ماكين وأوباما

أطلانطا، ١٥ أكتوبر ٢٠٠٨م

جاءت صديقتي الأمريكية «جانيت» هذا الصباح لنذهب معًا إلى مطار أطلانطا، مسافة نصف الساعة بالسيارة من بيتي. أصبحتُ أكره السفر وركوب الطائرات والانتظار في المطارات، وأكثر ما أكره هو الخضوع لإجراءات التفتيش، يقوم بها رجال ونساء البوليس الأمريكي. لا تختلف وجوه البوليس وإن اختلف الجنس؛ البوليس هو البوليس في كل مكان وزمان منذ نشوء العبودية، أو ما عُرف في التاريخ باسم النظام الطبقي الأبوي. لم تتغير فلسفة هذا النظام حتى اليوم، فقط تغيرت أثوابه وأشكاله وأسماؤه. أصبح يحمل اسم النظام الديمقراطي الحديث، أو ما بعد الحديث. إجراءات التفتيش البوليسية في أمريكا أشد مما هي عليه في أوروبا، خاصة إذا كانت سحنتك عربية أو جواز سفرك يكشف عن أصولٍ عربية. العدو اليوم هم العرب، نعم العرب هم العدو وليس الإسلام، إنهم أصدقاء المملكة السعودية الإسلامية، يؤمن بها جورج بوش والكتلة المسيحية الإسرائيلية المدعِّمة له ولحزبه الجمهوري، بمن فيهم جون ماكين ونائبته سارة بالين.

إن تشكَّك البوليس في تركيب دمائك و«دي. إن. إيه» يخلعوا عنك الأحذية، ويفتحوا فمك يفحصون أسنانك وحلقك وبلعومك، كما فعلوا مع صدام حسين قبل قطع رأسه أو وضع عنقه في المشنقة. لم أساند صدام حسين ولا أي رئيس دولة في أي بلد. بيني وبين السلطة الحاكمة عداء منذ آلاف السنين، منذ تأثيم حواء (قائدة المعرفة في التاريخ) وربطها بالشيطان، ورفع الجنس الذكوري الآثم إلى مصافِّ الآلهة.

أقرب الصديقات إليَّ هي جانيت، شابة في الرابعة والعشرين، طالبة في فصلي عن «الإبداع والتمرد»، تُجهِّز رسالتها لدرجة الدكتوراه في الأدب. يُذكِّرني حماسها للإبداع والتمرد بابنتي الشاعرة الدكتورة منى حلمي. لم يعُد الشعر منفصلًا عن السياسة، تكتب جانيت شعرًا سياسيًّا يتمرد على الظلم والتفرقة بين الناس، على أساس الجنس أو الجنسية أو الدين أو اللون أو الطبقة، أو غيرها مما يُسمُّونه «الهوية». وقالت جانيت ونحن في السيارة في طريقنا إلى المطار: هل شهدتِ الحوار بالأمس؟

طبعًا شهدتُ الحوار، بل شهدتُ المعركة الانتخابية كلَّها من بدايتها العام الماضي. وقالت جانيت، معركةٌ مملة زائفة، كأنما هناك ديمقراطية!

ودار الحوار بيننا، حتى بلغنا المطار.

بالأمس كان الحوار الأخير بين باراك أوباما، المرشَّح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية، ومنافسه الجمهوري جون ماكين.

لم يبقَ على موعد الانتخابات في ٤ نوفمبر إلا أيامٌ معدودة. تابع الشعب الأمريكي حتى الثمالة والملل هذه المعركة منذ العام الماضي. مضت الأيام والشهور ولا شيء في الإعلام إلا العراك بين مرشَّحي الحزبَين المتنافسَين، الجمهوري والديمقراطي، كأنما هناك اختلافٌ خطير بين الحزبَين، ويعلم الجميع أنها اختلافاتٌ سطحية لا تمس الجذور، أو الأعمدة التي يقوم عليها النظام العسكري النووي الرأسمالي الاستعماري.

