ذكرياتي ومذكِّراتي وراء المحيط

٣

المحيط الأطلنطي يمتد تحت بصري إلى ما لا نهاية، وأنا فوق رمال شاطئ مدينة بورتلاند عاصمة ولاية «ميين» أقصى شمال الولايات المتحدة، على حدود كندا. قضيتُ عام ٢٠٠٣م أستاذةً زائرة في جامعة سازيرن ميين (جامعة جنوب ميين) عشتُ في جزيرةٍ صغيرة داخل المحيط اسمها «بيكس أيلاند»، أذهب إلى الجامعة بالفيري. تنقلني السفينة من شاطئ الجزيرة إلى شاطئ المدينة في خمس وثلاثين دقيقة، أمشي مسافة الساعة بالخطوة السريعة لأصل إلى الجامعة. في الصباح الباكر أمشي في رياضتي اليومية حول الجزيرة، في الطريق الدائري بين مياه المحيط وغابة الأشجار التي تظلِّل الجزيرة، كأنما أعيش في حلم أو في فيلمٍ سينمائي.

أصبحت ولاية «ميين» عام ١٨٢٠م الولاية الأمريكية ٢٣، انضمت إلى الاتحاد كولايةٍ حرة، وليست كولاية عبيد كما حدث لولاياتٍ أخرى منها ولاية ميزوري. تُعتبر ميزوري من أكثر الولايات عنصرية وتعصبًا للمسيحية، يُسمُّونها اليوم «سُرَّة حزام الإنجيل» أي مركز الكتلة المسيحية الأصولية.

لكنَّ ولاية «ميين» أكثر تحررًا، لها تاريخ ضد العبودية، يحكي الناس هنا عن شبابٍّ أفريقي اسمه «دارنج» جاء مقيدًا بالسلاسل فوق سفينة إلى جزيرة «ميين»، تحطمَت السفينة قبل الوصول إلى الشاطئ، كاد الكابتن السيد الأبيض أن يموت غرقًا، لكن الشاب المقيَّد بالسلاسل أنقذه بشهامة وإنسانيةٍ نادرة، كافأه الكابتن بأن فك سلاسله وأعطاه حرِّيته.

تقول القصة إن الشاب الأفريقي دارلنج أصبح بطلًا بعد أن حرر الجزيرة من خطر الدبب المفترسة، قتلها جميعًا، زوجوه لعروسٍ جميلة بيضاء مثل سندريلا، أنجب منها ولدَين جميلَين، بشرتهما ليست بيضاء ولا سوداء، بل مزيجٌ خمري من عناصرَ متعددة. انتشر نسل دارنج المتطور الجديد حتى عام ١٨٤٧م، الزواج المختلط حدث في ولاية «ميين» قبل غيرها، كان يهرب إليها السود من العذاب والهوان في الولايات الأخرى، كما هرب إليها سكان أمريكا الأصليون (الهنود الحمر) من تعسُّف السلطة الأمريكية، وصيادون نزحوا إليها من بلدانٍ كثيرة، في هذه الجزيرة اختلطَت الأجناس والألوان. أطلقوا عليها مجتمع مارون، ومسكن الدم الزنجي الجنوبي، تصوَّروا أنها سوف تهدد الدم الأنجلو ساكسن النقي.

دارت حكاياتٌ كثيرة عن تاريخ الجزيرة، أن ربابنة السفن البيض كانوا يعودون إليها ومعهم مومسات وعشيقاتٌ سوداوات من الكاريبيان. عانت الجزيرة من هجماتِ العنصريين ذوي الدم النقي، في إحدى الهجمات خطفوا ٦٠ رجلًا وامرأة، سجنوهم في مبنى مدرسة «ميين» للمجانين أو العقول المتخلفة، ثم قتلوهم جميعًا وهُدمت المدرسة، كانت فضيحةً كبرى كشفت وحشية الأنجلو ساكسن من ذوي الدم النقي.

