العتب على النظر

من كام يوم جاءني حسن:

– قل لي يا دكتور.

– أقول لك يا حسن.

– هو فيه للحمير نضارات؟

ضحكت.

فلا بد حسن يريدني أضحك.

– لأ، جد!

لا بد يريدني لا أضحك.

سكت، وإليه نظرت.

– ما تقول لي يا دكتور.

– أقول لك يا حسن.

– مش للحمير نضارات زي البني آدمين؟

كل كذا عام،

لك يا حسن سؤال.

– لا يا حسن الحمير ما لهاش نضارات.

– طب والعمل؟

وحماري لازم له نضارة.

– إيش عرفك؟

– بقى يضبش،

ويدخل على مراتي،

يفتكرها الزكيبة.

هي تخينة زي الزكيبة

إن جيت للحق،

صحيح تخينة،

إنما مش زكيبة.

– يمكن بيغلط، وكل حمار له غلطة.

– بس ده غلطه كتر،

وبدأ يحرن،

ويتوه عن الدار،

ومرات يخبط راسه في الحيط.

– عشان حمار يا حسن.

– لا، عشان بقت عينيه شيش بيش يا دكتور.

– وديته لحد يشوفه؟

شافه البيطار.

– وقال لك عايز نضارة؟

– قال بيعه، دا شُرُك، بيعه.

– بيعه.

– ما يجبش تمنه.

والحمير الجديدة سوقها نار.

– والحل؟

– عايز له نضارة يا بيه.

– أنت اتهبلت؟

نضارة إيه لحمار يا حمار؟

– قول اللي تقوله،

إنما أنا في عرضك.

غيتني.

– إزاي؟

– اتوسط لي في نضارة.

– والنضارة بوسايط؟

– كله بوسايط النهارده.

– إلا النضارة،

مش عايزة واسطة.

– أمال عايزة إيه؟

– عايزة كشف.

– والكشف فين؟

– عند بتاع النضارات.

– يبقى خلاص، فُرجت.

أنا وقعت م السما يا بيه،

وأنت استلقيتني.

ست كيلات فول،

واعمل له نضارة.

أني حالي واقف،

ومن يوم ما وغوش،

أني سنقرت.

•••

وقعدت أضحك.

أفتكر حمار حسن

لبس نضارة،

أموت على نفسي م الضحك،

لدرجة قلت: لا بد،

وبكل طريقة يا حسن،

أعمل لحمارك نضارة.

•••

لعم ناجي خدت بعضي ورحت،

وعملنا اجتماع،

ومن حيث المبدأ وافق،

وفضل التنفيذ،

والتنفيذ عايز كشف،

والكشف عايز علامات.

وأنهي حمار ده

اللي

ح يعرف فتحة العلامة منين؟

منين ح تعرف الفتحة يا حمار؟

•••

وانضم حسن أبو علي لينا.

وعلى أعلى مستوى قعدنا نضبش.

وجانا الحل من حسن.

حل مالوش مثيل.

يا ابن الإيه يا حسن!

أما حتة حل!

•••

سهِّم حسن وقال: يا بيه ويا عم ناجي،

الحل عند الحمار.

– إزاي يا حسن، إزاي؟

فتح حسن بقه وبص لكمه الشمال،

وانكسف.

هو بينكسف كده.

وقال:

الحل حمارة الصاوي جاري،

كان ساعة ما بيشوفها،

ينهق عليها،

ولما نظره ضعف،

ما بقاش ينهق

إلا لمَّا يقرب عليها قوي،

وكل يوم والتاني

ما كانش يزر ودانه

إلا لمَّا يدوبك

بوزه ينشه ديلها.

•••

وبعد مفاوضات،

والصاوي خايف على حمارته،

ولولا إن عم ناجي

كبرت في دماغه،

ما كانش حصل

وتم وجرى الترتيب.

نوقف حمارة الصاوي على بعد قصبة،

وحمار حسن على باب الدكان،

وأنا أمسك شنبر الكشف،

وناجي يغير العدسات؛

بحيث لما يحط العدسة المظبوطة

نعرف أنها هي من نهيق الحمار،

ما دام كل ما كان يشوفها ينهق،

فضروري لما يشوفها ح ينهق،

ونعرف العدسة المظبوطة.

– وعدسات عينينا تنفع لعينين الحمار؟

– تنفع ونص.

قالها عم ناجي، وفتح الصندوق،

وصبيه طرد العيال، ووقف زنهار،

وحددنا مكان الحمارة،

ومكان الحمار،

ودورنا الحمارة،

وخلينا راس الحمار

على خط مستقيم،

يصل بين نقطتين؛

ديل الحمارة،

ومناخير الحمار،

وثبتنا الشنبر بدوبارة وحوالين الودان

ربطناه، واشتغل يا عم ناجي،

وثبِّت الهدف يا عم صاوي،

وانهج يا حسن وكأنك حاضر،

أول عَمْلة في التاريخ

يعملها إنسي في حمار.

