الضحية الثانية

بياتريس سنسي

تمهيد تاريخي

إذا قضى السائح من التجول في روما غرضَه، فزار كنائسها الفخيمة، ومعاهدها القديمة، وميادينها الفسيحة، لا يلبث أن يهزه الشوق إلى زيارة ضواحيها؛ حيث يُمَتِّعُ النفس بالنسيم العليل الذي لا يتمتع به سكان المدينة، ويسرح النواظر في حدائقها النضرة تحت ظلال الأشجار وعلى ضفاف الأنهار، فيقصد ضاحيةً فيها تدعى بامفيلي، فيسير فيها تحت أشجار الصفصاف إلى أن يصل إلى طريق جميل ينتهي إلى يانيكول، فيجد في وسط ذلك الطريق عينًا تدعى عين بولين ذات ماء كاللجين أقيمت عليها قبة؛ فصارت كالسبيل يقصده للارتواء ابن السبيل.

ويجد السائح بعد العين على هذا الطريق كنيسةً للقديس بطرس يشرف منها على المدينة؛ لارتفاع موقعها، وبجوارها معبد صغير أقيم على الطرازين الإغريقي القديم والمسيحي الحديث، فَيَلِجُه فيجد في المصلى الأيمن منه صورة للمسيح عليه السلام من نقش «ديلبيوميو»، وفي المصلى الأيسر صورته عليه السلام وهو في قبره. ثم يسير به الدليل إلى صدر المعبد وفيه المذبح، فإذا دقق السائحُ البصرَ رأى في أسفل الدَّرَجِ قطعةً من الرخام مرسومًا عليها الصليب، وفوقه كلمة Orate مكتوبة باللاتينية، فَتَحتَ هذا الحجر قبر «بياتريس سنسي» صاحبة القصة التي نرويها، وقد مرت عليها الأحقاب ولا يزال لها في صفحات التاريخ أثر لا يغيره الزمان.

•••

كانت بياتريس ابنة فرنشسكو سنسي، وكان فرنشسكو من عتاة زمانه، وإن صح قولهم: إن الرجال مرآة العصور، ففرنشسكو سنسي مرآة عصره: عصر الجبابرة الطغاة. ونرى قبل أن نلي ذكر الحوادث الفظيعة التي تمت في آل سنسي أن نذكر طرفًا من تاريخ ذلك العصر، فنقول:

مات البابا إينوسان الثامن في الحادي عشر من أغسطس سنة ١٤٩٢، وطال احتضاره أيامًا ارتكبت في خلالها بِطُرُقَاتِ روما مائتان وعشرون جريمة قتل. ورقي العرش البابوي بعده رودريك لنزولي بوريا ابن أخت البابا كالست الثالث، فدعي إسكندر السادس، وكان له قبل ارتقائه العرش أربع بنين وبنت خلفتهم له محظيته روزا فانوتزا، فكافأها بتزويجها بفتًى من أغنياء روما.

وإنه ليخجلنا أن نذكر هنا طرفًا من تاريخ آل بوريا، وقد كان منهم خليفة من خلفاء الكاثوليكية؛ لما كان لهذه العائلة من الآثام والفظائع التي تقشعر منها الأبدان وينفر منها المجرمون، ولكن سجَّلها عليهم التاريخ وسطرها مؤلفو الإفرنج، فنحن نرويها كما رواها المؤرخون من قبلنا، ولا ننوي حطًّا من مقام الخلافة البابوية؛ فعرشها محفوظ الكرامة لا يدنسه اتصال القائم عليه بأسرة مجرمة، ولا يؤاخَذ مؤرخ يسطر الحقيقة بسوء القصد، وما التاريخ إلا عبرة ولا تكون العبرة إلا في كبائر الأمور.

نعود إلى حديثنا فنقول: كان أبناء إسكندر السادس خمسة، وهم: فرنسيس، ولقب فيما بعد بدوق غنديا.

وقيصر، وكان أسقفًا وكردينالًا، ثم لقب بدوق فالنتينوا.

ولوكريس، وكانت خليلة أبيها وأخويها السالف ذكرهما. وقد تزوجت أربع مرات؛ الأولى: بحنا سفورزا صاحب بيزارو، وتركته لأنه عنين. والثانية: بألفونس دوق بيزيليا، وقد قتله أخوها قيصر. والثالثة: بألفونس دراغون، وقد طُعِنَ على دَرَجِ كنيسة مار بطرس، ثم خُنق بعد ذلك بثلاثة أسابيع؛ لأن احتضاره قد طال فعجلوا عليه الموت.

وابن إسكندر الرابع كان جفري الملقب كونت إسكيلاس، وليس له تاريخ مشهور.

والخامس لم يعلم المؤرخون عنه شيئًا على الإطلاق.

وكان أشهر أولاد إسكندر قيصر بوريا؛ إذ كان من مطامعه أن يتولى ملك إيتاليا بعد موت أبيه، فاستعد لذلك استعدادًا لا يُشعر إلا بنجاح المسعى، واتخذ من التدابير ما لا يفسده إلا الله، وقد شاء الله أن يفسد ما دبره، فأتاه من حيث لا يحتسب ولا يدري، كما سيرى القراء.

وكان من عادة الباباوات أن ترث من يموت من الكرادلة، فأراد إسكندر السادس أن تئول إليه ثروة كردينال غنيٍّ جدًّا من كرادلته يدعى أوريان، كما آلت إليه ثروة ثلاث من الكرادلة قبله، فدعاه إلى كرم له يدعى كرم بلفيدير، وأرسل لهما قيصر بوريا قنينتين من النبيذ المسموم مع رئيس السقاة، ولم يُعلمْه بما فيها، إنما أوصاه أن لا يستعملهما إلا متى أمره، وأراد الله أن ينصرف رئيس السقاة إلى بعض شئونه والموائد منصوبة والمدعوون حولها، فقام مقامه أحد الخدم ولا يدري ما خُبِّئ في القناني، ففضها مثل أخواتها، وسكب منها للشاربين، فشرب البابا وقيصر بوريا والكردينال كورنيتو ولم يشرب الكردينال المقصود فلم يصب بسوء. ومات إسكندر السادس بعد بضع ساعات، ولازم قيصر الفراش لا يستطيع عنه براحًا وقد تغير لون جلده، أما كورنيتو ففقد البصر والحواس، ولبث بين حي وميت حتى قضي عليه.

وتولى بيوس الثالث مكان إسكندر، فلبث فوق العرش البابوي خمسًا وعشرين يومًا، ومات مسمومًا في اليوم السادس والعشرين.

وكان لقيصر بوريا ثمانية عشر كردينالًا من الإسبانيين مخلصين لا يعصون له كلمة؛ حيث إنه كان الواسطة في إدخالهم إلى مجمع الكرادلة المقدس. فلما رأى نفسه على فراش الموت لا يملك لنفسه أمرًا ساوم «يوليان ده لاروفير»، على أن يكونوا له عند الاقتراع، وبذلك تم ليوليان الارتقاء على عرش روما ودُعيَ يوليوس الثاني، وكان عصره عصر حكمة وإنصاف.

وقام بالأمر بعد يوليوس الثاني ليون العاشر، وفي عصره تولت المسيحية صبغة الصابئة؛ فكثرت الأصنام والتماثيل، وانتقلت تلك الصبغة من الفنون إلى الأخلاق ففسدت الأخلاق، إنما قلت الجرائم بمعنى أن النفوس مالت عن الأذى إلى الشهوات، وأطلق الناس للذاتهم العنان بلا رادع من الدين أو الآداب.

ومات ليون العاشر بعد أن حكم ثماني سنين وثمانية أشهر وتسعة عشر يومًا، واشتهر عصره في العلوم والفنون، فكان أحد عصور التاريخ الأربعة الشهيرة؛ حيث اشتهر فيه ميكائيل إنج ورفائيل وليونارد وفنسي وتنيان وأريوست ومكيافيل، وغيرهم من رجال الفنون والآداب.

وترشح للخلافة بعده رجلان: يوليوس مدسيس وبومبيوس كولونا، وكانا داهيتين في السياسة والإدارة لا يفضل أحدهما الآخر في شيء، فانقسمت بينهما أصوات الكونلاف (مجمع الكرادلة لانتخاب البابا). ودام الانقسام طويلًا دون أن يقر الرأي على واحد منهما، حتى مل الكرادلة وسئموا، فاقترح أحدهم ذات يوم — على سبيل المزاح — وقد ضايقه الانقسام أن يولوا العرش البابوي نائب ملك إسبانيا، وكان النائب في ذلك الحين رجلًا يدعى أدريانوس وضيع النسب، قال بعضهم: إنه ابن حائك، وقال آخرون: إنه ابن صانع بيرة في أترخت، وكان قد صادفه السعد فتولى حكم إسبانيا باسم الملك شرلكان، وهكذا خدمته الصدف، فارتقى — بإجماع آراء الكرادلة وهم يمزحون — عرش الخلافة البابوية.

وكان أدريانوس فلمنكيًّا بحتًا لا يدري كلمة من اللاتينية، فلما دخل روما ورأى التماثيل اليونانية الثمينة التي جمعها ليون العاشر في عاصمة الخلافة النصرانية، وصرف على جمعها المال الطائل، قال: «إنها الصابئة القديمة.» وأراد أن يكسر هذه الأصنام لولا أن منعوه. وكان منعقدًا في ذلك الحين مجلس في حكومة «نورنبرغ» بخصوص الاضطرابات التي أولدها ظهور لوثر مؤسس البروتستانتية، فأرسل البابا مندوبًا من قِبَلِهِ لذلك المجلس وزوده بتعلميات تمثل لك أخلاق ذلك العصر وما كان عليه، قال البابا لمندوبه:

أعترف بكل ثبات في ذلك المجلس أن الله إنما أراد هذا الانقسام في الدين وهذا العذاب الواقع على المسيحيين؛ لكثرة ما أتوه من الذنوب والخطايا، وخصوصًا ما أتاه قسوسهم ورؤساء كنائسهم؛ لأننا نعلم ما تم فوق العرش البابوي المقدس من الآثام والفظائع.