بعد مائة عام نسِيَت الجزيرة هذه المأساة، لكن ظلَّت العنصرية تفرض نفسها على بعض القوانين، منها قانونٌ يمنع أن تتبنى الأُسرة البيضاء أطفالًا سودًا أو من نسلٍ مختلط. ظل هذا القانون سائدًا حتى يوم ١٠ مايو ١٩٥٩م، حين جاءت بآلام الوضع إلى الولاية امرأةٌ بيضاء، ومعها رجلٌ أسود، ولدَت في مستشفى «ميرسي» طفلةً خمرية اللون سمَّتْها فيكتوريا، لم يكن لأي أُسرة أن تتبنى الطفلة المختلطة الدم. لم ترَ الطفلة أباها الأسود أبدًا، تركَتْه أمها وتزوجت رجلًا أسود اسمه رويل، واحد من الجنود أثناء الحرب العالمية الثانية، كان في إجازة يتمشى في شوارع «ميين»، حين التقى بأم فيكتوريا، حملت الطفلة اسم زوج أمها، أصبح اسمها فيكتوريا رويل، راقصة بالية معروفة، كتبَت مذكِّراتها ونشرَتْها حين كنتُ هناك، في تلك الجزيرة الجميلة على الشاطئ الأطلنطي، ذات التاريخ المجيد ضد العبودية، والثلوج البيضاء المتألقة تحت الشمس.

أستعيدُ صورة أول سفينة تحمل العبيد من أفريقيا، وصلَت إلى هذا الشاطئ في عام ١٦١٤م، ألغى الدستور الأمريكي الرق رسميًّا عام ١٨٦٥م، لكن العنصرية ظلَّت تحكم أمريكا ضمن النظام الطبقي الأبوي المسيحي. صدر أمر المحكمة العليا عام ١٩٦٥م بإنهاء الفصل العنصري بين البيض والسود، بعد هزيمة أمريكا في حرب فيتنام، والمظاهرات ضد التفرقة بقيادة مارتن كينج ومالكوم إكس.

الشمس مشرقة في منتصف يوليو مع الدفء الحاني، الثلوج تغطي الأرض طول الشتاء والربيع، وجزءًا من الخريف. أُحب السير فوق الثلج أحيانًا، لكني أعشق دفء الشمس، مياه المحيط باردةٌ في عز الصيف، لا أستطيع السباحة في هذا المحيط، أرقُبه من الشاطئ بحذر، أمد قدميَّ إلى الأمواج الصغيرة المنكسرة عند الشاطئ. من البعد تبدو الأمواج مخيفة، كم غرق من العبيد تحت هذه الأمواج، كانت السفينة الواحدة تحمل ٤٠٠ عبد من النساء والرجال والأطفال، كان الزحام شديدًا في قاع السفينة، حيث يتكدس العبيد، يموت بعضهم بالجوع أو المرض، أو يُلقي بهم تجار العبيد إلى المحيط، للتخفُّف من الحمل أثناء الطريق، يصل إلى الشاطئ ١٠٠ فقط أحياءً من اﻟ ٤٠٠، يموت نصفهم بالرصاص أو بالضرب، أثناء الهروب في الغابات والأحراش عند الشاطئ.

قرأتُ رواية أليكس هيلي «روتس = جذور»، حكى قصة حياته كعبدٍ أفريقي، كيف خطفوا جدَّه ونقلوه عَبْر المحيط إلى أمريكا. لعبت الرواية وغيرها من الروايات، دورًا في رفع الوعي بقضية تحرير الزنوج، مع ترجمة أعمال «بريخت» إلى الإنجليزية، وكتابات أخرى أضاءت العقول وشجَّعَت الثورة والتمرد، ضد الظلم والعنصرية، بقيادة أبطال الحركة الزنجية.

بريخت قال هذه العبارة: «بائسةٌ هي الأرض التي في حاجة إلى أبطال.»