•••

زيادة في الاحتياط ثبِّت أنا الشنبر،

وزيادة في الاحتياط مات حسن على صندوق العدسات،

وبسمل عم ناجي، وكلنا وياه،

وحط أول عدسة،

واستعدل بوز الحمار،

نفخ الحمار وعطس وهز كده وكده راسه،

وكأن شيء ما كان.

تاني عدسة،

خاف الحمار، واتاخد وغمض عينيه،

وبدأ يرفص،

سهِّل علينا ناجي وقال: أصلها عدسة بتكبر،

ولازم شاف الحمارة بغل قدامه.

التالتة مسكنا لها جامد،

ورمش الحمار عشر رمشات، وابتدا يبحلق،

وزر ودانه،

وبان عليه علامات جد وخطورة،

ولحقه عم ناجي بعدسة على العين الثانية،

حمحم الحمار ونفخ صدره،

وزفر بصدر محروق،

وراح مطلقها،

تنهيقة مفاجئة خدتنا على خوانة،

وكأن قنبلة انفجرت،

تنهيقة وأتبعها بالتانية،

ورفع للسما راسه،

وتشعبطنا نمسك العدسة والشنبر،

وغارة نهيق هاجت،

ومعاها ضحكنا هاص،

ينهق ونضحك،

وحسن م الفرحة طاير،

وحمارة الصاوي للنهيق

نخت، ووسعت فتحة البرجل،

وابتدا يفلفص،

وحسن يصرخ: أهو شاف.

– إيش عرفك؟

شاور.

شيء خرافي غريب يجعلك

تؤمن أن الجسد حيوان ساعة اللزوم يظهر،

لا عقل له ولا فيه ولا أدب يعرف،

حيوان حماري أسود غليظ بشفاتير،

زي مارد كان في الجسم متخبي،

ثانية ادلدل من القمقم،

مارد طويل تخين يجعلك تتمنى تبقى حمار مثله،

خرجته من جحره زي الكمين الحي يستنفر.

شيء لا بد معه تتأمل،

وتنكسف له،

كأنك الغلطان،

وارتبكنا إحنا الكل خايفين نبص

ليكون عيب،

ومش قادرين نشيل عينينا؛

لأن البصر من مكمنه بينشد،

ومن غير أمر ولا خطة الظاهرة

عمالة وشغالة والحمار ينهق،

والوحيد الباصص بعيون الفرح والفخر،

حسن أبو علي صاحب الحمار.

– يعمر بيتك يا دكتور!

تسلم إيدك يا عم ناجي.

أنا طالب القرب يا صاوي،

وحمارتك أهه، موافقة.

والجمهور على الجوانب انتابته حالة،

وكأنه بريمة اندكت في برقع الحيا للآخر،

وحمحمة ورا حمحمة سخن الحمار والزمان،

دا جنن الجدعان،

وهُب، قطعت رجليه القيود،

واندفع خطوة،

خطوة واحدة بس؛ لأن العدسات نطت،

والشنبر طار،

وهديت تمامًا وفي الحال، وحين كف البصر، حركة

الحيوان،

وعاد أليف مستأنس.

ارتخت ودناه،

ودلدل بوزه،

وصرخ حسن:

في عرضك يا عم ناجي!

الحقني يا دكتور!

الفرحة ما تمت،

والدنيا بقت هس.

لكن حماسنا كان لسه،

ومرة تانية ثبِّتنا الشنبر،

وجاب ناجي عدسات أضبط.

والنهيق عاد،

وفي السما لعلع،

وما عرفناش اللي حصل إيه.

في نطة جامدة كان عند الحمارة،

ودماغه زقت عمك الصاوي،

وقدام عينينا ظاهرة كونية،

وعفاريت الجسد في عز الضهر اتجننت،

ولا عاد حمارة من حمار ولا ذكر من أنثى.

الحياة الحمارة بغشوميتها وغبائها أصبحت أرقى،

والقانون اللي عمل أنثى وذكر أصبح مرعبًا،

وهو يطلق عقال طاقة الالتحام،

ولا الرعب النووي له الجميع انشل.

الطبيعة بصراحة وبلا خجل وعيني عينك

تتكلم بأعلى صوت، تصرخ، تجأر،

تضع في أجسادنا الزلازل، وداخلنا تفجر البراكين،

لحظة اختلال كون،

ولَّا انتظامه،

منتهى عقله،

ولَّا منتهى جنانه.