وأراد أدريانوس أن يرد الرومانيين عن حياة البذخ والترف التي هم فيها، ويحبب إليهم القناعة وبساطة العيش التي امتاز بها رجال المسيحية الأولى، فمحا كثيرًا من البدع التي أدخلت في الكنيسة، وكان لدى سلفه مائة من سائسي الخيل فصرفهم ولم يُبقِ إلا اثني عشر قائلًا: يكفي أن يزيد عدد سائسي اثنين عن عدد الكرادلة.

وقضى الله أن لا يكون رجل الإصلاح طويل الحكم، فاستاء القوم وفي مقدمتهم الكرادلة منه، فلم يُتِمَّ سنته فوق العرش، ورأى الناس باب طبيبه صبيحة موته مزينًا بالأزهار ومكتوبًا تحتها: «إلى مخلص الوطن.»

ولما مات أدريانوس لم يجد الكرادلة أمامهم إلا يوليوس مدسيس وبومبيوس كولونا، فعاد الانقسام حتى ظن الكرادلة أنهم لا ينتهون إلا بتولية غريب كما فعلوا المرة السابقة، ولكن وفق يوليوس مدسيس إلى حيلة جميلة؛ إذ رأى أنه ينقصه خمسة أصوات، فعرض خمسة من أصحابه على خمسة من أصحاب كولونا أن يراهنوهم، فإذا عين يوليوس خليفة يعطي أصحابُهُ عشرةَ آلاف دينار إلى أصحاب كولونا، وإذا لم يعين يعطي أصحاب كولونا لهم مائة ألف دينار. وبعد ذلك جمعت الأصوات وفرزت فأصاب يوليوس مدسيس الاقتراع، وانقطعت جهيزة كل خطيب، ولم يقل أحد إن يوليوس رشا أصحاب مناظره.

ورقي يوليوس مدسيس عرش البابوية في الثامن عشر من شهر نوفمبر سنة ١٥٢٣، ودعي كليمنتوس السابع، فدفع دين أصحابه إلى أصحاب كولونا.

وفي حكم هذا البابا غزا روما جنودُ اللوثريين تحت قيادة الكونتابل ده بوربون، فمثَّلوا بالأشياء المقدسة أشنع تمثيل، ولبثوا سبعة شهور يبددون في روما ما جمعته الكاثوليكية في سنين.

وفي حكم هذا البابا وُلِدَ فرنشسكو سنسي الذي نروي قصة أسرته.

فرنشسكو سنسي وأولاده

كان فرنشسكو — ابن نقولا سنسي — أمين الخزائن الرسولية في عهد البابا بيوس الخامس، وكان هذا البابا مهتمًّا بالأمور الدينية أكثر من اهتمامه بدنياه، فاغتنم الأمين فرصة غفلة مولاه، فجمع ثروةً يبلغ إيرادها مليونين ونصف مليون من فرنكات الوقت الحاضر، وورث عنه هذا المال ابنهُ الوحيد فرنشسكو.

ونشأ فرنشسكو في عصرٍ انشغلت فيه باباوات روما بما طرأ على الدين من الانقسام بظهور لوثر وأتباعه عن الالتفات لداخلية مملكتهم. وخُلق فرنشسكو ميالًا للشر قاسي القلب حقودًا، فرأى من التساهل في الأحكام ما سهل له ارتكاب الآثام، وكان حاد الطبع كثير الشهوات قد زاده الشباب والحدة فسادًا على فساد، فَزُجَّ في السجن ثلاث مرات في صباه لهتك أعراض، وتوصل إلى الخلاص منه بفضل درهمه وديناره، وكانت الخزائن البابوية في حاجة إلى المال في ذلك الحين.

ولم يستلفت القومَ فرنشسكو سنسي بأعماله وآثامه إلا من عهد جريجوار الثالث عشر؛ فقد كان عهده فوضى أبيح فيه القتل والإعدام لكل من قدر على إرشاء الحكام، وأصبح سفك الدماء وهتك الأعراض من عاديات الجرائم، حتى إن القضاة ما كانت لتهتم بها إلا إذا وُجد من يسعى في قصاص الجاني ومحاكمته.

وكان فرنشسكو قد بلغ في ذلك الحين الخامسة والأربعين، أما صفاته فكان طويل القامة معتدلها قوي العضلات ذا عينين واسعتين تقرأ فيهما صحيفة قلبه، إلا أن الجفن الأعلى كان منسدلًا عليهما قليلًا. وكانت شعوره قد وخطها الشيب، وله أنف طويل وشفتان رقيقتان، وكان إذا تبسم لاح البِشر على وجهه، وإذا عبس ظننته وحشًا كاسرًا، وكان إذا تأثر وغضب اضطرب جسمه وتولاه انفعال عصبي شديد. واشتهر فرنشسكو بقوة جسمه وركوبه الخيل؛ فكان يقطع المسافة بين روما ونابولي، وهي واحد وأربعون فرسخًا، على ظهر فرسه يطلق لها العنان، إذا خرج من إحدى المدينتين فلا ينزل عنها أو يخفف سيرها إلا إذا بلغ المدينة الأخرى، ولا يخشى في طريقه بأس اللصوص التي كانت منتشرة إذ ذاك في الغابات بين المدينتين، بل كانت اللصوص تخشى بأس خنجره وحسامه، وكان إذا سقط جواده من التعب اشترى غيره في الطريق، وإذا أبى صاحب الجواد بيعه أخذه منه غصبًا، فإذا قاومه الرجل طعنه بسيفه غير هَيَّاب ولا وَجِل.

وعُرف فرنشسكو في البلاد البابوية بسخاء يده وقوة ساعده، فلم يتعرض لإرادته معترض، ولم يقف في سبيل رغائبه أحد؛ إمَّا طمعًا في نواله أو خشية من حسامه، وجعل — لعنه الله — إلهه هواه، فكفر بالحي المعبود وأنكر خالق الوجود، وكان إذا دخل إلى معبد دخل ليدنسه بكبائر الألفاظ، حتى اعتقد القوم أن هذا الكافر لا تردعه نفس عن ارتكاب الجرائم مهما كبرت إذا دفعه إليها هواه.

وتزوج فرنشسكو — وهو في ذلك السن — سيدة واسعة الثروة لم يذكر المؤرخون اسمها، فماتت بعد أن رزق منها بخمسة بنين وبنتين، فتزوج بعدها بلوكريزيا بتروني، وكانت ذات بياض ناصع تمثل الجمال الروماني في عصرها إلا أنه لم يرزق منها بأولاد.

وكأن الله لم يودع في قلب فرنشسكو عاطفة من تلك العواطف الطبيعية التي امتاز بها الحيوان قبل الإنسان؛ فلم يكن في قلبه ذرة حنان لأبنائه، بل كان يمقتهم مقتًا، ولا يخفى استياءه من وجودهم على أحد. وروي عنه أنه كان يبني في قصره كنيسة — كما جرت عادة الأشراف في ذلك العصر — فقال للمهندس بعد أن رسم له مكان القبر منها: «هنا آمل أن أدفنهم جميعًا، مشيرًا إلى أولاده.» قال المهندس: فوجمت من قوله، ولولا ما يصيبني منه من طائل المال لامتنعت عن إتمام البناء.

وما كاد أولاد فرنشسكو أن يبلغوا أشدهم حتى أرسل بثلاثة منهم — وهم أكبرهم — إلى مدارس سلمنك الجامعة بإسبانيا، وكان الثلاثة يُدعون جاك وكريستوف وروك، وظن أبوهم أنه يتخلص منهم إلى الأبد بإرسالهم إلى هذه الأقطار الغريبة البعيدة، فقطع عنهم الزاد والنقود، فلبث الغلمان الثلاثة يقاسون ألم الفقر والجوع شهورًا، ثم اضطروا أن يبرحوا سلمنك، فعادوا إلى وطنهم سائرين على الأقدام حفاة عراة يسألون الناس طول الطريق، فاخترقوا على هذه الحال جبال البرينيه وبلاد فرنسا وجبال الألب وأرض إيتاليا، حتى بلغوا روما منهوكي القوى، وقد كادت تزهق منهم الروح.

وكان القائم على عرش البابوية إذ ذاك كليمنتوس الثامن، وقد اشتهر بعدله في الناس فقصده الغلمان الثلاثة، وسألوه أن يخصهم من ثروة أبيهم الواسعة بجزء يعيشون منه، فرأى البابا أحقية مطلبهم، فأمر أباهم أن يجعل لكل منهم ألفي رِيال سنويًّا، فأراد هذا الطاغية أن يتخلص من تنفيذ هذا الأمر بكل الوسائل، فجبره البابا على تنفيذه، فأطاع حانقًا مرغمًا.

وبعد ذلك بقليل سُجن فرنشسكو لجريمة هتك عرض أيضًا، فذهب أولاده إلى البابا وقالوا له: إن أبانا أهان شرف اسمنا وحط من كرامة أسرتنا، فلا تعفه من عقاب شديد يكون له رادعًا، فرأى البابا أن ذلك المسعى من الأبناء عقوق، فطردهم من حضرته شرَّ طردة، وتخلص أبوهم من سجنه هذه المرة كما تخلص من قبل؛ أي بفضل دراهمه.

ورأى فرنشسكو أن يديه لا تصل إلى أبنائه؛ حيث استقلوا عنه، واستغنوا بما خصوا به من ماله، فأنزل سخطه على بنتيه حتى أصبحتا من عذابه في جحيم. فلم تطق كبراهما صبرًا وتمكنت رغمًا عن مراقبة أبيها الشديدة أن تُبلغ البابا شكواها، وتشرح له ما هي فيه من العذاب، وتتوسل إليه أن يخلصها مما هي فيه، ولو بإدخالها أحد الديور. فأشفق البابا عليها، وأخرجها من بيت أبيها، وزوجها برجل من أشراف روما يدعى كارلو غابرييلي جوبيو، واضطر أباها أن يقدم لها مهرًا قدره ستون ألف رِيال، فكاد يجن فرنشسكو لضياع فريسته من يده، إلا أنه تعزى عنها بفقد ولديه في عام واحد روك وكريستوف، فمات أولهما مقتولًا من يد جزار، وقَتَلَ الآخرَ رجلٌ يدعى بول كورسو دي ماسا.

