الخروج

تشنجت الرغبة في الساق أن ترفس، أمر أقوى من الرغبة صدر، الحركة والخوف من الحركة، التجمد الذي يسري ساعة الضياع. لا؛ ليس أعمى، هو يرى، ولكن ما يراه ظلام، متى كان أعمى تمامًا؟ ومتى بدأ «يرى» ظلامًا؟ هناك فرق، يرى ظلامًا، ولكنه يرى، يراه المؤكد أن رأسه تصله رؤيا الظلام.

مذهل ما حدث، لحظة أن يتكامل الوعي بالموقف، يضيع الموقف.

يضيع المفتاح والحل، ويضيع هو.

من أين جاء الموقف؟ بل هو نفسه من أين جاء؟ ومن هو؟ لم يكن يسأل، ولكن السؤال هناك، بل كل ما هناك أسئلة.

ولا جواب. لا جواب.

تكاثر الأسود في الظلام.

من فرط التراكم بدأ يحس بالظلام ثقيلًا، وأثقل، أثقل.

إنه يختنق.

الصدر يرتفع وينخفض، الهواء يمر بحلقه، ولكنه يختنق.

تشنجت رغبة أخرى في ساقه، أن يرفس.

حتى والأمر الناهي موجود، رفس.

ومرة ثانية رفس.

فالأولى لم تذهب بعيدًا.

ارتطمت بالمستحيل.

•••

عقب العشاء، والعائلة كلها هناك، وكل فرد فيها قد انتحى ركنًا من حجرة القعاد يلتهم البطيخ، تكرع هو، وبينما كان شيء يرقرق في صدره، ويقول: أنا أسعد مخلوق على سطح الأرض، كان فمه يتمتم: الحمد لله، ألف حمد لك، ألف حمد.

بعد ثمانٍ وأربعين ساعة كان كل شيء قد انتهى.

وحيدًا كان جالسًا في نفس الحجرة، يحرِّك كتفيه لما فوق جذعه ويجأر بلا صوت: لماذا يا رب؟ لماذا؟ باكيًا ولا يذكر بالضبط ما حدث، وكأنه قد مضى عليه عام.

ولكن البداية يذكرها تمامًا، لحظة دق الباب. فتح ابنه الأكبر، بلا وعي، أصاخت الأسرة للحوار الذي دار وطال، وبدأت ابنته تتسلل، ثم زوجته، ثم أخيرًا هو. وحين وصل لم يكن ابنه هناك.

وارتفعت الأصوات، وارتفعت الأوامر. اذهب، اذهبي، هاتي الملابس حالًا.

في القسم كان النور معتمًا، والنظر. ما هذا؟ بالتأكيد ليس حلمًا ولا كابوسًا، ولكن الولد في الحديد، من القسم إلى النيابة.

السيارة باسمه، ولكنها سيارته، بضائع مسروقة في حقيبة العربة.

بضائع مَن؟ أودعها عندي صديقي ليبيعها، الصديق يأتي نافر العود، مؤكدًا أن شيئًا من هذا لم يحدث. المبيت في قسم البوليس. الولد يكاد يبكي من الغيظ، ولكن شيئًا ما في طريقته لا يعجبه. المحامي، أكبر محامٍ، خمسمائة جنيه فورًا. دفعها صهره.

مفتخر الملابس ذهب المحامي في الصباح، مفتخر الملابس خرج.

استمرار أربعة أيام. في نفس حجرة القعاد تصرخ زوجته:

لو كنت ربيته. طالع لك. طالع لأخواله. طالع لعيلتكم. أخوك حرامي. اخرسي. اخرس انت. لم يكن قلمًا، ولكن يده هوت بنصف غضب. قلمها كان غاضبًا وحادًّا ومليئًا بالكره، مليئًا بالكره لم يؤلمه القلم، وإنما كشف له الكره عن وجه غريب لم يرَه من قبل، وجه امرأة عاشت معه خمسة وعشرين عامًا تكرهه. غلالة رقيقة، كجلدها الدهني، كانت تستر الكره، تحيله أحيانًا إلى ضحكة سعادة وربنا يخليك. تكرمش الجلد كارهًا، نافثًا حقدًا معقدًا أسود.

