تأمُّلات في فضاءٍ بلا حدود

٤ فبراير ٢٠٠٧م

محلِّقةٌ في الفضاء الممدود اللانهائي، قريبةٌ من السحب البيضاء، تُلامِسها عيناي من خلال زجاج النافذة، تعشق عيناي السحب منذ الطفولة، أتطلع إليها أبغي أن ألامسها بأناملي، بأطراف أصابعي أُمسكها، بطرف لساني أذوق طعمها، يشبه طعم الماء المملَّح، المتبخِّر من بحر الإسكندرية (كنا نُسمِّيه البحر المالح في طفولتنا) المتكثِّف في الجو بلون الزبد الأبيض، برائحة نَوَّارات القطن في حقل جدَّتي، المرأة التي وَلدَت أبي من رحمها وحدها، دون مساعدةٍ من رجل أو امرأة، دون مخلوقٍ يحرث معها أرضها أو يمسح عرقها. كان عزرائيل إله الموت يخطَف الأطفال في قريتنا قبل أن يبلغوا السنة الأولى من العمر. مثل كتاكيت الدجاج يحصدهم الإله الجبار في الصيف، وأقسمَت جدتي بأمها وجدتها أن تتحدى الإله الأعظم، أن تجعل ابنها يعيش بإرادتها ضد كل الإرادات؛ أن يكبر ابنها ويصبح الأستاذ المحترم، يحصل على أعلى الشهادات، يتزوج بنت الباشوات، وينجب لها أحفادًا عباقرة من الأولاد والبنات، هكذا جئتُ أنا إلى الدنيا بإرادة جدتي الفلاحة.

أسمع أزيز الطائرة تُحلِّق فوق البحر الأبيض المتوسط، تشق السماء من الجنوب إلى الشمال، من الشاطئ الأفريقي إلى الشاطئ الأوروبي. اليوم ٤ فبراير ٢٠٠٧م، غادرتُ بيتي في شبرا الساعة الرابعة صباحًا، حملتُ حقيبتي وصفقت الباب من خلفي، لم أنظر خلفي إلى من خانوا العهد. لم تكن الطعنات في الصدر بل في الظهر، من البُعد البعيد، ومن القُرب القريب حتى الالتصاق باللحم، أهل الوطن منذ وُلدتُ، وشريك الحياة منذ عشنا معًا ثلاثة وأربعين عامًا. صَفقتُ الباب من خلفي، وخرجتُ إلى المجهول وحدي قبل طلوع الفجر، تركتُ حياتي الماضية كلها ورائي، منذ ولدَتْني أمي. ستة وسبعون عامًا، أحزان ومآسٍ، وزنازين، وقضايا في المحاكم وسراديب الحكَّام. تم ضبطي متلبِّسة بجريمة الصدق في عالم يكذب، جريمة الكتابة الحرة غير المقيدة بالتعاليم منذ رع الإله وآمون وبعلهما الأكبر.

وراء السحب كان الإله يتخفَّى في طفولتي، مرت السنون والأيام، سبعون سنة وستة من الأعوام. أصبحَت عيناي تخرقان السحب، تكشفان قاع السماء، وقاع البحر والأرض، أصبح عقلي ينتهك أسرار الكون. كيف جاء؟ وفراعنة الأزمان القديمة والجديدة كيف حكمونا؟ كيف أصبحنا عبيدًا لهم؟ الخوف من عقابهم في الدنيا والآخرة؟ الإله رع والملك رمسيس يذوبان داخل ثوبٍ واحد، وإله الشمس أتون يذوب في جسد الإله إخناتون. كان ﻟ «إخناتون» ثديان ورِدْفان أكبر من أمي وجدتي، حتى قرَّر بعض المؤرخين الذكور أنه كان ذكرًا وليس أنثى. أصبحَت كلمة أنثى منذ التاريخ القديم عارًا يجب أن يتغطَّى، وفضيحة يجب أن تتستَّر. تم إسدال الستار على جدتي إيزيس إلهة المعرفة، وأمها نوت إلهة السماء، وجدتها نون إلهة الكون، السماء والأرض معًا. أعلن الإله الذكوري الجديد أن الأنثى لا يمكن أن تسود؛ لأنها ناقصة العقل. أصبح العقل مذكرًا والأنثى منكرة، واندثر اسم أمي وجدتي في التاريخ، أصبحتُ أحمل اسم رجلٍ غريب مات قبل أن أُولد، اسمه السعداوي، أرى اسمه مطبوعًا فوق أغلفة كتبي فأشعر بالخجل من نفسي. كيف استسلمتُ للتزييف في التاريخ، كيف شاركتُ في دفن اسم أمي؟