وفرح ذلك الأب الغشوم لمقتل ولديه وأبى أن يصرف شيئًا لدفنهما، فأنذر القسوس أنه لا يدفع درهمًا لما يقام لهما من الطقوس والرسوم الدينية، فدُفن الولدان كما تدفن صعاليك القوم، ولما رآهما أبوهما راقدين في لحد واحد، قال: إني لسعيد إذ تخلصت منهما، وقد كانا من شر الخلق، ولن تتم سعادتي إلا إذا ضممت لهما إخوتهما الخمسة الباقين، فأوقد النار إذ ذاك في بيتٍ آواهم إعلانًا لفرحه بالخلاص منهم.

واحتاط فرنشسكو حتى لا تتبع ابنته الباقية — بياتريس — خطة أختها، فشدد في مراقبتها.

وكانت بياتريس في ذلك الحين فتاة في الثالثة عشرة صبوحة الوجه جميلة المحيا يظنها رائيها ملكًا من السماء لا بشرًا من الأرض، وكانت ذات شعور ذهبية قل أن توجد في الرومانيات، حتى عدَّها روفاييل من متممات الجمال؛ فرسم كل عذاريه بشعور ذهبية، وكنت ترى شعرها فوق جبينها أو مسترسلًا على كتفيها يموج، فتظنه ذهبًا سكب على اللجين. وكان لبياتريس عينان زرقاوان إذا نظرت إليهما سَرَت نفسك إلى عالم الأرواح، فتنسى العالم السفلي، وتظن أنك بلغت السماء، وأنك في حضرة ملك كريم. أما قامتها فلم تكن بالطويلة ولا بالقصيرة، بل ناسب الله بين أجزائها فجاءت من أبدع ما خلق فصوَّر، وكانت ضحوكة السن إلا إذا بكت استبكت القلوب، وجاء في أمثال الفرنساويين — الدالة على رقيق عواطفهم — ما من شيء يؤلم النفس كرؤية جميل يتألم. وكنت ترى في نظرات بياتريس — حتى إذا بكت — ما يدل على قوة جنانها وثبات عزيمتها.

وأراد أبوها أن يستوثق منها، فسجنها في حجرةٍ قصيةٍ من القصر، ولم يعهد إلى أحد بمفتاحها، وكان يحمل إليها بنفسه ما يقوم بأود حياتها، ولبث سنين يعاملها معاملة الأسير، بل معاملة السجان القاسي للسجين. حتى بلغت الفتاة الثالثة عشرة، فرأت أباها قد تلطفت معها طباعه؛ فرق حديثه وحسنت معاملته، فاندهشت لهذا الانقلاب كل الاندهاش، ولم تدرك أنها أصبحت فتاة بعد أن كانت طفلة، وأن ربيع حياتها قد أينع زهرة شبابها، فنظر لها أبوها نظرة فاسق، ألا رد الله طرفه خاسئًا وهو حسير.

ولا يخفى أن فتاة نشأت كما نشأت بياتريس بعيدة عن مجتمع بني الإنسان، حتى عن إخوتها وامرأة أبيها، لا تستطيع التمييز بين الخير والشر، ولا تعرف الضار من النافع، فمن السهل أن يبلغ منها أربًا من لا يرحم عبدًا ولا يخشى ربًّا، ومع ذلك أراد فرنشسكو أن تتم نصرته — خذله الله — فيشرك معه عوامل النفس الطبيعية في الفتاة، فينال منها ما ينال عن شوق وطيب خاطر؛ فكانت تستيقظ الفتاة كل ليلة على صوت آلات طرب شجية ذات ألحان تصبي النفس، فتأتيها كأنها في حلم تظن أنها آتية من السماء، فسألت أباها عن مصدر تلك الألحان وإن كانت آتية من السماء حقيقة كما تظن، فثبتها الفاسق في ظنها وزاد قائلًا: إنها إذا لم تعصِ له أمرًا وتطيع ما يشير به، فإن الله يكافئها فيريها بعينيها ما تسمعه بأذنيها، ففرحت الفتاة؛ لبساطتها، وانتظرت أن يمن الله عليها فترى تلك السماء.

وبينما كانت الفتاة ذات ليلة مضطجعة على فراشها تشنف الأسماع بتلك الألحان الشجية؛ إذ فُتح باب حجرتها فجأة، فاستنارت بأضواء زاهية وتعطرت بروائح زكية منبعثة من الحُجَرِ الأخرى، ورأت غلمانًا وحورًا لا تكاد تسترهم ملابسهم يسيرون في تلك الحجرات يلعبون ويمرحون، وكان هذا الجمع من جواري وموالي فرنشسكو يدعوهم كل ليلة فيغتنم معهم أوقات الأُنس. وكان فرنشسكو غنيًّا لا يبخل على نفسه بلذة مهما كلفته تلك اللذة من المال، فكان لذلك كثير الندمان قد ملأ قصره من الجواري الحسان ومن حسان الغلمان.

ولما تمت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل أغلق على بياتريس الباب، فاختفت عنها تلك المناظر المدهشة للألباب، وخَلَّفَتها مفكرةً فيما رأت، معجبة بما سمعت وشاهدت.

وفي الليلة الثالثة رأت بياتريس ما رأته في الأولى، إنما أتى إليها في تلك الليلة أبوها عاري الجسم كيوم ولدته أمه، ودعاها إلى الاشتراك معهم في لهوهم، فنفرت الفتاة نفورًا طبيعيًّا لا تدري له سببًا، ورأت من نفسها مانعًا عن قبول دعوته، فقالت له: إنها لا ترى بين هؤلاء النساء امرأة أبيها لوكريزيا؛ فلذا لا تجسر على الخروج بينهن وهي لا تعرفهن، فهدد فرنشسكو وَرَجا، ولكن رأى الفتاة قد التفَّت في غطاء الفرش، وأبت كل الإباء أن تتبعه؛ فعاد خائبًا ساخطًا …

وفي الليلة الثالثة لم تنزع بياتريس عنها ملابسها، فانطرحت بها على فراشها، وفي الساعة المعهودة فُتح عليها الباب، وظهر لها مشهد الليلتين السابقتين، فرأت من ضمن النساء زوجة أبيها قد مرت أمام بابها، وكان فرنشسكو قد اضطر زوجته إلى حضور حفلته، فأتت مرغمة تسيل دموعها على خديها، وقد احمرت عيناها من البكاء، ولم تلاحظ بياتريس ما بها؛ لكثرة الضوء وبعد المسافة، وأراها أبوها امرأته بين الجواري فلم تجد بدًّا من إطاعته إلى الخروج معهن، فخرجت تتعثر في مسيرها من الحياء وقد احمرَّ وجهها خجلًا مما تراه.

ورأت بياتريس في هذا المحفل من ضروب الفسق والتهتك ما يخجل القلم من تدوينه.

ولبثت الفتاة حريصة على طهارتها أمدًا، وضميرها يحدثها بأن ما تراه منكر وضلال، ولكن لم ييأس أبوها من إفسادها، فكان كإبليس لا يزال بالمرء حتى يلهيه عن ربه وواجبه، فلما رأى أن تلك المناظر لم تحرك في الفتاة شهواتها الراقدة، استعان بفكره على إفساد أخلاقها، فقال لها: إن كل الأولياء والقديسين إنما وجدوا من اجتماع الأب بابنته، وهكذا قضى على طهارتها وهي لا تظن إثمًا ما تأتيه، بل ولا يخطر له أن فيه ما يستنكر.

ولما نال هذا الوحش ما تمنى أطلق لنفسه العنان، ولم يقف بمنكراته عند حد؛ فكان يرقد بين ابنته وزوجته، ويُكره زوجته على ذلك، ويهددها بالقتل إن فتحت فاها للفتاة بما ينبهها إلى فظاعة ما تأتيه مع أبيها.

الانتقام

ومضى على هذا الحال ثلاث سنين، ثم اضطر فرنشسكو إلى سفرٍ طويل مخليًا الجو لنسائه، فأسرعت لوكريزيا، وأعلمت ابنة زوجها ما في علاقتها مع أبيها من المنكر، وكشفت لها عما تجهله من أمور الدنيا والدين، فاتحدت معها الفتاة على أن تشكيا الرجل للبابا؛ فحررتا له كتابًا عرضتا عليه فيه ما تسامان من الذل والعذاب والضجر، ولكن لم يصل كتابهما إلى قداسته؛ لأن فرنشسكو كان قبل سفره قد احتاط لمثل هذا الحادث، فرشا حاشية البابا وبطانته حتى لا تصل إليه شكوى عنه، وحسب المرأتان أن البابا ناقم عليهما كما نقم على أولاد فرنشسكو: جاك وكريستوف وروك فطردهم من حضرته، فظنا أن الغضب لاحق أيضًا بهما؛ فصبرتا على قضاء الله وسلمتا أمرهما إليه.

وفي هذه الأثناء اغتنم جاك فرصة غياب أبيه، فأتى لزيارة أخته وامرأة أبيه مع راهب من أصدقائه يدعى جويرا، وكان جويرا شابًّا بين الخامسة والسادسة والعشرين، ومن أشرف أسرات روما، ذا طبع حاد وعزيمة قوية وشجاعة معروفة وجمال تتحدث به النساء، فكان محياه وضاحًا كمحيا الرومان، وله عينان زرقاوان تقرأ فيهما الدعة، وكانت شعوره طويلة ذهبية وله لحية كستنائية، وكان واسع العلم والاطلاع، فصيح اللسان، حلو الحديث، ذا صوت لطيف يستهوي القلوب والأسماع.

وما كادت العين أن تقع على العين حتى أحب جويرا بياتريس ومال قلب بياتريس إليه، وكان مباحًا لرجال الدين الزواج في ذلك الزمن؛ حيث لم يكن أن انعقد مجمع ترنته الذي كتب عليهم الرهبنة، فاتفق جويرا مع آل سنسي أن يخطب بياتريس من أبيها عند عودته، وعلى هذا انصرف، ولبثت المرأتان تؤملان انصلاح الحال.

