أُمُّه

في ليلة شتاء وجدها.

ثالث شجرة قبل النفق وجدها.

واحدة من أشجار «أم الشعور» القائمة على جسر النيل عند نهاية شارع قصر العيني.

كان قد طفش.

مرة أخرى طفش.

جرَّب عربات القطار القديمة المركونة صدئة على القضبان لا تستعمل، وتحمَّل «العُلقَ» التي كثيرًا ما كان الخفراء يوقظونه بها، حتى هجر السكك الحديدية، وجرَّب أسفل عربات النقل في «الدراسة» والفجوات الكائنة في سور «فم الخليج» والمقابر والخرائب وحظائر المواشي في «المدبح»، وأشياء، وأماكن كثيرة جربها، وكان البشر دائمًا يطاردونه كما يطارَد الكلب المسعور أو الأجرب.

كان طفش.

منذ أن طرده زوج أمه وهو يطفش.

كان يحب أمه، وكانت أمه تحبه، وأبدًا لم يرَ أباه، إلى أن جاء ذلك الرجل، وبدأت أمه تبدو ضعيفة لا حول لها ولا قوة أمامه. سكران يأتي هائجًا، ومسطولًا مرة، يأتي ويفرغ هياجه وسطله في أعماق أمه المسجَّاة تتلوى، يأتيه صوت أنينها ولهاثها، وقد أحاله وأحالها الزوج الجديد إلى سائل أنثوي ذائب من لحم طيِّع وقلب بدأ بالتدريج يلين، وعنه يتحول ويبتعد.

هكذا أحس وظل يحس. كل يوم قلب أمه عنه يتباعد، وناحية الرجل ونزواته العارمة يقترب، ويتشكل، ويستجيب، ويتميع، حتى صحا يومًا فوجد الرجل قد أخذ أمه تمامًا مثلما أخذ الموت أباه. وحين أثمر الزواج الجديد طفلًا انتفخ له بطن أمه، أدرك أن الشعرة التي كانت تربطه بذلك البيت «الحجرة» قد انقطعت، وأجبره الرجل على ترك المدرسة والعمل كصبي نجار. واستغاث بالأم مستنجدًا، ولم يفاجأ أبدًا وهي تصيح فيه صارخة طالبة منه أن يخرس حتى لا يوقظ الرضيع. ومالها النجارة؟! على الأقل تعلِّمك، يا بن الكلب، حرفة. ابن الكلب يا أمي، أصبح أبي هو الكلب. دامع العينين قَبِل، ولكن النجار كان قاسيًا، وكان هو كثير السرحان والتوهان، وبالشاكوش أحيانًا، وأحيانًا بفردة القبقاب ومعه أقبح الشتائم كان يضربه.

وطفش.

صاحب أولادًا من جامعي الأعقاب والمتسولين، وعمل صبيًّا في محلات، وأرغموه على أن يدفع ثمن مبيته لدى أيهم من لحمه وكرامة الرجل الطفل الذي كبَّرته الأيام بسرعة، يدفع الشيء الكثير.

ومرة أخرى طفش.

من كل طفشان كان يطفش، من الأعور الذي حاول أن يعلِّمه النشل طفش، من الأعمى الذي حاول أن يجعله يسحبه، ويشحذا معًا، طفش، فكثيرًا ما كان يدفعه من ظهره بعضوه البارز أبدًا. من المرأة التي أخذته ليلة وفي حضنها أدخلته رُوِّع وطفش. والمشكلة لم تكن طفشان النهار، فمن أكوام القمامة تعوَّد أن يجد دائمًا في الأكوام ما يأكله، لا، لم يكن يفعل كالكلاب الضالة والقطط. كان يعرف كيف يفتش وينتقي، ودائمًا ما كان يعثر على شيء طازج، أو بالقليل غير حامض، في بحر النيل يغسله وينظفه، حتى قطع الخبز كان يغسلها وينظفها ويدعها للشمس تجففها وتسخنها استعدادًا لمأدبة قادمة حافلة.

المشكلة في الليل والمأوى.

وفي ليلة شتاء وجدها.