يشتد وطيس المعركة الانتخابية، مع الأيام. وما إن قرب موعد الامتحان، حتى دخلَتِ المعركة كما يحدث دائمًا في مرحلة المهاترات وتبادُل الاتهامات غير النظيفة، وخَلْق الإشاعات غير الصحيحة لضرب الخصم المنافس، معركةٌ بعيدة كل البعد عن المبادئ الأخلاقية أو حقوق الإنسان، أو حق الاحترام، وعدم التعرُّض للسب أو القذف أو تشويه السمعة لدى الرأي العام.

لكنَّ كل شيء مشروع في ظلِّ ما يُسمى حرية السوق، لترويج السلعة وبيعها بأية وسيلة. كل شيء يصبح سلعةً تبُاع، حتى الإنسان والانتخابات. ليس جسد المرأة فقط يُباع في سوق الجنس، بل العقل داخل الرأس، أو القلم الذي يكتب به الإنسان، يُباع العقل والقلم لمن يدفع أكثر.

البغاء العقلي أشد خطورة من البغاء الجسدي؛ لأنه يُدمِّر عقول الملايين ونفوسهم، وماذا يبقى للإنسان بعد تدمير عقله ونفسه؟

الهدف الأساسي من هذه الحرية الزائفة هو المكسب أو الربح، على حساب أي شيء، وإن مات البشر جسديًّا بالسموم في الهواء والماء وعُلب الطعام والأدوية، وإن ماتت عقول الناس بالوعي الزائف، والإعلام الكاذب المموَّل بالمال. تدفع الشركات الرأسمالية الكبرى، سرًّا وعلنًا، للمرشَّحين ولأصحاب الأعمدة في الصحف الكبرى. يبيعون أقلامهم وضمائرهم لأصحاب النفوذ، كما يفعل أصحاب الأعمدة الصحفية في كل البلاد، بما فيها بلادنا. الصحافة هي السلطة الأُولى وليست الرابعة، وكم يرتفع سِعر المقال بالقرب أو البعد من الرئيس؟!

لكنَّ أشد أنواع القتل هو «اغتيال الشخصية» بالإشاعات المدمرة لسمعة الإنسان في مجتمعه وكرامته، لدى الأهل والأُسرة. هذا هو ما يُسمُّونه حرية الانتخابات؛ شيء يبعث على الغثيان. كيف تتلوث سمعة المرشح، سياسيًّا وجنسيًّا وماليًّا؟ تَمَّ اتهام جون ماكين بالرشوة، ويجري البحث في حياة باراك أوباما السرية للعثور على خيانةٍ زوجية، مع واحدة من بنات الهوى، أو حبذا زوجة رجلٍ آخر، إلا أن باراك أوباما شديد الإخلاص لزوجته الرشيقة الذكية، كما أنه يبدو زاهدًا في أمور الجنس. ينافس الرجال الآخرين في الحكم وليس في الفراش، وكم تقع في حبه النساء رغم أذنَيه الكبيرتَين البارزتَين خارج رأسه! إلا امرأةً واحدة هي سارة بالين تراه أسود البشرة، زنجيًّا عبدًا أو أسوأ من ذلك عربيًّا، مسلمًا. الإشاعات تُغذِّي هذه الانتخابات.

مستنقع من الإشاعات يُسمُّونها انتخاباتٍ حرة، بمعنى حرية الكذب وديمقراطية الخداع.

حرية قتل الشخصية المنافسة بأية وسيلة، مشروعة وغير مشروعة.