رفع يده، يصفع. تعلق الابن الثاني والبنت في الذراع. دفعهما. اندفعت البنت، ودفعه الولد دفعة غليظة أسقطته فوق الأرض.

قام هاجمًا كنمر مفترس، ماذا حدث؟ هل ضربه الولد لكمة أداخته؟ هل هي لكمة منه، وصفعة منها، وعرقلة من الابنة؟

أنت طالق، اخرجي من بيتي أنت وأولادك أولاد الحرام.

اخرس.

قالها الولد.

اخرج أنت يا كلب.

قالتها الزوجة.

بلاش قلة أدب.

قالتها البنت.

في عملية جمع الملابس، سيحرقهم جميعًا، خائف على نفسه أن يتوقف قلبه عن الدق ويموت قبل أن يحرقهم، مرارات الدنيا كلها تتجمع في حلقه، فأحد لا يأتي ويرجو أن يبقى، لا أحد.

في حجرة الفندق الرخيص فرت من عينه دمعة، لحقتها دموع.

من يهن يسهل الهوان عليه، ما لجرح بميت إيلام. لن يهون أبدًا، لن يهون، والواجب سيؤديه كاملًا، سيُخرِج الولد من السجن أولًا، ثم يتفرغ للأفعى وأولادها. على باب القسم كان ينتظره صهره، قبل أن يقول أهلًا كان وجهه يطالب بالمبلغ. حسابه في البنك يسمح تمامًا بالمبلغ، ولكن النقود باسمها. الصهر لا يفهم. بوجهٍ صارم يطلب موعدًا. بعد غد. بعد غد وإلا … لا داعي ﻟ… إلا. بعد غد يعني بعد غد.

قال له رئيسه: تأخرت، هذه ليست وكالة. لم لسانك. هذه قلة أدب. خد. آه يا كلب. خد. وما لم يستطع أن يفعله في حجرة القعاد فعله هنا في المكتب الفاخر، وعلى صوت الاستغاثات جاء السعاة والموظفون، وتحقيق طويل طويل، وإيقاف فوري عن العمل.

في حجرة الفندق المكتومة قال: على الأقل ما أزال حيًّا، لم أمت بعد.

•••

لم يعد ذاك البياض الناصع أبيض، اغبرَّ البياض، واحتقنت جزئياته، وتعقدت وانبثقت شبكة عروقه كالعنكبوت الأحمر جرى فيها دم. في كل ثانية يتوالى التغيير، ويتعقد أكثر. انتفاخ بدأ ينبض. انبعاجات. نتوءات. أشياء كالغضاريف، مكونات مجمعة مبعثرة لا معنى لوجودها معًا بالمرة، تكبر وتتقارب وتكبر وتتباعد حوافها وتتداخل، ثم فجأة وكأنما قد أضيف إليها عنصر هام فعَّال ناقص يصبح لكل شيء معنى. معنى واحد ينتظم الكائن الجديد كله، معنى واحد يعطي معنى لكل ذرة وجزيء وجزء. وتنتظم الأجزاء والجزيئات والكل حركة واحدة، ذات معنى محدد واحد، الحياة أنا، أنا أحيا.

الذرات تأمر الذرات، العضو يأمر العضو، الأمر الأكبر صادر من أعلى.

•••

في الصباح رد تحيته شاويش الحجز بقرف. ابنك فقأ عين مسجون مرحل. برز له من باب الحجز وجه رفيع أصفر، ابنك مظلوم. المجرم حاول الاعتداء عليه بالقوة، ولو كنت مكانه لفقأت العينين. أين الولد؟ أمام الضابط. يا حضرة الضابط، كلمة. ولا كلمة. س سؤال: هل هتك عرضك فعلًا؟ أرني نفسك. يغلي الولد بالغضب يثور، يضربه الضابط.

يثور الأب. يضربه العساكر، وخارج القسم يلقونه.

يعود مغلوبًا يسأل. المسجون أخذته الإسعاف إلى المستشفى.

أمام قسم العيون ينتظر ممنوعًا من الدخول. بالرشوة يدخل.