الشجرة جذعها من جذور، ولهذا يسمونها «أم الشعور»، فجذورها في الهواء، تلتحم معًا، وتجف ملتحمة، وتصنع جذعًا وساقًا، تتولى عشرات السنين تضخيمه وتكبيره ليتحمل عبء الشجرة المهول. ولأن ساقها جذور متلاصقة؛ فهي لا تكون جذعًا مستديرًا مصمتًا، ولكن يظل في الجذع فجوات هي تلك المسافات التي كانت تفصل الجذور، فجوات كبيرة وصغيرة، مفتوحة من الناحيتين مرة، ومغلقة أحيانًا صانعة عشًّا مسقوفًا ذا فتحة واحدة.

ذات ليلة، وهو سائر بائس، ولكن غير باكٍ، فحين يصبح البؤس هو القاعدة اليومية الليلية التي لا تتغير لا يعود الإنسان يبكي بؤسًا، فالبكاء يجيء أملًا في حل أو استدرارًا لأمل، أو رجاءً إلى الذي خلقنا أن يهدينا للحل أو بالحل، ويريحنا ولو ساعة من ألم مستمر أضاع منَّا حتى الإحساس بالألم.

كان الليل قد بدأ يمطر، ثم بغزارة راحت السماء تصب سيولًا تفرغ الشوارع من الناس، والدنيا من الونس، وتخلق في النفس شعورًا قويًّا بالخوف، ورغبة عارمة في البكاء.

ولجأ إلى الشجرة يحتمي من السيول التي بللته، حتى وصلت لنخاع عظمه. وعلى الضوء القليل القادم من عامود نور ساطع الضوء، رأى الفتحة واقترب، وبعينيه راح يتفحصها واستغرب حين وجد لها عمقًا وكأنها كهف. وللكهف من الداخل بروزات وتجعيدات، وكأنه فم عجوز يحفل ببقايا أسنان معوجة.

دخل.

وكأنه إلى سرداب سعادة دخل، فمجرد إحساسه أن قذائف الأمطار وسياخها المائية قد كفت عن الدق فوق رأسه، واختراق أسماله، وأنه قد أصبح في مأمن، مجرد إحساسه بهذا سعد، فرحة كبرى غمرته، وكأنه الصعلوك قد أهدته السماء قصرًا من عجب. واستمرأ الشعور حتى أنساه كل ما لاقاه في حياته من طرد وطفشان وصفعات وإهانات وعمر مديد مليء بالألم، لم يوقظه من شعوره ذاك إلا خاطر عنَّ له، أن يكون في مخبئه هذا زملاء من ثعابين أو حيات أو فئران، أو أي مما يعض أو يلدغ.

وإمعانًا في إرعابه كان البرق قد بدأ، وعلى ضوء البرق إذا برق والنور القادم من العامود الصامد، شبرًا شبرًا راح يتفحص أرض الكهف النباتي وجدرانه، ولم يعثر إلا على جزء من هيكل عظمي لكلب لا بد وأنه مات من زمن، حين رماه بعيدًا، وبخرقة عثر عليها أيضًا في الكهف نظَّف أرضه، وأخيرًا قرفص وجلس، أحس أنه أسعد إنسان على ظهر الأرض، أسعد من أي ملك أو غني أو الفرماوي نفسه صاحب كل عربات الكارو والخضر.

ومن فرط سعادته راح يقاوم الخدر الذي بدأ يدب في جسده ويقوده إذا استسلم إلى نوم ما ذاقه في عمره أبدًا. إنه هنا ليس في ملك أحد كي يطارده أحد، وليس قريبًا من مخزن أو دكان ليأخذوه بالشبهة، ولا عسكري يستطيع أن يراه، ولا إنس ولا جن أو بشر. راح يقاوم حتى يستمتع بشيءٍ حُرم منه على الدوام منذ كان لهم بيت، وكان له أب، وكانت له أم حنون يجد في حضنها الأمان والدفء والحماية من كل شرور البشر.

يقاوم الخدر المؤدي حتمًا إلى النوم، بإرادته يقاوم ومعه البرد الشديد يساعده، وكلما أحس بالدنيا خارج الكهف ترعد وتبرق والمطر بإلحاح ينهمر، وأحس بنفسه محميًّا بالشجرة العجوز وحضنها عن هذا كله، كلما أحس بشعور الناجي من غرق، المحمي في قلعة حصينة، حولها وحوش الدنيا كلها تعوي وتتلمظ، وهو يُخرج لها لسانه اطمئنانًا وتأكدًا أن أنيابها تمامًا بعيدة عنه، وأن زئيرها زئير العاجز أن يناله، وأن الدنيا أمان مبطنة بالقطيفة، وقطيفتها الزغبية النباتية أصبحت تحنو عليه، ويسري إليه منها دفء لا يعرف مصدره.