قلبي تحت حزام المقعد يتخبط بين الفرح والحزن، لم يعُد الوطن في نظري مسقط رأسٍ فوق قطعة أرض، لا يسقط الرأس في الوطن الأم بل يرتفع في السماء؛ فالوطن الأم هو حيث الكرامة والعدل وليس الهوان والظلم؛ هذه كلمات أبي في طفولتي. أعطى أبي حياته مثل أمه الفلاحة لوطنٍ لم يمنحهم إلا القهر، مثل كل الفلاحين الفقراء في بلادنا، من فرعون الأول منذ سبعة آلاف عام، حتى فرعون الأخير في هذا القرن الواحد والعشرين. يشقى الفلاحون من أجل الوطن، يأكلون الخبز الحاف بليمونةٍ مُخلَّلة أو بقطعة جبنة، ليأكل الحكام وأعوانهم حتى التخمة. يموت أبناء الفلاحين في الحرب ليعيش أبناء الحكام وأعوانهم في النعم. يخدع الممثلون والمطربون الفلاحين بالمسرحيات والأغاني الوطنية. يشترك الأدباء والكتاب في الخديعة، يأكلون اللحم السمين على موائد الحاكمين، يتغزَّلون بالزهد والتقشُّف والتقوى، ينهلون من لذائذ الدنيا حتى الثمالة، يدفعون لأبنائهم ثمن الإعفاء من الجيش ليعيشوا حتى آخر العمر. يرفعون شهداء الحرب الفقراء إلى جنة السماء، يُدينون الفساد والخمر والميسر. يُعارِضون الحكام الفاسدين بالنهار، في الليل يسهرون معهم، يشربون ويعربدون. يتشدَّق الواحد منهم بالمُثُل العليا في الكلام، يتلصَّص في الظلمة إلى العشيقة المومس أو الولد الغلام.

قبل أن أغادر القاهرة قلتُ لابنتي سأعود في ١٢ مايو، بعد الانتهاء من مؤتمر جامعة أوهايو. قالت ابنتي، هذه مدةٌ طويلة يا أمي، أَلَمْ ترسلي لهم اعتذاركِ عن الحضور؟ نعم، كنت أريد الاعتذار لأبقى في بيتي أكمل روايتي التي أكتبها منذ عامَين.

وما الذي جعلكِ تُغيِّرين رأيك يا أمي، ألا تستريحين من السفر، ألا تسمعين كل يوم عن سقوط الطائرات؟ أنا أكره السفر يا أمي والانتظار في المطارات، والوقوف في طوابير التفتيش بالأجهزة الفاحصة، وخلع الأحذية والأحزمة، والخضوع مثل فئران التجارب للعيون الإلكترونية. لماذا تسافرين يا أمي وتُحمِّلين نفسَكِ كل هذا العناء؟ أنت رأيتِ يا أمي بلاد العالم في القارات الخمس ولم يبقَ أمامك إلا اكتشاف قارةٍ جديدة مثل كريستوف كولومبوس.

ضحكنا كما نضحك دائمًا من قلوبنا العميقة، ابنتي وابني أقرب الناس إلى قلبي بعد أمي أو قبل أمي. لا يرتفع شيء فوق حب الأم إلا حب الذات، تأتي الذات أولًا عند خطر الموت بحكم الطبيعة، لكني لا أتردَّد في إنقاذ ابنتي أو ابني قبل نفسي، تتطوَّر مشاعر الأمومة مع الزمن والوعي إلى ما لا يتخيله العقل.

قلتُ، إن أردتِ أن ألغي السفر فسوف أُلغيه يا ابنتي.

قالت ابنتي، أريد لكِ ما تريدينه لنفسك، أليست هذه عبارتكِ حين كنتُ أسألكِ ماذا تريدين مني أن أفعل؟ وأنا أُعطيكِ الحرية يا أمي لتفعلي ما تشائين كما فعلتِ معي.