لحظة لا قيمة فيها إلا قيمتك كذكر الطبيعة أو

كأنثاها،

ولتذهب العقول والضوابط للأطفال والعاجزين،

يلعبون ويعزُّون بها الأنفس،

لحظة الفيض.

الأجساد ثائرة وفائرة تدفق رحيقها،

بكل بدائية تفجرات الشمس،

ومد القمر،

ووحشية الإعصار.

•••

واختفى الكل ولم يعد سوى ثلاثة:

حمار حسن، وحمارة الصاوي، وقامة قصيرة تشب

وتريد.

مطاولة الموقف واللحظة، قامة أبو علي وقد فقد،

للحظة، وعيه الكامل وملامحه، وقد أصبحت تنطق

بالسرياني، وتزمجر بأزيز يرعب حسن ويرعبنا.

•••

ولا تتصور ظاهرة مهولة كهذه،

تنتهي كما انتهت، فجأة، ويحل السكون عاتيًا

شاملًا وكأنه العودة إلى القبر.

•••

ودعونا من خناقة حسن والصاوي.

فالصاوي أنشب أظافره في حسن بدعوى أن الاتفاق كان على الكشف من بعيدٍ لبعيد فقط، ولم يكن الوثب أبدًا داخلًا في اعتباره. وحسن يرد بغرور أن على الصاوي أن يحمد الله، فحمارته من فرط قبحها بائرة السوق، وفي جوفها الآن نطفة حمار حصاوي منياوي، لا يقل أجرها عن جنيه.

وكأنهما بالاشتباك الذي دار والعمامات التي تهدلت والصراخ والجئير يعيدون للكون نشازه بعد انسجامه، وضجته التي لا معنى لها بعد فحيح الضجيج الخالق.

أما حسن، فقد أصبح قتيل النضارة، تلك النضارة بالذات، فلم يعد مهمًّا لديه أن يرى بها حماره الطريق، الأهم، الكسب. كان يأتي بنضارة الوثب تلك، الوثبة بجنيه، سعر محدد، منها خمسة وعشرون قرشًا بدل نظر، أو بالأصح بدل نضارة.

أما عم ناجي فقد تطوع بتصنيع شنبر خاص لحمار حسن، بل وأحضر له عدسات أكبر، وأصبح حمار حسن ونظارته من معالم القرية، وبالذات نقطة جذب السياحة الداخلية لأهالي القرى المجاورة.

وعاث الحمار في أرض القرية بنظارته فسادًا، فلم يترك أنثى على حالها، بل أحيانًا كان يناوش حتى ذكور الحمير.

وأشاعوا أن حسن أرسل حماره لكُتَّاب الشيخ حسنين، وأنه تعلم القراءة بسهولةٍ تامة، إذ على رأي عم ناجي: أنا مركب له نضارة تقرا لوحدها.

بل وفعلًا، وقد رأيت هذا بنفسي، كان الحمار كثيرًا ما يُرَى وهو يحدق في مانشتات الصحف الحمراء، وإن بعضها كان يعجبه فيلعقه بلسانه، والآخر كان لا يعجبه، فيمضغ الصحيفة وعنوانها، ثم لا يلبث أن يبصقها، وينهق بشدة علامة الضيق الشديد.

وربما لهذا صمم حسن على منعه من الاطلاع على أي جريدة أو مجلة، فقد لاحظ أن القراءة بنظارة الوثب تقلل كثيرًا من قدرة دابته، ويخسر بعدها بضعة جنيهات من جراء «سدة النفس» التي تحدث لحماره، عقب كل جريدة يقرؤها ويمضغها ويبصقها، وجاهلًا سيصير الحمار، وماذا يهم؟! الأدب أو قلته فضلوه على العلم.

•••

ومن يومين جاءني حسن،

وسألته عن الحال، قال: لبن.

وعن النضارة، قال: حديد،

وعن الحمار، قال: عقبال أملتك،

ثم ابتسم، مخفضًا فتحة فمه إلى أسفل، راشقًا

عينه في كمه الأيسر، طريقته في الخجل، ثم

بتنهيدة من أعماقه قال: ألَّا قول لي يا دكتور.

– أقول لك يا حسن.

– ما دام نضارات البني آدمين بتنفع الحمير، يا ترى

نضارات الحمير تنفع للبني آدمين؟

– ليه يا حسن؟

سألت.

قال: أصلي عايز أتوكل على الله، واعمل نضارة.

إليه نظرت،

ورفضت أن أضحك،

فماذا بالله عليكم يُضحك في السؤال؟

بالله عليكم، ماذا في هذا رغم ذاك، يضحك؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