أصبح أدب بريخت منبرًا فكريًّا أدبيًّا لملايين المقهورين في العالم. في قلب مدينة نيويورك أنشأت الحركة الثورية من البيض والسود «بريخت فورام»؛ ملتقى ثقافي أدبي فني، يدعو إلى مقاومة العنصرية، والكفاح ضد أي تفرقة بين البشر، على أساس اللون أو الجنس أو العرق أو الدين أو الطبقة. تجمَّع حول بريخت فورام المثقفون والفنانون من السود والبيض والنساء والشباب، طاردتهم السلطة الحاكمة بتهمة الشيوعية والإلحاد، أو الخيانة الوطنية، لكن بريخت فورام قاوم القهر وظلَّ يعمل حتى اليوم. وقد دُعيتُ عدة مرات إلى هذا الملتقى خلال السنين الماضية، لإلقاء كلمتي في يوم المرأة العالمي أو يوم إلغاء الرق أو العنصرية، أو في مظاهرة ضد التسلُّح النووي، أو ضد الحرب في فلسطين أو العراق أو غيرهما.

قامت الحرب الأهلية في عهد أبراهام لنكولن (الرئيس الأمريكي رقم ١٦)، واضطُر إلى إلغاء العبودية بقراره في ١٨٦٣م، إلا أنه ظل مؤيدًا للرق والعبودية حتى اغتياله في ١٤ أبريل ١٨٦٥م، كان لنكولن براجماتيًّا، بمعنى أن الحقيقة تُختبر بالنتائج العملية للإيديولوجية أو للأفكار المطروحة، لم يكن يهمه تحرير العبيد، بل كان هدفه الاتحاد أو الوحدة بين الولايات، أن يُوحِّد الصفوف بصرف النظر عن الاختلافات؛ بمعنًى أخر، تجاهل مشاكل الزنوج والنساء والفقراء، أو تجاهل المشاكل الطبقية الأبوية والعنصرية، من أجل إنشاء الولايات المتحدة الأمريكية. كان أبراهام لنكولن مزدوج المقاييس السياسية والأخلاقية مثل بيل كلينتون وغيره من الحكام في الغرب والشرق، تُؤدِّي البراجماتية إلى الازدواجية وبالتالي غياب المبادئ والأخلاق.

كشفَت العشيقة السرية «مونيكا لوينسكي» عن فساد أخلاق الرئيس الأمريكي «بيل كلينتون» في التسعينيات من القرن العشرين، كما كشفَت «سالي هيمينجز» العشيقة السرية للرئيس الأمريكي «جيفرسون» ثم كشفت بحوث (دي. إن. إيه) عن أطفاله المجهولِين من جاريته السوداء «سالي هيمينجز». كل يوم تعلن وسائل الإعلام عن فضيحةٍ أخلاقية جديدة، أو عشيقةٍ سرية لأحد الحكام أو أعضاء الشيوخ أو البرلمان، كلما اقترب الرجل منهم إلى القبر تعلَّق بفتاةٍ صغيرة، وما خفي كان أعظم في حياة الرجال البراجماتيين.

البراجماتية نشأت في أمريكا لتدعيم الرأسمالية الأبوية المسيحية، وكانت براجماتية «جون ديوي» الفيلسوف الأمريكي، ومعاصره فرانكلين روزفيلت (خلال الثلاثينيات من القرن العشرين)، إصلاحية وليست ثورية. أراد تحسين نواقص الرأسمالية الصناعية المبكرة، وليس إسقاطها كنظامٍ يقوم على الربح والاستغلال والحرب، واستخدام المسيحية كعقيدةٍ طبقية أبوية عبودية، تقوم على العنصرية والتفرقة بين الناس على أساس الدين والجنس والطبقة.

إذا كانت الحرب في صالح أمريكا فإن الحاكم البراجماتي يشعلها: من «لنكولن» حتى «بوش» الأب والابن، تحقيقًا للمصالح القومية الأمريكية، دون مراعاة المبادئ الإنسانية والقوانين الدولية، التي تقتضي العدالة والمساواة بين الشعوب؛ لهذا لم تتوقف الحروب الاستعمارية في العالم، بقيادة الترسانة العسكرية الأمريكية.

في داخل أمريكا تزداد الهوة بين الأغنياء والفقراء، ١٪ من الشعب الأمريكي يحصل على ٢٠٪ من الدخل القومي، تُشجِّع أمريكا كل التيارات الدينية الإرهابية لتحقيق مصالحها الاقتصادية، منها القوى اليهودية والمسيحية لتدعيم إسرائيل، ومنها القوى الإسلامية لضرب كلِّ من يُعادي الرأسمالية الذكورية.