لقد شهدتُ مرارًا مثل هذه الانتخابات في أمريكا وغيرها من بلاد العالم بما فيها بلادنا، وأدركتُ كيف يتخفى الاستبداد والأحادية تحت التعدُّدية والحرية، كيف تذوب الديمقراطية في الديكتاتورية. ربما يكون الفرق الأساسي بين بلادنا وبلادهم أن الناس في بلادنا أكثر سخرية وتهكما بإطلاق النكات والقفشات والفكاهات. لا يأخذ الناس في بلادنا الانتخابات الرئاسية أو غيرها مأخذ الجد؛ لأن اللعبة بدائية ومكشوفة أكثر في بلادنا. لكن هنا، في أمريكا، تلعب التكنولوجيا المتقدمة دورًا ذكيًّا مبدعًا في إخفاء الحقيقة، حتى جرائم التعذيب في السجون ترتدي ثوبًا إنسانيًّا، والحروب الاستعمارية الدموية تتحول إلى أعمالٍ حضارية راقية. أقبح الأشياء يتم تغليفها بأجمل غطاء، أرخص السلع تبدو ثمينة تحت الأضواء.

إنه النظام القائم على الاستهلاك، تسويق السم داخل العسل، تحويل الفسيخ إلى شربات. يحمل هذا النظام في بطنه بذور فنائه، يأكل نفسه من داخله، ويسقط، كما يحدث له الآن.

الجمعة الماضية فتحتُ التلفزيون ومددتُ ساقي فوق الأريكة الوثيرة، تركتُ النافذة مفتوحة. الجو دافئ والليل في الخارج ساحر في الصمت الكامل، إلا الهمس الناعم لحفيف الهواء يداعب أوراق الشجر. رائحة الزهور المبللة بقطرات المطر معبأة بشيء يشبه الحب في ربيع العمر، أغمض عيني وأشرد بعيدًا، في الزمان والمكان، منذ كنت فتاةً تحلم بالحب، بالسعادة، مثل كل فتاة في كل زمان ومكان. لا تدرك الفتاة كم يتخفَّى القبح تحت الجمال! كم ترتدي القسوة حجابًا ملائكيًّا من السماء! كم يصنع الخيال من القرد غزالًا!

فتحتُ عيني على وجه جون ماكين فوق الشاشة، وجه عجوز رغم عمليات التجميل. استأصل الأطباء ورمًا سرطانيًّا في فكِّه الأسفل، نشروا في الصحف بيانًا كبيرًا وقَّعه بأسمائهم ثمانية آلاف طبيب، يطالبون جون ماكين عدم إخفاء مرضه (الميلانوما) عن الناخبين. يظهر الورم أو بقايا الورم تحت فكِّه الأيسر رغم جراحة التجميل. ترتفع يده دون وعي منه كأنما يُخفيه دون جدوى. يحاول أن يبدو شابًّا خفيف الحركة مثل غريمه باراك أوباما، دون جدوى. جسده المنهك الهرم يتأرجح فوق ساقَين مصابتَين بالتهاب المفاصل.

يرتعش الورم في فكِّه مع ارتعاشة عضلات وجهه المرتخية مع الزمن. ليست الشيخوخة عيبًا في نظري، بل هي قمة النضوج واكتمال السحر، وكم يتمتع بعض كبار السن بجاذبية أكثر من الشباب! توفيق الحكيم كان، بالبريق في عينَيه، أكثر جاذبة من الشباب المحيطين به. سهير القلماوي كانت، بشعرها الأبيض وصوتها العميق أكثر جاذبية من الشابات المحيطات بها.

شيخوخة العقل لا الجسد هي التي تصنع القبح.

الكذب أيضًا يُشوِّه ملامح الوجه، ما إن يفتح جون ماكين فمه حتى تلتقط الآذان رائحة المراوغة والتناقُض. هو واحد من أصحاب البلايين، يشارك في حماية القطط السمان في وول ستريت، والمضاربين في البورصة والشركات الكبرى، مثل غيره من أقطاب الحزب الجمهوري.

تعتمد خطة جون ماكين الاقتصادية على إطلاق الحرية للأثرياء دون التقيُّد باللوائح، وتخفيف الضرائب عليهم، بحجة أن أصحاب الأموال، إن اتسعَت أعمالهم زادت أرباحهم، وإن زادت أرباحهم زادت مساعداتهم للفقراء، وزادت قدرتهم على توفير فرص العمل للعاطلين في شركاتهم الرابحة، كما يمكن للدولة أن تمنحهم مزيدًا من التأمينات.