يا دكتور. العين انفجرت، خيطناها، وهو وحظه.

لو ضربت سنستأصل عينه الأخرى. أعمى هو قد أصبح. إلى أين يذهب؟ جريًا إلى المحامي المفتخر. المحامي مستريح تمامًا يقول: المحضر. المسألة في يد الضابط. وفي يد الضابط يدس خمس ورقات بمائة جنيه، فيدفعه الضابط كمن أصيب بلدغة. يفتح محضرًا بمحاولة رشوة والشهود اثنان من أمناء الشرطة. الظلام الكامل حل. شعاع ضوء. المحامي جاء وتوسط. الظروف، حرام. راعيها يا سعادة الضابط. كله منها. حين كان يغضب منها، أو تغضب منه كانت الدنيا تظلم. ليصلحها الآن وفورًا. التاكسي حين يركبه يجده ذاهبًا إلى شبرا، يهبط في منتصف الطريق يتطلع، لا يعرف أين هو، الحي غريب، وبيته يبدو في آخر الدنيا، في آخر الدنيا.

وحين يصل يجده مغلقًا، ولا أحد في الشقة. على البسطة يجلس. أراد أن يبكي، كان قد وصل إلى ما وراء البكاء. انتظر. عامًا كاملًا بدا انتظاره، جاءت ومعها الابنة. ما إن رأته حتى خلعت فردة الحذاء، شرر عينيها يصب اللا تفاهم المطلق. فتح فمه. هبت عاصفة من فمها. أطل الجيران. اندفع إلى الشارع يجري. قابله صهره. الخمسمائة جنيه. وصل أمانة يستحق الدفع اليوم. الدفع أو الحبس.

في حجرة الفندق أصبح التنفس صعبًا.

لا، ليس الآن، أرجوك أيها الموت ليس وأنا مهزوم ومسحوق.

انتظر حتى أعود إلى السباق وأسترد الجميع، الزوجة والأسرة والأبناء. وبالذات هذا المحبوس في جريمتين، ليس الآن.

دق الباب. دخل أخوه. استراح تنفسه. لم تعد المسألة إذن سرًّا، استراح تنفسه أكثر حين بدأ الأخ يؤكد له أنه لم يخطئ، وأنه كان بالضبط سيفعل مثلما فعل، ولكن؛ آه من لكن حين تخرج بعد نهاية المواساة. ولكنك كان من الممكن أن تفعل وتفعل. وكأن كان له خيار فيما يفعل وفيما لا يفعل. ساعة القضاء يعمى البصر. ويعمى الفعل. فهو أبدًا لم يفعل. إنه مسير فيما لا يفعل. دفعة إثر دفعة، وكأنه كتلة لا وزن لإرادتها. النهاية، معاك فلوس؟ وتنحنح، وآه من الأخ حين يتنحنح، وينخنخ، وفي النهاية يستأذن.

وجاءت أمه وخالته، أمه تنحو عليه باللائمة، وخالته تطبطب.

أهذه آخر تربيتي فيك. بكرة كله يتعدل. متفائلة يا خالة كعادتك تفاؤلًا دائمًا لا معنى له بالمرة. مع السلامة يا ناس. اتركوني وأطفئوا النور.

وفي الظلام أحس أن الظلام يتكاثر، وأنه يجثم على صدره، ولأول مرة كان يرى الظلام رأي العين، وتشنجت الرغبة في ساقه أن يرفس.

•••

وكان مفروضًا أن يؤكد له انبثاق الرغبة أنه لا يزال حيًّا، وكان مفروضًا أن يدفعه الإحساس بالحياة أن يفرح، ولكنه لم يفرح.

