ذكريات ومذكِّرات بعيدًا عن الوطن والأهل

٢

صيف ٢٠٠٩م

القرية في غابة جورجيا.

أتمشَّى في الغابة، مستمتعة بالخضرة القويَّة المرويَّة بسيول الأمس. أسمع أصوات الحيوانات عن بُعد، تعود أفكاري إلى الماضي والحاضر والمستقبل. أقول لنفسي: استغرقي يا نوال في متعة اللحظة الحاضرة، هنا والآن هي الحقيقة، وغيرها وَهْم. أيكون الماضي ميتًا والمستقبل غير موجود؟ لكنَّ خيالي يسبح في الزمن كيفما شاء، لا يفصل بين الحاضر والماضي والمستقبل. رأيتُ أرنبًا يقفز من بين الأشجار إلى الطريق، تذكرتُ فجأة جورج بوش الابن، لا أدري ما الشبه بينه وبين الأرنب، ربَّما الرأس أو العينان أو الأذنان، أو لا شيء من الملامح، بل حركة الجسم، الاندفاعة المسرعة من المخبأ إلى مجال الرؤية، امتزاج الخوف بشجاعةٍ كاذبة تشبه التهوُّر. يرتعد الأرنب ذُعرًا، رغم اندفاعته السريعة في عرض الطريق، بالضبط بجوار قدمي توقَّف يلهث، كان يمكن أن أرفع العصا وأضربه. بالأمس رأيتُ جسد أرنب ممزَّق في عرض الطريق، أيكون الأرنب من الحيوانات الغبيَّة؟ يدفعه الغباء والجبن إلى المغامرة الفاشلة؟

رأيت جورج بوش ينحني ذعرًا حين طارت فردة الحذاء في الجو، مثل قذيفة كادت تُصيب رأسه. ضحك العالم لهذه الصورة التي نشرَتْها الكاميرات إلى بقاع الأرض. الحذاء التاريخي في القرن الواحد والعشرين، يتَّجه بوزه إلى رأس الإمبراطور الأمريكي، الكاوبوي المتغطرس، صبي الحرب الذي يلعب بالنارَيْن: الدين والسلاح النووي، الله والمسيح في خدمة السلاح، والسلاح في خدمة الله والمسيح، ويحتلُّ جورج دابليو العراق تحت اسم الحضارة والديمقراطيَّة وحقوق المرأة. ينافس الفيمينيست في تحرير المرأة العراقيَّة من الدكتاتور صدَّام حسين. تمَّ قتل صدَّام حسين بالسلطة الأمريكية، أهناك سلطةٌ تعلو على الدكتاتور جورج بوش لتقتله؟ المحكمة الدولية؟ الأمم المتَّحدة؟ مجلس الأمن؟ أيُّهما يعلو على الآخر: السلاح الأمريكي أم القانون الدولي؟

أضحكَت أكاذيب جورج العالم شرقًا وغربًا، منها تصريحه الشهير عن الأزمة الغذائية في العالم عام ٢٠٠٨م، كانت أسباب الأزمة ما يلي:
  • (١)

    تحويل الأموال لتمويل الحروب الاستعماريَّة الجديدة في العراق، وما سُمِّي الشرق الأوسط، بدلًا من إنفاقها في التنمية الزراعية وإنتاج الغذاء.

  • (٢)

    اشتداد سطوة الاستعمار الأمريكي الأوروبي الإسرائيلي الجديد، وشراسة العولمة من أعلى.

  • (٣)

    السياسة الرأسمالية الأمريكية وتحويل المساحات الكبيرة من الأراضي لإنتاج الوقود والإيثانول، بدلًا من الإنتاج الزراعي.

  • (٤)

    تزايد الجشع والفساد للشركات المتعدِّدة الجنسيَّات وانفلات السوق الحرَّة، تحت اسم الحرية، والبورصات والبنوك الكبرى والشركات التي صعدَت فوق القانون والمحاسبة.

كان من نتيجة ذلك تزايد الهوَّة بين الفقراء والأغنياء في العالم، وازدياد الأزمة الاقتصاديَّة وأزمة الغذاء.

