ذكرياتي ومذكِّراتي بعيدًا عن الوطن والأهل

١

صيف عام ٢٠٠٩م

قضيتُ شهور الصيف في تلك القرية داخل أشجار الغابة في ولاية جورجيا الجنوبيَّة، أقرب مدينة إليَّ على بُعد عشرين ميلًا، أذهب إليها أحيانًا لشراء ما أُريد من السوق، أو لمجرَّد رؤية البشر، أو سماع أصواتهم. هنا لا أسمع إلا تغاريد العصافير في الصبح وعواء الذئاب في الليل، ونقيق الضفادع، ووقع أقدام الغزلان الخافتة السريعة فوق الأرض، أو حفيف زحف «البيفر» من النهر إلى الشاطئ، ثم التهام السمك في البُحيرة الصغيرة. يشتغل بعض أهل القرية بالزراعة، الخضراوات والفواكه بكل أنواعها. بعضهم يعمل بالصيد، الغزال في الغابة، أو الأسماك في الأنهار، والبحيرات الطبيعية أو الصناعية، يحفر الناس الأرض ويملئونها بالمياه من الأنهر، تصبح بحيرة أو مزرعة لتربية الأسماك، يحمل الصيَّادون البنادق الحديثة، يسهُل بها التصويب على الغزالة. إصابة الهدف أصبحَت سهلة بتلك البنادق المتطوِّرة. هناك دائرة داخل البندقية تُحدِّد نقطة الهدف بالضبط. صوَّبتُ البندقية ذات يوم إلى عنق الغزالة وضغطتُ على الزناد، سقطت الغزالة إلى الأرض تنتفض في أنفاسها الأخيرة. تلك الليلة أصابني الأرق، لم تغادر مخيلتي عينا الغزالة الجاحظتان دهشة لاكتشاف الموت. لحم الغزالة الشاردة في الغابة ألذُّ لحم، كلما كانت الغزالة شاردة زاد لحمها لذَّة، مثل كل حيوانات الغابة وطيورها. الديوك الروميَّة والفراخ البرية المتوحِّشة، أي كائنٍ حي طليق حر في الغابة، يصبح لحمه القوي المشدود أكثر لذَّة، ليس مثل اللحم الطري لتلك الكائنات المستأنسة، تسري سموم الخضوع والمذلَّة والاكتئاب في دمها، مثل جسد النساء المرتخي المتهدِّل، سجينات البيوت، الخاضعات لسلطة الذكور وقانون الاحتباس.

توقَّفتُ عن أكل اللحوم بكل أنواعها، البرية أو المستأنسة، منذ رمقَتْني الغزالة المقتولة بعينَيها المشدوهتَين الجاحظتَين، هاتان العينان رأيتهما من قبلُ في طفولتي، عينا الخروف المذبوح في حمَّام بيتنا، ونحن الأطفال من حوله نهلِّل بفرحة العيد. أيُّ عيد؟ وأيُّ طفولة؟ تبتهج بمشهد الذبح والدمِ المُراقِ فوق البلاط؟ طاردَتْني هاتان العينان في طفولتي، نغَّصت عليَّ حياتي، لكنِّي لم أتوقَّف عن أكل لحم الخروف حتى اليوم. هل ينتمي الخروف إلى فصيلة الحيوان المباح أكلها، وينتمي الغزال إلى فصيلة أرقى؟ هل الحرية والكرامة والانطلاق في الغابة ترفع من قيمة الحيوان فيصبح أكله عملًا غير إنساني؟

هل المرأة (أو الرجل) الطليقة المطلَّقة الحرة، أكثر كرامة وإنسانيَّة من تلك الحبيسة الخاضعة الخانعة؟

