أبو الرجال

١

نصف نائم، نصف مستيقظ، تأمل جلده. أدرك، كأنما فجأة، أنه لم يرَ عن عمد جلده مذ كان في أوائل مراهقته، ومذ كان الشعر، شعره نصف أصفر، نصف أسود، متناثرًا، خفيفًا، يكسو نعومة جلده. يذكر أنه فرح، وكان باستمرار يفرح كلما أمعن النظر إلى الجلد ووجد الشعر النابت يزدحم ويتكاثر ويغمق، حتى أصبح كله أسود.

فتح عينيه تمامًا، فقد أدرك وكأنما كان ينظر إلى جلد إنسان آخر.

أدرك أنه بالقطع ليس جلده، أو إن كان؛ فإن شيئًا حدث له.

كان الشعر خفيفًا وكأن شعر ذراعيه وصدره قد بدأ يصاب بالصلع.

وكشف عن ساقيه وبطنه. خفيف جدًّا كان الشعر، لكأنه عاد إلى سن الرابعة عشرة.

سكت تمامًا عن التفكير والتأمل، وإن كانت ذاكرته لم تسكت. بوابلٍ من نخزاتٍ صغيرة بدأت تنهال عليه، وينحيها، وتنهال. قام إلى المرآة، حدَّق مليًّا في وجهه. اللحية كما هي، أو تبدو كما هي، فتلك النخزات تبدو يقينية.

أغمض عينيه كما يرغم نصف النائم نفسه إذا أحس أنه في كابوس ليختفي الكابوس أو يرحل. رغمًا عنه فتح العينين، وفي مزيجٍ من الحيرة والضباب، ضباب أملس ينزلق ويتوالى والأشياء تمتزج وتتباعد وتقترب؛ لتصبح واضحة تمامًا. صورة الرجل يراها واضحة تمامًا، إذ تلك هي صورته التي يعرف نفسه عليها تنزلق، يمر فوقها الضباب كأنه السحاب يخفي وجه القمر، ولا يبقى سوى ضوء لمجرى لا يستطيع به أن يميز شيئًا. نعومة، أجل، نعومة أنثوية مرعبة كأنها نعومة حية رقطاء تبتسم قبل أن تطبق فاها في عضة سم كعضة الموت. شيء داخله يرتخي وينفتح، يأمره أن ينقبض، وباستخفاف يعصي وينفتح، ومعها يحس أنه يهوي في بئر أو من فوق جبل. يشهق طاردًا كل شيء كالغريق يدفع الماء برأسه ليلتقط النفس ورغمًا عنه يعود يهوي، ولكنه لا يختنق، ولا يحس أنه سيموت، ولا أن شيئًا محددًا واضحًا سيحدث. كل ما يحدث أملس. كل ما يتشبث به ينزلق، الضباب ونور الفجر الشاحب والإحساس بالانزلاق واللايقين.

ماذا يحدث لي؟ بالضبط ماذا حدث لي؟ وكيف حدث؟ ومتى حدث؟ ولماذا يحدث ما يحدث؟ في الخمسين أنا، أنا رجل في الخمسين، بالضبط واحد وخمسون وثلاثة شهور. عندي أولاد؟ عنده أولاد أجل. وزوجة؟ يسائل نفسه، ويتحدث عنها وكأنها إنسان آخر، فمن فرط ما أصبح فيه من شك قرر أن ينظر إلى نفسه، وكأنه إنسان آخر. رجل آخر، نعم هو رجل، أو … أو … أو ماذا؟ إنه ليس رجلًا فقط، إنه أبو رجال أيضًا. إنك يا سلطان زعيم، زعيم عصابة، ولكنها عصابة من العصاة المتمردين قتَّالي القتلة وسفَّاكي دماء وأولاد ليل، تنظر إلى الواحد فيهم فتحس أنه أمام عينيك، يتلاشى الرجل فيه والإنسان، ويتحول إلى أرنب يبول على نفسه. بنفسك رأيت البلل مرة يغرق ثياب أبو شنب.

اكتشف، وكأنما فجأة أيضًا، أنه لا يزال بملابسه الداخلية، تجوَّل بعينيه في أنحاء جسده، اشمأز لنتوءات تكوَّنت لا يعرف متى. استنكر جسده شبه العاري، أحس به غريبًا عنه، لا يمت إليه، تحسس شاربه. أدرك أنه حلقه، وأنه يتحسسه بحكم العادة، لا وجود للشنب، ازدادت غربة جسده عنه، وغربته عن جسده.

قام، بثورةٍ قام، أو كأنما يقوم ليصنع ثورة. لا، لن يرتدي البدلة، سيرتدي جلبابه البلدي الصوفي الخشن ذلك الذي يحلو له ارتداؤه حين يركب الكارتة المفتوحة، ويسوقها بنفسه، ويعبر بها شوارع البندر، حيث يتأكد أن العيون الناعسة من خلف النوافذ، وأحيانًا من الشرفات، تراقبه، وتشهق لرجولته، وجلبابه، وكارتته، وتاريخه المرعب المجيد، وغناه، وسمعته.

أرجل رجل في المحافظة، بل في مصر. في الدنيا كلها يا ولد، رجل وأب لرجال، ولد ولا كل الأولاد، وسعيدة محسودة تلك التي يضمها بذراعيه زوجة كانت أو عشيقة.

جلبابه ارتداه، امتدت يده وهو لا يزال ينظر إلى مرآة الحمام يتناول زجاجة الكولونيا. عدل، ابتسم في شبه ثقة، ركن شفته العليا فعلًا ارتجف، وكأنما الابتسامة تخونه.

– يا ولد.

زعق.

تلك الزعقة التي كانت دائمًا ترج البيت، وترج القلوب، حتى قلوب أولاده الكبار. زعقة لا يوجهها لأحدٍ بالذات، وإنما يوجهها للولد، أي ولد، للرجل، أي رجل، للمطلق من الرجال، ما عداه.

لم يظهر للتو أحد، لا ولد ولا رجل، زعق بصوتٍ أعلى انتهى فجأة، وكأنما توقفت الآلة التي تصدره أو انكسرت. الأصح أنها أسكتت، هو أسكتها فقد جاءه الصوت مشروخًا، بالضبط مسلوخًا، رفيعًا. ليس صوته، وقد يكون صادرًا عن حنجرته التي بدا في المرآة وكأن بروزها انكمش، ولكنها ليست حنجرته، فالصوت ليس صوته. صوت يسمعه لأول مرة، غريبًا عليه غرابة جسده.

ودق قلبه دقة زائدة.

تلك الدقة التي كانت لا تحدث له إلا لحظة القتل، لحظة إطلاق النار.

ظهر الولد. سبه دون أن يعرف مَن يكون، وبكل ما يملك من نفس صرخ: نادي «الثور» يا حمار.

٢

جلس على المقعد في الفراندة. المقعد المخصص دائمًا لجلوسه، حتى لو غاب عامًا. جلس ينتظر «الثور»، ينتظر وهو يتلمظ غيظًا، لماذا؟ لم يكن يدري. لماذا اختار «الثور» ليراه في تلك اللحظة؟ أيضًا لم يكن يدري. الثور، الثور، لماذا «الثور»؟ ألتلك الأقاويل التي كانت تتناثر عنه وعن مغامراته؟ ألأنه يعرف عنه أن النساء يسقطن من تلقاء أنفسهن لدى انفراده بإحداهن؟ ألانه أصغر سنًّا وأكثر حمقًا وفعلًا أنضر شبابًا بكثير؟ ولكنه كما يسميه، ثور، مثله مثل «الديب» و«أبو فصادة» و«غراب البين» و«الجحش» و«التنبل»، واحد منهم، أقصى ما يمن به عليه أن يعطيه لقبًا، وأقصى ما يعاقب به أحدهم أن يناديه باسمه الحقيقي، فهو يظل يرجو ويلح ويكاد يبكي، أحيانًا يبكي مر البكاء طالبًا منه أن يمن عليه بلقب. وحين يضيق به وبإلحاحه يقول له: طيب، امشِ يا خروف، أو … شي يا حمار، وينقض «الخروف» أو «الحمار» على يده يقبلها وفي عينيه دموع الامتنان، ويغادر المجلس سعيدًا ضاحكًا لا تسعه الدنيا.