فمن زمن طويل والإحساس عنده بالحياة لم يعد مرادفًا للإحساس بالسعادة أو الفرحة. منذ زمن بعيد جدًّا حدث هذا، بعد أن ذاق كل أوليات الأشياء، أول بدلة، أول نجاح، أول جنيه، أول نظرة حب، أول ليلة مع امرأة، أول ليلة مع امرأته، أول ترقية، أول أمل. منذ زمن سحيق لم يعد هناك أمل، كله تكرار للأول، حتى الإحساس بالحياة لم يكن يحمل إلا مزيدًا من الإحساس بالمسئولية، الحياة أصبحت مهام، كلما أحس بها عليه أن يربط نفسه بالتزام وبسرعة أكثر، لتحقيق هدف، ولا نهاية لتحقيق الأهداف، فوراء كل هدف هدف، ووراء كل هدف هدف.

ذات مرة كان أقصى أحلام حياته أن يكون إيراده الشهري الثابت مائة وخمسين جنيهًا، حين أصبح يصرف مثلها في اليوم الواحد أصبح الهدف خمسة آلاف وعشرة، وكلها ثابت أيضًا. أن يخلف ولدًا، أصبحوا ثلاثة وبنتًا. أن يتعلموا ويتخرجوا، تخرجوا وأصبح الهدف جديدًا. أن يعملوا، وهدف أبعد. أن يتزوجوا، وأبعد وأبعد. أن يكون له أحفاد، أعز الولد ولد الولد. وهي، أقصى أمله كان أن تنظر ناحيته عن عمد. حين نظرت أصبح أن يكلمها، حين كلمها، يقبلها، والزواج كان مستحيلًا. تحقق. أن يلعب بذيله، ويستمر، لعب. أن يلعب أكثر، لعب أكثر. يحافظ على «السعادة الزوجية»، حافظ وجرب السعادة والتعاسة، والخناق والصلح، وتهديد بالطلاق، والطلاق، والندم، والعودة، والصلح، وشهر العسل الثاني والثالث والرابع حدث ويحدث، كل ما في الأمر أنه أصبح مكلفًا أكثر.

كان مفروضًا أن يدفعه الإحساس بالحياة أن يسعد. مثلما سعد أول مرة. أن يُشفى، يشفى من ذلك المرض العضال، التهاب المفاصل الذي أرقده، وجعل حلم حياته أن يتمكن من السير، مجرد السير، مرة أخرى دون مساعدة أو شماتة من أحد. عاد يسير، ويمشي، ويجري أحيانًا، ويلهث، ولم يحس أبدًا أنه سعيد، حتى وهو يتذكر كيف كان كسيحًا وأعرج ومكبلًا، يقبل يده ظاهرًا وباطنًا أن الحمد لله، ولكن هذا الإحساس العميق الشامل الصامت بالنشوة، أنه سعيد حقًّا وصدقًا، لم يحدث، وإن حدث فلثوانٍ معدودة بالضبط كالإحساس أنه الآن، حين نقولها، قد مضت ومضة، ومرت ثانية، صحيح ليس مثلها مثل أية ثانية أخرى، ولكن الغريب أنها لها نفس طولها، ثانية أخرى مضت.

عريضًا، واسعًا، شاملًا، كان إحساسه بالحب والألفة والتواصل مع كل باقي الكون. في النهار يحب الشروق حين تبدأ الشمس بغمزة جفن في الأفق، تشرق. والنهار رائع بوضوحه، وإشعاعاته، وتحقق كل شيء فيه، كل أحلام الليل تتحقق، إذا لم يكن صباحًا، فعلى الغداء، فإذا صعبت لا يأتي عليها بعد الظهر، وما أروع العصر حين يجيء كالذهب الرقيق السائل يسدل فوق كل شيء، وقد تحقق، كل أمنية وقد حققت النهار، وتحقق النهار بها، والآن جاء وقت أن تغلف بالعصر الملون الشفاف، وتصبح هدية ذلك اليوم. الليل جميل، نجومه هناك تبرق بفرحة الوجود مع غيرها معًا وتتلألأ، تزف القمر وتتلألأ وتبرق. كل شيء حلو ويستحق المحبة. الإحساس برجولته المبكرة، يحب شكله في المرآة، يطيل التأمل فيه ويحبه، الكلية التي اختارها وحقق اختياره، والمهنة، ومكان التعيين، ولحظة تسلم العمل، كل شيء حتى بصعوباته، يسعد. حب واسع، شامل لا نهائي الامتداد، يشمل كل شيء، وكل إنسان، يحب القرية بيت بيت وإنسان إنسان، والمركز، واسم محافظتهم، ومصر، والدنيا. يحب الدنيا، والعالم. حين تُذكر أمامه أو يذكر كلمة البشرية، يحس بالجنس البشري، جسد دافئ بالحياة. هادئ، صاخب، متدفق. يسبح فيه ويشربه ويغوص في أعماقه، ويطفو فرحًا عابثًا، مندفعًا فوق سطحه.