وغاب فرنشسكو نحو أربعة شهور لا يعلم أهله فيها بما تم له ثم عاد، فأراد من أول ليلة أن يختلي بابنته، فوجدها على غير ما تركها عليه؛ إذ رأى منها فتاة عرفت مقام العِرض فهي تصونه، وقدرت قدر الشرف فهي لا تهينه، فَرَجَا أبوها وَوَعَدَ، وهدد وأوعد، وأرغى وأزبد، وهي لا تزال بعرضها عليه ضنينة، فسامها من العذاب ألوانًا، وضربها الضرب المبرح، فلم تزد إلا إباءً، فلما عجزت منها حيلته اتهم زوجته بإغرائها الفتاة، فأنزل عليها صواعق غضبه وضربها بعصاه ضربة وحشية تألمت لها المسكينة ولم تتأوه، بل أسرَّتها في قلبها لساعة الانتقام.

وبعد بضعة أيام تمثل جويرا لدى فرنشسكو خاطبًا بياتريس، ومؤملًا نجاح غرضه لدى أبيها؛ لما توفرت فيه من شروط الغنى والجاه والجمال والنسب، لكن ردَّهُ الفاسق بالخيبة شرَّ ردة فلم ييأس الراهب، وأعاد الطلب ثانية وثالثة مظهرًا لفرنشسكو فوائد هذا القران ومزاياه، فلم يُفلح في مسعاه، وملَّ الأب من إلحاح ذلك الخاطب المغرم، فانتهى بأن قال له: إن لديه سببًا لا يسمح له بتزويج ابنته له ولا غيره، فسأله الراهب عن ذلك السبب فأجابه: «لأنها محظيتي.» فبهت الرجل لهذا القول، ولم يسعه تصديقه، لولا أن رأى مخاطبه يبتسم تبسمة لا تترك للريب مكانًا، فاستعاذ بالله.

ولبث جويرا ثلاثة أيام لا يستطيع الوصول إلى بياتريس، ثم تمكن من الدخول إليها وهو يرجو أن تكذب بأقوالها ما يظنه افتراءً من أبيها، لكنها اعترفت له بكل شيء، فرأى عِظَمَ الهاوية التي أصبحت تفصل بينهما، فكاد يُقضى عليه من اليأس، وافترق العاشقان تسيل على خدهما الدموع، ولا يستطيع أحدهما أن يصرف قلبه عن حب أخيه.

ولبثت بياتريس وزوجة أبيها إلى هذا الحين لا يخطر ببالهما خاطر جنائي، وما كان ليخطر لولا أن دخل فرنشسكو ذات ليلة على ابنته، فنال منها بالإكراه ما لم ينله بالوعيد، فسجل هذا العمل عليه شقاءه، وعجل ساعة الانتقام منه.

وكانت بياتريس كما أسلفنا ذات عزيمة ماضية، ونفس قادرة على أن ترفعها إلى ملكوت السموات فتصير من الملائكة، أو تحط بها إلى الحضيض، فتكون من الأبالسة، فذهبت وأعلمت امرأة أبيها بما حدث لها، فذكرت لوكريزيا سوء معاملة زوجها لها، ورأت ساعة الانتقام قد حانت، فحرضت إحداهما الأخرى وتآمرا على فرنشسكو.

ودعت المرأتان جويرا لمشاركته في الرأي، فوجدتاه مملوءًا بالغيظ مستعدًّا للانتقام، فتعهد بإبلاغ جاك سنسي ما أقروا عليه؛ لأن جاك كبير العائلة بعد أبيه، فاستصوب جاك فِعلهم وانضم إليهم. وكان جاك حانقًا على أبيه؛ لأن أباه قطع عنه المال لمَّا تزوج، فتركه وزوجته وأولاده يعانون ألم الجوع والفاقة، واختار المتآمرون دار جويرا لتدبير المكيدة، وانتخب جاك لتنفيذها رجلًا يدعى مارزيو، وجويرا آخرَ يدعى أولمبيو.

وكان مارزيو من أتباع جاك، وقد يَسَّرَت له خدمته عنده رؤية بياتريس مرارًا، فأحبها الرجل حبًّا لا أمل وراءه، حبًّا يذهب بالمهج ولا تجسر الشفتان على النطق به، فلما علم الرجل أن الجريمة التي سيرتكبها تقربه من بياتريس وترضيها قَبِلَ بها منشرحًا عن طيب خاطر.

أما أولمبيو فكان من أعداء فرنشسكو؛ لأن فرنشسكو سعى في طرده من خدمة الأمير كولونا، وتفصيل ذلك: أنه كان لكولونا قصر حربي في مملكة نابولي يقال لها: قصر روكابتريلا، فكان يذهب إليه فرنشسكو وآلُه لتغيير الهواء، فكان يكرمهم كولونا فيه كل الإكرام؛ لكثرة احتياجه للمال واقتراضه إياه من فرنشسكو وقت الحاجة، وغضب فرنشسكو يومًا من أولمبيو — وكان حارس القصر — فسعى لدى كولونا في طرده، فأسرها أولمبيو في نفسه.

واتفق المؤتمرون على تدبير المكيدة الآتية لفرنشسكو، وكان قد اقترب اليوم الذي يذهب فيه فرنشسكو كعادته إلى قصر روكابتريلا، فقرروا أن يجتمع اثنا عشر شقيًّا من أشقياء نابولي تعهد بجمعهم أولمبيو، فيختفون في غابة على الطريق، حتى إذا علموا بالساعة التي يمر فيها عليهم فرنشسكو ينقضون عليه ويأسرونه هو وآله، ثم يساومونه على نفسه بمبلغ من المال، فيرسل بعض أولاده إلى روما لاستحضار الفدية، فيغيب الرسول، حتى إذا انقضى الأجل المحدود لعودته يقتلون فرنشسكو، وبذلك لا تقع الريبة على المؤتمرين، ولا تُوجَّهُ إليهم التهمة.

ولكن رغمًا عن ذلك التدبير فشلت المؤامرة؛ إذ ضل الرسول المرسل لإخطار الأشقياء الطريق، فقطعه فرنشسكو آمنًا، ووصل إلى روكابتريلا بسلام، وكان الأشقياء قد لبثوا في انتظاره أسبوعًا في الغاب، فلما نجا من أيديهم تفرقوا وعادوا من حيث أتوا.

وأقام فرنشسكو بقصر كولونا أيامًا بعد أن صرف ولده جاك وولديه الآخرين الصغيرين ليخلو له الجو فيعذب لوكريزيا وبياتريس ما شاء وشاءت طباعه الوحشية. وعاد ذلك الأب الغشوم إلى سالف عهده الفاسق مع ابنته، وأراها من أنواع الذل والعذاب ما صممت معه أن تنتقم لنفسها بنفسها ولا تكل أمر انتقامها إلى غيرها.

ورأت بياتريس يومًا أولمبيو ومارزيو يطوفان حول القصر، فأشارت إليهما بأن لديها قولًا تريد إبلاغهما إياه، فانتظر أولمبيو فرصة الليل، وتمكن — لمعرفته بدخائل القصر ومداخله — أن يَلِجَهُ ليلًا مع صاحبه، وانتظرتهما بياتريس في نافذة قريبة من حوش معزول، ودفعت إليهما بخطابين لأخيها جاك وحبيبها جويرا تطلب في الأول من أخيها أن يوافقها على قتل أبيها، وترجو في الثاني من حبيبها أن يعطي أولمبيو ألف قرش روماني نصف أجرته، أما مارزيو فكان لا يزال مخلصًا لباتريس يرى في قبولها خدمته أوفى أجر وأكبر جزاء، فأهدته الفتاة رداء موشى بالذهب ليحفظه تذكارًا لشكرها إياه. ووعدت الفتاة الرجلين أن تُجزل لهما العطاء هي وامرأة أبيها إذا تم لهما ما يتمنيان من قتل الظالم والاستيلاء على ماله.

وسافر الرجلان، وانتظرت المرأتان عودتهما بفارغ الصبر، ولما انقضى الأجل المضروب عادا وقد أنقد أحدهما الألف قرش، وأتى الثاني من جاك بما يفيد موافقته لأخته على ما عزمت عليه، وبذلك تمهد السبيل لإنفاذ ذلك العزم، وحددت المرأتان اليوم الثامن من شهر سبتمبر لإخراجه إلى حيز الفعل، ولكن لاحظت لوكريزيا أن ذلك اليوم يوافق عيد ميلاد العذراء، فلم تشأ أن ترتكب فيه معصية فتضاعفها بأخرى، فاتفقت مع ابنة زوجها على تأجيل العمل لليوم التاسع.

وفي مساء ٩ سبتمبر سنة ١٥٩٨ جلس الشيخ والمرأتان على المائدة لتناول العشاء، فتأملته إحداهما، وسكبت في قدحه أفيونًا، فشعر به دون أن يشعر بما فيه، وما لبث أن لعبت برأسه هذه المادة المخدرة؛ فاستولى عليه نوم ثقيل.

وكان أولمبيو ومارزيو مختبئين في القصر من الأمس، فأتت إليهما بياتريس في منتصف الليل، وأخرجتهما من مخبئهما، وقادتهما إلى حجرة أبيها، ففتحت لهما بابها، وأدخلتهما فيها، ولبثت مع زوجة أبيها تنتظران في حجرة مجاورة لها.

وبعد قليل خرج الرجلان باهتين منكسي الرأس، فعلمت المرأتان أنهما لم يفعلا شيئًا، فصاحت بهما بياتريس قائلة: ويلكما ماذا جرى؟ وما يوقفكما؟

قالا: رأينا من العار أن نقتل شيخًا في فراشه؛ وقد رأينا شبيبته فأخذتنا الشفقة عليه.

فهزت بياتريس رأسها هازئة، وقالت تقرعهما: عجبي لرجلين يدعيان الشجاعة والقوة ولا يجسران على قتل شيخ راقد، فما بالكما إذن لو كان قائمًا على قدميه، أأتيتما إذن لتستوليا على دراهمنا اختلاسًا؟ تبًّا لكما ولجبنكما، ولكن حيث إنكما نكصتما ونكثتما العهود، فسأقتل أبي بيدي ولن تحييا بعده طويلًا.