في أعماقي تمنَّيتُ أن أُقرِّر عدم السفر، لكني حزمتُ حقيبتي وسافرت. كنت أريد التخلُّص من شبح في الماضي القريب أو البعيد، شبح رجلٍ غريب من الأقرباء أو الغرباء، في العائلة أو في الدولة. منذ ستة أيام فقط، بالضبط في الساعة العاشرة يوم الأحد ٢٨ يناير ٢٠٠٧م كنتُ أصعد السلالم المتهالكة تحت الأقدام، في المبنى العتيق منذ عصر نوح حيث مكتب النيابة. تَسُوق الدولة إلى النيابة من تشاء من المعارضين، دون جريمة إلا الكتابة، قصيدة شعر أو قصة قصيرة أو رواية من الخيال. تحبس الدولة الخيال كما تحبس الحقيقة. لم يتغير نظام الحبس والاحتباس منذ قرار الخديوي إسماعيل. قانون الحسبة دُفن في القبر قبل الخديوي بألف عام وأكثر، أصبحَت نيابة الدولة تحكم (تحت اسم الله) بأحكامٍ انقرضَت مع الديناصورات. يجلس في كرسي النيابة رجلٌ (المحقق) يشبه القساوسة أو المشايخ، باللحية والسبحة والزبيبة، الكرسي خشبيٌّ مكسور داخل غرفة تشبه الزنازين. يرمقني الرجل بعينَين صفراوين، اسمه (واسم أبيه وأبي أبيه) محفور على قطعة من النحاس فوق مكتبه: «السيد الأستاذ محمد محمد محمد بك النائب الثالث لسيادة الوكيل الثاني لسيادة الباشا النائب الأول».

كانت ألقاب البِك والباشا قد سقطَت مع سقوط الملك فاروق عام ١٩٥٢م، لكنها عادت إلى الوجود في ظل حكم السادات خلال السبعينيات، وازدادت انتشارًا في ظل حكم مبارك ودولة رجال الأعمال، تزايدَت الهُوَّة بين الأثرياء والفقراء، عادت البورصة كما كانت في عهود الملكية والإقطاع. ارتدَّت مصر إلى عصور العبودية، أصبح الباشا صاحب البلايين، يضرب عبيده كما كان يضربهم الأسياد. تطوَّرَت وسائل الضرب من العصا إلى الكرباج، إلى البندقية والمسدس. تطوَّرَت السرقة والرشوة لتصبح بالبلايين، بالإلكترونيات والتريليونات. ارتدَت وسائل الخداع والتمويه عمائم الدين، وأصبح الله مع فخامة الرئيس، كما كان مع جلالة الملك. في الطائرة أُحلِّق بعيدًا عن الوطن، يتخفَّف قلبي من الثقل بابتعادي، وازدياد المسافة بيني وبين الوطن والزوج والدولة والدين والتراث والأسلاف. أصبح الوطن زنزانةً يقف على بابها رجلٌ لا يفك الخط، يتلو بعض الآيات من القرآن، يلفُّ رأسه بعمامةٍ كبيرة، يُبربِش بعينَيه نحو الله في السماء، يهبط بهما إلى الأرض، لا يرى فوق الأرض إلا سيقان النساء أو أردافهن أو الشعر فوق رءوسهن، يصرخ الرجل بأعلى صوته: يا إلهي هذا انتهاكٌ لقانونك يا رب، كأنما الرب على شاكلته لا يرى على الأرض إلا شعر النساء غير الملفوف بالحجاب. الرب بالطبع مشغول بما هو أهم من ذلك، مثلًا بالمذابح في فلسطين، يترك الرب العِنان لبني إسرائيل لذبح المسلمين، عقابًا لهم. لماذا يُعاقِب الربُّ المسلمين؟ يرُدُّ الشيخ المُعمَّم (ذو العمامة) أو المطربش (ذو الطربوش) أو الدكتور (ذو الدكتوراه) في الفضائيات يقول: لأن النساء فسدَت أيها السادة، لأن النساء لا يرتدين زي الله المفروض؛ لأن النساء أصبحن كاسياتٍ عاريات، وقد قال الرسول ، سيأتي يومٌ على قومي تكون فيه النساء كاسياتٍ عاريات وهذا نذير بمجيء يوم القيامة.