ورث الأمريكيون عن آبائهم الإنجليز القيم المزدوجة الاستعمارية، يغرق تاريخ بريطانيا في الفساد والدم والحروب. في القرن ١٧ (بعد أحداث ١٦٤٢م) قامت حربان أهليتان انتهتا بقطع رأس الملك شارلز الأول، ثم ١٠ سنوات كرومويل، أحداث ١٦٦٠م، ثم الطاعون الأعظم في لندن ١٦٦٥م، ثم الحريق الأعظم في لندن ١٦٦٦م، الذي عالج الطاعون، ثم قامت ثورة ١٦٨٨م، أعلنت الملكية الدستورية في ١٦٨٩م، لم تكُفَّ الصراعات بين الملوك والبرلمان، لم تكُفَّ الحروب بين الكاثوليك والرومان، وبين الأنجليكانيين والبيوريتانيين، وبين الاسكتلنديين والأيرلنديين والإنجليز، بحور من الدماء.

انتقلَت بحور الدماء إلى أمريكا بمجيء الإنجليز إلى شواطئها من الشمال في نيوإنجلاند، وإلى شواطئ فلوريدا وكارولينا في الجنوب، لم تكُفَّ الحروب بين الإنجليز وغيرهم من المهاجرين الفرنسيين والهولنديين، جاء الفرنسيون قبل الإنجليز بخمسين عامًا، في عام ١٥٦٠م. في عام ١٦٨٢م ذهب القائد الفرنسي «لا سال» إلى نهر الميسيسبي محاولًا غزوه لصالح الملك لويس XIV في فرنسا، كان «لا سال» تاجر فرو من «الكيبيك» المستعمرة الفرنسية في كندا، سافر «لا سال» إلى فرنسا ليُقدِّم للملك خريطةً خاطئة عن نهر الميسيسبي، ترسم النهر قريبًا من مناجم الفضة في ولاية «نيو ميكسيكو» المستعمرة الإسبانية. واصل الأمير ابن الملك الفرنسي الحرب ضد الإنجليز والإسبان للسيطرة على أمريكا الشمالية، واستطاع السيطرة بالسلاح على دلتا الميسيسبي عام ١٧١٨م، وأنشأت فرنسا مستعمرتها في ولاية لويزيانا، بالقرب من خليج المكسيك، وتأسسَت مدينة «لا نوفيل أورليانز» عاصمة لها هذا العام ١٧١٨م، قبل أن يتغير اسمها إلى «نيو أورليانز» تحت سيطرة الإنجليز، بعد حروب بين الفرنسيين والإنجليز والإسبان والألمان والأمريكيين المستوطنين، الذين جاءوا من ولايات أخرى مثل كارولينا وفرجينيا.

كانت السفن المحملة بالعبيد الأفارقة تصل تباعًا إلى نيو أورليانز، أصبحَت مركزًا للإمبراطورية الأمريكية الجديدة القائمة على العبودية، على تسخير العبيد في العمل بالأرض حتى الموت، أو الفرار هربًا إلى ولاياتٍ أخرى.

جاء نابليون إلى الحكم في فرنسا في نوفمبر ١٧٩٩م، كانت الإمبراطورية الإسبانية تتساقط منذ ١٧٩٠م، تفاوض نابليون سرًّا مع الملك كارلوس لإعادة ولاية لويزيانا إلى فرنسا. في عام ١٨٠١م اكتشف الرئيس الأمريكي «توماس جيفرسون» خطة نابليون، فاستعد للحرب ضدُّه، لكن نابليون كان قويًّا عسكريًّا، تفاوض معه جيفرسون بدلًا من الحرب على شراء مدينة نيو أورليانز بالمال، سافر السفير الأمريكي إلى فرنسا سرًّا ليشتري المدينة من نابليون، كان نابليون يعاني هزيمته في جزر الكاريبيان، وتحرَّرَت هايتي من الاستعمار الفرنسي، وأعلنت جمهورية هايتي المستقلة، فوجئ السفير الأمريكي باستعداد نابليون، ليس لبيع مدينة نيو أورليانز وحدها بل لبيع ولاية لويزيانا كلها، من الجنوب عند خليج المكسيك، إلى الشمال في كندا، كل مجرى نهر المسيسيبي.