فخجل الرجلان من ضعفهما، وأشارا للمرأتين أنهما مستعدان لما تطلبان، ثم دخلا معهما إلى حجرة الراقد، وكان القمر قد أرسل بأشعته من خلال النافذة، فأضاء وجه الشيخ ولحيته البيضاء، فكانت له الهيبة التي أثرت على نفس الشقيين أول مرة، وكان مع أحد الرجلين مسامير غليظة كبيرة، ومع الآخر مطرقة، فوضع الأول مسمارًا في عين الراقد، وقرع عليه الثاني بالمطرقة، فأدخله فيها، ثم دقوا له مسمارًا آخر في رقبته، فزهقت روحه، وذهبت إلى سقر محملة بذنوبها وآثامها.

ولم تخلف الفتاة وعدها، فدفعت إلى القاتلين كيسًا مثقلًا بالدراهم بقية أجرهما، وصرفتهما.

ولما اختلت المرأتان بنفسهما نزعتا المسمارين من جثة القتيل، ثم درجتاه في غطائه، وجرتاه من حجرة لحجرة لتلقياه من شرفة على حديقة قاحلة في أقصى القصر، فتوهمان الناس أنه سقط من الشرفة خطأ فمات، ولكن ما كادتا أن تصلا به إلى آخر غرفة حتى فارقتهما قواهما من التعب، فجلستا تستريحان قليلًا، وحانت من لوكريزيا التفاتة، فرأت أولمبيو ورفيقه لم يبرحا القصر وهما يتقاسمان المال الذي أخذوه، فدعتهما لمساعدتهما، فأطاعا وحملا الجثة إلى الشرفة، ثم أشارت لهما بياتريس على شجرة بيلسان، فألقياه فوقها؛ فتعلقت الجثة في أغصانها، ولبثت معلقة فيها.

ووجد أهل القصر جثة سيدهم في الغد معلقة في الشجرة تحت الشرفة، فظنوا جميعًا أنه زلت قدمه وهو فوق الشرفة؛ والشرفة بلا دائر فسقط فمات، وكانت أغصان البيلسان قد مزقت ثياب المقتول وملأت جثته بالجراح؛ فلم ينتبه القوم بين هذه الجراح إلى أثر المسمارين، ولما أبلغت المرأتان الخبر خرجتا صارختين تندبان وتسكبان الدموع الغزيرة حتى رثى لهما كل ناظر، وما كان لأحد أن يتهمهما وهو يرى ما تظهرانه من علائم الحزن الشديد، إلا أن غسالة القصر تولتها الظنون عندما أتت لها بياتريس بغطاء أبيها لتغسله فوجدته ملطخًا بالدماء، فسألتها عما فيه فقالت لها الفتاة: إنه أثر حيض أتاها بالأمس؛ فتظاهرت الخادمة بالتصديق ولم تنبس ببنت شفة، وانقضت معدات الجنازة، وتم المأتم وعادت بياتريس ولوكريزيا إلى روما مطمئنتين، فاعتزلتا فيها الناس، وبشرتا نفسيهما بحياة خير من الأولى على كل حال.

التحقيق

قد يكون المجرم مطمئن البال، لكن قَلَّمَا يكون مطمئن الضمير، فإذا كان لا يخشى بأس الناس، فإن صوتًا خفيًّا لا يزال ينذره بعقاب الله، وقد يظهر عقاب الله على أيدي الناس، وهكذا أراد الله أن يتضح الحق، فَأَلهَمَ قضاة نابولي إذ بلغهم موت فرنشسكو الفجائي أن لا بد أن يكون هذا الموت جنائيًّا، فأرسلوا مندوبًا إلى روكابتريلا لاستخراج الجثة والبحث عن آثار الجريمة البادية عليها إن كانت الوفاة جنائية. ولما وصل المندوب إلى القصر قبض على كل ساكنيه وأرسلهم في الأغلال إلى نابولي، ولكنه لم يهتدِ إلى دليل ييسر له معرفة الحقيقة إلا قول الغسالة؛ حيث قررت أن بياتريس أتت إليها بغطاء ملطخ بالدم لتغسله، وادعت أنه دم حيض، فسألها القضاة إن كانت ذمتها ترتاح إلى تصديق قول الفتاة، فقالت: إنها لا تظن أن ذلك الدم كان دم حيض؛ لأنه كان أحمر قانيًا زاهي اللون.

وأرسل القضاة ذلك الإقرار إلى محكمة روما، فلم تهتم به المحكمة؛ لقلة قيمته في باب الإثبات، فلم تأمر بالقبض على أحد من آل سنسي، وفي تلك الأثناء مات صغيرُ هذه العائلة، فلم يبقَ من أولاد فرنشسكو الذكور إلا اثنان: جاك — الذي مر ذكره — وبرنار، فكان في استطاعتهما أن ينجوا بنفسهما في هذه الفرصة فيقصدا البندقية أو فلورنسا، ولكن لم يبرحا روما ولبثا فيها ينتظران ما تحكم به الأقدار.

وعلم جويرا أن رجال الشرطة بنابولي بلغهم أن أولمبيو ومارزيو كانا يطوفان حول القصر قبل مقتل فرنشسكو، فأخذوا في البحث عنهما للقبض عليهما؛ فخشي جويرا أن يبوحا بالسر الذي اؤتمنا عليه؛ فكلف رجلين من الأشقياء بقتلهما، فلحق أولهما بأولمبيو في مدينة ترني، وطعنه بخنجره طعنة كانت القاضية، أما الثاني فلم يصل إلى نابولي إلا وقد قبض رجال الشرطة على مارزيو وقرروه بواسطة التعذيب؛ فاضطر أن يعترف لهم بكل ما حصل، فَأُرسل اعترافه إلى محكمة روما، فصدر أمرها بإلقاء القبض على آل سنسي: جاك وبرنارد ولوكريزيا وبياتريس، وسجنوا أولًا في قصر أبيهم ووكل بحراستهم الجنود، ولما قويت ضدهم الشبه نُقلوا إلى قصر كورتي سافيلا، وهناك وُوجِهوا مع مارزيو، فأنكروا جميعًا اشتراكهم في الجريمة بل ومعرفتهم القاتل، وطلبت بياتريس أن يواجهوها وحدها به، فلما وقفت أمامه كذَّبت في وجهه مدعاه بثبات جنان وقوة بيان أسراه، وأثر فيه جمالها وهواه، فعزم على أن يخلصها من هذه التهمة ولو ذهب هو فداءها، فقال: إنه كذب في كل ما قاله وافترى، وإنه يسأل الله أن يغفر له هذا الافتراء ويرجو بياتريس أن تصفح عن ذنبه، فأذاقه المحققون من أنواع العذاب ما يشيب الولدان، فلم يرجع عما قرره أخيرًا، ومات بين أيدي معذبيه وقد أطبق فاه على سره حتى ظن آل سنسي أنهم ناجون.

ولكن أراد الله إلا أن تتم مشيئته فقُبض على قاتل أولمبيو في جريمة أخرى، فاعترف القاتل بالجريمتين وقال: إن جويرا أوعز إليه بقتل أولمبيو؛ خشية فضيحة سر له عنده.

وعلم جويرا الخبر في حينه — وكان ذا حيلة لا تخيب — فلم يجزع ولم يرتبك في أمره، وكان لديه إذ وصله الخبر بائع فحم يحاسبه على ما ورده لمنزله، فأدخله إلى حجرته، وأنقده مبلغًا وافرًا على أن يكتم ما يفعله، ثم خلع عنه ثيابه وألقاها وارتدى بثياب الفحام القذرة بعد أن جز شعوره الذهبية الجميلة ولطخ وجهه ويديه بالفحم، ثم اشترى من الفحام حماريه بحملهما، وخرج هكذا من القصر يجوب طرقات روما وينادي: «الفحم يا طالب الفحم.» والجنود تسعى في أركان المدينة باحثة عليه. وما زال حتى بلغ المدينة فانضم إلى قافلة راحلة منها، فسار بصحبتها إلى نابولي، ومنها ركب البحر إلى حيث لا نعلم. وقال بعضهم: إنه قصد فرنسا وخدم في جيوش هنري الرابع، ولكن لا دليل على صحة ذلك القول.

ورأى القضاة من أقوال قاتل أولمبيو واختفاء جويرا ما أيد الشبهة ضد آل سنسي، فنُقلوا من قصرهم إلى السجن، وأخذ المحققون في تعذيبهم حملًا لهم على الإقرار، فلم يطق الولدان الألم واعترفا بذنبهما. أما لوكريزيا فابتدءوا بتعذيبها بواسطة شد أطرافها بالحبال، وكانت ممتلئة الجسم فلم تتحمل ذلك التعذيب، واعترفت بكل ما فعلت.

أما بياتريس فلم يجد المحققون إلى حملها على الاعتراف سبيلًا، فوعدوا وأوعدوا وعذبوها ما شاءوا أن يعذبوا وهي لا تلين ولا تعترف، حتى عجب من ثباتها القاضي عولس موسكاتي، وكان من أشهر قضاة زمنه في التحقيق، فكان لا يتحصل على كلمة من فيها لا تريد أن تبديها، ولما يئس منها لم يشأ أن يتحمل مسئولية هذه القضية على عاتقه، فرفع أمرها إلى البابا كليمنتوس الثامن، وخشي البابا أن يكون جمال بياتريس أثَّر على نفس القاضي، فجعله يشفق عليها عند التعذيب والسؤال، فعهد بالقضية إلى قاضٍ آخر مشهور بشدته وقساوته.

وأعاد القاضي الثاني التحقيق من بدئه، ورأى أن بياتريس لم تعذب إلا العذاب العادي، فأمر بأن تعذب العذاب العادي وغير العادي، وكان أشد هذا العذاب عذاب الحبل، وهو أغرب ما اخترعه ابن آدم، ونأتي هنا ببيان أنواع العذاب عند أهل روما في ذلك العصر من التاريخ، فنقول:

كان بِرُوما طرق كثيرة للتعذيب أشهرها عذاب الأظافر، وعذاب النار، وعذاب السهر، ثم عذاب الحبل.