كانت معي ابنتي يوم التحقيق في النيابة، ذلك الأحد ٢٨ يناير ٢٠٠٧م، كانت جريمتها أنها كَتبَت مقالًا تُكرِّم الأم في عيد الأم ٢١ مارس ٢٠٠٦م، أرادت أن تنقذ مليونَين من أطفال الشوارع، يُطلَق عليهم اسم «الأطفال غير الشرعيين»، المحرومين من الكرامة والشرف والغذاء والتعليم والطمأنينة، لماذا يعاقبهم القانون بهذه الوحشية وهم أطفالٌ أبرياءُ لم يقترفوا أي جريمة؟

يُطلِق القانون سراح المجرمين من الرجال، يخون الزوج شريكة حياته علنًا وسرًّا دون عقاب، يُطلِّق زوجته المخلصة بكلمةٍ واحدة أو ورقة يرسلها إليها بالبريد، يتزوج طفلة في الخامسة عشرة وهو في الثمانين أو التسعين. يغتصب الرجل منهم فتاةً فقيرة في الشارع أو غير الشارع، ثم يتركها ويهرب، تُواجِه الفتاة وحدها (مع طفلها المولود) الدولة والدين والمجتمع والقانون. يقع العقاب القاسي على الأم الصغيرة وطفلها، على حين يمرح الأب المجرم ويستمتع بحياته مع نساءٍ أُخريات، وزوجات أو عشيقات أو جوارٍ أو إماء ومَن ملكَت اليمين. كانت عهود الجواري والعبيد قد دُفنت في التاريخ، لكنها عادت مع عودة اللحى والمسابح والمباخر والبورصة وقانون الحسبة وألقاب سعادة البيه ومعالي الباشا.

جلسَت ابنتي إلى جواري شامخة الرأس، ترُدُّ على أسئلة المُحقِّق برباطة الجأش:

أنتِ وقَّعتِ مقالكِ باسم أمكِ نوال وليس باسم أبيكِ حلمي؟

هذا غير صحيح أنا وقَّعتُ مقالي باسم «منى نوال حلمي»؛ أي إنني أعطيتُ اسم أمي الشرف ذاته الذي يحظى به اسم أبي، وهذا أمرٌ منطقي عادل، لماذا يُحذف اسم الأم من التاريخ مع أن الأمومة أكثر إنسانية وتضحية للأطفال من الأبوة؟ ثم لماذا يُعاقَب الطفل الذي ليس له اسم الأب؟ لماذا لا يحمل هذا الطفل البريء اسم أمه ويحظى بالشرف وحقوق الإنسان مثل غيره من الأطفال الذين يحملون اسم الأب؟ لماذا يكون اسم الأم عارًا مع أن الجنة تحت أقدام الأمهات؟ والراديو يُغنِّي للأم في عيد الأم، بدلًا من هذه الأغاني المتلاشية في الهواء. لماذا لا تغيرون القانون لتحظى الأمومة بحقوق الأبوة؟

يرمقها المحقق بعينَين متسعتَين، فاغرًا فاه غير قادر على الإجابة. لقد حصل على درجة الدكتوراه في القانون ولا بد أن داخل جمجمته شيئًا من العقل، لا بد أنَّ داخل صدره شيئًا من الضمير الحي، يُؤنِّبه، يقول له ضميره، يا رجل كيف تعاقبون الأطفال الأبرياء بسبب فساد أخلاق الرجال الكبار؟ هل هذا عدل يا رجل؟ كيف تستسلم لهؤلاء المشايخ الذين لم يدرسوا القانون كما درستَ أنت؟

أطرقَ المحقق طويلًا في صمت، يُبحلِق في عريضة الاتهام أمامه، كنتُ أجلس إلى جوار ابنتي أرقبه، ثم أُحوِّل بصري عنه إلى ما حولي، الغرفة ضيقةٌ مختنقة الهواء، بها أربعة كَراسٍ عتيقة، داخل كل كرسيٍّ رجلٌ محقق، فوق مكتبه اسمُه محفورًا مع اسم أبيه وأبي أبيه، أمام كلٍّ منهم طابور من رجال ونساء، ينتظرون دورهم ليتم التحقيق معهم في الجرائم أو اللاجرائم التي أُلصقت بهم. ليس في الغرفة إلا كنبةٌ صغيرة مهترئة جلستُ عليها أنا وابنتي، لم يأذن لنا المحقق بالجلوس لكني أعطيتُ نفسي الحق لأجلس وجلسَت ابنتي إلى جواري، لم يملكِ المُحقِّق الجرأة ليأمرنا بالوقوف مثل باقي المتهمين، حسب القانون لا يحق للمتهم الجلوس، لكني جلستُ وقلتُ لنفسي: من حقي أن أمنح نفسي الكرامة التي تستحقها، وكرامتي فوق القانون، لن يسلب أحد كرامتي إلا بالدم.