حكم الأنجلو أمريكان بدل الفرنسيين والإسبان، زاد القهر والاضطهاد للعبيد السود، بدأت المقاومة ضد العبودية من «ميدان الكونجو» في قلب مدينة أورليانز، أصبح هذا الميدان من ١٧٥٠م حتى ١٨٥٠م المكان حيث يتجمع العبيد الثائرون، يلقون الخطب والقصائد الداعية إلى الثورة، يرتج الميدان بكلماتهم النارية، وإيقاع رقصهم الأفريقي، «الروك أند رول»، كلمة «روك» تعني «يرجُّ» بمعنى أنَّ إيقاع الرقص كان يرجَّ المدينة. هكذا بُني الأساس لرقصات الروك أند رول عام ١٩٤٧م في ميدان الكونجو في نيو أورليانز عام ١٧٥٠م.

أصبحَت نيو أورليانز مركزًا اقتصاديًّا وثقافيًّا وفنيًّا هامًّا منذ ١٨٠٣م، موسيقى الجاز تطوَّرَت خلال ١٨٠٠ سنة. تحكي الموسيقى تطوُّر المكان والزمان، ثقافة السود في المدينة، كانوا خليطًا من أجناسٍ متعددة، أُطلق عليهم اسم «سيريول»، أول سفينةٍ رست على شاطتها حملَت العبيد من «بنين»، أوائل الحكم الفرنسي. ومن نهر السنغال، جاءوا إلى نيو أورليانز بآلاتهم الموسيقية، وغنائهم، كانوا أساس موسيقى الجاز والبلوز. من الكونجو جاءوا إبَّان الحكم الإسباني، ومعهم الطبلة والرق والمزمار. انتقل الرقص والموسيقى والغناء من أفريقيا إلى كوبا، من هافانا إلى هارلم حي الزنوج في نيويورك، موسيقى الأفروكاريبيان وغيرها، كلها بدأت في ميدان الكونجو في نيو أورليانز، منذ ١٧٥٠م، تطوَّرَت عَبْر الزمان والمكان، دخلَتها آلاتٌ أوروبية وأمريكية، تزاوجت الطبلة مع الجيتار والكمنجة، وتزاوج البيض مع السود لإنتاج فصائلَ جديدةٍ من البشر، وأنواعٍ متطورة من الموسيقى والرقص والغناء.

سافرتُ إلى جزر الكاريبيان وإلى هايتي، سافرتُ داخل أمريكا الشمالية والجنوبية، من أقصى الشمال في كندا إلى المكسيك والبرازيل، سبحتُ في المحيط الأطلنطي في مدينة نيويورك، تمدَّدتُ تحت الشمس على شواطئ كارولينا وفلوريدا، خالطتُ كل الأجناس والألوان، أدركتُ كم يتطور الإنسان باختلاط الدماء، كلما تعدَّدتِ الأجناس داخل الإنسان ترقَّى، وأصبح أكثر إنسانية. نقاء الدم غير موجود في الواقع الحي، الهوية النقية هي العنصرية.

أثناء حرب الاستقلال في هايتي (١٧٩٦–١٨٠٤م) هرب آلاف الفرنسيين المزارعين، هرب من الموت أيضًا خليطٌ من الأجناس، سود وملونون وسيريول، وأيضًا آلاف اللاجئين الكوبيين الذين فروا من الحكم الإسباني في كوبا، هربوا جميعًا من سان دومنيك، المستعمرة الكاريبيان الغارقة في الدم، وأصبحوا ضمن أهل نيو أورليانز، تم إثراء المدينة والثقافة والفنون بهذا الخليط النادر من البشر، وظلَّت هذه المدينة غريبة عن ثقافة الكاوبوي الأمريكية التي روَّجَت لها ما أُطلق عليها الحضارة الأمريكية الحديثة.