تراودني الأفكار المتمردة وأنا أمشي في الغابة، تنتقل عدوى الجموح من الحيوانات البرية إلى جسدي، أدبُّ بحذائي القوي، له كعبُ حديدي، أدقُّ بكعب البندقية على الارض، يُكسِب السلاحُ القاتل شجاعة وإقدامًا، إن اعترض طريقي كلبٌ متوحِّش أو حيوانٌ مفترس يمكن أن أصوِّب السلاح إلى رأسه. ألهذا تحتل التجارة بالأسلحة المرتبة الأولى في مكاسب الرأسماليَّة الاستعمارية؟ ألهذا تحكُم العالمَ الطبقي الذكوري القوةُ المسلَّحة وليس العدل؟ ألهذا تمتنع كثير من النساء (الفيمينيست) المتحرِّرات عن أكل اللحوم؟

أصبَحتُ ضمن هؤلاء الممتنعات عن أكل اللحم، تعففًا عن قتل الحيوان أو الطيور أو حتى الأسماك، لي صديقات من الفيمينيست لا يأكلن بيض الفراخ تعففًا عن قتل أيِّ شيءٍ حيٍّ، وماذا تأكل هؤلاء النساء؟ يأكلن الخضراوات والنباتات، لكن أليست هذه أيضًا كائناتٍ حيَّة؟

هؤلاء الصديقات يذكِّرنني ببعض الناس في الهند، من المذهب الجيني، الذي يُحرِّم قتل أيِّ كائن حيٍّ، وإن كان من فصيلة الهاموش. رأيتهم يسيرون في شوارع الهند، يرتدون فوق أنوفهم كمامات، ليس حماية لأنفسهم من الهاموش أو الفيروسات الحية، بل لحماية الفيروس أو الهاموش من الموت داخل أنوفهم. أهذه درجةٌ أعلى من الإنسانية أم هو الجنون بعينه؟

لكنَّ الجنون أنواع، هناك قوانينُ غير معقولة في عالمنا الرأسمالي الأبوي، بمعنى أنَّها قائمةٌ على الظلم والكيل بمكيالَين، أو الازدواجية. مثلًا عقاب الشعب الضعيف المسالم واحتلاله، التضامن مع الدولة القوية العنصرية الظالمة، إباحة العلاقات الجنسيَّة المتعدِّدة للرجال وتحريمها على النساء، عقاب الطفل غير المعروف الأب بأن يُطلَق عليه لقب «غير شرعي»، «ابن حرام»، إعطاء اسمِ الأب حقَّ الشرف والشرعيَّة وعدم إعطائه لاسم الأُم، رغم أن الأُمَّ هي التي تهَبُ حياتها للطفل وترعاه.

أغرب قانون عرفتُه هو قانون صيد الغزلان في ولاية جورجيا، السائد في أمريكا وبعض بلاد أوروبا. يُبيح القانون اصطياد الغزلان وقتلها وأكلها لحمًا شهيًّا، لكنَّ القانون ذاته يحرِّم خداع الغزلان قبل قتلها، كأنَّما الخداع جريمةٌ أشدُّ من القتل. خداع البشر مُباح في ظلِّ هذا النظام الرأسمالي الاستعماري، لكنَّ خداع الحيوانات غير مباح. تتمتَّع الكلاب والقطط المستأنسة في البيوت بحقوقٍ أكثر من الفُقراء من البشر، يُحرَّم على الصيادين وضع الذرة على الأرض لإغراء الغزلان بالإقبال عليها لأكلها، فيتمكَّن الصيَّادون من اصطيادها بالبندقية. ليس من الإنسانية خداع الغزلان قبل قتلها والتهام لحمها. أخلاق الرجل الأرستقراطي الجنتلمان، ينحني للمرأة قبل اغتصابها، القيم الزائفة للرأسمالية الذكورية.