وصحا.

في الضحى صحا.

المطر كان قد كف، ولكن ضجة الشارع والترام بدت كما لو كانت قد مضى على بدئها عشر ساعات. ظل يحدق طويلًا من خلال فتحة الشجرة إلى المارة والعربات، ويجتر نصف نائم عمره كله حتى يتذكر اللحظة التي دلف فيها إلى مثواه الجديد ذاك، وعمره كله كوم وليلة الأمس وحدها كومة أخرى، وثمة فاصل حاد باتر بينهما.

وبأيدٍ واهنة وأذرع متراخية كسولة راح يتحسس الجدار الداخلي للفجوة، كأنما يقلب بين أصابعه محتويات كنز عثر عليه أخيرًا، وأصبح ملكه وفي حوزته.

وأحس أنه جوعان جوعًا لم يحدث له في حياته أبدًا.

ولكن كان عليه أن يغسل وجهه أولًا، والنيل بجواره، يا له من قصر فاخر، حتى الماء يجاوره، والأمكنة وافرة لقضاء حاجته.

وكأن أيضًا، حين انحلت مشكلة مأواه ومنامه، تفتحت أبواب الرزق في وجهه، فما كاد يخطو بضع خطوات في الشارع، حتى طلبت منه سيدة هبطت لتوها من الأوتوبيس أن يحمل عنها حقيبتها، ورغم ثقل الحقيبة، فقد أحس بها في خفة الريشة، ورغم أنه أوصلها لفم الخليج فقط فقد أعطته عشرة قروش بأكملها، ولأول مرة في حياته يفطر فولًا وطعمية وبصلًا، ويشرب شايًا، ويدخن سيجارة من أولها لآخرها.

وسرح في شوارع المدينة، وكان رزقه واسعًا في ذلك اليوم، فحين جاء الليل كان في جيبه ما يكفيه لدخول سينما الروضة ويعشيه، ويبقى معه أيضًا «ريالًا» يبدأ به يوم غده.

وأحس وهو عائد من السينما بعد أن شاهد فيلمين أنه في طريقه إلى مكان أصبح عزيزًا عليه تمامًا. أعز عليه من أي بيت أو مكان سكنه. شيء واحد كان يخنقه إذا فكر فيه، أن يعود ليجد المكان مشغولًا بقاطن آخر اكتشفه، ولكنه كان دائمًا فاتحًا فاه، فارغًا، ينتظره، ولولا أنه خاف على نفسه أن يُجَنَّ لاندفع يحتضن جدرانه من الداخل، ويغني لعبد الحليم حافظ، ويصرخ في المارة جميعًا: لقد أصبح لي مأوًى، بل إن سعادته القصوى كانت أنه قد أصبح له شيء يخصه، مكان ينتمي إليه، وكأنما عثر على عائلة لا أب فيها يموت، ولا زوج أم يقطع جسده، وينهش كرامته. أصبح له هو، التائه في بحر الحياة، مأوًى.

ولكن الليلة كانت باردة، وظل مغلق الجفنين والنوم مستعصٍ عليه، وماذا يهمه حتى لو قضى الليل بطوله ساهرًا، في الصباح أيضًا سيكون المكان ملكًا خالصًا له لا ينازعه فيه أحد، ولا يوقظه، إذا نام، من نومه أحد، مكانه، بيته.

ولكن البرد ازداد حتى بدأ يرتعش. سيقضي نصف يومه التالي يبحث له عن خرق أو أجولة قديمة تغطيه؛ فالبرد أصبح لا يطاق، مهما قرفص، وحشر نفسه، وألصقها بالجدار الداخلي للشجرة. بل حين راح يحك جسده في الجدار النباتي الناعم بالمقارنة إلى الجدار الخارجي الخشن، لم يواتِه الدفء أبدًا.

أحس قرب الفجر شيئًا فشيئًا أن ثمة دفئًا ما قد بدأ يشمله، أيكون دفء الحمى؟ أيكون قد أمرضه البرد، وأصبح في طريقه إلى عطس وكحة ومرض إذا داهمه فحتمًا سيقضي عليه؟ وتحسس جبهته، وقارن حرارة يديه بحرارة جسده، لا، لم تكن هناك حمى، ولكنه يحس بالدفء ملموسًا لا يعرف مصدره، فقط حين — بحكم العادة — ملَّس على جدار الشجرة الداخلي، أحس أن الحرارة تنبعث منه. وخاف، حتى كادت الرعشة، رعشة الرعب من هذا الدفء الغريب المجهول، تعاوده.