تجاهل جورج بوش كل هذه الحقائق، وأعلن، يوم ٨ مايو ٢٠٠٨م، أنَّ أزمة الغذاء نتجت عن ازدياد شهيَّة أهل الصين والهند الفقراء للأكل، بعد أن تحسَّنت صحَّتهم مع زيادة دخلهم، ممَّا أدَّى إلى ارتفاع أسعار الأغذية.

ردَّ الهنود على جورج بوش قائلين: يأكل الفرد الأمريكي الواحد خمسة أضعاف ما يأكله الفرد الهندي. وإن أكل الهنود مثلما يأكل الأمريكيون فسوف يضطر العالم إلى زرع الأغذية فوق القمر والكواكب في السماء. ثم انتشرت صورة كاريكاتيريَّة عن عدد من السيَّاح الأمريكيِّين: القطط السمان يشيرون إلى عددٍ من الهنود الفقراء الشديدي النحافة يبحثون عن بقايا طعام في كومٍ من القمامة. ويقولون في ضيق: لا عجب أنَّنا نعاني في أمريكا أزمة في الغذاء، لأنَّ هؤلاء الهنود يأكلون أكثر من اللازم!

قانون الغابة يسود العالم، يعتمد على تجهيل الناس ونشر الأكاذيب، بلسان رؤساء الدول، باراك أوباما أرقُّ صوتًا من جورج بوش، أكثر ذكاءً، يعرف كيف يدغدغ مشاعر الناس بكلماتٍ معسولة. كم تحدَّث عن نزع السلاح النووي من العالم! لكنَّه لم ينزع سلاحه النووي في أمريكا ولا في إسرائيل. الوكالة الدوليَّة للطاقة الذرية لم تفتِّش عن السلاح النووي في إسرائيل أو أمريكا، كما فتَّشت عنه في العراق أو كوريا الشماليَّة أو إيران. النظام الدولي الراهن المقيد لانتشار الأسلحة النوويَّة يفتقد النزاهة والعدالة، يخضع للقوَّة المسيطرة بالسلاح. تحكمه الازدواجيَّة الأخلاقيَّة والكيل بمكيالَين مثل الأمم المتَّحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدوليَّة في لاهاي بهولندا. الدول النوويَّة في العالم تمتلك ٢٧ ألف رأسٍ نووي، تنال الدول النوويَّة كل الاحترام، لا يمكن غزوها أو سحقها، كما حدث للعراق وفلسطين. تمَّ سحق العراق وفلسطين لأنَّهما لا يملكان أسلحةً نوويَّة. إسرائيل تتحدَّى الأمم المتَّحدة وترفض تنفيذ قراراتها بسبب قوَّتها النوويَّة. أمريكا تتحدَّى العالم وتخرق القانون الدولي بسبب سلاحها النووي.

حصل المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية على جائزة نوبل للسلام، أَلِأنَّه لم يُعطِ أوامره بالتفتيش على السلاح النووي في إسرائيل وأمريكا، كما فعل مع البلاد الأخرى؟

من يحكم جائزة نوبل للسلام؟ أهي قوَّةٌ ما خارقة للنظام الرأسمالي النووي الدولي الحاكم؟

ما علاقة الله بالقوَّة النوويَّة في العالم؟ هل يقف معها ضد الشعوب الضعيفة ضحيَّة العدوان؟ هذا الصيف، خلال شهر يوليو ٢٠٠٩م، خرجت الجماهير في مظاهرات حاشدة ضد الحكم الإسلامي في إيران. سار الرجال والنساء في شوارع طهران يهتفون: يسقط حُكم الملالي، يسقط الحكم الديني، أبعدوا الله عن قوانين الدولة. ثلاثين عامًا عانى الشعب الإيراني الويلات في ظلِّ الحكم الإسلامي، عَبْر الإنترنت سمعت ملايين الأصوات في شوارع طهران تصرخ: يسقط الحكم الإسلامي والاستعمار الأمريكي البريطاني الإسرائيلي.