جاء «الثور»، سمع صوته يسأل خافتًا عنه، وجَّه بصره بكليته إلى باب الفراندة ليرصد دخوله. في فتحة الباب ظهر «الثور» مهمل الثياب كعادته. كان دائمًا يحسده على قدرته أن يهمل ثيابه وشعره، ومع هذا يظل على جاذبيته القصوى ووسامته. همَّ أن يبتسم له، ولكنه عدل، وأظلمت ملامحه. كان يرتدي القميص والبنطلون، بنطلونه الضيق الأثير لديه، لا بد جاء على عجل فهم دائمًا يرتدون بدلهم الكاملة ليلقوه. حيَّا ووقف حائرًا، رمقه من أعلاه إلى أسفله، بدأ وجه «الثور» يصفر، وملامحه تنبئ عن مراجعة مكهربة لكل ما فعله مذ آخر مرة رآه فيها، وعن احتمالات خطئه أو جريمته التي ربما يكون قد اقترفها. وفَّر عليه المراجعة، وأشار له أن يجلس، وعلى كرسي بعيد جلس، وقد بدأ يسترد أنفاسه، ولكنه كان لا يزال ينتظر، وكأنه ينتظر البراءة أو حكم الإعدام. رآه يتململ من طول انتظاره، أسعده هذا التململ ونظراته تنصب عليه متفحصة ثاقبة، ضبط نفسه يتوقف أكثر من اللازم عند ملامحه الفتية الشابة. تلوت نفسه وكأنما أصابته غصة أو اندك خنجر في فم معدته. كلما استرق البصر إليه وأحس بمغناطيس قوي يشد عينيه إليه، وأشياء في داخله تنهار وتتكسر والضباب يغطي على وعيه، ومن بين طيات الضباب ترتسم رؤى مفزعة، عريان جسده تمامًا، وأملس، كتلة لحم بلا إرادة تنتظر أمرًا خشنًا، يصنع إرادتها.

٣

فجأة أحس بتمرد داخلي يتجمع بسرعة كما تتخلق بوادر الإعصار المهول في لحظات، فثمة لين جوفي هائل كان يعوي داخله كلما وقع نظره على «الثور»، وحتى وهو يشيح بنظره عنه، رؤى غريبة يحس معها أنه لا ينظر إليه نظرة رجل لرجل، وأن في داخله تتلظى أحلام يقظة تدور حول موقف ما، مكان مظلم مهجور، تلامس يحدث، تحسس محموم ترتجف به يداه ويرتعش له جسده كله، وهو ينقض على الشاب، ويعتصر عضلات ذراعيه النافرة وانتفاخة عضلات ساقه، والرغبة فيه تتعاظم، وتقوي داخله رغبات تتكشف بجرأة وبجنون عن نداء مولول قد تحولت إليه ذكورته، ولا يعود يقاوم، بل تتحول بقايا المقاومة إلى إعصار نداء أن افعلها، ومجنونة تصرخ كل خلية فيه رافضة متمردة في إعصار استنكار يكاد معه يتحول إلى قاتل، يقتل ما راوده من أحاسيس، ويقتل «الثور»، يقبض بأصابعه الغليظة على عنقه، ولا يتركه إلا جثة، أو خرقة جثة، ماتت، أخمد أنفاسها، وحبذا لو استطاع أن يفعل الشيء نفسه بعنقه هو ويقتل الحلم والرغبة والنداء المجنون الذي يفرض نفسه عليه بقوى، وكأنما بفعل قوى كونية، لا سبيل إلى عصيانها أو مقاومتها.

ويهم بأن يهدر صوته، عاليًا مهيبًا هصورًا طالبًا من «الثور» أن يذهب عنه، بل حبذا لو جعل الطرد يأخذ شكل الضرب والركل والشلاليت.

ولكن لا شيء يصدر عنه، حتى ولا صوت، وكأنما تتعادل القوة الطاردة مع القوة الجاذبة، ويؤجل قرار طرده، وفي نفس الوقت يكبح جماح عودة دمدمة الرغبات الملعونة تستيقظ في جسده وخياله وتجعله يعود يحلم، بالظلمة، والفحيح، والمفاجأة، والضمة المحمومة الراغبة.

ويدرك الجالسون حوله أنه غاص في فكر خاص لم يعد يشعر معه بأي شيء حوله، ويبدءُون يتسللون من «الفراندة» واحدًا وراء الآخر حريصين تمامًا ألا يخدشوا قداسة استغراقه. كلهم يذهبون ما عدا «الثور»؛ إذ رغم أنه أحس بمثل ما أحسوا به، إلا أن هاتفًا غامضًا موسوسًا كأنه صوت الشيطان أهاب ويهيب به أن يظل هناك، وأن موجات من «عمه» «سلطان»، وإشعاعات وترددات، تأتيه وترجو منه أن يبقى، أجل ترجو منه، هو الذي لا يرجو من أحد شيئًا، وإنما دائمًا يأمر حتى لو أراد الرجاء.

٤

ماذا يفعل بالله؟

أهو قد جن؟

أم في طريقه الأكيد للجنون؟

أيذهب إلى طبيب من هؤلاء الذين أصبحوا المودة في هذه الأيام، الذين يزعمون القدرة على تحليل النفس، وسبر الرغبات، وحتى تفسير الأحلام؟

ولكن ماذا يدريه أن ما يحدث له مرض، أو أنه حقيقة تحدث له، وأي عار يجلبه على نفسه إذا هو ذهب حتى إلى طبيب في العاصمة الكبيرة لا يعرف أصله ولا فصله، لا يعرف من يكون ومدى عزوته، فحتى الطبيب مهما كان غريبًا وجاهلًا بصولجانه وهيلمانه، فإنه من رابع المستحيلات أن ينطق أو يشكو، وبلسانه يعترف أن بوادر رغبات غريبة تأخذ شكل النوبات، التي كانت متباعدة أول الأمر، ثم تقاربت وكثرت، حتى أصبحت حياته وأفكاره لا تكاد تدور حول شيء آخر سواها.

أبدًا لا يستطيع، ولو شنقوه، أن — بإرادته — يقدم على عملٍ كهذا، فليفعلها إذن، ويكون هو طبيب نفسه، فهو وحده الأعلم بحاله، ولن يجد مخلوقًا في هذا العالم كله يستطيع أن يكشف أمامه كل مكنونات نفسه، ويعاصر معه ويرى بعينيه كل ما انطبع في عقله مذ بدأ يعي بأنه ابن فلان وأمه فلانة، واسمه سلطان، وفقرهم مدقع، وعائلته وإن كانت شديدة الكبرياء بالذات أبوه، ذلك الذي كانت القرية تمتلئ مجالسها إذا جاءت سيرته بالسخرية منه، ومن فقره «الدكر» وأنفه الذي يرنو دائمًا إلى السماء. كان يرى أباه ينتحي ركنًا من فسحة بيتهم، ويُخرج من جيبه عشرات من أعقاب السجائر التي التقطها خلسة بخيزرانته التي ركب لها في نهايتها مسمارًا رفيعًا، بحيث يستطيع وهو في قمة تفاخره بعم أو جد أو قريب، أن يغافل محدثه إذا التقطت عينه عقب سيجارة، وفي انفعالةٍ محسوبة، يرفع خيزرانته وكأنما يدق بها على الأرض مؤكدًا أو مقسمًا، ثم ينزلها بالضبط فوق «العقب» لتندك فيه، وتظل لاصقة به حتى يخلو المكان أو تنصرف عنه العيون، وحينذاك وبخفة يد ماهرة ينتزعها ويضيفها إلى مثيلاتها في جيبه. ومن محصول اليوم يملأ صندوقًا معدنيًّا قديمًا ورثه عن أبيه الذي كان يملؤه «بالمضغة»، وكانت «مضغته» وما يضفيه لها من محوجات مشهورة في بلدتهم شهرة «غليون» البك ابن العمدة المتعلم في بلاد بره، الجالس إذا جاء زائرًا للقرية بين كل حين وحين في دوار أبيه، يحشو غليونه بالتبغ، ويشعله من ولاعة خاصة كانت مثار عجب أهل القرية، إذ كانت شعلة نارها تنطلق أفقية من جانبها، وليست مثل غيرها من الولاعات. أبوه ذلك السامق في قوامه، النحيل الكثيف الشارب، والذي كان لا يمتلك للخروج إلا جلبابًا واحدًا، هكذا يعرف الجميع، ولكنه دائمًا وأبدًا أبيض نظيفًا ناصعًا تجيد أمه غسله بالزهرة يومًا بعد يوم، وتنشره ليجف في المساء، ويرتديه في الصباح، حتى ليبدو وكأنه يمتلك عشرات الجلاليب الجديدة الناصعة البياض.