فأما عذاب الأظافر فكان أخفها، وكانوا يستعملونه عادة للمجرمين الأحداث والشيوخ؛ وبيانه: أنهم كانوا يُدخلون بين أظافر المجرم وأصابعه قطعًا من الغاب حادة الأطراف.

أما عذاب النار فكان استعماله شائعًا قبل اختراع عذاب السهر، فكانوا يجعلون أقدام المجرم أمام موقع من النار المستعرة تلفحها بلهيبها.

أما عذاب السهر فكانوا يجلسون له المجرم على قائمة حادة الزاوية ويشدون إليها أطرافه، ثم يوكلون به رجلين يبدلون كل خمس ساعات، فينبهانه كلما استولى عليها النعاس، ويمنعانه بذلك من النوم، قال مخترع ذلك الصنف من العذاب وهو مارسيليوس: «ما شاهدت مجرمًا امتنع بعد هذا العذاب عن الاعتراف.» ولكن نقل فارنياتشي أنه لاحظ أن خمسة في المائة من المعذبين به يأبون الاعتراف، وكفى بذلك فخرًا بل دليلًا على قساوة مخترع هذا العذاب الجهنمي.

أما عذاب الحبل، فكان أشهر هذه الأنواع، وكان معروفًا بفرنسا أيضًا، وقد قسموه إلى ثلاث درجات: العذاب الخفيف والعذاب الشديد والعذاب الأليم.

فأما الدرجة الأولى منه، فهي التهديدية؛ حيث يقودون المجرم إلى غرفة العذاب، وينزعون عنه ملابسه، ثم يطرحون عليه الحبال كأنهم يريدون شد وثاقه بها، وكانوا يشدون الحبال فعلًا إلى الرسغ فيؤلمون المعذب. وكانت هذه الدرجة كافية عادة لحمل النساء وضعاف القلوب من الرجال على الاعتراف.

أما الدرجة الثانية وهي العذاب الشديد، فكانوا يربطون لها يدي المجرم من رسغيها وراء ظهره، ثم بعد نزع ملابسه عنه يمرون الحبل من خلفه من سقف المكان، فيشد القائم بالعمل الحبل، فيرتفع المجرم عن سطح الأرض أو ينخفض حسب مشيئة المحقق، وكانوا عادة يتركونه معلقًا مسافة تلاوة صلاة، فإن أصر على الإنكار ضاعفوا له الزمن، وكانت هذه الدرجة من العذاب لا تستعمل إلا إذا كان وقوع الجريمة محتملًا لا مثبوتًا، وإليها تنتهي درجات العذاب العادي.

أما الدرجة الثالثة، وهي العذاب الأليم وبداية العذاب غير العادي، فكانوا يتركون فيها المجرم معلقًا بين الأرض والسقف مسافةً تختلف بين ربع ساعة وساعة، ثم يهزونه وهو معلق أو يرخون الحبل فجأة فيسقط، ثم يشدونه فجأة قبل أن يصل جسم المجرم إلى الأرض، فإذا ما زال المجرم مصرًّا على الإنكار وقد انفكت مفاصله، وضعوا له أثقالًا في قدميه ليزيدوه ألمًا وعذابًا.

وكان هذا العذاب الأليم لا يُعذَّبُه إلا من كانت الجريمة ثابتة ضده، وكانت من الجرائم الفظيعة، كما لو كانت جريمة قتل، وكان المجني عليه فيها شخصًا واجب الاحترام أو التقديس، كأن يكون أبًا للقاتل أو كردينالًا أو أميرًا أو عالمًا.

وقد سبق لنا القول بأن بياتريس عُذِّبَت العذابين العادي وغير العادي، فلنأتِ هنا على صورة من محضر التعذيب منقولة من أوراق القضية المحفوظة بالفاتيكان:

ولما أنكرت «بياتريس» أَمرنا جنديين فأخذاها إلى غرفة التعذيب، حيث حُلِقت شعورها ثم ربطت يداها وراء ظهرها، وعُلِّقت في بكرة في سقف الغرفة المذكورة، ثم ربطت رجلاها إلى عجلةٍ يديرها رجلان بأربعة من القضبان.

وسألناها قبل تعذيبها عن قتل أبيها، وقدمنا لها اعتراف أخويها وامرأة أبيها موقعًا عليه منهم، فما زالت مصرة على الإنكار، وقالت: «شدوني وافعلوا بي ما شئتم؛ فقد قلت لكم الحق، ولن أقول غير ما قلت ولو قطعتموني إربًا.»

وعلى ذلك أمرنا بشدها، فرُفعت عن الأرض قدمين مسافة أن تلونا قطعة من الصلاة، ثم أعدنا سؤالها عن تفاصيل ذلك المقتل وظروفه، فلم تزد عما قالته وقالت: «إنكم تقتلونني، إنكم تقتلونني.»

وأمرنا فرفعت إلى أربعة أقدام وتلونا صلاة أخرى، ولكن ما كدنا نصل إلى نصفها حتى تظاهرت بأنه أغمي عليها، فأمرنا فسكب فوق رأسها وعاء من الماء، فلما أحست ببرودة الماء تنبهت، وصاحت قائلة: «رباه! لقد مت، إنكم تقتلونني، يا رباه!» ولم ترد أن تزيد شيئًا.

فأمرنا فرفعت أيضًا، وأخذنا في تلاوة مزمور من المزامير، فلم تتله معنا، وأخذت تتلوى وتصيح مرارًا قائلة: «يا رباه! يا رباه!»

وسألناها بعد ذلك عن قتلها لأبيها، فلم تشأ أن تعترف لنا بشيء، بل قالت: إنها بريئة، ثم أغمي عليها في الحال.

فأمرنا بأن يصب على رأسها ماء، فأفاقت لنفسها وفتحت عينيها، وقالت: «ألا لعنة الله عليكم أيها الجلادون، إنكم تقتلونني إنكم تقتلونني.»

ولما رأيناها مصرة على العناد والإنكار أمرنا بهزها، فرفعها الجلاد إلى عشرة أقدام ونصحناها أن تقول الحق، ولكن كأنها فقدت الكلام أو لم تشأ أن تتكلم، فأشارت برأسها أنها لا تريد أو لا تستطيع أن تقول شيئًا.

فأشرنا إلى الجلاد فأرخى الحبل، فسقطت من ارتفاع عشرة أقدام إلى ارتفاع قدمين، ثم شد الجلاد الحبل، فانفك مفصلاها وانتقل ذراعاها إلى الأمام، فصرخت صرخة هائلة ثم سكتت، ولبثت كأنها مغشيٌّ عليها.

فأمرنا فصُبَّ على وجهها الماء، فأفاقت وقالت: «أيها القتلة اللئام لقد قتلتموني، وإني لست ناطقة لكم بحرف، ولو فصلتم ذراعي عن جسمي.»

فأمرنا فعلق في رجليها أثقال زنتها خمسون ليرة، ولكن في تلك اللحظة فتح الباب، وسُمعت أصوات تقول: «كفى كفى! فلا تعذبوها طويلًا.»

وكانت تلك أصوات أخويها وامرأة أبيها؛ إذ رأى القضاة أن يواجهوا جميعًا لبعضهم لمَّا رأوا إصرار بياتريس على الإنكار، وكان آل سنسي لم يجتمعوا ببعضهم منذ خمسة شهور. ولما رأى القادمون أختهم معلقة مفككة المفاصل تسيل دماؤها من يديها قال أكبرهم جاك: أختاه لقد ارتكبنا الجرم فتم الإثم، فلنعمل الآن على نجاة الروح ولنستقبل الموت عن طيب قلب، فلا تتركيهم يعذبونك هذا العذاب.

فأطرقت بياتريس رأسها كأنها تصرف عنها الألم، ثم قالت: إذن تريدون الموت، فليكن ما تريدون.

ثم التفتت إلى معذبيها قائلةً: فكوا وثاقي وأعيدوا عليَّ السؤال فسأجيبكم بالصدق عما تريدون.

فأُنزلت من مكانها، وأتى حلاق فجبر لها مفاصلها، ثم قرءوا عليها الأسئلة التي وُجهت إليها، فأجابت عنها معترفة كما وعدت بكل ما فعلت.

وبعد هذا الاعتراف طلب الإخوان أن يُجعلوا جميعًا في سجن واحد، فأجيبوا إلى طلبهم، ولكن في الغد صدر الأمر بنقل جاك وبرنار إلى سجون توردنيونا، وبقيت المرأتان في سجنهما.

الخاتمة

ولما قرأ البابا أوراق القضية واطلع على اعتراف المتهمين اندهش وذعر، وأمر بأن يعلق المجرمون في ذيول خيول جموحة تطلق بهم في طرقات المدينة، ولكن أهاج القومَ هذا الحكم، وذهب قومٌ من الكرادلة والأمراء، فجثوا لدى عرش البابا، والتمسوا منه أن يعدل حكمه ويسمح لهؤلاء البؤساء أن يدافعوا عن أنفسهم.

فقال البابا: وهل تركوا لأبيهم أن يدافع عن نفسه عندما قتلوه غيلة وغدرًا؟!

ولكن ألح القوم، فأجابهم البابا أخيرًا إلى ما طلبوه، وحدد للمجرمين ثلاثة أيام للدفاع.

وأسرع كبراء المحامين بروما إلى الدفاع عن آل سنسي، فأخذوا يجهزون مذكراتهم ويجمعون آراءهم حتى اليوم المحدد للمرافعة، فاجتمعوا أمام خليفة العرش البابوي، فاندفع أولهم، وهو نقولا ديزانج، فاستهل دفاعه بمقدمة كان لها أعظم تأثير في نفوس السامعين، ورأى البابا أنه مهتم بالمتهمين أكثر من التهمة، فخشي شر ذلك التأثير، والتفت إلى المحامي، فخاطبه بغضب قائلًا: فليقتل إذن أولاد الأشراف آباءهم ليجدوا بين المحامين رجالًا يدافعون عنهم، إنا ما كنا لنصدق هذا أو نتوهمه.