الغريب أيضًا أنَّ القانون ذاته يُبيح للصيَّادين زرع الذرة في أرض الصيد؛ لأنَّ الزراعة عملٌ طبيعي، أمَّا نقل الذرة إلى أرض الصيد فهذا عملٌ مصنوع ينطوي على الخداع! ويُبيح القانون أيضًا قطع الشجر والحشائش الطويلة من أرض الصيد، حتى لا تختفي فيها الغزلان، ويسهُل على الصيَّادين اقتناصها وتصويب الرصاص إلى رأسها، فهل قطع الأشجار عملٌ طبيعي؟ يتلاشى المنطق من أغلب القوانين الطبقيَّة الأبويَّة؛ فالاستغلال أو الظلم يقتضي غياب المنطق. ألهذا لا يتكاثر في هذا الزمن مثل أعداد الكنائس والجوامع والسيناجوجات، وتزداد أصوات رجال الأديان ارتفاعًا في الأبواق الإعلاميَّة والمزامير؟

تذكَّرتُ، وأنا أمشي في الغابة، كيف تكون الحيوانات أكثر إنسانيَّة من البشر، الأسد لا يُقدِم على افتراس الحيوان الأضعف إلا إذا كان جائعًا، لكنَّ الرأسماليِّين الذكوريِّين يفترسون الشعوب الأضعف بسبب الجشع وتكويم الأموال وليس بسبب الجوع. ذكور الحيوانات لا تؤدِّب إناثها بالضرب، كما يفعل الرجال من البشر، لكنَّ خبرًا من الرياض بالسعودية قرأته في النت يوم ٢٢ أكتوبر ٢٠٠٨م، يقول:

بعد يومٍ واحد من إعدام رجلٍ سعودي ضرب زوجته حتى ماتت، أفتى الشيخ «عبد المحسن العبيكان» المستشار بوزارة العدل السعودية بأنَّه: يجوز للمرأة، دفاعًا عن حياتها، أن ترد عنف زوجها بالعنف، إن حاول قتلها، وإن كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ حياتها، وهذا جائز شرعًا حسب حكم «دفع الصائل»؛ فأيُّ إنسان إذا صال عليه صائلٌ كوحش الغابة الأسد أو السبع أو حتى إنسان، له أن يدافع عن نفسه حتى لو وصل الأمر لقتل الصائل إن حاول قتله.

لكن أيحتاج هذا الجرُم البشع إلى فتوى الشيخ في عام ٢٠٠٨م من القرن العشرين؟ كل المواثيق والقوانين، في كل بلاد العالم، تُشرِّع حق الدفاع عن النفس، ولا يُعتبر القتل جريمة في حالة الدفاع عن النفس. أمَّا المرأة فلم تكن إنسانة في القانون الشرعي السعودي، وكم من أزواج قتلوا زوجاتهم ضربًا وتأديبًا، دون أن ينال الزوج أيَّ عقاب!

في العالم الأبوي الرأسمالي الحديث وما بعد الحديث، في الشرق والغرب، الإسلامي أو المسيحي اليهودي، لا تشمل حقوق الإنسان حقوق النساء؛ لأنَّ المرأة في هذه الأديان السماويَّة أقل من الرجل. يحمل الأطفال في كل هذا العالم اسم الأب، ما عدا القلَّة من البلاد التي بدأَت تُعطِي الأطفال حقَّ الانتساب إلى الأم، كعلاجٍ لمشكلة الأطفال بدون أب، أو ما يُطلق عليهم في بلادنا «الأطفال غير الشرعيِّين»؛ هؤلاء الأطفال الأبرياء الذين يعاقبهم النظام الأبوي، بدلًا من عقاب أبيهم. الجاني هنا هو الأب الذي يخدع الفتاة الصغيرة الغريرة باسم الحب، ثم يهرب منها ومن طفله المولود، عقاب الضحيَّة وإطلاق سراح الجاني هو الأساس الأخلاقي، أو الأصح اللاأخلاقي، لهذا العالم الذي نعيش فيه.

يسري هذا القانون غير الأخلاقي، الموروث منذ العبوديَّة، على الأفراد والجماعات والدول. لا يُقدَّم إلى المحاكمة مجرمو الحرب في الدول الاستعماريَّة الكبرى، أو توابعها في دولة إسرائيل، بل يُطلَق سراحهم ليمرحوا في نعيم الدنيا، يُكرِّرون جرائمهم على مدى السنين والعقود والقرون.

