقد ظفر القصص إلى حَدٍّ ما بما لم يظفر به في الشعر من الاستقلال والحياة، وذلك أن هذا الفن لم يعرفه النثر الجاهلي أصلًا لندرة النثر في الجاهلية ولأنه كان قاصرًا على الخطب والمحادثات ولم يدون منه إلا الشيء اليسير، ولم يعرفه النثر العربي بعد ذلك إلا في أواخر العصر الأموي عندما ترجمت قصص «ألف ليلة وليلة» فقد ألفت إذ ذاك بعض قصص أخرى تمثل شيئًا من الحياة العربية في تلك العهود وأضيفت إليها، ولكن كتاب «ألف ليلة وليلة» لم يبعث شيئًا من الحياة القصصية في النثر العربي البليغ، فظل على حالته الأولى إلى أن كان فجر القرن العباسي وإذ ذاك ترجم ابن المقفع عن الفارسية بضع كتب قصصية تضرب إلى الحكمة والمثل لا نعرف منها إلا كتاب «كليلة ودمنة» فكانت هاته الكتب فتحًا جديدًا في النثر العربي بعثت فيه روحًا قصصية لم تكن فيه من قبل. ونشطت أقلام بعض الكتاب إلى العمل في هذا السبيل فألف ابن فارس أستاذ بديع الزمان مقامات لم يحدثنا التاريخ بشيء منها، ثم ألف من بعده بديع الزمان مقاماته ثم ألف الحريري مقاماته المعروفة، ومن لدن الحريري انحط هذا الفن انحطاطًا كبيرًا وأصبحت المقامة إنما هي ألفاظ مرصوفة وكلمات مرصوصة يتباهى بتنضيدها والمخالفة بين ألوانها كما يتباهى الصبيان برصف الحجارة اللامعة … وفي تلك الفترة التي كانت بين البديع والحريري أَلَّفَ المعري رسالة الغفران وهي من خير ما ألف في النثر القصصي خيالًا ومغزى، ففي رسالة الغفران يجد الباحث في النثر القصصي ما لا يجده في غيرها من الصور الشعرية الرائعة والجمال الفني البديع، ولا أعد من النثر القصصي تلك الكتب التي من طراز «ألف ليلة وليلة» لأن مثل هاته الكتب لا حَظَّ لها من الأدب العربي البليغ الذي لا أتحدث عن غيره.

وأما السؤال الثاني وهو: هل كان القصص العربي من ذلك النوع الذي ينقد ويمحص ويسبر ويحلل؟ فالجواب عنه أن القصص العربي لم يكن من هذا النوع وإنما كان أحد أنواع ثلاثة: إما قصص يقصد به اللذة والإمتاع وهو ما نجده في شعر ابن أبي ربيعة وأمثاله من تلك الأحاديث الغرامية الغزلة، وإما قصص يراد منه الحكمة وضرب المثل وهو هذا القصص الذي يمثله كتاب «كليلة ودمنة» وما سار على نهجه، وإما قصص يقصد للنكتة الأدبية والنادرة اللغوية وهو فن المقامات الذي يحمل لواءه البديع وأستاذه، والحريري ومن حذا حذوه.

وبعد فهل كان للقصص العربي نصيب من الخيال الشعري الذي نبحث عنه؟ أقول: لا، لأن الخيال الشعري لا يضطر إليه إلا من أراد خوض ظلمات الحياة وأنفاقها، واستطلاع ما في خفايا النفوس من صور ورسوم؛ لأن الخيال الشعري هو فانوس الحياة السحري الذي لا تسلك مسالكها بدونه، والقصص العربي لم يجشم نفسه ركوب هذه السبيل الغامضة المتعرجة، بل اتبع تلك الطريق المنبسطة الواضحة التي لا تؤدي إلى اللُّجَّةِ ولا الهاوية ولكنها تؤدي إلى صحراء مدحوة يأخذ الطرف ما فيها لأول نظرة … تلك الطريق اللاحبة العارية التي سارت عليها أساطير العرب وآدابهم.

هوامش

(١) مرط: كساء من حرير. مرجل: مرسوم به صور الرجال.
(٢) الحقف: الرمل المستطيل المشرف. القفاف: المنعقدات من الرمل. عقنقل: بعضه فوق بعض.
(٣) هصرت: جذبت. بفودي: بجنبي الرأس. هضيم: لطيف.
(٤) اربعن: اعطف والنون للتوكيد.
(٥) الورد: محل الورود. وذهاب العشاق إلى موارد الماء لتتبع النسوان أو بعث سفرائهم إليهن لتلقف الأخبار، وضرب المواعيد عادة عربية لم تزل حتى الآن متبعة في البادية.
(٦) كمَيْنا: كَمَنَّا واستترنا. حار: رجع.
(٧) مار: سال وجرى.
(٨) لاه: بكسر الهاء، لله در. أغمار: جمع غمر وهو من لم يجرب الأمور.
(٩) حار: رجع إليه.
(١٠) البهر: ضيق النفس من الامتلاء أو الإعياء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١