فقر وكبرياء، من جيش المدقعين الذين لا يمت أحدهم بصلة إلى عين من الأعيان، أو عائلة من كبار العوائل، أمثاله قابلون لحياة الجدب تلك، لا يهمهم تهرؤ ثوب أو دفاع عن كبرياء، يقبلون حتى أن توزع عليهم الزكاة في الأعياد، ويلهجون بالدعاء والثناء إذا وزعت عليهم لحوم في مناسبة أو «موسم» أو احتفال … «أبو سلطان» منهم هذا صحيح، بل ربما أشد فقرًا من بعضهم، ولكنه نسيج وحده في اعتزازه بنفسه، يمشي إذا مشى وكأنه العمدة، وإذا تحدث فعل وكأن كلامه فقط هو الحكمة. يومًا واحدًا كل أسبوع، يوم السوق، حيث يودعه أصحاب الحمير القادمون من القرى المجاورة حميرهم ليضمها الفضاء الصغير المجاور لسور السوق، فضاء يستأجره «أبو سلطان» من صاحب الأرض المجاورة، وكأنه «جاراج» الركوبات، لا ينتهي اليوم إلا وقد امتلأ جيبه بقروش، وأحيانًا بملاليم، تبدو كثيرة العدد والحجم، ولكنها في الحقيقة لا تكفي لقوته وقوت امرأته وعياله طوال أسبوع. سلطان أكبرهم، وثلاثة أولاد أخر، وأربع بنات، وأم شارفت الستين، وتدهش، ويدهش الناس، كيف بمثل ذلك الدخل يعيش كل هؤلاء البشر، وتمتلئ كل تلك الأفواه؟!

وسلطان ذكي باهر الذكاء، في المدرسة الإلزامية نابغة، ومع الأولاد أكثرهم شقاوة وأقواهم شخصية، ودائمًا هو القائد والمستشار الأعلى لعصابة كبيرة تتبعه، وتأتمر بأمره، مع أن بعضهم أكبر منه سنًّا، وبالطبع أكثر من عائلته غنًى ونفوذًا، بل الحقيقة المجردة كان أفقرهم، وأبأسهم ثيابًا، فقد كان يظل يرتدي الجلبات حتى لا يتغير لونه فقط أو يذهب تمامًا، بل حتى يقصر عليه وخلال عامين هما عمر الجلباب يكون قد ضاق وقصر، حتى لا يكاد يصل إلى ركبتيه. وكم عُيِّر بفقر أبيه «الدكر»، وكم اشتبك وتخانق وجرح وضرب ممن هم أكبر إذا تطاول أحد على حالهم أو على أبيه بالذات وعلى وجه التحديد حين يقولون عنه: عريان المؤخرة ويحب الفشخرة.

وفي مداعبات الصبية، أو على وجه التحديد تلك الفترة من العمر التي لا بد يبدأ الصبية يلامسون بعضهم بعضًا، ويستجيب بعضهم بلذة أن يكون السالب، والآخرون بلذة الموجب، أو بالاثنين معًا، كان سلطان شديد الحساسية أنه لا يرضخ، بل حتى من فرط حساسيته ورغبته في رجولة سريعة مبكرة كان لا يسمح أبدًا لأحد أن يلامسه، وبالتالي يرفض تمامًا أن يلامس هو أحدًا. رجل صغير، ورث كبرياء أبيه، أو قُل ماضٍ قدمًا في تقليد أبيه وتشبهه به، ذلك الأب الذي كان يعتبره أكثر الرجال رجولة وأعظمهم مقامًا، بل لم يحس أبدًا، ولم يراوده مطلقًا خاطر أن أباه رجل فقير، ففي مثل عمره لا يوجد فقراء وأغنياء، إنما فقط يوجد رجال رجال، ورجال أنصاف رجال، أو لا رجال بالمرة، والفارق الوحيد بين الناس هو ذلك الفارق بين الرجال الرجال والرجال أشباه الرجال.

من أين يجيئه إذن هذا الذي بدأ يزحف على نفسه زحف السحاب الأسود الذي يهدد بإحالة النهار ليلًا، وينذر بغياب الشمس واقتراب يوم القيامة؟

طول عمره هكذا، زعيم وشهم وشجاع وجدع، وبجوار الإلزامية والابتدائية كان يعمل شهور الصيف كلها، ومعظم شهور الشتاء كي لا يوفر نفقات تعليمه فقط، وإنما أيضًا ليساهم مع أبيه في ملء الأفواه الكثيرة المفتوحة جوعًا طول الوقت، والتي عمرها ما امتلأت شبعًا. وهو في تعليمه وفي علمه كانت تؤجج روحه فكرة وحيدة لم تتزعزع أبدًا، أن يرد الاعتبار لفقر أبيه وعائلته وتواضع نشأته وأصله. كان جلباب أبيه الناصع النظيف مجرد ستار يخفي حقيقة شديدة المرارة، إذ لم يكن بداخل هذا الجلباب الستار شيء ذو قيمة، وكان على «سلطان» أن يملأ هذا الفراغ المخيف الذي يخفيه الجلباب، أن يجعل لكرامة أبيه وأنفه التي في السماء رصيدًا يستحق معه فعلًا أن يكون أنفه في السماء، وأن تتغطى مؤخرته العريانة، ليكون حرًّا أن يتفشخر إذا أراد فشخرة المغطاة مؤخراتهم بالحسب والنسب، والأفدنة والأموال والقيمة والامتلاء.

٥

حتى أصبح «سلطان» زعيمًا فعلًا.

قصة طويلة مليئة بإرادة الفلاح الرهيبة التي يحفر بها ترعًا للنيل بإبرة، ويحمل بها صخور الجبل حتى يصنع بها هرمًا يكون أعجوبة الدنيا. الفلاح الذي يزحف إلى القاهرة حافي القدمين ماشيًا على ساقيه الرفيعتين، صاعدًا مع النهر، حتى يفرغ صبر النهر من فرط طوله، ويتشعب إلى فرعين أو حتى عدة فروع صانعًا من نقطة التفرع عاصمة العالم القديم، ومولد النور تشعله البشرية لأول مرة لترى به العالم ويراها العالم، زاحفًا حتى يصل إلى أم الدنيا، أو يصنع من نقطة التفرع أمًّا للدنيا.

بالإرادة الدءُوبة النحيلة البالغة الصلابة زحف «سلطان»، يجر وراءه عائلة مات عائلها، يجرها كما يشد المراكبي «اللبان»، جاذبًا المركب بحبلٍ طويل ليجرها عكس اتجاه الريح القادمة من الشمال. أجل شادًّا «اللبان»، لبانه، ولبان عائلته، بل لبان كل هؤلاء الفقراء ذوي الأنفة كانوا أو ذوي المسكنة، مستجيبًا للمحرك الداخلي الذي لم يهدأ داخله أبدًا، ولا لان، محرك أن يملأ جلباب أبيه، بحيث حتى لو خلع الجلباب لكشف عن مستور غنًى عظيم مشرف.

قضى سنة الجامعة الأولى ومسكنه ومأواه وملاذه بيت، بالأصح عشة، تقع عند الطرف القصي لسور الجامعة، فيها اصطنع المسكن والمقام، فيها نام على حصير هو كل ما استطاعت عائلته أن تزوده به، عامل بناء في حي «بين السرايات» وما حوله في الجزء الأكبر من النهار، حامل قصعة أسمنت تقطم وحدها الظهر، ولكنه معها كان يحمل مسئولية أن يتعلم، وأن ينبغ، وأن ينجح بحيث يحظى بالاثنى عشر جنيهًا شهريًّا مكافأة النابغين، كان يحيا منها بستة ويرسل لأهله ستة، عليهم وبعائد إخوته الأصغر من أعمال أصغر أن يدبروا وجودهم بها.

ومع ذلك ينجح بتفوق، ويكون من أوائل الدفعة.

وليس هذا هو المهم.

فمن أول لحظة وضع قدمه في الجامعة، وبدأ يتفتح وعيه إلى أنه ليس وحده الذي يشد «اللبان»، وليس وحده الذي لا يمتلك أبوه غير جلبابه يرتديه على اللحم الحي، جلباب في العادة على عكس جلباب أبيه، فلا هو أبيض ناصع، ولا هو خالٍ من «رقعة». مذ أدرك هذا وبِنَهم راح يقرأ ويسمع ويطيل القراءة والسمع، ويتفتح له الوعي، ولا يفعل تفتح وعيه إلا إدراكه بأن الأمر في حاجةٍ إلى التغيير، وأن من ينادون بالتغيير أبناء مدن، وحتى لو كانوا أبناء فلاحين أو عمال، فإن فرن الإرادة المتوهج داخلهم وقدرتهم وطاقتهم على العمل لإحداث ذلك التغيير أقل بكثير مما يجب، وأنه يستطيع أن يفعل الأكثر، ويقدم الأكثر، ويحقق الأكثر.

وعضوًا في الاتحاد صار، وأوتادًا للثقة به أخذت تندق، وخيمة هيمنته تتسع، واسمه وجرائد حيطانه، وخطبه واعتقالاته تصبح حديث الكلية، ثم حديث الجامعة، بل وأيضًا حديث المدينة، المدينة الجامعية التي حاولت إدارة الجامعة رشوته بإلحاقه بها، قَبِل الرشوة لعلمه أنها لن تلين قناته، وإنما بها ومن خلالها سيجد له قاعدة انطلاق أشمل وأعم.

٦

أحس الثور أن «عمه» سلطان لا بد قد راح في سباتٍ عميق، فأنفاسه منتظمة وعيناه مغلقتان، وسكوته طال وطال، حتى إنه لم يعد يتلقى موجات ترد إليه عبر المسافة الكائنة بين مجلس السلطان في كرسيه العظيم وبين مجلسه هو، على حافة المقعد العريان متحفزًا لأي إشارة أو بادرة احتياج من الرجل الكبير.