قلتُ لصديقتي الإيرانية أذار: زرتُ إيران ثلاث مرَّات قبل حكم الخميني عام ١٩٧٩م، قابلتُ الكاتب جلال آل أحمد (قبل موته بعامٍ واحد)، وعددًا من المفكِّرين ومن الشباب والشابَّات في الجامعة. كانت ثورة شعبيَّة على وشك الحدوث في إيران، تطيح بالشاه والقوى الاستعماريَّة المساندة له. ثورة اجتماعيَّة اقتصاديَّة تُحرِّر إيران من القهر الطبقي الأبوي؟ ربَّما بدأ الدكتور مصدق هذه الثورة الاشتراكيَّة بتأميم البترول الإيراني، قبل أن تخطِّط المخابرات الأمريكية لإسقاطه عام ١٩٥٣م. تخشى الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وحلفاؤها الثورات الاشتراكيَّة الشعبيَّة، تُحاول إجهاضها بالمؤامرات والانقلابات العسكريَّة أو الدينيَّة، وقد تمَّ إجهاض الثورة الاشتراكيَّة في إيران بواسطة الخميني والحكم الديني. ساعدَته في ذلك القوى الخارجيَّة في أوروبا وأمريكا. خدم الخميني الاستعمار الخارجي أكثر ممَّا خدم الإسلام، بالضبط كما يفعل الحكم الإسلامي في السعوديَّة. لا يخفى على أحدٍ كيف لعبت السعوديَّة والتيَّارات الإسلاميَّة (المموَّلة والمسلَّحة أمريكيًّا) دورًا رئيسيًّا في ضرب القوى الاشتراكيَّة في البلاد العربيَّة والإسلاميَّة، وفي الحرب ضدَّ السوفييت في أفغانستان خلال الثمانينيات.

قالت أذار: هربتُ من إيران قبل أن يقتلني الخميني، كما قتل كل المعارضين له من اليسار أو اليمين أو الوسط، أو الإسلاميِّين من المذاهب أو الأفكار الأخرى. خُدعنا جميعًا بشعارات الثورة عام ١٩٧٩م، «الاستقلال، الحرية، الجمهورية» تحوَّلت من ثورةٍ جماعيَّة شعبيَّة، إلى حكم الوليِّ الفقيه الفرد، يستمد مشروعيَّته من الله لا من الشعب. أراق الخميني وأتباعه دماء الشعب تحت اسم حكم الله. لا أدري كيف يصمتُ الله على هذه الجرائم التي تتمُّ باسمه، هذا الصمت الإلهي مُريب، يُشكِّك الكثيرون في وجود الله. كم من الشباب والشابَّات ماتوا في السجون، منهم ثلاثة من عائلتي! لا يخلو بيت في إيران من الأحزان على القتلى في السجن أو في الحرب ضدَّ العراق، لا يخلو حيٌّ من شارع يحمل اسم شهيد.

كنتُ أصلِّي وأصوم رمضان، لكنِّي توقَّفتُ عن كل ذلك، بل امتدَّت شكوكي إلى كل الأديان. اكتشفتُ الخديعة الكبرى التي يعيشها الناس. ابنة خالتي، الطالبة بجامعة طهران، لم تكن بلغَت التاسعة عشرة من عمرها، اغتصبها الحرس الإسلامي في السجن، قبل إطاحة رأسها بالسيف، لاعتقادهم أنَّ المرأة إن ماتت وهي عذراء تدخل الجنَّة. عثَر الحرس الإسلامي في يومٍ على جثَّة رجل في الطريق، حفروا له مقبرة، اتَّضحَ لهم قبل دفنه أنَّه حليق ليس له اللحية الإسلاميَّة، جلدوه خمسين جلدةً ثم دفنوه.

قلتُ لها: يا أذار، حيوان «البيفر» في الغابة له عقلٌ أكبر من بعض الرجال في القرن الواحد والعشرين، فما بالُكِ بالقرون الوسطى؟ في الإنترنت هذا العام ٢٠٠٩م في ١٤ يوليو، نُشر خبر عن صحافيَّة في السودان اسمها لبنى أحمد الحسين و١٢ فتاةً أخرى معها، يواجهن عقوبة الجلد، ٤٠ جلدة لكل فتاة. وجَّهت إليهنَّ السلطة الحاكمة تهمة الخروج على الشريعة الإسلامية، لارتدائهنَّ البنطال (البنطلون).