أعطَتْني أنجيل، صديقتي المصريَّة في جورجيا، كتابًا بالإنجليزية عن الإسلام صدر عام ٢٠٠٨م، قالت «هذا الكتاب مدهش يا نوال، رغم أنَّني مسيحيَّة ولست مسلمة، لكنَّه يدافع عن روح الإسلام، وروح الأديان جميعًا.» أعجبني الكتاب لأنَّه يرفض التطرُّف أو العنف ويدعو إلى حريَّة الأديان. مؤلِّف الكتاب اسمه «طارق فالح» من باكستان، ينال الكتاب الكثير من أضواء الإعلام، وتُنشر عنه المقالات في الصحف في أمريكا وكندا وأوروبا، مثلما يحدث لهذه الكتب المنتشرة في السوق الحرة، من تأليف نساء ورجالٍ مسلمين، أصبحوا نجومًا في سوق الإعلام الرأسمالي الأبوي، أذكر منهم طارق رمضان (مصري)، أيان هرسي علي (من الصومال)، رشاد منجي (من كندا) وغيرهم.

يقول المؤلِّف طارق فالح في مقدِّمة كتابه: «تاه المسلمون في صحراء سيناء، دون أن يقودهم سيِّدنا موسى خارج التيه، يُسبِّب المسلمون لأنفسهم الآلام والجروح، هم السبب وراء مشاكلهم وأزماتهم وليس مؤامرات الصهيونيَّة وبلاد الغرب.»

هكذا يتجاهل هذا المؤلِّف أثر الاستعمار الأمريكي الأوروبي الإسرائيلي، على بلادٍ مثل فلسطين والعراق وباكستان وأفغانستان والصومال والسودان وغيرها، كأنَّما الاحتلال العسكري الاقتصادي لهذه البلاد غير موجود، أو لا علاقة له بالمشاكل الداخلية، كأنَّما الداخل ينفصل عن الخارج، أو أنَّ السلطة الخارجيَّة تنفصل عن السلطة المحلية. كأنَّما الحروب الدينية الطائفية ليست غطاءً للحروب الاقتصادية والسياسيَّة أو جزءًا منها. يخضع هذا المؤلِّف وأمثاله من المؤلِّفين (عن وعي أو غير وعي) للفكر الأبوي الرأسمالي.

يُدين الشعبَ المسالم ضحيَّة العدوان، ويتجاهل القوة الباطشة الاستعماريَّة. يُدين الحكومة المحلية التابعة للقوى الخارجيَّة. يُدين عنف الإسلاميِّين ويتجاهل عنف المسيحيِّين واليهود. يفصل بين الكتب السماويَّة المنزلة من عند الله، والأحكام والقوانين العامَّة والخاصَّة المُستمدة من هذه الكتب المقدَّسة.

هذا الفصل بين الأشياء غير المنفصلة يؤدِّي إلى الجهل والتعمية عن الحقائق الواضحة؛ وبالتالي الخضوع للقوى الباطشة، أو الانخراط في معاركَ جانبيةٍ فاشلة، وصراعاتٍ طائفيَّة ودينيَّة، تُخطِّط لها القوى المسيطرة داخليًّا وخارجيًّا، «فرِّق تسُد» هو مبدأ الاغتصاب والظلم والقهر.

لا يمكن لنا أن نبُرِّئ المسلمين (أو غيرهم) من أخطائهم، وخضوعهم للسلطات الحاكمة دينيًّا وسياسيًّا. لا يمكن لأيِّ شعب أن يتحرَّر من القهر الأجنبي دون التصدي للقهر الوطني المحلي، كلاهما وجهان لعملةٍ واحدة. القهر الأجنبي لا يتحقَّق دون التعاون مع القهر الوطني (القهر الوطني استعمار أيضًا، كذلك القهر العائلي). لا يمكن للنساء التحرُّر من قهر الدولة دون التحرر من قهر الرجال داخل الأسرة. هذا أمرٌ منطقي، فكيف أحارب اللص الذي يدخل بيتي إذا كانت الأغلال الحديديَّة تحوط جسدي فلا أستطيع الحركة؟ وكيف يفكِّر عقلي منطقيًّا إذا كان يتغذَّى كل يوم بكتب وأفكارٍ غير منطقيَّة؟