وهنا بدأ يتململ في مجلسه على طرف الكرسي، تململًا لا حركة تصدر عنه، ثم تململًا حرَّك فيه قدميه، ثم بدا وكأن الأمر لم يعد خافيًا، وأن عمه السلطان نام نومة السلطان، وبهدوءٍ شديد وقف وقفة من يستعد للانسحاب، وحين تأكد أن حركته تلك مرت هي الأخرى دون أن يشعر بها السلطان، بدأ يزحف بقدمين خفيفتين، وكأنما مبطنتان بفروة فهد، خطوة، ثم الثانية، ثم تسمَّر في مكانه فقد صدرت عن سلطانه زجرة سؤال آمر: رايح فين؟

زجرة سؤال أعادته فورًا إلى جلسة حافة المقعد، يكاد يتمسح كقط يود أن يؤكد ألفته وانضباطه وطاعته.

– أنا ما نمتش.

تردد «الثور» يقول: أنا ظنيت …

– اقعد.

– أنا تحت أمرك إن شاء الله للصبح.

يقعد؟ يقعد لماذا؟

سؤال دار في عقل كل منهما.

وإذا كان السؤال قد دار بقليلٍ من الدهشة عند «الثور»، فالدهشة الأكبر كانت لدى «سلطان»، لماذا حقيقة يأمره أن يعود للجلوس، ويؤكد أنه مستيقظ، وأنه يريد استمرار وجوده مع أن الوقت قد تأخر، والجميع حتى داخل البيت الذي يجلسون في بلكونته نيام؟

كانت الرعشة قد عادت له من جديد، آمرة، مدلهمة، لا يملك لها دفعًا، وأيضًا لا يملك لها تحقيقًا.

حائرًا ومرتبكًا ارتباك مبتدئين، خَجِلًا من نفسه خجلًا أبشع من خجله من أي غريب، يكاد يبكي غيظًا مما هو فيه، ومن وضع كان من المحال أن يتصور حدوثه، ولا يملك حياله أي تصرف. حتى لو كان سيثور ثورة المجنون حينذاك، ثورة الرجل، أبو الرجال، الزعيم الذي يحاول فأر، وإن كان اسمه «الثور» أن يعتدي عليه، على رجولته. وعاد الصمت الذي كان يبدو وكأنه الحل الوحيد للإشكال، يفرض نفسه. وعاد «سلطان» لا ليستعرض حياته ليعثر على بداية الكارثة أو مبعثها، وإنما عاد يقلب ماضيه، قريبًا وبعيدًا ليعثر على سبب لهذا الذي حدث، بل ليتأكد أن شيئًا فعلًا قد حدث له، أو أن واقعة ما كانت هناك موجودة، ووجدت ولكنه نسيها وطمرتها الحياة الحافلة التي عاشها، بينما هي طول الوقت كالسوسة، كالسرطان الخبيث البطيء تعمل عملها حتى أوصلته إلى الآن، حيث لا يستطيع مطلقًا أن يتصور أنه بكل جلالة قدره خاضع، أو يكاد يكون خاضعًا لفكرة الرغبة العارمة الطاغية التي يستميت — دون فائدة — في مقاومتها، فكرة أن يستسلم أمام ذلك الشاب المرعوب خوفًا منه ومن فحولته ومن هيلمانه، حتى لقد وفدت إليه فيما وفد أفكار أن «الثور» يتصور العكس، ويرتعش خوفًا من أن يطلب منه عمه السلطان ما يطلبه الأقوى من الأضعف، فطلبات السلطان أوامر مقدسة، تنفيذها لا مهرب منه، ولا إمكان للهرب. أمر مقدس لو طلبه السلطان لكان عليه — ويا للكارثة — أن يخضع لنزوته حتى لو كلفه ذلك الخضوع رجولته وكبرياءه، وكل ما بناه لنفسه من شخصية وسمعة وصلت به حد الشهرة أنه وحده الثور الطلوق الذي يغار منه كل الرجال، وتحلم به كل محرومة أو غير محرومة من جنس النساء.

احتمالات، كل احتمال منها كارثة أبشع من الأخرى، حتى بدأ جسد «الثور» يرتعش فعلًا، ارتعاشات حقيقية، يكاد معها يرتمي بجسده تحت أقدام السلطان، ويستجير به أن يرحمه، أو أن يفض الصمت المخيف المليء كالأحراش بالأفاعي والوحوش، ويقولها له صريحة، ويفعلها أو لا يفعلها، وينتهي الأمر، وينتهي الصمت، وينتهي ذلك الموقف الذي أصبح امتداده أشد عذابًا من أي شيءٍ آخر، أشد عذابًا من أي إحساس بالمهانة، حتى لو تحققت المهانة.

٧

من العشة عند طرف سور الجامعة، إلى المدينة الجامعية، إلى العمار، من المعيَّر بأبيه عاري المؤخرة غاوي الفشخرة، إلى المشاد بأصله الفلاحي المتين، وعصاميته، وأبوته التي رفعت لمرتبة الأصالة والعراقة الشعبية والنموذج الأعلى لما يجب أن يكون عليه الزعيم، قادمًا من قلب الشعب لا بد يجيء، سليل أب كادح، إذ أصبح النبل والعراقة صفات من يكون سليل شجرة بؤس أبًا عن جد.

من «قصعة» الأسمنت تقطم الظهر في النهار والمراجع ينقلها نقلًا، وهي بآلاف الصفحات من كتب زملائه التي كان يستعيرها منهم، من القصعة قاطمة الظهر، والنقل عن المراجع مضيع البصر مخدر الأصابع مقوس الجسد بالآلام المبرحة التي تئن لها عظام الظهر.

من الصبي النكرة المصفر الوجه بالأنيميا ونقص الغذاء، إلى الحاصل على درجتين؛ واحدة في الاقتصاد، والأخرى في التاريخ، مفخرة الجامعة، ثم بقية الجامعات، مفخرة جيله، وكل ما تلاه من أجيال، بل مفخرة من مفاخر مصر ووثبتها التي نقلتها من مجرد دولة محتلة في عالم قبيح قديم إلى دولة قائدة تحرر وزعيمة شعوب ومفجرة انتفاضات وثورات، حتى أصبح سلطان سلطانًا فعلًا.

وكان أول زعيم شباب يقابله الرئيس الزعيم، ويصافحه، بل ويمنحه وسامًا وتصبح له حظوة، وجاه، وصاحب مدرسة واتجاه، حوله ومعه جيش صغير تابع من النوابغ والمعجبين وتابعي التابعين.

وهذا كله يحدث دون أن يشعر سلطان أن جلباب أبيه النظيف الخالي قد امتلأ برصيدٍ حي من المضمون والجاه والنفوذ.

ولهذا كان ماضيًا لا يزال كالمهر الأصيل لا يتعب ولا يكل، يجري بلهاث ثابت، لا من أجل هدف محدد وضعه لنفسه، ويريد الوصول إليه، فلم يكن من ذلك النوع من أصحاب الأهداف الخاصة التي يضعونها نصب أعينهم للوصول إليها وتحقيقها، ولكن مضيه كان لا يخضع لأي تفسير عقلي أو نفسي، إنما هو مضي، وكأنما من أجل المضي ذاته، فلا هو وضع نصب عينيه أن يكون زعيمًا أو محبوبًا أو صاحب سلطة ونفوذ، لا المال كان هدفه، ولا الطموح السياسي كان محركه، بل ولا التاريخ أو مكانة في التاريخ يطمع فيها ويسعى لها. كان حقًّا وصدقًا لا يعرف لماذا هو ماضٍ هكذا؟ يحقق، وتنهال عليه الألقاب والصفات والثناء دون أن يسعى لها أو يقيم وزنًا، إنما هي نتائج ثانوية لا تشغل باله مطلقًا، وتأتي كنتيجة حتمية لدأبه وإصراره ومبادئه التي انغمس تمامًا في التبشير بها، والعمل من أجل تحقيقها وسيادتها. مجتمعه لا بد أن يكون عادلًا لا يمتلئ بمظلومين لا ذنب لهم، مظلومون لا يمتلك الواحد منهم إلا جلبابًا، بينما آخرون تمتلئ دواليبهم وحجراتهم بطوابير الملابس المعلقة فوق مشاجبها، وكأن غرف نومهم وملابسهم أجنحة بأكملها من أجنحة بنزايون أو صيدناوي أو الصالون الأخضر. أبوه عمره ما انتقل من مكانٍ إلى مكان بواسطة قطار، أو وسيلة من وسائل المواصلات، إنما هو السير الكعابي المستمر مهما بعدت المسافة، الصدق، الحقيقة، النظافة، التضحية، الجهد من أجل الآخرين، وليس أبدًا من أجل احتكار الثروة والتكويش على النفوذ. الزعيم سيد القوم لا بد يكون سيدًا؛ لأنه خادمهم. وذو مكانة بينهم؛ لأنه أكثرهم عملًا وجهدًا من أجلهم، مبادئ بيضاء ناصعة كجلباب أبيه، كانت قبله مجرد ستار، مجرد رداء ليس في داخله أي مضمون، كان مضيه في الكفاح الدائب أن يملأ تلك الثياب الناصعات مضامين حقيقية، وأن يحول الستائر الخارجية الناصعة البياض لتخفي القذارة والقبح إلى ستائر تحوي وتحمي كل ثمينٍ وغالٍ من الحقائق والمضامين.