كنتُ في تلك اللحظة على استعداد للدفاع عن كرامتي وابنتي حتى آخر قطرة من دمي، وقد رأى المحقق الدم الأحمر في بياض عيني وأنا أرمقه بنظرتي السوداء. هاله الأسود الكبير في عيني، المتأجج بلهيب الغضب. كنت أعرف منذ طفولتي كيف أصُبُّ هذه النار السوداء في عينَي أي رجل يعترض طريقي، فما بالُ رجلٍ يُحقِّق معي وابنتي، ويبحث عن آية في كتاب الله ليزُجَّ بنا في السجن!

سيظل هذا اليوم محفورًا في ذاكرتي إلى الأبد، رغم تحليقي فوق السحب، تهبط ذكرياتي إلى الأرض، إلى تلك الزنزانة في مبنى النيابة، الجدران الكالحة تعلوها بقع الدم القديم والجديد، سوداء وحمراء ورمادية ورصاصية قاتمة بلون الرصاص، تُذكِّرني بجدران زنزانتي في سجن النساء بالقناطر خريف عام ١٩٨١م، لم أُفرِّق بين دم البشر ودم البقِّ والبعوض والفئران، وغيرها من الكائنات الحية، سجينة الشقوق المظلمة داخل الجدران، تتنافس فيما بينها لامتصاص دم الإنسان.

صوت مضيفة الطائرة يشدني من الماضي إلى اللحظة الحاضرة. تتكلم اللغة الإنجليزية، ماذا تشربين يا سيدتي؟ أتطلع إلى عربتها المحمَّلة بالمشروبات المتنوعة، عصير الفواكه، مياه غازية، بيرة ونبيذ وويسكي وجين، طلبتُ النبيذ الأحمر، أصبحتُ أُفضِّله على غيره من المشروبات، أعرف فوائده الطبية، يُنعش الجسم والعقل والروح، أنسى قبح الحياة في الماضي، تبدو اللحظة الحاضرة جميلة، تدربتُ أخيرًا على الاستمتاع بالحاضر، الماضي راح في العدم والمستقبل لم يأتِ بعدُ، لا وجود إلا لهذه اللحظة الحاضرة، لماذا أُضيِّعها؟

أصابتني نشوة الحاضر بالسعادة، أقبض على اللحظة السعيدة بأصابعي الخمسة، كأنما أقبض على جسمٍ حي. تراني المضيفة أنظر إلى قبضة يدي وأبتسم: أتريدين الكأس الثانية يا سيدتي؟ نعم، نعم أريد الكأس الثانية والثالثة والرابعة، وضحِكتُ من كل قلبي كما كنتُ أضحك وأنا طفلة في السابعة من العمر، وأيقنتُ، من حيث لا أدري، أني وابنتي سوف نكسب القضية، ليس فقط في محكمة القاهرة بل في الكون كله. يغزوني التفاؤل والأمل من بؤرة في أعماقي، ممدودة عبر الأفق اللانهائي إلى ما لا نهاية.

لم أعرف الغيب تلك اللحظة، وأنا محلقة فوق السحب، ذلك اليوم ٤ فبراير ٢٠٠٧م، لكن المستقبل كان يتبدَّى في ضوء الأفق، بعد خمسة عشر شهرًا وتسعة أيام من هذا اليوم، بالضبط يوم الثلاثاء ١٣ مايو ٢٠٠٨م، صدر قرار محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة بالقاهرة، يؤكد براءتي وبراءة ابنتي من التهم الموجهة إلينا، بل يؤكد أيضًا أن حرية الكتابة وحرية الفكر والرأي حقٌّ للمصريين والمصريات حسب نص الدستور، والأغرب من هذا أنه بعد ثلاثة أيام فقط من صدور هذا القرار التاريخي، قرأتُ في الصحف المصرية، يوم الجمعة ١٦ مايو (ومنها جريدة الأهرام الحكومية) هذا العنوان بالبنط العريض: «تعديل قانون الطفل لحماية حقوق الأطفال في مصر»، يشمل القانون الجديد هذه البنود:
  • (١)