ولا بد أنه خرَّف أو بدأ يخرِّف، فقد لمعت في ذهنه الطفولي فكرة، أن الشجرة العجوز قد بدأت تدفئه، وتفعل مثلما تفعل أية أم حين ينكمش ابنها في حضنها، وتحس أنه بردان، فتدفئه! وتخريف أو لا تخريف، أعجبه الخاطر تمامًا، واستراح حتى كفت أسنانه عن اصطكاكها، وأطرافه عن الرعشة، ووضع رقبته تحت ذقنه، ثم دفن رقبته بين ساقيه، وكأنه يتخذ وضع الوليد في بطن أمه.

ونام.

وكما انتمى إلى الشجرة تمامًا، وأصبحت ملجأه وملاذه من العالم الخارجي الشرير، حتى أصبح يأوي إليها في عز النهار هربًا من القيظ حين جاء الربيع وجاء معه الحر، فوجئ ذات يوم، وكأن الشجرة كانت ضائعة هي الأخرى، وبلا قريب مثله، وبدا كما لو كانت فجوتها تتحور لتأخذ شكل جسده، بل فوجئ ذات يوم بعرق داخلي منها يبرز، ويمتد إلى الخارج من فتحتها ويواليه بالطبطبة وبالسقيا، حتى لفي أسابيع قليلة يكبر، ويكاد يملأ فتحة الفجوة، ويصنع لها بابًا يكاد يخفي الفتحة، بحيث لم يعد يعرف مكانها سواه.

ودون أن يدرك هو ما يحدث، وبالطبع دون أن تدرك الشجرة، بدأت علاقة أكبر من مجرد الانتماء والحنان المتبادل، والبرودة تغمره بها صيفًا، والدفء تغطيه به شتاء.

أحبها أكثر مما أحب أمه، لقد كانت الحضن والبيت والظليلة والعائلة، وكل ما يمت إليه في الدنيا.

ولا يدري كم من الزمن مضى، عام أو عشرة أعوام، فالزمن كان قد توقف به عند اللحظة التي اكتشف فيها أم الشعور، تلك التي دبت الحياة في كل أنحائها تمامًا، واخضرَّ كل مكان متخشب فيها، ورغم أنه كان قد وُفِّق إلى «صنعة»، وأصبح صبيًّا في محل «دوكو»، ويكسب، إلا أنه لم يستطع أن ينتزع نفسه منها، ومن جوفها «الحضن».

ولكن شيئًا فشيئًا بدأ يحس أن الفجوة تضيق عليه، إذ كان دون أن يلحظ قد كبر، وكبرت معه سيقانه وأذرعه، حتى جاء اليوم الذي لم يعد يقدر أن يحشر نفسه داخلها.

وهكذا الدنيا، فقد كان عليه ذات يوم أن يجمع حوائجه التي خبأها في ثنايات فجوتها، ويودِّع الخُن الذي أصبح من الداخل أخضر كله، ويذهب ليقاسم زميله في المحل وصديقه الحجرة فوق السطح التي كان يقطنها الصديق وحده.

وليالٍ طويلة قضاها لا يعرف كيف ينام على فراش، وهو الذي تعوَّد على حضنها الحي، وعلى وضعه الجنيني المريح داخلها.

ولكن الأيام تمضي، ويتعوَّد الرقاد فوق فراش، ويقارب سن البلوغ، ويبلغ، ويلهيه العمل الشاق طوال النهار، والسهر الطويل مع الصحاب والشلة حتى نسيها، بل نسي الشارع كله، وقد انتقل بعمله وسكناه إلى شبرا.

وذات يوم أرسله الأسطى في مشوار لفم الخليج.

وفجأة وجد نفسه يقفز من الأوتوبيس عند نهاية قصر العيني، ويسرع إليها، ووقف مشدوهًا يرقبها.

كانت أوراقها الخضراء كلها قد جفت، وأعضاؤها الجديدة والقديمة تخشبت، وبابها النباتي اندثر.

كما لو كانت قد ماتت.

وأحس بغصة ما قبل البكاء.

وبكى

أمه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