فسكت القوم لصوت البابا إلا فارنياتشي المحامي؛ إذ قام بين أيدي قداسته عالمًا بقدر مهمة الدفاع التي عُهِدَ إليه بها، فقال بثبات وأدب: أيها الأب العالي القداسة، إننا لم نأتِ هنا لندافع عن المجرمين، إنما أتينا لنخلص البريئين؛ لأننا لو توصلنا بما نبديه من أوجه الدفاع إلى أن نبرهن لقداستكم أن بعض المتهمين إنما فعل ما فعل وهو يدافع عن نفسه دفاعًا شرعيًّا، فلا شك أن قداستكم تلتمس له العذر فيما أتاه، وكما نصت الشريعة على الأوجه التي تجيز للأب أن يقتل ولده فيها؛١ فإن هناك من الأوجه ما تجيز للولد أن يقتل أباه، وبناءً على ذلك فنحن لا نتكلم إلا إذا راق لقداستكم أن تسمعنا.

فصرح البابا للمحامي بالكلام، فاستمر فارنياتشي في مرافعته قائلًا: إن صلة البنوة التي كانت تربط بياتريس بأبيها قد انفصمت مذ أكرهها أبوها على ما أتاه معها، واستدل على ذلك الإكراه بالعريضة التي رفعتها الفتاة إلى قداسة البابا ولم تصل إليه، وهي تشرح فيها ما تقاسيه من الذل والعذاب، وتطلب فيها من قداسته أن يخلصها من أبيها كما خلص أختها من قبل، ولكن ضاعت هذه الشكوى رغمًا عن البحث الدقيق عنها في سكرتارية البلاط البابوي.

وأمر البابا المحامين أن يتركوا لديه مذكراتهم وينصرفوا، ففعلوا إلا أحدهم التييري، حيث بقي بعد خروجهم، فجثا لدى البابا قائلًا: أيها الأب العالي القداسة! لم أستطع أن أرد نفسي عن المثول بين يدي قداستكم مدافعًا في هذه القضية لأني المحامي عن البؤساء والمساكين؛ ولذا أطلب من قداستكم السماح.

فقال له البابا وقد مد له يده يرفعه: نحن لا نعجب منك إن دافعت عنهم، لكننا نعجب من قوم يتعصبون لهم ويحمونهم.

وأراد البابا أن يتخلص من هذه القضية فلم ينم ليلته، وقضاها ساهرًا مع أحد كرادلته المدعي سان مارسيليو في الاطلاع على أوراقها، وكان ذلك الكردينال من علماء القانون وذا ذكاء مفرط، فعمل عن القضية ملخصًا سرَّ المحامين، فأملوا من ورائه الإبقاء على حياة المتهمين؛ لأنه وضح في ذلك الملخص أن الأولاد وإن كانوا قتلوا أباهم إلا أن أباهم ساقهم إلى ارتكاب تلك الجريمة بسوء معاملته لهم وتعديه سلطته الشرعية عليهم، حتى إن إحداهم وهي بياتريس ارتكبت الجريمة مرغمة؛ لكثرة ما لاقت من ظلم أبيها وفجره.

فعدل البابا عن رأيه، وأظهر بعض التساهل حتى آمل آل سنسي النجاة من الإعدام، بل أراهم البابا بارقة من هذا الأمل، ففرح أهل روما وشاركوا هذه الأسرة البائسة في سرورها. لولا أن حدثت بعد ذلك حوادث أطفأت نور ذلك الأمل، إذ غيرت عواطف البابا؛ ذلك أن إحدى شريفات روما — وهي تدعى المركيزة دي سنتا كروسي — قتلها ابنُها وهي في الستين من عمرها، فطعنها نحو عشرين طعنة بالخنجر؛ لأنها لم تشأ أن توصي له بكل مالها من بعدها ثم هرب القاتل.

فلما بلغت هذه الجريمة مسامع البابا رآها أخت سابقتها، فخشي أن تكثر أمثال هذه الجرائم إن تساهل فيها، وكان مضطرًّا للسفر الغد إلى مونتي كافالو لتكريس كردينال، فدعا في الساعة الثامنة من صباح الغد، وكان العاشر من شهر سبتمبر سنة ١٥٩٩، حاكم روما السيد تافرنا وقال له: أيها السيد، إنا عاهدون لك بقضية آل سنسي لتحكم فيها بما تقتضيه العدالة في أقرب حين.

فعاد الحاكم إلى قصره بعد أن ترك البابا، ودعا لديه قضاة المدينة، فأقروا جميعًا على إعدام آل سنسي، وما لبث هذا الحكم أن أعلن، فعلم به القوم، وكان للمحكوم عليهم — كما أسلفنا — منزلة في القلوب، فخرج كثير من الكرادلة ليلًا على خيولهم وعرباتهم يسعون لدى القضاة في تخفيف الحكم أو على الأقل في التنفيذ على المرأتين في السجن بدل إعدامهما علنًا أمام الناس، ويسعى بعضهم لطلب العفو عن برناردينو حيث لا يد له في الجريمة، وهو غلام لم يتم الخامسة عشرة، وقد شملته النقمة التي حلت بأسرته، وكان أكثر الناس اهتمامًا بالأمر الكردينال سفورزا، لكنه لم يحصل على غايةٍ بل ولا شبه وعد من البابا، واهتم فارنياتشي فأظهر لقداسته مبلغ الظلم من تضحية برناردينو بلا ذنب جناه، ولكنه لم ينل العفو عنه إلا بعد إلحاح كثير ورجاء طويل.

واستعد القوم لتنفيذ الحكم، واجتمعت الجموع على أبواب السجن، وفي الساعة الخامسة من صباح يوم السبت دخل الكاتب إلى سجن النساء، وكانت بياتريس وزوجة أبيها راقدتين فأيقظهما وتلا عليهما الحكم، ونصح لهما أن تتجهزا لمقابلة الملك الديان، فاضطربت بياتريس وخرست حتى عن التأوه، وأرتج عليها، فلم تدرِ ما تفعل فهبت من مرقدها دون أن ترتدي ثيابها، ووقفت وهي لا تملك نفسها كأنها ثملة، ثم ما لبثت أن انفكت عقدة لسانها فأخذت تصيح وتزأر، أما لوكريزيا فأصغت إلى تلاوة الحكم بثبات، ثم أخذت ترتدي لباسها لتحضر الصلاة في كنيسة السجن، وأخذت تُصبِّرُ بياتريس على أمر الله فلم تطقِ الفتاة صبرًا، وأخذت تعض في ذراعيها وتقرع رأسها في الحائط قائلة: «أأموت، أأموت، هكذا قُضي علي أن أموت على حين غفلة، وأموت على المشنقة، على المجزرة، يا رباه، يا رباه!» ثم تولتها نوبة عصبية شديدة أفقدتها قواها. ولما أفاقت استولت الروح على الجسم، وعاد لها الصبر فكانت مثال الامتثال؛ إذ رضخت لأحكام الله بصبر واتضاع وحسن اتكال.

وطلبت بياتريس أن يأتوها بموثق تملي عليه وصيتها، فأتوها به فأملتها عليه بكل ثبات ودقة، وكان مما أوصت به خمسمائة رِيال للراهبات، وخمسة عشر ألف رِيال — وهو مهرها — لِتُزوج به خمسون فتاة، ثم ختمت الوصية قائلة: إنها ترجو أن تُدفن جثتها تحت مذبح كنيسة القديس بطرس التي مر بنا ذكرها في بدء الرواية.

وتبعت لوكريزيا خطتها؛ فحررت وصيتها، واختارت أن تدفن جثتها في كنيسة القديس جورج بفيلا برا، وأوصت بحسنات وَهِبَاتٍ عديدة.

ولما أتمت بياتريس وزوجة أبيها الوصيتين اشتركتا معًا في الصلاة، فلبثتا تعبدان الله حتى الساعة الثامنة من الصباح، ثم اعترفتا وحضرتا القداس وتناولتا القربان، ولاحظت بياتريس أنه لا يحسن بهما أن يصعدا إلى آلة الإعدام بملابسهما المنزلية الثمينة، فطلبت ثيابًا كملابس الراهبات ساترة لكل أجزاء الجسم حتى أعلى الرقبة، وذات أكمام واسعة طويلة، فأُحضرت الملابس ومعها حبال لتتمنطقا بها، وطلبت بياتريس أن توضع لها عمامة صغيرة لتستر بها رأسها فأجيبت إلى ما طلبت، ووضعت هذه الملابس بجانبها ريثما أتمت الصلاة.

ونُبِّهت بياتريس وصاحبتها أن اقتربت الساعة الرهيبة. وكانت بياتريس جاثية تصلي، فالتفتت إلى زوجة أبيها قائلة وهي مطمئنة باشة الوجه: «يا أماه! دنت الساعة التي يكفر فيها عن ذنوبنا، فأظن أن الأولى بنا أن نستعد لها، فهل لك أن نساعد بعضنا على تغيير ملابسنا كما جرت عادتنا.»

وقامت المرأتان فارتدتا ملابس الراهبات وتمنطقا بالحبال ووضعت بياتريس عمامتها على رأسها ولبثتا تنتظران النداء الأخير.

وفي تلك الأثناء كان القارئ قد قرأ لجاك وأخيه حكمها، ولبثا ينتظران أن يساقا إلى ساحة الإعدام، ولما ناداهما المنادي خرجا فوجدا جمعًا من أهل الطوائف الدينية قائمًا بباب السجن رافعًا الصليب، فتقدم جاك وكان مرتديًا لباسًا أسود مكشوف الصدر، فجثا أمام الصليب وقَبَّله، وكان الجلاد بجواره قابضًا على قضبان من حديد محمية في النار ليكوي بها صدر المتهم طول الطريق، وكان على عربة السجن موقد مشتعل لتُحمى فيه هذه القضبان.

وصعد جاك إلى هذه العربة بصحبة الجلاد، ثم خرج وراءه من باب السجن برناردينو أخوه الصغير، فما كاد يظهر للجميع حتى قام فيهم مندوب من لدن البابا يقول: «قد عفا سيدنا ومولانا البابا عنك يا برنار سنسي ووهب لك الحياة، إنما أمر أن تساق إلى آلة الإعدام وتجرى عليك الرسوم التي على إخوتك دون أن تموت، فعليك أن لا تنسى في صلواتك من كان قُدر عليك أن تموت معهم.»