    تجريم عملية ختان الإناث، وتشديد العقوبة على من يُجري أو يشرع في إجراء هذه العملية؛ لأن ختان الإناث غير مشروع دينيًّا، وليست له أي فوائدَ صحية ولا علاقة له بعفة البنات التي أساسها التربية والأخلاق (هذه الكلمات هي بالضبط ما وَرَد في كتاباتي من أكثر من نصف قرن).

  • (٢)

    يحق للطفل أن يحمل اسم أمه غير المتزوجة في شهادة ميلاده، ولا يُعامل كطفلٍ غير شرعي أو لقيط، ويحق له أن يرث أمه وأن يتمتع بجميع الحقوق التي تُمنح للأطفال الآخرين ومنها التطعيمات ضد الأمراض والتعليم بالمدارس والرعاية الصحية والعمل والكرامة والشرعية.

(هذه الكلمات بالضبط وردَت في كتاباتي منذ نصف قرن ووردَت في كتابات ابنتي الدكتورة منى حلمي منذ عامَين، مما عرَّضها وعرَّضني للوقوف في المحاكم بتهمة الكفر والخروج عن الدين.)

ذكَرَت الصحف أن هذا القانون الجديد أخذ حقَّه من الدراسة والمناقشة ووفقًا لأصول الشريعة وفروعها، من أجل تحقيق المصلحة الفُضلى للطفل. وقد قسم فقهاء الشريعة حقوق الأطفال إلى قسمَين: قسم يعيش في ظل الأب والأم وله كل الحقوق الإنسانية، وقسم حُرم من الأب أو الأم أو كَليهما. وتم تقسيم هؤلاء الأطفال إلى ثلاثة أقسام: الطفل بلا أب ويُسمى «لقيط»، الطفل الذي فقد أمه ويُسمى «قطيع»، والطفل الذي فقد الأم والأب ويُسمى «لطيم» لأن هذا الطفل يصبح «لطمة» تلطم المجتمع على وجهه، وتصفَع المنافقين المتشدِّقين باسم الدولة والدين والشرع. يجب على الدولة أن تسُنَّ القوانين الجديدة ومنها قانون الطفل الجديد لمحو هذا العار عن جبين المجتمع والدولة والشرع.

وجاءت برقيات التهاني لابنتي في بيتها بالقاهرة هذا اليوم ١٦ مايو ٢٠٠٨م، وجاءتني برقيات التهنئة في بيتي البعيد وراء البحار والمحيط؛ حيث كنتُ أعيش الغربة والمنفى. شملَتِ التهاني خبر البراءة الصادر من المحكمة، وخبر صدور قانون الطفل الجديد الذي يمحو عار ختان البنات، وعار عقاب الأطفال الأبرياء بسبب جرائم آبائهم الأخلاقية والجنسية. كيف كان القانون والشرع يحميان هؤلاء الرجال الفاسدين، ويشجعانهم على فسادٍ أكثر، تحت حماية الله والدولة؟ ألهذا كَرِهَني هؤلاء الرجال منذ أمسكتُ القلم وكشفتُ فسادهم؟ ألهذا تعَّرضتُ لكافة أنواع العقاب لِأكُفَّ عن الكتابة، لأكف عن فضح الفساد الذي ينخر في بلادنا تحت اسم القانون والشرع؟ ألهذا امتد العقاب لابنتي لأنها أشهرت قلمها أيضًا ضد جيوب الفساد الخفية تحت اسم الأخلاق وفضيلة الشيخ؟

في مؤتمر روتردام يوم ٥ فبراير ٢٠٠٧م ألقيت كلمتي. تعودتُ أن أخاطب جموع النساء والرجال كما أخاطب نفسي، أصبحتُ أعرف موضوعي دون حاجة إلى الورق، أحب أن أنظر مباشرة إلى الناس، أستلهم من عيونهم أفكاري الجديدة. يتابعون كلماتي بعقولهم وقلوبهم، أحملهم معي فوق أجنحة الخيال والإبداع، بعد الظلام لا بد للفجر أن يطلع. سوف ينتصر العقل والعلم على الخزعبلات والأساطير، سوف يتحرر عبيد القرن الواحد والعشرين، نساءً ورجالًا، لا إبداع بغير تمرد، ولا حرية دون ثمن.