قالت أذار: الحكم الإسلامي في إيران أو السودان أو أيِّ بلدٍ آخر يعاني من وباءٍ أخطر من إنفلوانزا الخنازير. لا شكَّ أنَّ فيروس الخنزير له عقل وأخلاق أفضل من هؤلاء الطغاة الذين يحكمون باسم الله. لماذا يُحوِّل الله بصره عن المذابح في العراق وفلسطين وإيران ولا ينظر إلا إلى أجساد النساء وما يلبسن؟ أهي عين الله أم عيون الرجال الذكور مندوبيه على الأرض؟

وأضافت أذار: من أجل حماية المرأة من عيون الرجال، يفرضون عليها الحجاب. يقولون إنَّه أمر الله، لكنَّ المفروض أن يأمر الله بتحجيب عيون الرجال، وليس تحجيب النساء، أليس هذا هو المنطق أو العدل؟

البابا شنودة في مصر، يوم ٧ سبتمبر ٢٠٠٧م، حين سأله أحد الرجال: هل ملابس الفتيات المسيحيات (غير المحجَّبات) تؤدِّي إلى العثرات والخطايا؟ ردَّ عليه البابا شنودة: المسيح لم يقل إنَّ عثرتك امرأة، بل قال إنَّ عثرتك عيناك. لكن المسيحيَّة لا تقل قهرًا للنساء عن الإسلام، أمَّا اليهوديَّة فهي أكثر الأديان قهرًا للمرأة. لو قرأتِ التوراة يا أذار لعرفتِ ذلك.

تحمل أذار الجنسيَّة الأمريكيَّة، هربَت من إيران منذ ثلاثين عامًا إلى أطلانطا، حصلَت على الدكتوراه في التاريخ من جامعة جورجيا، لها نظريَّة عن «الإرهاب».

تقول أذار:

التخويف الأمريكي ممَّا يُسمَّى «الإرهاب» لم يبدأ في ٩ سبتمبر ٢٠٠١م، بل بدأ منذ أربعة قرون، منذ ١٠ فبراير ١٦٧٥م حين بدأت مقاومة السكَّان الأصليِّين في أمريكا ضدَّ الغزاة الأجانب. حملوا البنادق وبدءوا المقاومة الشعبية في لانكستر وماساشوستس غرب بوسطن الحالية. تصاعدَت النيران من بيوت الغزاة، (كما تصاعدَت من برجَي التجارة في نيويورك يوم ٩ سبتمبر ٢٠٠٩م)، استمرت المقاومة الشعبية حتى عهد الملك فيليب. تم تدمير ثلثَي المدن والقرى في الولاية التي أطلق عليها الغزاة الإنجليز اسم: «نيو إنجلاند» (إنجلترا الجديدة). امتدت المقاومة الشعبية حتى النصف الثاني من القرن ١٨، قُتل فيها الآلاف من الجانبَين. انتصر الغزاة الإنجليز بقوة السلاح في النهاية، ذبحوا السكان الأصليين وملكوا أمريكا، أصبحوا هم الأمريكيين اليوم. رغم الانتصار العسكري أصابتهم حالةُ رعب نفسية من أي مقاومةٍ شعبية. أطلقوا عليها اسم «الإرهاب»، هكذا يُسمِّي جورج يوش المقاومة الشعبية الشرعية في العراق وفلسطين وغيرهما من البلاد. يمتلئ قلب الأمريكيين بالرعب من المقاومات الشعبية منذ أربعة قرون، بالضبط منذ ١٠ فبراير ١٦٧٥م، منذ جاءوا إلى أمريكا وقاتلوا سكانها الأصليين واغتصبوا أراضيَهم وثرواتهم، دون وجه حق. يُدرِك الأمريكيون حتى اليوم، بمن فيهم جورج بوش وباراك أوباما، وكل من يحملون الجنسية الأمريكية، بمن فيهم أنا، أذار بابك، الأمريكية المهاجرة من إيران، نُدرك أن أراضينا وأملاكنا هنا في أمريكا تم اغتصابها بالسلاح والقتل، وإن تظاهرنا بالبراءة والإنسانية والرقي، نُدرك أننا لسنا إلا مجموعات من الغزاة الهمج المهاجرين، جئنا إلى أمريكا هربًا من الموت أو الجوع أو القهر في بلادنا، تحوَّلْنا إلى قاهرين لغيرنا من الشعوب. نحن مثل اليهود، قهرتهم النازية فإذا بهم يقهرون الشعب الفلسطيني بأشدَّ مما فعلَتْه النازية فيهم.