تنطوي ثقافة الكاوبوي على القتل والخداع. توارث حكام أمريكا هذه الثقافة المخادعة، بنَوا حكمهم على مؤسسات التجسس من نوع اﻟ «سي. آي. إيه». استخدم تومس جيفرسون الخداع لإحباط الثورة في هايتي، رغم عدائه لزعيمها «توسان»، كان يُقدِّم له السلاح خلسة لإضعاف قوة نابليون، ثم مات توسان في السجن إثر خديعةٍ أخرى، لكن الثورة في هايتي استمرت بعد موت توسان حتى الاستقلال.

أصبح جيفرسون بطلًا في التاريخ الأمريكي الملطخ بالدم؛ لأنه نجح في الاستيلاء على ولاية لويزيانا من الفرنسيين، وكان جيفرسون عنصريًّا يُخفي عُنصريَّته تحت قشرةٍ ناعمة من الإنسانية، واصل تسخير العبيد في الواقع الحيِّ، رغم إصداره قرارًا يعلن إنهاء العبودية. أما فساده الأخلاقي فكان يُغلَّفه بالحديث عن الأخلاق المسيحية النبيلة. في عام ١٩٩٨م لم يكن لأحد أن يكشف أطفاله المجهولين من جاريته السوداء لولا العلم الحديث وأبحاث الدي. إن. إيه.

في عام ١٨٠٧م منعَت بريطانيا تجارة العبيد تحت ضغط الحركة الشعبية بقيادة الكويكرز. منذ اشترى جيفرسون ولاية لويزيانا من نابليون وأصبحت نيو أورليانز جزءًا من أمريكا، تصاعدت القوة الإمبريالية الأمريكية. في عهد جيفرسون عام ١٨٠٨م تم منع التجارة بالعبيد من الخارج فقط، انتعشَت تجارة العبيد داخل أمريكا، لتسخيرهم في الزراعة، خاصة القطن، في ألباما والمسيسيبي ولويزيانا وتكساس.

زاد أعداد العبيد الزنوج من ٩٠٠٠٠٠ إلى ٤ مليون في النصف الأول من القرن ١٩، نزحوا من حول فلوريدا إلى نيو أورليانز بالقوارب، أصبح الاقتصاد يقوم على السخرة في الأرض، وعلى رأس المال المتجمع من بيع العبيد في السوق مثل البقر والغنم. الجارية السمراء كان ثمنها ٧٠٠٠ دولار، تُباع أو تُقدَّم كسلفة أو قرض، كانت سوق العبيد تجلب أرباحًا أكثر من الأرض. في عام ١٨٦٠م جلبت سوق العبيد والجواري ٤ بليون دولار، سبعة أضعاف الدخل الأمريكي كله.

ظلَّت نيو أورليانز مركزًا لهذه العبودية المتوحشة حتى الحرب الأهلية، بعد معركة نيو أورليانز عام ١٨١٥م، وهزيمة أمريكا، تصاعدَت الحرب الأهلية، ثم الحركة المدنية لتحرير السود، وخروج الملايين من السود والبيض في مظاهرات ضد العبودية على مدى مائة وخمسين عامًا، حتى اغتيال قائد الحركة الدكتور مارتن لوثر كينج، في منتصف الستينيات من القرن العشرين، رغم المآسي التي مرت بها المدينة من غرق الآلاف بفعل الهاروكينات القادمة من المحيط، أو انهيار السدود فوق نهر المسيسيبي، أو تزايد الفقر والبطالة مع أزمات الرأسمالية المتوحشة. ظلَّت مدينة نيو أورليانز مركزًا للثقافة والفنون، والموسيقى والغناء. يرجُّ إيقاعُ رقصها الروك أند رول أركانَ الإمبراطورية الأمريكية وقصورها المنيعة، يهزُّ جدران البيت الأبيض المتينة في العاصمة واشنطن. أجل كانت نيو أورليانز «المهد» الذي خرجَت منه الإمبراطورية الأمريكية من العبودية، أتكون «مقبرتها» أيضًا؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