تعمل الدولة لدى أصحاب الأموال وأصحاب الأعمال والشركات الخاصة. هذه هي دولة رجال الأعمال، وقد تم تصديرها إلى بلاد العالم، إلى بلادنا العربية والأفريقية، وإلى الصين والهند وروسيا بعد سقوط حائط برلين.

وهذه هي حرية الرأسمالية، حرية أن تعيش عاطلًا أو عالةً على الدولة تأخذ معاشًا وأنت شاب، أو ما يُسمَّى «بدل الفقر». تعطيك الدولة الملاليم لتأخذ منك حقوقك الإنسانية، أولها حق التمتع بعملٍ منتج يحفظ كرامة الإنسان، فلا يقبل منحة أو مساعدة أو حسنة من الأغنياء. كم من شباب يحملون المؤهلات العليا للعمل المنتج المبدع، لكن معدلات البطالة تتزايد يومًا وراء يوم مع تفاقم الأزمة الاقتصادية. يفشل النظام في توفير فرص العمل، فكيف بتحقيق العدالة الاجتماعية، أو تكافؤ الفرص بين الناس، أو تقليل الهوة المتزايدة بين الطبقة الثرية والطبقات الكادحة، بما فيها الطبقة الوسطى: المثقفون وأساتذة الجامعات والمبدعون في جميع المجالات؟ أصبح هؤلاء ضمن الفقراء الكادحين، كما يحدث في بلادنا وغيرها من البلاد الدائرة في الفلك الأمريكي.

خلف جون ماكين، من ناحية اليمين، تقف زوجته مثل تمثال من الشمع، وجهها طويلٌ ممتقع، شفتاها رفيعتان، كالأسلاك الكهربائية. مشدودتان، تشبهان شفتَي جورج دابليو بوش بالضبط، كيف تُقبِّل زوجها بهاتَين الشفتَين؟ بهذين السلكَين القاطعَين إلى حد البتر؟ رغم الألوان والماكياج وعمليات التجميل، تبدو عاطلة من الجمال. عيناها خاليتان من التعبير، مليئتان بالخواء، ترمق بطرف عينها نائبة زوجها (سارة بالين) الواقفة خلفه ناحية اليسار. تتخفى الغيرة بلونٍ باهت صامت بين امرأتَين تقفان وراء رجلٍ واحد. تكون الزوجة دائمًا في مكانةٍ أقل من المرأة الأخرى: النائبة أو المساعدة أو السكرتيرة أو الصديقة أو العشيقة. أيًّا كانت المرأة الأخرى تظل الزوجة في الدرجة الأدنى. ثمن الزوجة في ظل النظام الطبقي الأبوي هو أبخس الأثمان، ومع ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة الإنسان يصبح ثمن المومسات والخادمات في البيوت أعلى من ثمن الزوجات.

أتابع باستمتاعٍ أدبي حركة العضلات في وجه السيدة زوجة جون ماكين.

كيف تقف هذه المرأة، بأنفها الحاد الرفيع، كالصنم وراء زوجها؟ ليس لها عمل إلا أن تمطَّ بوزها في اشمئناطٍ حين تسمع اسم باراك أوباما، كأنما تهمُّ بالبصق عليه، مع تحريك عضلات وجهها وإصبعها الأوسط إلى أسفل، بظفرها الطويل المدبَّب علامة سقوط أوباما إلى أسفلِ سافلين. هل هي مؤجَّرة من حزب زوجها فقط لتلعب بعضلات وجهها وإصبعها في لعبة الانتخابات؟

إن غريمتها الأخرى، سارة بالين «النائبة»، لها دَورٌ في الكلام على الأقل؛ فهي تُلقي خطبًا على الناخبين، وإن كانت خطبًا من الدرجة العاشرة، أو كلماتٍ سوقية بصوتها المسرسع، شتائم مستترة ضد باراك أوباما المنافس القوي لرئيسها جون ماكين.