ولما سمع القوم هذا الخبر غير المنتظر ضجوا فرحًا، وأقبلوا عليه ينزعون عن عينيه الرباط الذي كان أعد له ليخفي عنه نظر آلة الإعدام.

وأصعد الجلاد برناردينو إلى جنب أخيه بعد أن استلم صورة العفو عنه، ثم ألقى عليه رداءً ثمينًا موشًّى بالذهب، وعجب الناس من وجود هذا الرداء الثمين لدى الجلاد، ولم يعلموا أنه الرداء الذي أهدته بياتريس لمارزيو، وورثه عنه الجلاد بعد إعدامه، كما قضت عوائد ذلك العصر، وأثر على برناردينو نظر ذلك الجمع المحتشد فغشي عليه.

وسار موكب الأخوين تزفه الأغاني الدينية حتى سجن كورتي سافيلا، فوقف أمام بابه وخرجت بياتريس وامرأة أبيها، فسجدتا أمام الصليب وسارتا وراء الجمع ماشيتين على قدميهما إحداهما تلي الأخرى. وكانت لوكريزيا مرتدية الحداد وتبكي بكاءً مرًّا وبياتريس لابسة ثيابًا من حرير موشاة بالفضة، والسكون والصبر مرسومان على محياها.

وكانت كل منهما حاملة في إحدى يديها صليبًا وفي الأخرى منديلها.

وسار الموكب حتى جسر سانتانج المقامة عند ميدانه آلة الإعدام. وقد نصبوها في الليل وكانت تلك الآلات القاطعة ذات نصل ثقيل ينزلق بين عامودين فيسقط على رأس المحكوم عليه وهو ممدد على لوح من الخشب، وقد أسندت رأسه إلى قائمة موازية للوح. ولما وصل الموكب إلى ذلك المكان أدخلت المرأتان إلى كنيسة قريبة، ثم أدخل الفتيان عندهما فلبثوا برهة معًا، ثم أتى الجلادون، فأخذوا جاك وأخاه إلى الساحة، فلما علا الفتيان آلة الإعدام غشي على أصغرهما، فتقدم إليه الجلاد لينبهه، فظن القوم أنه يريد السوء فصاحوا به قائلين: «إنه معفي عنه.» فطمنهم الجلاد بإشار، وأجلس الفتى جانب القائمة، وجثا أخوه على جانبها الآخر.

وعاد الجلاد فأحضر لوكريزيا أولًا، حيث قُرر أن تعدم الأولى، فتقدم بها إلى أسفل آلة الإعدام فَقَدَّ قميصها من صدرها، ثم صعد بها إلى حيث الفتيان، وكانت لوكريزيا ممتلئة الجسم فتعبت لصعود سلم الآلة، ولما استقر بها عليها المقام، قدم لها الجلاد صورة المسيح على صليبه فقبلتها ثم نزع عن رأسها غطاءها، فخجلت وقد انكشف للناظرين صدرها ورأسها، ثم التفتت فرأت القائمة التي أعدت لرقبتها، فارتجفت ارتجافًا خفق له قلوب الحاضرين، وجالت الدموع في آماقها، فقالت بصوت جهوري: «رباه! ارؤف بي وارحمني، وأنتم يا إخواني صلوا لأجلي.»

والتفتت لوكريزيا إلى الجلاد تسأله عما تفعل، فقال لها أن تتمدد على بطنها على اللوح، ففعلت وهي تذوب خجلًا من الأنظار الموجهة إليها، وتستيسر الموت عنها، ومنع ثدياها رقبتها أن تلمس القائمة فأُتي بقطعة من الخشب رفعت بها القائمة، ولما تم ذلك الوضع أدار الجلاد لولب الآلة، فسقط النصل، وانفصلت الرأس فتدحرجت، وقد ضج القوم لذلك المشهد، وتناول الجلاد الرأس، فأراها للحاضرين، ثم لفها في خرقة سوداء، وأودعها مع الجثة تابوتًا كان معدًّا لهذا الغرض.

وبينما الجلادون يعيدون آلة الإعدام إلى ما كانت عليه استعدادًا لمقدم بياتريس؛ إذ سقط درج كان أقيم لجلوس المتفرجين، فمات تحته قوم وجرح آخرون.

وعاد الجلاد إلى الكنيسة ليأتي ببياتريس، فوجدها قائمة تصلي، فلما رأته مقبلًا وفي يده الحبال التفتت له قائلة: «يريد الله أن ينتهي ذلك الجسم على يديك إلى الفناء وتقصد الروح دار الأبدية.» ثم قامت تتبعه إلى الساحة فقبَّلت الصليب، ثم خلعت نعليها، وارتقت سلم آلة الإعدام بخفة ونشاط، فلما بلغت سطحها، وكانت قد استعلمت قبل عما يتم عليها، قصدت اللوح وتمددت عليه، ووضعت رقبتها فوق القائمة حتى لا ينظر القوم كتفيها وهما عاريان، لكنها ما كادت تعلو اللوح حتى سُمع دوي مدفع أُطلق من قصر سانتانج، فاندهش الحاضرون واندهشت بياتريس نفسها فهبت تنظر الخبر، وكان البابا عالمًا بما جبلت عليه هذه الفتاة من حدة الطبع؛ فخشي أن ترتكب خطيئة بين الغفران والموت، فأمر بأن يطلق مدفع عندما تعلو آلة الإعدام فيسمعه وهو بمونتي كافلو قائم يصلي فيدعو الله ليغفر لها خطاياها.

وانتظر الجلاد نحو خمس دقائق بعد المدفع، حتى إذا ظن أن البابا قد أتم صلاة المغفرة وتأهبت بياتريس للموت أدار اللولب فسقط النصل.

ورأى الناس إذ ذاك أمرًا عجبًا؛ رأوا جسم الفتاة بعدما فارقته الرأس، وقد رجع القَهقَرَى كأن يدًا تدفعه إلى الوراء.

وأخذ الجلاد الرأس والجثة، وأراد أن يودعهما تابوتهما، ولكن تلقفهما منه الرهبان، فأفلت من أيديهم الجسم، وسقط في الأرض فتعرى وتلطخ بالتراب والدم، فاضطروا أن يغسلوه قبل أن يودعوه التابوت.

وأثر ذلك المشهد في نفس برناردينو، فغشي عليه لثالث مرة، ولم يستطيعوا أن يفيقوه إلا بإسقائه نبيذًا.

وأتى دور جاك فهب وقد تلطخت ثيابه من دماء أخته وامرأة أبيه، واقترب منه الجلاد فنزع عنه رداءه فانكشف للحاضرين صدره، وفيه من كي النار آثار، والتفت جاك إلى أخيه قائلًا: «برنار، لقد اتهمتك ظلمًا وعدوانًا في إجابتي الأولى، ومع أنني كذَّبت ما قلت أخيرًا إلا أنني أشهد الله الآن وأنا بين يديه أنك بريءٌ، وأنهم ظلموك ظلمًا مبينًا بإكراهك على أن تشهد مقتلنا.»

واقترب الجلاد من جاك فدعاه أن يجثو على ركبتيه، ثم ربط ذراعيه في عامودي الآلة، وستر عينيه، ثم ضربه على رأسه بدبوس، ثم ألقى جسمه وشطره أربع قطع على مرأى من الحاضرين.

ولما انتهى القوم من تلك المشاهد الوحشية انفضوا، وعادوا ببيرنار للسجن وقد تولته حمى محرقة، فأرقدوه على فراشه بعد أن فصدوا ذراعه.

وكان برنار (وتصغيره: برناردينوا للتمليح) على صورة أخته بياتريس في الخلقة، حتى إنهم لما صعدوا به إلى آلة الإعدام ظنه الحاضرون أختها.

وعُرضت جثتا بياتريس وامرأة أبيها في تابوتهما تحت تمثال القديس بولس في مدخل جسر سانتانج إلى الساعة الرابعة مساءً، وقد أُوقدت حولهما الشموع، ثم رُفع التابوتان في الساعة التاسعة، فزُين تابوت الفتاة بالزهور، وسار في موكب حافل منه الرهبان والراهبات حتى ووريت حيث اختارت تحت مذبح كنيسة القديس بطرس بن مونتاريو، وحملت جثة لوكريزيا إلى كنيسة سان جورج كما أوصت.

وكان ذلك اليوم يوم حر شديد ازدحمت فيه العربات والناس في ساحة الإعدام حتى أغمي على بعضهم فيه من شدة الزحام، وأصيب قوم بالحمى، ومات قوم من لفحة الشمس، وقد لبثوا معرضين لأشعتها المحرقة ثلاث ساعات.

وسعت طائفة لدى البابا للإفراج عن برناردينو، فأمر بأن يطلق سراحه بعد أن يدفع غرامة قدرها ألفان وخمسمائة رِيال رومانية للطوائف الدينية كما نصت عليه دفاترها.

•••

وإلى هنا تمت قصة آل سنسي، وكلها حقائق تاريخية لا يكاد أن يكون لخيال الروائي فيها مجال، وإن من القصص الحقيقية ما هو أعجب من مخترعات الخيال.

١  قد أجازت الشريعة الرومانية للأب أن يقتل ولده في ثلاث عشرة حالة: (١) إذا رفع الولد يده على أبيه. (٢) إذا سب الولد أباه سبًّا مهينًا. (٣) إذا اتهم الولد أباه تهمة غير تهمة الخيانة للوطن أو الأمير. (٤) إذا اشترك الولد مع قوم من فاسدي الأخلاق. (٥) إذا دبر الولد مكيدة لقتل أبيه. (٦) إذا زنى الولد بامرأة أبيه أو خليلته. (٧) إذا أبى الولد أن يضمن أباه وقد سجنه دائنه. (٨) إذا منع الولد أباه بالقوة أو الإكراه عن أن يحرر وصيته. (٩) إذا انضم الولد رغم أبيه إلى طائفة المصارعين أو المشخصين. (١٠) إذا أبت الفتاة الزواج ثم سارت سيرة البغايا. (١١) إذا امتنع الأبناء عن معالجة أبيهم مريضًا. (١٢) إذا امتنع الأبناء عن فدية أبيهم أسيرًا. (١٣) إذا مرق الولد عن الدين الكاثوليكي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١