هكذا تلعب مثل هذه الكتب دورًا في إجهاض حركات المقاومة الشعبيَّة الصحيحة، في الانحراف بها إلى معاركَ غيرِ صحيحة، ومنها المعارك التي تتمُّ تحت اسم الإسلام أو المسيحيَّة أو اليهوديَّة، أو أي شعارٍ ديني. لا تؤدِّي هذه المعارك الزائفة إلا إلى مزيد من التعصُّب الديني، ومزيد من الحروب والصراعات الطائفيَّة، وتبقى الأرض محتلَّة أو يزداد الاحتلال والاغتصاب، والنهب لثروات الشعوب ضراوة.

ألم تؤدِّ المقاومة الإسلامية في فلسطين إلى مزيد من الاحتلال الإسرائيلي العسكري والاقتصادي للشعب الفلسطيني؟ ألم تكن إسرائيل هي التي شجَّعت المقاومة الإسلامية (حماس) لضرب المقاومة الشعبيَّة الوطنيَّة (فتح)؟ ألم تؤدِّ المقاومة الإسلاميَّة في العراق إلى مزيد من الفشل في تحرير العراق، أكثر من القوى الباطشة خارجيًّا وداخليًّا؟ ألم يشجِّع الاحتلال الأمريكي الانشقاق بين السُّنَّة والشيعة في العراق؟ ألم تشجِّع أمريكا «بن لادن والقاعدة» لضرب السوفييت؟ ألم تشجِّع أمريكا حكم «الطالبان» في أفغانستان لتقسيم الشعب وانحراف المقاومة عن أهدافها للتحرُّر إلى الحرب ضد النساء، وحرق جلودهنَّ بالنار لعدم ارتداء الحجاب؟

أليست المعارك المحلِّية والدولية حول «حجاب المرأة» هي الفخ المنصوب، لإجهاض المقاومة الشعبيَّة وإشعال الصراعات الدينيَّة بينها؟

وكم من الملايين تُنفق لنشر الكتب الدينيَّة، البشريَّة منها والإلهية على حدٍّ سواء! في غرفتي في كل فندق أنزل فيه أجد كتابًا واحدًا على الأقل من كتب الله، داخل الدرج في الدولاب، إلى جوار الشامبو والصابون المعطِّر. يترابط العطر الزكي بالله وكتابه المقدَّس، أينما نذهب تلاحقنا كتب الله، والكتب الأخرى المشجِّعة للأديان، التي انتشَرت في السوق الرأسمالية الحرة مثل الفيروسات الجديدة، على حين تُصادَر الكتب العلمية الجادَّة العميقة التي تحارب الخزعبلات السياسيَّة والدينيَّة معًا دون انفصال.

قرأتُ في النت، صباح ٢٣ يوليو ٢٠٠٩م، خبرًا عن عقد مؤتمرٍ شعبي بالقاهرة، لرفض توريث الحكم في مصر لجمال بن حسني مبارك (الذي حكم مصر ثلاثين عامًا تقريبًا منذ ١٩٨١م)، وإلغاء المادَّة ٧٦ من الدستور، وإنقاذ الشعب المصري من الاستعمار الأمريكي الإسرائيلي الجديد، في ظلِّ حكم السادات الذي امتدَّ إلى حكم مبارك. فقدَت مصر استقلالها السياسي والاقتصادي، أصبحَت مستعمرة أمريكيَّة إسرائيليَّة. تمَّ تحويل الشعب المصري إلى أمَّةٍ جاهلة، محجَّبة العقل والوجه، لا تقرأ إلا المصحف الشريف. أصبحَت أمَّة مريضة بالقلب والسكَّر والفشل الكلوي، إضافة إلى الفشل الكبدي، بسبب انتشار فيروس سي، أعلي نسبة إصابة بفيروس سي في العالم هي في مصر، (١٥٪ من الشعب المصري يُصاب بالسرطان بسبب انتشار فيروس سي). يموت الشباب مبكِّرًا في مصر بسبب فيروس س. تُنفق الأموال لطبع الملايين من المصاحف والكتب الدينيَّة وبناء الجوامع والكنائس (وترميم سيناجوج اليهود القديم في وسط القاهرة) ولا تُنفق لتحسين صحَّة الشباب والفقراء، أو تطوير المدارس المتهاوية الأبنية والمناهج، القائمة على تحفيظ القرآن وغرس الخزعبلات في عقول الأطفال والتلاميذ.