وإذا بذاك الإحساس كالبحر حين يتحول إلى بحيرة، والبحيرة إلى فوهة. تنكمش غلالة الحب وترق، وتتحول إلى بقعة، بالكاد عائلته، بالكاد وبالكاد عائلته الأصغر. فابنه الأوسط قد اخشوشن تمامًا، ونمت له ذقن وأغزرت، وبدأ حتى يصيبه، كخاله بعض الصلع. ابنه الأكبر اتخلع بعواطفه تمامًا، وأصبح على وشك أن يقيم له بيتًا آخر ويتزوج. تكاد العلاقة تصبح رسمية. لم يعد يستطيع أن يلعنه إذا غاظه أو حتى يعلي عليه صوتًا. حب، هذا حقيقي، له ولأخويه، ولكنه حب المتأكد أنهم مستقلون، وقادرون، بل وأصبحوا أندادًا يكاد لولا الحياء يقول لأيهم: يا سيد.

البنت الحلوة الطفلة ذهبت أيام اللعب معها والضحك والقبلات والأحضان التي وكأنما كان يحضن بها الدنيا، أو بالأصح السعادة كلها الكائنة في الدنيا، حضنه، شيئًا فشيئًا قد أصبح يملؤه جسد يتضخم حتى صار جسد أنثى، لا تتفتح كل مسامها حين يضمها، وإنما يتكور وينكمش ويستقل ويتحدد جسدًا، ثم في النهاية تصبح امرأة أخرى.

وزوجته الغرام، الغرام حين يطول يصبح عادة غرام، وقصة الحب حين لا تنتهي كما بدأت، فجأة يصبح لها خرير مستمر واثق موثوق به لا يحمل مفاجأة أو نكسة. ومن التكرار تتشكل زمالة اثنين أصبحا فرقة لا يتباريان وإنمًا معًا يلعبان مع الحياة اللعبة. واللعبة طويلة مهما طالت لا بد أن تنتهي كالدائرة المفرغة، مشكلة لا حل لها إلا بحلها.

بالكاد لم يعد قادرًا إلا على حب الأسرة.

بل في الواقع ذكرياته عن الأسرة. فالطفل الذي يحبه، طفلًا كان، إذ هو الآن رجل كان ذات يوم ابنه، والزوجة كانت غرامًا، والحب كان حبًّا، حبًّا لذاته، اليوم أصبح تعلقًا شديدًا، أصبح أنانية، وكأنما هو الحب للنفس يتخذ أبعادًا أخرى.

كل شيء استحال وتغير. كان يستطيع أن يواجه الدنيا بجيب ليس به سوى قروش، الآن يرعبه لو نقص الحساب رقمًا أو خانة. كان حين يهدد أن يترك البيت كان يفعل هذا بإحساس من هو على يقين مطلق أنه يستطيع، من جديد، وفي التو، أن يبدأ حياة أخرى. الآن يرعبه مجرد أن يبتعد عن الدار أو أن يبعد أنملة عن الخط الذي فرضته عليه حركته مع الدنيا. الدنيا التي تلخصت في خيمة صغيرة مركزها حجرة القعاد في بيتهم، وأقصى أطرافها رحلة لأكل العيش، ولجلب ما عند محيط الدائرة والخيمة إلى مركزها. مركز الدائرة المفرغة والخيمة المفرغة إلا منه ومنها.