الرجل ليس بكثافة شاربه وشدة طغيانه، ولكن الرجل رجل؛ لأنه شهم وكريم وشجاع ومضحٍ ومغيث للملهوف، وواقف بجوار المظلوم، مع الضعيف حتى يقوى، وضد القوي حتى يعدل ويعتدل، وتصبح قوته في خدمة العدل والحق. والمرأة امرأة لا بحسبها ودلالها وأنوثتها، وإنما بعملها الأعظم في أن تكون الأم الأعظم لبشرية أرقى، فالأمومة كالرجولة ليست صفة، ولكنها قيم، درجات عليا من السلوك البشري العاطفي والعقلي وحتى الجسدي، بها تفرد الإنسان وعلى هديها وصل إلى قمة في التطور جعلته أسمى حي في الوجود.

الأم.

وغيَّر سلطان اليد التي كان يرتكز عليها، لا لأن التعب من الارتكازة الأولى قد جعله يغيرها، وإنما لأنه وكأنما فجأة قد وصل عند النقطة التي خُيِّل إليه فيها أنه قد عثر على أول الخيط، على السبب والمتسبب، على أمه.

٨

الفلاحة السمراء ذات «طابع الحسن» الغائر في منتصف ذقنها الموشوم وشمة الصعيدية البدوية، وكأنه ختم تختم به الفتاة علامة أنها العذراء الكاملة المنتمية إلى قبيلة ليس لها اسم محدد، ولكنها قبيلة النساء الساميات جمالًا وشكلًا في نفس الوقت، قبيلة المرأة جسدًا مخلوقًا ذلك الخلق الأنثوي الخاص المثير، ولكنها أيضًا علامة أنها إنسانة فيها كل نبل المرأة الفلاحة أو الصعيدية وأنفتها، كل صلابتها عندما يجد الجد، ونعومتها تتحد مع خشونة الرجل لتكوِّن ذلك المزاج المصري القح الذي ينتج أطفالًا لهم قيم الرجال ومسئوليات الرجال بما فيها حتى الأخذ بالثأر، كل الفقراء بلا استثناء يكنون حبًّا للأم ليس كمثله حب آخر، وكل الأمهات الفقيرات يحببن أولادهن، صبيانًا وبنات، حبًّا ليس التدليل والإفساد بكثرة التدليل هو منتهاه، ولكنه الحب المسوى على نار الحياة القاسية كالبتاو، لا يصنعه وينضجه الوقود الصناعي، ولا أفران المازوت، وإنما هو مسوى على حرارة شمس طبيعية، لافحة ولكنها غير صناعية، نفس القانون الذي ينضج الخبز هو القانون الذي ينضج العواطف، هي العلاقة الحارة الحميمة بين الأم والولد، حب صافٍ منقًّى؛ لأن هدفه الأعلى إنتاج رجل، وليس إظهار الحب تدليلًا لطفل، حب الأم فيه واثقة من حب الابن لها، ولهذا فهي لا تستجدي حبه، أو لا تخاف من كرهه، تريده لنفسه رجلًا ولا تريده لنفسها لعبة أو «عروسة» تهزها وتلهو بها.

هكذا يراها، بعين نضجه، الآن.

ولكن الطفل فيه رغم حبه الشديد لها كان يكره ما تصوره أنه قسوتها وخشونتها، بل وأحيانًا عقابه ضربًا مبرحًا أو شكوى مرة لأبيه، أبوه أبدًا لم يضربه أو يعاقبه مطلقًا عقابًا بدنيًّا، كانت كلمة: يا ولد، يقولها غير عالية أو شاخطة، ولكنها خارجة من عمق رجالي مرعب، كالسكين المسنونة تندب في قلب الجسد، في صمت. كلمة كان يخشاها ويرعبه مجيؤها أكثر من كل زعيق أمه وصراخها وضربها له «بالقنو» الذي تكنس به الدار، والذي ليس سوى سباطة البلح بعدما اقتطعت من النخلة، وذهب عنها بلحها وجفت وتغير لونها، وأصبحت أداة النظافة في البيت، وأيضًا أداة التأديب غير المؤذي.

تدليل، لم تدﻟله.

خشونة مرضية كارهة أبدًا لم يتعرض لها.

شك في رجولته المبكرة أو لفظة سباب تجرح تلك الرجولة، على عكس ما كانت تفعل أم عيد جارتهم التي كثيرًا ما كان يسمع صوتها في عز الليالي ملعلعًا يتهم ابنها بأنه عاد متأخرًا؛ لأنه لا بد كان مع الأولاد في حقول الأذرة، وصراخ وكلمات كانت تجعل سلطان يغلي دمه هو بالغضب حنقًا على تلك المرأة وإشفاقًا على صديقه ابنها. بل حتى ذلك الابن، رغم كثرة ما وجهته له أمه من طعن في رجولته، رغم لونه الأبيض الفاتح، وشعره المائل للصفرة إذ كانت أمه من الدقهلية، لم ينشأ ولم يحدث أبدًا أن تحققت نبوءة أمه من أنه سيصير كذا حين يكبر، مثله مثل «شاهين» الطحان. وشاهين الطحان هذا كان ظاهرة من الظواهر الكثيرة التي تختص بها بعض قرى الأرياف سواء في بحري أو في الصعيد. رجل بالمظهر والشكل له لحية وشارب، وإنما محلوقتان، ولكنه فيما عدا هذا أنثوي في كل شيءٍ آخر، في طريقة كلامه، في مشيته، في التصاقه الدائم بالمجتمع النسائي في القرية، وحتى في عمله، فقد كان يتاجر في الزبدة والسمن والقشدة، ويغوي شباب القرية المراهق بما هو على استعداد لدفعه من نقود، وله سمسار من صعاليك الشباب كان هو الذي يجلبهم له مقابل عطاياه، معروف ومشهور ومحل استنكار كثير من المتزمتين وأهل الورع والتقوى، ولكنه عند الناس العاديين، بحكم طول المدة واشتهار خصاله، أصبح يؤخذ مأخذ الظواهر العادية التي لم تعد محل استنكار، وإنما أصبحت فقط محل سخرية البعض، ومثلًا تضربه الأمهات لأولادهن إذا أحببن أن يخيفوهم من الميوعة أو إطالة الشعر أو «عوج الطاقية».

أبدًا ما جرحت أمه رجولته، بالعكس كانت دائمًا محل افتخار به، كل ما يذكره هو ذلك اليوم المشهود الذي دخلت أمه «زريبة» البهائم ذات ظهر صيفي كان الكل فيه نعسان أو هاجعًا هجوع القيلولة، هو فقط كان منفردًا في الزريبة بحمارة عمه الذي جاء يزورهم من النجع المجاور. ولا يزال يذكر تصرف أمه الذي يعترف الآن أنه كان قمة في الحنكة، أو كأنها طبيبة أمراض نفسية، إذ حين فتحت باب الزريبة ووجدته على تلك الصورة، ورأت الذعر الخجول، وقد جحظ من كل ملامحه، وأسال فجأة غزير عرقه قالت وهي تستدير راجعة بأسرع مما دخلت قائلة له من خلف ظهرها: كيف تركب حمارة عمك من غير «بردعة» يا جحش؟

وهكذا أبرأته هي حتى أمام نفسه، حتى لا يحس مطلقًا بأي حرج. أما حين ضبطته خلف كومة الحطب فوق السطوح مع الأرملة سعدية العمشة التي كانت تجلب لهم الماء. يومها انهالت عليه ضربًا بالقنو، ولكنه أحس، وهذا هو ما استغرب له، أنه ليس ضرب غضب، بل يكاد يكون ضرب أداء واجب، بل إنه أحس أن في ثنايا شتائمها وتأنيبها نبرة تكاد تكون نبرة فخر بما رأت واكتشفت، كل ما في الأمر أن غضبها كان يبدو منصبًّا على اختياره للأرملة الكبيرة القبيحة، وليس لأي سببٍ آخر.