حركات يدَيها وأصابعها، وهي تهاجم أوباما، تُذكِّرني بشرشحة النسوة في باب الشعرية. تكيل سارة بالين التهم لباراك أوباما، تُلصق به تهمة الإسلام، دين أبيه الأفريقي الكيني، مع أنه مسيحي على دين أمه الأمريكية. تدَّعي السيدة سارة أنه عربي ضد السامية، مع أنه مع إسرائيل مائة في المائة. تُلصِق به تهمة الإرهاب، لماذا؟ تقول إنه كان على علاقة بمجموعةٍ سرية حين كان في الثامنة من عمره! يُصفِّق لها أعضاء الحزب الجمهوري ويهتف بعضهم: الخائن! الإرهابي! اقتلوه!

تحريضٌ سافر علني على اغتياله. الاغتيال السياسي الجسدي وارد، وكم يهرب القاتل دون أن يقبض عليه البوليس، دون أن يعرفه أحد! حتى اليوم لم يعرف أحدٌ مَن قتل جون كينيدي ومن قتل مارتن لوثر كينج. وبالأمس صوَّب رجل في الشارع مسدسه على صورة باراك أوباما فوق صدر شابٍّ صغير.

وتبتسم سارة بالين في زهو، كأنما أطلقت عليه النار وسقط ميتًا. تنام السيدة سارة محتضنة بندقيتها، تستشعر لذة القتل كالأورجازم. تطلق على نفسها شعار حزبها «مع الحياة» ويعني «مع حياة الجنين في بطن الأم»؛ أي «ضد الإجهاض»، وإن كان لإنقاذ طفلة في الرابعة عشرة اغتصبها رجلٌ كبير، وقد حملَت ابنتها (سارة بالين) دون زواج وعمرها تسعة عشر عامًا، وتفاخرت أمها (سارة بالين) أمام الناخبين أنها ضد الإجهاض؛ ولهذا لم تجهض الجنين في بطن ابنتها؛ لأنها (سارة بالين) مع الحياة وليست مع الموت.

إنها مع حياة الخلايا التي لم تتشكل بعدُ، مع حياة النطفة التي لم تصبح كائنًا حيًّا، لكنها مع قتل الآلاف من الأحياء الرجال والنساء والأطفال، في البلاد الأخرى التي لا تتمتع بجنسيتها الأمريكية ودينها المسيحي.

سمِعتُها (سارة بالين) تصرخ فوق المنصة مع جون ماكين، يُعبِّآن مشاعر الشعب الأمريكي ضد الشعوب الأخرى، للحرب العسكرية حتى الإبادة الكاملة للبشر في فلسطين والعراق وإيران وأفغانستان وباكستان، وكل من يُهدِّد مصالح أمريكا وإسرائيل.

رد جون ماكين على السؤال: لو أن إسرائيل تعرضَت لأي هجوم ماذا تفعل إذا كنت الرئيس الأمريكي؟ هل تنتظر موافقة مجلس الأمن؟ تشنَّج جون ماكين وصرخ: لا، لا أنتظر مجلس الأمن. لا أنتظر أحدًا وإنما أعطي الأمر للجيش للتحرك فورًا.

سألَتْه فتاة: وماذا تفعل لو اعتدت إسرائيل على الفلسطينيين؟ فقال وهو يرسم على وجهه ابتسامة الملائكة: إسرائيل دولةٌ مسالمة يا ابنتي، لا تعتدي على أحد. بعد الحوار الأخير ربح باراك أوباما أصواتًا أكثر من جون ماكين، لا ينخدع الشعب الأمريكي إلى هذه الدرجة، لا تنجح دائمًا الأكاذيب. لم تنجح سارة بالين في دورها المزدوج، تلعب بأنوثتها تارة، وبذكورتها تارة أخرى، تهتز فوق كعبها العالي وتغمز بعينها في إغراء. قالت جانيت إن أنوثة سارة بالين أنعشَت جون ماكين أكثر من حبوب الفياجرا.