قلتُ لأذار:

النازية لم تقهر اليهود فقط، بل قهرت كل الذين عارضوا هتلر، من المسيحيين وكل الأديان والأجناس. كان العدو الرئيسي للنازية هم المطالبين بالعدالة الاجتماعية أو المساواة بين الشعب الألماني، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو الجنس أو الطبقة. أطلق عليهم هتلر اسم الاشتراكيين الخونة للنظام الألماني، أو الشيوعيين الملاحدة، من أتباع اليهودي كارل ماركس. كان عقابهم الموت بالرصاص أو حرقًا في الأفران. لم يضطهد هتلر اليهود لأنهم آمنوا بالتوراة (بعض اليهود تعاونوا مع هتلر) بل لأنهم طالبوا بالعدالة الاجتماعية والمساواة. وقد حرق الآلاف غيرهم للسبب ذاته من المسيحيين الألمان وغير المسيحيين. لكن الاستعمار البريطاني خلال القرن العشرين أراد استخدام مأساة اليهود (في ألمانيا) لزرع دولةٍ يهودية في وسط منطقةٍ إسلامية، أطلق عليها «الشرق الأوسط»، للسيطرة على الذهب الجديد في بطن الأرض «البترول». جلب اكتشاف البترول في منطقتنا حروب الاستعمار الأوروبي الإسرائيلي الأمريكي. أصبحت دولة إسرائيل مندوبة الاستعمار الأجنبي في المنطقة، يُشعِلون الحروب الداخلية الدينية للتغطية على الحروب الاستعمارية البترولية، تم استخدام «الدين» كسلاحٍ فتاك ضد الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية. تغيرت النظم السياسية في بلادنا لتصبح نظمًا دينية، تقطع يد صبيٍّ فقير سرق رغيف خبز، وتُغمِض عينَيها عن كبار اللصوص في السلطة الحاكمة داخليًّا وخارجيًّا، تحرق وجه فتاةٍ صغيرة لم ترتد الحجاب، وتغمض عينَيها عن كبار الرجال يغتصبون الأطفال والبنات الصغار، تحت اسم حرية الطلاق للرجل فقط، أو حق تعدد الزوجات أو الإماء لرجال، وما ملكت يمينهم من نساء، أو تحت اسم زواج المتعة، أو الزواج الموقَّت، أو زواج الهبة، وكلها أشكالٌ مختلفة من الفوضى الجنسية للرجال، لا يعاقبهم الشرع أو القانون عليها، أنتجت في بلادنا الملايين من الأطفال «غير الشرعيين».

أصبحوا في الشوارع دون رعاية أو مأوى أو طعام، أصبحوا ضحايا أنظمةٍ دينية غير أخلاقية. تقتل البنات الصغيرات باسم الأخلاق، وتقتل المفكرين والشعراء تحت اسم الخروج عن المعلوم من الدين، أو التهكُّم على الذات الملكية أو الذات الإلهية، لا فرق بينهما.

في الساعة التاسعة والنصف صباح يوم الأحد ٢٨ يناير ٢٠٠٧م في مدنية القاهرة، مصر، قادنا البوليس (أنا وابنتي الشاعرة مني حلمي) إلى النيابة العامة بتهمة «الخروج عن المعلوم من الدين»، يحمل مبنى النيابة اسم «مجمع المحاكم» جدرانه ملطخة بالطين والتراب وبقع الدم.

يتزاحم أمام الباب المخلوع رجال ونساء من الشعب المصري، المقهور على مدى القرون منذ الفراعنة، وجوهٌ ضامرة ممصوصة امتصها الحكام، عيونٌ ذابلة مكسورة كسرها البوليس والنظام. جاءوا من القرى والمدن والنجوع الفقيرة، استدعتهم النيابة للتحقيق والإدانة، أبرياء، معظمهم ضحايا جرائم اقترفها غيرهم. هذا الفتى الغض البريء يأخذونه إلى السجن بدلًا من أبيه الهارب. هذه الزوجة البريئة تدخل السجن بدلًا من زوجها القاتل. هذا الصحافي الذي كتب مقالًا يكشف فساد الحكم والدولة الدينية.