ينكمش، يضيق، يتغير، الطعم يتغير، ما يمتع لا يمتع، ما يشبع لا يعود يشبع، والحياة يتغير لها الهدف. من وحده مسئول عن الإبحار إلى فنار يتحقق، إلى فنار بعد فنار. إذ به يصبح مسئولًا عن صياغة حياة «سوية» للأولاد الثلاثة والابنة. من أجل أن يصوغ هذه الحيوات لا بد أن يعيد صياغة حياته هو؛ لكي تصبح مثلًا يحتذى. بجماع قواه يمسك بزمام كل منهم، وبالزمام العام لا يريد أن يفلت، وشيئًا فشيئًا لا يعود يعرف أهو السجَّان للخندق الذي يريد أن يمر كل شيء فيه حتى يستقيم ويعتدل، أهو السجان أم في الحقيقة السجين؟ حريته تضيق إلا عن الأفق المحدد بصرامة، إذا أرخى العِنان فلت الجميع. إذا شدد تمامًا ينفلت الزمام. بأي قوى قاهرة يمنع القبضة أن تكون أضعف، حتى يستغرقه الأمر كله، ويتلخص العمر في خطو دءوب نحو ماذا، نحو أن تنتهي المهمة، أن «يتحرر» وأبدًا لا تنتهي المهام، فانتهاء المهمة لا يفعل إلا أن يكشف مهمة أبعد. والعائلة التي كان أفرادها طوع بنانه تشتد فيها السيقان وتقوى وتخشن، بصعوبة يستطيع أن يغير إرادة أو رغبة، الشجيرات أصبحت كل منها شجرة، رفعت الخيمة المحكمة التي كانت تضمها، رفعتها فوق قممها، فبدت في النهاية كالعلم الممزق، كبروا عليه، وصغر عليهم، ولم يعد في النهاية إلا صرَّافًا عليه باستمرار أن يملأ الخزانة، وويله إذا يومًا فرغت، فسبب وجوده والمبرر الوحيد للخضوع له يكون قد تبدد. كم أشرفت هيمنته الباقية أن تتهاوى، وكم تغابى وأحنى رأسه للعواصف كي تمر ليبقى كل شيء وكأنه على حاله لم يتغير، وكأن العائلة متماسكة، هو الأب القوي، وهي الأم المثلى، وهم الأولاد الطيبون الناجحون باسم الله ما شاء الله.

ولكن، كان محتمًا، ولا مهرب منه، يوم تتطور فيه مشادة، أو يحدث حادث، أو يشتبك مع ولد، أو يحدث لأيهم مشكلة، أو يدق الباب ويدور حوار يطول وينتهي إلى تهمة، وتتمزق الأقنعة.

وفي الصباح كانت الغرفة أضيق وأثاثها أكبر، وكان النور هناك، ولكنه يوضح كم الدنيا ظلام، وكم الهواء قليل، وكم هو يقل وسادر في إقلاله، وكم هو يختنق، ويحس أن كل ما كان يجري لم يعد يجري، كل ما كان يتفتق عن العقل من حيل ومن حلول، لم يعد يحل أو يربط. أطبق الواقع الرهيب ولم يعد يقدر أن ينبس، وتشنجت الرغبة في ساقه أن يرفس. رفس. ارتطمت الساق بالمستحيل، مستحيل أن يخرج، العمر فات، والواقع أكبر من كل الطموحات والإرادات. وما يهمس له بالتمرد ما هو إلا شيطان شاطر، عليه أن يطرده ويستكين إلى حياته، فلم يعد في العمر قدر ما مضى منه، وبيته وأولاده ومشاكله هي عمره الذي فات، ولا بد أن تكون عمره القادم أيضًا.

أنا غلطان.

سيل من الصراخ والعويل مختلط باللغط.

غلطان.

عيون تحدجه بالاتهام والتعذيب وتسوق له شتائم جارحة، يراها وينزف لها، ويبتلعها.

غلطان، غلطان يا ناس، غلطان، أنا المسئول عن عبث الولد وسجنه، مسئول عن إخراجه وتزويجه، مسئول عن الدورق الذي كسر، والتليفزيون الذي لا يعمل، مسئول عن عدم تطبيق الشريعة الإسلامية، والتعذيب في السجون، والحربين العالميتين: الأولى والثانية، وإذا اشتعلت الثالثة أكون أنا المسئول، غلطان.