٩

من بعيد بدأت تترى نوبات سعال الشيخ أبو المعاطي، يذيعها ميكروفون المسجد إيذانًا بتسليك زوره استعدادًا لتسابيح الفجر وأذانه. كانت الدنيا لا تزال حالكة الظلمة، وكان النوم قد بدأ يتسرب إلى «الثور» فقد بدأت رأسه تسقط فجأة، فيفيق مذعورًا، ويعيد رفعها بسرعة، وكأنه ينفي عن نفسه تهمة أنه قصر في يقظته، وأن النوم غلبه في حضرة السلطان اليقظان. وكأنما كان أذان الفجر، بعد الليل الطويل المستعيد لشريط الحياة إيذانًا باختلاط الماضي بالحاضر في ذهن سلطان وذاكرته، أحداث صغيرة تقفز فجأة إلى وعيه قفز براغيث ليالي الشتاء لا يملك الإمساك بها، وإذا أمسكها أفلتت، ثم نوبات مناطق شاسعة بأسرها ضاعت من الذاكرة، أو أضاعها هو بإرادته، فلم تتبع حياته آراءه ومبادئه بدقةٍ كاملة أو انضباط، كثيرًا ما كانت تحدث الهوة بين الفعل والمبدأ، بين ما يأمله وما يستطيعه، بين الدأب الجليل المستمر، ثم نفض اليد فجأة، وكأن لا فائدة، وكأن ما يحاول تحقيقه أضغاث أحلام أو أحلام أطفال. مثل ذلك اليوم.

أجل، أجل، ذلك اليوم.

ظهرًا كان الوقت؟ منتصف الليل؟ أبدًا لا يذكر، المؤكد أن كان هناك وقت، وكان هناك رجل، وكانت هناك استغاثة، طلب مُلح، رجاء مليء بالعشم والاستغاثة. استغاثة يدرك صاحبها أنه لم يتوجه بها إلى الإنسان الخطأ، إذ إن شهامته مضرب الأمثال. أنا وقعت من السماء، وأنت تلقيتني. قرار، نعم نعم يذكر جيدًا أن كان لا بد له من قرارٍ يتخذه. لا شيء عنده أسهل أيامها من اتخاذ قراره، في ومضة وفي لا وقت يكون حسبها وحسمها. الكل ينتظر ومتأكد أن الكلمة ستخرج من فمه، كما تعودت أن تخرج، جريئة مليئة بعين الحكمة، والحكمة عنده لم تكن التصرف الوقور المتزن، وإنما أحيانًا أكثر القرارات جنونًا وخروجًا عن المألوف إذا كان الأمر والواجب يتطلب ذلك.

مؤيدوه جاءوا، عشرات، مئات، كثيرون وكأنهم آلاف، كأن قدراتهم جميعًا على الوصول إلى قرار قد أوقفت، أوقفوها أو توقفت، إذ يعرفون أن هذا ليس عملهم أو دورهم، ولكنه دوره الذي لا يستطيع سواه أن يقوم به بمثل ذلك الحزم والحسم وأصح الصحيح.

كان العدوان قد حدث، أمام الملأ، ثم وكأن من قاموا به مجانين، فقد كان الكل يعلم أن رده سيكون الصفعة في جبروت عنفوانها، والركلة والإهانة ترد عشرات أضعاف ما حدثت به.

كيف حدث ما حدث؟

كيف وجد الرجل فيه ينكمش، والخوف وإجراء الحسابات داخله يتكاثر، وطال سكوته أو طال تردده إلى أن بدأت الهمسات تترى، وسحابة شك كثيفة تحجب وجه الشمس ووجه القوم ووجهه، وبدلًا من زعقته المشهورة: اضرب يا ولد، اضربي يا بنت، نحيلًا خرج صوته وكأنه صوته حين كان صبيًّا لم يراهق أو يخشوشن صوته، كأنه صوت عيل، أو رجل آثر أن يكون قراره قرارًا عياليًّا، وصوته ينطق به وكأنه صوت خنثى: أنا رأيي أننا نفوتها عليهم المرة دي ونرضخ، ونختار نحن بعد هذا وقت المواجهة ومكانها، مع أن الجميع وهو على رأسهم يعلم أن هذه، هذه الساعة من الظهيرة بالذات، وقد تذكرها الآن تمامًا، هي أنسب وقت، والاحتشاد للمواجهة لحظتها هو أقوى احتشاد، وأن معنى التأجيل ليس تفويت الفرصة، أو تأجيل المعركة، ولكنه على بلاطة الخوف والتراجع والهرب.

وساعة طويلة ظل يحدثهم عن أهمية الوقت المناسب والمكان المناسب، واحتمال الهزيمة المؤكدة إذا لم يتم هذا بدقة.

وانصرف بعضهم وهو لا يزال يتكلم، مع أن شيئًا كهذا أبدًا ما حدث، ولا أحد كان يتصور حدوثه، فالحديث تام الوضوح أنه تبرير في تبرير، وأنه في داخله خائف يرتعش، وأنه هذه المرة ليس بسلطان، وإنما هو إلى بهلوان السلطان ومضحكه أقرب.

حتى الأنداد وقفوا مذهولين يسمعون ما لم يخطر على قلب أيهم أو أحد، فقد كانت هجمتهم هجمة يائسين ظهورهم إلى الحائط، وموتًا بموت فعلوها وهم مدركون تمامًا أن الهزيمة المنكرة هي ما ينتظرهم، هزيمة وهم يتصورونها، ويرونها واقعًا وحقيقة، لم تكن بمرارة أية هزيمة أخرى تجاه أي خصم آخر، فالهزيمة أمام سلطان ليست ذلك العيب المخزي الذي يتحدث به الناس ليالي وأيامًا، إنما تكاد تكون نوعًا من الشرف، يكفي المهزوم فخرًا أن الذي هزمه هو سلطان، وأن جرأته وصلت حد أن يقف أمامه ندًّا، فلو هزم — ومن المعروف أنه بالتأكيد مهزوم — فيكفيه فخرًا أن هازمه هو من لا يجرؤ أحد على منازلته.

زعيم صار، صاحب الرأي والكلمة المسموعة والقرار. حين جاء وقت الجد والقرار يتحداه في عقر داره وعقر مذهبه تحول إلى صعلوك من البشر، فولى الأدبار، وإن حاول أن يبدو قراره قرار حكمة وروية، وهرولته الداخلية يفعلها بتؤدة ووقار الملك يستعرض في خطو الأباطرة العظام حرس الشرف، ولو كان قد أطلق العِنان لما كان يحسه حقيقة ويود حقيقة فعله، لوضع ثوبه في أسنانه، وانطلق يجري جري الأرنب المذعور. كيف يتمطى الجبل ويلد في النهاية فأرًا؟ أم أن الفأر فيه كان هناك طوال الوقت؟ إنما كان ينفش نفسه ويضخم صوته، وغلظة جسده وحديثه ليخفي نفسه وحقيقته.

أيام وليالٍ وبضع سنين ظل يحلل ويفتش خبايا نفسه، وبخبث يستدرج محدثيه وندماءه ليعرف لماذا في رأيهم فعل ما فعل، لماذا خاف وارتعش وولى الأدبار، وفي معظم الأحيان كان يسكت بكل ما يملك من قوة الرغبة في السؤال والإجابة عن التساؤل إذ يكاد يواجه بما يشبه مر الحقيقة العلقم، أنه أبدًا لم يكن ذلك الجبار الذي صنعوا حوله الهالة، ولا ذلك الشجاع الذي ترتعش لمرآه النفوس، إن الخارج فقط هو ما يظهره هكذا، أما الداخل فكأنه كان طوال الوقت أجوف فارغًا، مجرد طفل أعجبته صورة أبيه ورجولة أبيه وشجاعة أبيه، فمضى يقلدها أو يحاول، وأنه رغم الجهد الجبار العظيم لم يتعدَّ أبدًا طور المحاكاة والتقليد، وأنه مجرد كذبة، الكارثة العظمى أنه صدقها، ومن شدة إيمانه بها صدقه الآخرون. ساعة اللظى من ذلك اليوم الصيفي الحار ماذا حدث؟ وكأن لظاها أذاب هيكل الأسد، وكأنه كان مصنوعًا من شمع أو صلصال، وكأن جلبابه قد فرغ من المضمون ومنه وتبدى الفأر حين خاف حقًّا؛ لأنه لأول مرة ووجه في حياته بناس اعتقد أنهم لا يخافون منه، وفعلًا ممكن أن يفعلوها ويضربوه، ذاب مظهره الرهيب وتبَّدى الأسد على حقيقته فأرًا مذعورًا، ولا شيء غير فأر مذعور.

١٠

ولكن المسألة لم تتم هكذا ببساطة كالمعادلات، تردد في قرار أو حتى قرار خاطئ، أو فلنصل بالأمر إلى نهايته ونقول لحظة خوف حين جاءت ومرت، فإذا بها تتركه نتفًا ومزقًا.