كانت التهمة الموجهة ضدي أنني خاطبتُ الله في مقال لي بالضمير المؤنث «هي» دار التحقيق معي كالآتي: كيف تقولين في مقالك «هي الله»؟

– وماذا تقول أنت؟ «هو الله؟»

– نعم، سبحانه جل جلاله «الله» يخاطب بالمذكَّر، هو، كما جاء في كتابه الكريم.

– الله ليس جسدًا بل روح، أليس كذلك؟

– نعم الله سبحانه روح ليس له جسد.

– الروح في القرآن تخاطب بالضمير المؤنث، أليس كذلك؟ لا شك أنك تعرف هذه الآية القرآنية: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي؛ لهذا ليس من الخطأ مخاطبة الله بصيغة المؤنث لأنه روح وليس جسدًا.

صمَت المحقق طويلًا يفكر في هذه الحجة المنطقية المتمشية مع القرآن: «إذا كان الله روحًا والروح مؤنثة في القرآن فلا بد أن يكون الله مؤنثًا أيضًا.» ربما أخذ يُقلِّب الفكرة في رأسه متحيرًا ماذا يفعل.

إنه شابٌّ في حوالي الأربعين، درس القانون في كلية الحقوق، جامعة القاهرة. أصبح وكيلًا للنائب العام في وزارة العدل، المفروض أن يحكم بالعدل والمنطق وليس بأي شيءٍ آخر. رمقني من تحت نظارته الطبية بنظرةٍ متحيرة، ثم أخذ يحملق في الملف أمامه، يحمل اسم: المتهمة نوال السعداوي، إلى جواره ملفٌّ آخر يحمل اسم: المتهمة مني حلمي.

اتجه إلى ابنتي مني حلمي يسألها عن مقالها المنشور في عيد الأم، العام الماضي، الذي خالفَت فيه شرع الله.

– أنتِ وقَّعتِ مقالك باسم «منى نوال حلمي» وهذا خروج عن الدين؛ لأن القرآن يحض على النسب للأب وليس للأم.

– أنا أردتُ تكريم أمي في عيد الأم الرسمي، الذي تحتفل به الدولة كل عام، وتُذاع فيه الأغاني عن الأم، فجعلتُ اسمها مُشرِّفًا لي مثل اسم أبي. أنا لم أطالب بإلغاء النسب الأبوي لكني أضفتُ إليه اسم أمي، وهذا يتمشى مع جوهر الإسلام الذي يضع الأم في مرتبةٍ أعلى من الأب، والجنة تحت أقدام الأمهات. الأم تعيش وتموت من أجل أطفالها في معظم الأحيان، والأب يعيش ويموت من أجل نفسه في معظم الأحيان، لماذا يتشرد ملايين الأطفال في الشوارع لتخلي الأب عن مسئوليته؟ لماذا تمتلئ المحاكم بآلاف الأمهات المكلومات وأطفالهن بسبب فساد الآباء وأنانيَّتهم؟ لماذا يكون الاحتفال بعيد الأم بالأغاني فقط وليس بالعمل الجاد لإنصاف الأمهات؟

رمقتُ ابنتي بفخر، نعم هذه الفتاة من صلب هذه الأم، فرِحتُ بها وقلتُ للمحقق: المفروض أن تحظى الدكتورة منى حلمي بالجائزة الأدبية الكبرى، لا أن تُحوَّل للتحقيق في النيابة. نحن نعود إلى عصور الظلام يا أستاذ، حيث تفشَّى قانون الحسبة ومعه فساد الحكم ورجال الدين.

خرجتُ مع ابنتي نتمشَّى على شاطئ النيل. قلتُ لها: اكتبي يا ابنتي واكتبي، انشري أشعارك في العالم، أضيئي العقول المظلمة، ولا تهابي سلطة رجال الدين والدولة.

كتبَت ابنتي قصيدة تحت اسم «أمي» وهي في المدرسة الابتدائية:

منذ طفولتي علَّمَتْني أمي، كيف أرفع رأسي عاليًا في السماء، وليس كيف أتكحل وأتعطر لأغري الرجال، كيف أزهو بعقلي وأنا أمشي في الطريق، وليس كيف أُغطِّي أو أكشف جسدي الخليع. أنا أفخر بأمي واسمها وعملها المجيد، وكم رجال تخلَّوا للشارع عن طفلٍ وحيد!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