تمضي اللعبة الانتخابية بالناس، حتى الشعور بالملل والزهق، الحوارات المتكررة والأكاذيب المكشوفة والمستترة، الفضائح الجنسية والخيانات الزوجية والاختلاسات المالية. لا يعيب الرجل منهم أن يخون زوجته، في ظل هذا النظام الطبقي الأبوي. يقف أمام عدسات التلفزيون، مرتفع الرأس دون حياء أو خجل، زوجته تقف خلفه منكَّسة الرأس مكسورة العين، كأنما هي التي اقترفت الخيانة وليس هو.

لكن أغرب ما شهدتُ على الشاشة هو المحاكمة للمسئولين عن تسجيل الأسماء في كشوف الانتخابات. لقد تم اكتشاف عملياتِ تزويرٍ خطيرة لهذه الكشوف في عدد من الولايات، منها ولاية أوهايو وميشيجان وميزوري. هذه الولاية الأخيرة يسمونها «سرة الكتاب المقدس» Buckle of the Bible BELT تتركز فيها الكتلة المسيحية الأصولية المساندة لحزب جورج بوش وجون ماكين وسارة بالين، وقد قام رئيس جامعة ميزوري في يونيو الماضي ٢٠٠٧م بإلغاء العقد الذي وقَّعَته معي عميدة كلية الآداب (الدكتورة أديل نيوسان هيرست) لأكون أستاذةً زائرة بالجامعة. لماذا؟ لأن رئيس الجامعة سمع المحاضرة التي ألقيتُها ونقدتُ فيها سياسة جورج بوش، والكتلة المسيحية الأصولية المساندة له. لم أشعر بالغربة وأنا أتابع التحقيقات عن التزوير في تسجيلات أسماء الناخبين والناخبات. وكما يخرج الموتى من قبورهم في بلادنا لتسجيل أسمائهم في كشوف الانتخابات، حدث هذا أيضًا في أمريكا الديمقراطية. كُشفت الفضيحة في وسائل الإعلام هذا الشهر (أكتوبر ٢٠٠٨م)، آلاف الأسماء تم تسجيلها للانتخاب رغم أن أصحابها غادروا عالمنا إلى العالم الآخر، وانطلقَت النكت كما يحدث في بلادنا، ورأيت رسمًا كاريكاتيريًّا في صحيفة الجامعة يُصوِّر هيكلًا عظميًّا يخرج من القبر ومعه قلمٌ يُوقِّع به في السجل. تحت الصورة كتب الرسام: ولماذا لا يُبعث الإنسان من الموت وقد بُعث يسوع المسيح بعد أن مات فوق الصليب، وخرج من القبر يمشي؟

يمكن القول إن فن الكاريكاتير يتمتع بحريةٍ كبيرة، مثل الفنون الأخرى هنا في أمريكا، بشرط أن يكون عملًا فرديًّا. وقد رأيتُ كاريكاتيرًا ساخرًا من جورج بوش، بعد تصريحه أن أزمة الطعام الأخيرة نتجت بسبب التحسُّن في مستوى المعيشة في الهند، وزيادة استهلاك الهنود للطعام. رسم الفنان مجموعة من السياح الأمريكيين في الهند، كل منهم سمين الجسد، بطنه منتفخ، يشيرون إلى بعض الأطفال الهنود، هياكل عظمية من شدة الجوع، ينبشون في صفيحة قمامة بحثًا عن الفضلات. يقول السياح لأنفسهم في ضيق: هؤلاء هم سبب أزمة الطعام، أصبحوا يأكلون أكثر مما ينبغي!

يلعب الإبداع الفني والأدبي دورًا بارزًا في النقد السياسي في جميع البلاد، في رفع الوعي لدى الرأي العام. هناك علاقة بين الإبداع والتمرد في كل زمان ومكان، منذ نشوء العبودية حتى اليوم، يلعب الإبداع والفن دورًا بارزًا في النقد وإثارة الجدل في كل الأمور، بما فيها المحرمات السياسية والمقدسات الدينية.

ولهذا حديثٌ آخر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