إذا كان الليل قد مر عليه مرور وابورات الزلط فإنه في الصباح كان ذلك الرجل الآخر، بالأدق ذلك الأصل، الأسد، إعصار الترنح الهزيل مضى، واستعاد القوام واعتدل. أنا أنا، ما كنته وما سوف أبقى عليه، مجرد خطأ في الحسابات جرى، ولكن الله سلم.

هكذا قال، وظل من ساعتها يقولها لنفسه.

ولكن الناس بدأت تقول أشياء أخرى تمامًا.

لا تقولها نطقًا أو كتابة أو حتى همسات إشاعة، وإنما تقولها بعينيها، بتبادل نظراتها، بالعيون التي لا تطرف أو ترتعش مطرقة كلما واجهت عينيه، إلى عيون الند للند أصبحت أقرب، بل ربما عيون القاضي إلى من يحويه القفص، وقد أدانه ولم يبقَ سوى النطق بالحكم. وكان كلما أدرك بذكائه هذا أحس أنه يتعرى تمامًا، والفأر الذي في أعماقه يرفع رأسه، ويجعله يتردد ويتلجلج، وينتهي إلى لا قرار، أو يؤجلها بأي حجةٍ إلى وقتٍ مناسب، ولا يجيء الوقت المناسب أبدًا، وهكذا حين وجد أن منصبه يحتم عليه في كل وقت أن يأخذ قرارًا، قرر أن يخرج عن المنصب، بل وعن القانون نفسه، وأن يذهب إلى عزوته وبلده، ويكوِّن عصابة رجال، ويصبح أبا رجال، ومن خلال درع العصابة يخيف الناس، فيبدو كما لو أن قراره اللاقرار، قرار.

الحادثة التي جرت كانت وكأنما خبأها له القدر في اللوح المحفوظ، مارًّا هو في عصرية عيد يمشِّي ساقيه وينفرد بنفسه بعد كثرة ما استقبل من زوار ومهنئين بالعيد، عادته السنوية التي لا تتغير حين يقضي أيام العيد الثلاثة في قريته يذكر ويتذكر، ويرى الزمن يغور بآثاره في الوجوه، ويستمتع بالأنوف الشامخة التي لم تكن تحفل به أو بأبيه، وقد أصبحت تدين بالولاء المطلق، وتتدلى كالأغصان المرتخية فيما يشبه الذلة والمسكنة طالبة منه رضا أو نظرة إدراك وتعرف، سائرًا في العصرية يطوف بالحقول المحيطة بالقرية، حيث كانت مرتع طفولته ومكمن ذكرياته، لمحه يقود «النورج» وهو جالس على أريكته الخشبية التي لم تتغير من أيام الفراعنة، يقرأ في كتيب نصف مطوي، أصفر الأوراق باهتها. كان الطريق يؤدي بالضرورة إلى الجرن الذي فيه الولد والنورج والقمح المصنوع دائرة واسعة يدرس. ويمهل كلما اقترب من الشاب الفلاح الجالس بالسروال والصديري المتآكل الوجه المهلهل في يوم العيد هذا يدرس القمح والكل في إجازة، ويقرأ من الكتاب الدفتر مع أن الفلاحين معظمهم أمي، بمهلٍ يتقدم حتى أصبح ما بينه وبين الولد أقل من مرمى طوبة دون أن يحس الولد بوجوده، أو إن كان قد أحس لم يعطِ لهذا الوجود أهمية تستحق أن ينتفض هابطًا من النورج قادمًا مهرولًا مقبِّلًا الأيادي منحنيًا إلى الأرض أمام عمه «السلطان» كما تعوَّد أن يفعل الناس جميعًا من أكبر كبير إلى أصغر صغير، ولكن البهائم ظلت تسير وعجلات النورج المسنونة تعوي وتئن والشاب جالس كأنما لا يدري بما حوله، وسلطان واقف مذهول مما يحدث، إذ هو لأول مرة يحدث.

– وله!

شخطته التي يعرف الجميع بصماتها انطلقت، وجعلت الكتاب يكاد يهوي من يد الشاب، وهو يحدق ناحيته، يحدق فقط، دون أن يفعل شيئًا آخر. أخيرًا بعد لأي يقول: يلزم خدمة؟

– خدمة في عينك قليل الأدب ما اتربتش، أنت اسمك إيه يا ولد، ابن مين يا بن الكلب؟

– يا فندي ما تغلطش فيه لحسن أغلط فيك، أنا مش خدام عندك.

وعلى الزعقة والشخطة والوقفة، كان نفر من المارين قد هرولوا إلى حيث الجرن، وكان أكثر من رجل منهم قد اندفع إلى الشاب يجره من فوق النورج، ويتطوع بزغده ولكمه، وهو يقول له: مش عارف عمك السلطان يا حمار يا بن الحمار.

فعلًا كان واضحًا أنه لا يعرفه ولم يسبق أن رآه، ولكنه ما أن ذُكر اسمه حتى اصفر وجه الولد، وأحس أنه وقع في محظور سبحان المنجي منه.

وارتد الرجال إلى السلطان يعتذرون، وكأنهم هم الذين أخطئُوا، ويشبعون الولد سبابًا ولكمًا طالبين منه أن يذهب ويقبِّل يد عمه السلطان ويستصفحه، ولكن السلطان أشار لهم أن لا داعي، فقط أعاد سؤاله: أنت ابن مين يا ولد؟

– أنا أحمد بن محمد الطحان يا سعادة الباشا.

– الطحان؟! بتقول الطحان؟!

وكأنما انفرجت أسارير الدنيا كلها إذ بدأ الباشا السلطان يقهقه، والجميع يقهقهون، والولد حائر يحملق فيهم، ولا يفهم شيئًا بالمرة، فمن الواضح أنه كان لا يعرف عن حكاية عمه شاهين الطحان المخنث شيئًا.

– وريني بتقرا في إيه يا بن الطحان.

وحالًا كان الكتيب ينتزع من يد الولد أحمد، ويقدم إلى السلطان في اعتذارٍ واضح عن قدمه وتهرؤ صفحاته. باشمئزاز قلَّب السلطان الصفحات إلى أن وصل إلى الغلاف المتهالك المصنوع من ورق اللحمة ووجد مكتوبًا عليه: موال أدهم الشرقاوي.

وعاد السلطان يقهقه حتى ليكاد يستلقي على قفاه من الضحك والكلمات تختلط بالقهقهة: بقي يبقى عمك شاهين الطحان، وأنت بتقرا أدهم الشرقاوي، وانفض الجمع والحادث، ولكن غيظًا ما كان لم ينفرج بعد من نفس السلطان، فأرسل يستدعيه في جلسة المغربية، تلك التي يتبهرج لها دوار الضيافة بالأنوار، وقد أصبحت مصابيح كهربائية باهرة الضوء، وقد ارتدى جلبابًا أسود من لون جلده وهات يا تريقة من سلطان والجالسين عليه وعلى عمه، حتى لقد وصل الحد أن قال له السلطان: عمك كان معاك زي الباقيين يا ولد؟ كان بياخدك في الدرة برضه؟ وهنا انطلق الولد مغادرًا المجلس في عنفوان كلب قطع سلسلته، والضحكات تشيعه لا تزال.

وربما لهذا السبب عاد إلى سلطان بعض الغيظ الذي كاد ينتهي من نفسه.

كان اليوم التالي يوم جمعة، وبينما السلطان في حاشيته خارجين من المسجد لمحوا أحمد الطحان قادمًا من الحقل موحل السيقان بالطين يحمل تحت إبطه ربطة برسيم.

– وضلالي وما بتصليش كمان، يبقى لازم عمك خدك لفة.

وانفرطت دموع حقيقية من عيون الولد وهو يقول: يا فندي ما يصحش الكلام ده.

– إيه، ما يصحش؟ إنت لسه شفت حاجة، والله لنخليك تعملها في عمك عيني عينك الليلة دي.

وهنا حدث شيء لم يكن أحد يتوقعه أبدًا.

فجأة، ألقى الولد بحزمة البرسيم جانبًا، وقفز على السلطان، واضعًا ساقه خلف ساقيه، فتهاوى السلطان على الأرض كالشجرة الفارهة، وانقض الولد عليه وفي يمناه «الشرشرة» التي «يحشون» بها البرسيم، وفي عينيه نار من قرر أن يذبح الرجل ليقتله فورًا.

اندفع أكثر من رجل ناحية الراقد والراقد فوقه، فإذا بالولد يزأر: والله اللي حيخطي ناحيتي لجازر رقبة اﻟ… دهه.

وتجمد الكل في مكانه، فالتفت إلى السلطان وطرف الشرشرة مغروز في أيمن عنقه، ما هي إلا جرة واحدة حتى يذبحه ذبح الشاة، والنار لا تزال تتلظى من عينيه، وقال: مش حاسيبك إلا لما تقول أني مرة، قول.

تعالت أصوات الاحتجاجات من خلف الولد وأمامه، وقد أصبح هو والسلطان وسط حلقة لا نهاية لها، ولكن الولد صرخ كالوحش الجريح: اللي عنده كلمة يوفرها ووالله والله إن ما قالها حالًا لدابحه. انطق … قول أني مرة.