الناس هم الناس في كل بلد، تحن عقولهم إلى العدل والحرية والحب، تخفق قلوبهم لسماع الموسيقى أو قصيدة شعر تتغنى بالجمال والصدق، يُصفِّق لكلماتي الناس في أي بلد وبأي لغة، أقول لهم:

لماذا نفرح حين نرى عصفورًا يُغرِّد فوق الشجر؟

لماذا نحزن لعصفورٍ صامت في قفص من الذهب؟

لا يخدعنا الذهب ولا الياقوت عن أحزان العصافير فما بال البشر؟

أتكلم ضد أمراض القرن الواحد والعشرين، وما يُسمى العصر الحديث أو ما بعد الحديث، أكشف الفساد تحت الكلمات المنمَّقة الجميلة، الأخلاق، الدين، القانون، الشرعية الدولية؟

أين الشرعية الدولية في هذه الغابة التي نعيش فيها؟ كيف تغتصب دولةٌ كبيرة حقوق شعبٍ أقل قوة؟ كيف يغتصب رجلٌ حقوق امرأة أو طفلٍ لا حول له ولا قوة؟

إذا كان القانون ظالمًا فلا بد أن نكسره،
إذا كان البرلمان فاسدًا فلا بد أن نحلَّه،
إذا كان الدين غير عادل فلا بد أن نرفضَه،
إذا كان الوطن قاهرًا فلا بد أن نقهره،
إذا كان العالم غابة فلا بد أن نصرعه.
لا شيء يمكن أن يتغير دون أن نُغيِّره،
بأيدينا، بعقولنا، بسواعدنا، بكل سلاح نملكه.

قلتُ لهم: هذه مبادئ الإبداع والتمرد، لا إبداع دون تمرد على الظلم، لا إنسانية دون سلاح يضرب القهر، لا انتصار إلا بعد الهزيمة، لا نجاح إلا بعد الفشل، لا ثورة ولا حرية دون الثمن والدم.

يسألني أحد الصحافيين: «أنتِ مع الإرهاب؟» قلتُ: أنا مع المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الخارجي أو الداخلي. مقاومة الظلم حقٌّ من حقوق الإنسان وليست إرهابًا، إن قتلتَ شخصًا يريد أن يقتلكَ فأنت بريء حسب القانون العادل. الإرهاب هو اعتداءُ دولة على شعبٍ آمنٍ بالقوة المسلحة، كما يحدث في العراق وفلسطين وغيرهما من البلاد. إذا ألقى طفلٌ فلسطيني طوبة على دبابةٍ إسرائيلية سحقَت بيته وأرضه وأهله أتُسمِّي هذا الطفل إرهابيًّا والدبابة الإسرائيلية مسالمةً خاضعة للشرعية الدولية؟

إذا لفَّت فتاة فلسطينية جسمها بالبارود وفجَّرت نفسها في نقطة بوليس إسرائيلية تمنعها من المرور إلى بيتها وأهلها، أتسمي هذه الفتاة إرهابية والبوليس الإسرائيلي مسالمًا خاضعًا للقانون العالمي؟ كيف تُدين الضحية وُتبِّرئ المجرم؟ أليس هذا هو القانون العبودي الطبقي الأبوي منذ سبعة آلاف عام؟ أليست هذه هي القيم المزدوجة الواردة في الكتب المقدسة؟

أنتِ ضد الكتب المقدسة؟ أنتِ لا تؤمنين بوجود الله؟ وأنت تؤمن بوجود الله يا أستاذ؟

طبعًا يا أستاذة أنا أؤمن بالله والمسيح والكتاب المقدس؟

وتؤمن أيضًا يا أستاذ بوجود إسرائيل وأمريكا وأستراليا وإنجلترا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا والجميع؟

رمقَني الصحفي بنظرة عداء وانصرف.