وحين سكت آخر صوت في البيت وآخر احتجاج، وكأن شيئًا ما كان تشنجت الرغبة في ساقه، بحدة، أن يرفس.

ولم يستطع.

كانت آلام المفاصل الحاد قد عادت تشل ركبته.

أخرج الولد من السجن، وقيدت القضية جنحة، واستعاد عقد الشقة وأصلح التليفزيون، واصطلحوا مع الجيران، وبدأت الزوجة تتحدث عمن ترشحه لخطبة الابنة، وتقطع الحديث بضرورة شراء جهاز تكييف فهي لا تنام من فرط حرارة الجو وصوت جهاز الجيران.

وحين ناموا جميعًا، وبقي هو ساهرًا، لم ينم إلا بعد أن خبط رأسه في الحائط عدة مرات.

•••

في منطقة معزولة من شط النيل عند القناطر الخيرية، جلس وقد مدد ساقيه الحافيتين في الماء. الجو حار، ولكن النباتات الشيطانية تلتهم حرارته، ويصدر عنها وعن ماء النيل رائحة كرائحة ما قبل نشأة الحياة. الصنارة تغمز، غمزًا ثقيلًا، دفقة فرحة غامرة تنداح في صدره، قلبه أخيرًا ينبض ذلك النبض المدوي العالي، كنبض أول قبلة. أخرج السمكة بلطية فتية وزنها لا أقل من كيلو ستتكفل بمصاريف اليوم، وما تبقى من النهار، ويفيض ما يكفي علبة الدخان، ويبيت الليل عند الخفير في عشته وهدية لابنته السمراء المليئة بحيوية البلطي ودفء ماء النيل في الصيف.

وكشبح يطفو من الماضي داعب ذاكرته ما قرأه في جريدة تركها صاحبها في الحدائق، ورأى فيها صورته، صورة بطاقته الشخصية العجوز الجامدة الملامح: خرج ولم يعد، رجل في الخمسين أسمر الملامح حليق اللحية والشارب أبيض الشعر، يرتدي جلبابًا مقلمًا وشبشب زنوبة، من يجده يتصل بهذا التليفون أو بالعنوان … خرج ولم يعد. خرج ولن يعود أبدًا، والحياة لا بد قد سارت من بعده أفضل بكثير مما كانت تسير به.

أبدًا لن يعود.

•••

لم تعد الساق حين ترفس تجدي، تشنجت الرغبة هذه المرة في الرقبة، بجماع رقبته دق بمنقاره على الجدار الأصم، رن المنقار مرتطمًا بالجدار. بآخر ما تبقى في قمة البيضة من هواء امتلأت حوصلته فسدد منقاره ودق. انتهى الهواء، وانهال برأسه المدبب على الجدار مختنقًا، دقًّا مستميتًا يدق، آخر دق.

لا يعرف لماذا يدق، وإلى أين هو صائر، ولكنه مختنق يدق ويدق. لا يعرف إلا أن حياته كلها تلخصت في أن يدق ويدق!

وفجأة …

انهارت قطعة دقيقة، وأخرج المنقار منها، ورغمًا عنه تنفس، هواء كثيرًا يدخل الحوصلة، ويزيده نشاطًا ينهال به على الفتحة يوسعها، فيخرج رأسه، ويحطم ما تبقى من الجدار فيخرج جسده الكتكوتي المرتعش.

النور باهر يغلق عينيه.

الهواء كثير، وفسيح، ودنيا واسعة واسعة أوسع من كل قدرته على الرؤية.

وانتفض يسقط ما علق بجسده، وانطلق في مرح لا نهائي يجري.

لماذا أصر على الدق والدق حتى كسر الجدار؟ وهو لم يكن يعرف أنه جدار، وأن خارجه كل ذلك النور والاتساع، أهي قوة مجهولة داخله كانت تعرف؟ أم هو الضيق بالاختناق دفعه أن ينقر وينقر ليموت نقرًا وضيقًا؟

لا الكتكوت يعرف.

ولا هو قد عرف.

فالإحساس الطاغي الوحيد لكليهما أنه الآن في عالم آخر، فسيح جدًّا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