ولم يرَ السلطان مخلوقًا في عينيه عزم الجريمة كما رأى وجه الولد، ولم يحس هو برعب فوق طاقة البشر مثلما أحس وسن الشرشرة قد بدأ يقطع والدم يتفجر.

كان صعبًا تمامًا أن يقولها، أو يتلفظ بها، ولكن الموت أمامه ويا روح ما بعدك روح، حاول أن يستجمع رجولته ويشخط أو يزأر أو حتى يسكت، ولو جزت الشرشرة رقبته، ولكن إرادته التي كانت قد تفتت منذ موقفه المتردد الأول، وتتابع تردداته، أبت أن تتجمع أو تقاوم أو حتى تأخذ قرارًا بالمقاومة. وأشد ما أذهله أنه لم يقلها بتسليم أو خضوع للأمر الواقع، ولكنه قالها وكأنه يتنفس الصعداء راحة: أنا مرة.

وتهدجت صدور الجماعة الملتفة، وكأن السماء انطبقت على الأرض، أو كأن الأسد قد تحول أمام أعينهم إلى لبؤة، تهدج وأصوات همهمت قطعها أحمد الطحان بجبروت المنتصر قائلًا: تفوه عليك.

وبصق الطحان في وجه السلطان، ثم بقفزة كان قد أصبح خارج الدائرة شاهرًا شرشرته، مثيرًا الرعب، وكان قد ولَّى الأدبار، بحيث حين أفاق الجميع لم يجدوا له أثرًا، لا في بيته، ولا في بيت عمه، ولا في الحقول، ولا في الأرض، ولا في السماء.

١١

وصحيح أن الشرشرة لم تَجُز رقبة السلطان، ولكنها كانت قد فصلت كبرياءه تمامًا عن جسده. وغادر القرية ولم يعد لها أبدًا، حتى والموكب وقد صغر كثيرًا يودعه، كانت جماعته تقول أشياء لا تقولها نطقًا، أو حتى همسة إشاعة، وإنما تقولها بيديها، بتبادل نظراتها بالعيون التي لا تطرف أو ترتعش مطرقة كلما واجهت عينيه، إنها عيون الند للند، وكلمات الوداع الهشة التي ما كانت تقال إلا جبرًا للخاطر.

الموت كان أرحم لهؤلاء الذين يفعلون مثله ويتصدون للزعامة والسطوة، يصبح الخيار بين الموت وهتك العرض، إذا كان لا بد من خيار، فالموت ولا شيء سواه يكون الخيار.

يأتيها من تلك الزاوية أو هذه، لم يجز شعر رأسه، ويصير أسدًا أقرع له رأس اللبؤة، وإنما لم يعد ثمة ضرورة للكبرياء، أو حتى الكرامة، سيد الرجال قالها، وأعلن أنه امرأة، حتى لو كان إعلانه إنقاذًا للحياة، فهو إعلان قد تم وحدث، غيره يموتون فعلًا من أجل مواقف أقل، غيره ممن لا يزعمون أنهم أسياد رجال أو أصحاب سطوة أو زعماء، أناس عاديون يقتل الواحد فيهم أو يُقتل بسبب أقل، يَقْتُل أو يُقْتَل ولا ينطقها.

تحييه — ذلك الإنسان — كلمة، وتميته كلمة، وإرادته هي الأخرى تصلبها كلمة وترخيها كلمة، ولا تتراخى الإرادة مرة، إنما إذا هي بدأت الطريق إلى التراخي لا تتوقف، فكل تراخٍ يقود إلى تراخٍ أكبر، حتى لتضيق نفسه مرة ويجد أنه يقول: لا بد أني لست بذلك الرجل الذي كنته، لا بد كان في داخلي طحان كشف عنه ذلك الولد بفعلته، ثم فعلًا ما العيب أن يكون الإنسان طحانًا؟

وفعلًا يحس، حتى بجسده قد بدأ يتغير، حريص ألا يكشفه أمام أولاده الشباب الكبار، حتى لاحظ أن شعر ساقيه وصدره قد بدأ يقل، وينمحي تمامًا من أجزاء، ويحس كلما نظر إليه شاب وأطال النظر، أنه يرى فيه ما يخجل، فيخجل خجلًا ليس مثلما كان يخجل حين كان السلطان، ولكنه خجل الخجلان من نفسه فعلًا، الخائف على نفسه من الآخرين فعلًا، الموشك أن يخفي كل قطعة من لحمه أو عضلاته كأنما ستفضح خجله، أو تفضح أنه لم يعد أبدًا ذلك الرجل الذي كانه.

١٢

كان الشيخ أبو المعاطي قد انتهى من أذانه، وبدت الدنيا أكثر ظلامًا مما كانت قبل أن يحين أذان الفجر، ظلام يغري بانطلاق الهواجس والمكنونات، ولم تكن تلك المرة الأولى التي يجلس مع «الثور» أو يستبقيه إلى قرب الفجر وما بعد الفجر، حتى لقد بدأ الولد يتساءل عما يريده منه عمه السلطان، ووصل به الأمر أن افترض أنه لو طلب منه مطلب الرجال من النساء، فماذا يفعل؟ لم يكن يدري بالانهيارات الداخلية التي حدثت لسلطان إلى درجة أن مطلبًا كهذا كان مستحيلًا أن يرد على خاطره، ولكن أنَّى له أن يعرف أن الأمر قد بلغ بالسلطان إلى منتهاه، وأن تلك اللقاءات الليلية بكثرتها قد فعلت فعلها، وجعلت شيئًا غريبًا يرتبط في ذهن سلطان بها. كلام رجالة، كلام رجالة. راجل لراجل، راجل لراجل. الرجل يربط لرجولته من لسانه، هكذا كان الكل يعلم، ولكن هو وحده الذي بدأ يعرف أن الرجل أيضًا ممكن أن يفك من رجولته بكلمة، ينحل العقد الذي شب وهو يربط نفسه به وبرجولته. ولماذا لا يقترب من الولد «الثور»، والدنيا ظلام، ولا أحد يرى أحدًا، حتى هو نفسه لا يرى ولا يريد أن يرى نفسه، وهو يقترب ويقترب، والولد قد وطَّن نفسه على الاستجابة، فما باليد حيلة، وإذا بالطلب عكس ما وطَّن نفسه. مذهولًا لما حدث ويحدث. فرحان أنه نجا، وإن كان بطريقة أخرى قد وقع، غير مهم، فالمهم أنه قد وصل إلى حالة يستوي معها هذا أو ذاك.

وتم كل شيء والعرق اللزج الفائح برائحة كبرياء يتحطم، وعزة نفس تتمزق، وهوان يستسيغه ويستمتع به، روائح لا تفعل باختلاطها إلا أن تثير الغثيان، ولكنها لم تثر أبدًا غثيانه.

•••

كل الأسرار يخفيها ظلام ليلة، حتى إذا تعددت الليالي قل ظلامها وكثرت شفافيتها وبدأ ينكشف ما كان يخفيه ظلامها، وبدأت الإشاعات، باهتة تتوالى على أسماع الناس، مستهجنة أول الأمر، وكأنما هي تجديف في حق ولي من أولياء الله، ثم بالإلحاح، تتعودها الأسماع، ثم تصبح شهرته كمثل شهرة شاهين الطحان، الذي كان قد مات، وقيل إن أحمد ابن أخيه هو الذي استدرجه إلى القناطر وأغرقه، غير أن صوته العالي الشاخط المرعب، وإن كانت قد انتابته ليونة، نفس الليونة التي انتابت جلده وعضلاته، إلا أنه كان لا يزال على عادته يشخط: يا ولد. ويستجيب الناس لشخطة الزعيم، ولكن في أكمامهم يخرجون له لسانهم، أو يكتمون ضحكة صاخبة عالية تريد أن تنفجر من صدورهم ذات مرة وتنهي المهزلة.

ولكن أبدًا، ذلك الأدب المنافق الذي يتحلى به الناس، كان دائمًا يحول بينهم وبين أن يجأروا أو يضحكوا أو ينفجروا بالحقيقة.

نفس ذلك الأدب المنافق الذي جعله يستمرئ خضوعهم، ولا يعود يبالي أن يقولوا عنه ما يقولون، يخفون أو يكتمون أو يظهرون، فكما أسقط عنه ذات مرة برقع الرجولة، أسقط عنه بنفسه برقع الحياء.

ونصف نائم، نصف مستيقظ، نصف مخدور، أو سكران، يتأمل جلده وكأنما بفخر، حين يوغل الليل، وهو في الفراندة أو في اللوكاندة، وأمامه فتحي «الثور» أو إبراهيم «الجحش» أو سعيد «البغل» أو صبري «الكلب». فلا يزال هو السلطان، لا يزال هو الأسد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