كنتُ أتمشَّي في غابة جورجيا، خلال صيف ٢٠٠٩م، أتأمَّل الأشجار ومياه النهر الجارية بين الشجر. لفتَت نظري أشجارٌ ساقطة فوق سطح الماء، تصوَّرت أنَّها سقطَت بفعل العواصف القويَّة أو التورنيدو أو الهوريكين، لكنِّي علمت من أهل القرية شيئًا أدهشَني، حيوان البيفر (كلب البحر) هو الذي يَقرِض الشجرة من أسفل الجذع، يقرضها ويقرضها، اليوم وراء اليوم، دون كلَل أو ملَل، حتى تسقط الشجرة على سطح الماء، يجمع البيفر حولها الأغصان المقروضة والحشائش، ليصنع لنفسه تحت الشجرة بيتًا منيعًا، ينام فيه آمنًا داخل النهر.

لا شكَّ أنَّ عقل البيفر يشتغل على نحوٍ إبداعي، لا يقلُّ إبداعًا عن عقل الإنسان، بل قد يتفوَّق عقل البيفر، (له ذيل سمكة ورأس كلب وأرجل بطَّة)، عن عقول البشر في أفريقيا الذين خدعهم الاستعمار وأعطاهم كتاب الله وأخذ منهم الأرض والنهر والذهب في بطن الأرض.

تذكَّرتُ أنَّني كنتُ أقود سيارتي عَبْر شوارع القاهرة في حيِّ إمبابة. كانت الدنيا ليلًا، لفت نظري إعلانٌ كبير تحوطه لمبات النور، فوق منارةٍ عالية لجامعٍ كبير، قرأت على الإعلان هذه العبارة المأخوذة من كتاب الله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. لا عجب أنَّ القصص عن الجانِّ والعفاريتِ غزت عقول الكبار والأطفال، منذ الصحوة الدينيَّة تحت حُكم السادات في مصر، ورونالد ريجان في أمريكا. إذا كان الله يؤكِّد في كتابه الكريم عن وجود الجنِّ فهل يُنكر وجوده البشر؟ وإذا كان الهدف الوحيد من خلق الجنِّ والإنس (البشر) هو عبادة الله فهل يفكِّر الناس (والعفاريت من الجنِّ) إلا في الصلاة والصوم؟

ألهذا تنتصر علينا العقول الأخرى في أمريكا وبريطانيا وإسرائيل، فهي مشغولة باختراع الأسلحة الجديدة التي تفتك بنا، وقنابل الليزر، والرءوس النوويَّة، بينما نحن نصلِّي لله ونخفي رءوسنا بالحجاب أو تحت الرمال.

الوجع في قلبي يشتدُّ على مصير بلادنا. تتحالف القوى الخارجيَّة والداخليَّة على إغراقنا بالخزعبلات. تعمل وسائل الإعلام وأنظمة التعليم على تجميد عقولنا، عند القرون الوسطى أو العصر العبودي. لا يؤرِّق مضاجع السلطات السياسية والدينية إلا المفكِّرون من النساء والرجال، أصبح تشغيل العقل هو جريمة العصر في بلادنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