تعمدَت بعض الصحف الرأسمالية الاستعمارية حذف كلمتي أو تشويهها، تمامًا كما تفعل الصحف المصرية والعربية المساندة سرًّا أو علنًا لحكومة إسرائيل وأمريكا. قالوا عني: شيوعيةٌ إرهابية ملحدة، ضد عملية السلام في الشرق الأوسط، الاتهامات ذاتها التي ألصقَتْها بي الصحف المصرية والعربية التابعة للقوى الخارجية.

كانت الصحف في بلجيكا، مثل غيرها في أوروبا وأمريكا وإسرائيل، لا تكف عن التشهير بالعمليات الانتحارية في فلسطين والعراق، دون أن تدين الاحتلال الأمريكي للعراق أو الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. كانت محاولةً استعمارية لتشويه صورة المقاومة الشعبية العراقية والفلسطينية.

هناك في العراق وفلسطين كانت أيادي الاستعمار والحكومات العربية تعمل في السر والعلن لتفتيت قوى المقاومة الشعبية، بالتعاون مع التيارات الدينية السياسية، إسلامية ومسيحية ويهودية وغيرها.

لعِبَت الأموال من الداخل والخارج، والأديان السماوية أو الأرضية، دورًا أساسيًّا في تقسيم صفوف المقاومة الشعبية في العراق وفلسطين، تحوَّلَت من مقاومةٍ سياسية اقتصادية منظمة، متحدة تحت شعار تحرير الأرض والاقتصاد، إلى جماعاتٍ دينية ومذهبية متناحرة. حوَّلَت المقاومة ضد الاحتلال والظلم إلى حروبٍ طائفية، تحت اسم الله وتطبيق الشريعة، تحوَّلَت الأسلحة عن صدور الجيوش المحتلة إلى صدور النساء، تحوَّلَت قضية استعادة الأرض والبترول والثروة إلى قضية الحجاب وتغطية رأس المرأة، أصبح شعار الحريات الدينية سلاحًا لتقسيم الناس طائفيًّا. أصبح شعار الديمقراطية سيفًا يمزق أواصر الشعب الواحد، أصبح اسم الله نارًا تنفجر في كل من خالف القوة الحاكمة في الداخل والخارج، ومشانق تُعلَّق للشعراء والشاعرات، والأدباء والأديبات، والمبدعين والمبدعات.

وبرز قانون «الحسبة» الديني من بطن الأرض، أصبح سيفًا يقطع رقاب العقول المفكرة، وخرج من الشقوق رجالُ دين يتشدَّقون بالشريعة وحدود الله. قطعوا أيادي أولادٍ صغار فقراء سرقوا رغيف عيش. أباحوا سرقة البلايين لأنفسهم وحكامهم في الداخل والخارج، رجموا الفتاة الصغيرة المغتصبة بتهمة الزنى. أباحوا الزنى لأنفسهم وللذكور الفحول أصحاب السلطة والمال. قتلوا طفلة في العاشرة من عمرها خلعَت الحجاب عن رأسها في يومٍ حار. فرضوا ختان الأطفال البنات والأولاد بحد السيف. نشروا الفسق وتعدُّد الزوجات والجواري والإماء وما مَلكَت يمينهم. شرعوا العبودية والعنصرية والخيانة الزوجية لأنفسهم. تاجروا في السر والعلن مع الشركات الأمريكية الإسرائيلية ورجال الأعمال. اتهموا المعارضين والمعارضات بالشيوعية والماسونية والكفر والتعاوُن مع الاستعمار والصهيونية.

وجاءني صوت أصدقائي وصديقاتي في مصر عَبْر أسلاك التلفون يقولون:

لا تعودي إلى الوطن يا نوال حتى تسقُط عنه الدولة الدينية المتنكرة تحت قشرةٍ مدنية. إنهم يتربصون بكِ لاغتيالك، بعد أن اغتالوا صورتكِ وأفكارك. إنهم يريدونكِ كبش فداءٍ يتلهَّى به الشعب عن جرائمهم ضد الشعب. تم تجهيل الشعب وفرض حجاب العقل باسم الله على الجميع، حتى أساتذة الجامعات أصبحَت لهم لحيةٌ طويلة مثل القسيس، ومسبحة في اليد وزبيبة على الجبين، وأستاذات الجامعات غطَّين رءوسهن بالحجاب أو بالطرحة أو الإيشارب أو التيربون. عادت مصر إلى عصور الظلام والعبودية تحت شعارات الأسلمة والأمركة والديمقراطية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