الفصل السابع

مشى المفوَّض المساعد في شارع قصير وضيق وكأنه خندق موحل رطب، ثم عبَر طريقًا واسعًا للغاية ودخل إلى مبنى عامٍّ ضخمٍ، وسعى للحديث مع سكرتير خاصٍّ شاب (بلا أجر) لشخصية كبيرة.

قابل هذا الشاب الأشقر نضر البشرة، الذي أضفى عليه شعره المُمشط بتماثُل مظهر تلميذ ضخم وأنيق، طلب المفوَّض المساعد بنظرة مُتشكِّكة، وتحدث بأنفاس متقطِّعة.

«هل سيُوافق على مُقابلتك؟ لا علمَ لي بذلك. لقد غادَرَ دار المجلس التشريعي منذ ساعة للتحدث مع الوكيل الدائم، وهو الآن مُستعد لأن يَمضي في طريقه عائدًا. ربما أرسل في طلبه؛ لكنه يفعل ذلك من أجل قليل من التريض حسب ظنِّي. هذا كل التريض الذي يُمكن أن يجد له وقتًا أثناء مدة انعقاد هذه الجلسة. أنا لا أتذمَّر، بل إنني أستمتع بتلك النزهات البسيطة. إنه يستند إلى ذراعي، ولا يَنبِس ببنت شفة. ولكنِّي أرى أنه مُتعَب جدًّا، كما أنه … حسنًا … ليس في أفضل حالاته المزاجية الآن.»

«للأمر صلة بالحادث الذي وقع في جرينتش.»

«أوه! يا إلهي! إنه يشعر بمرارة شديدة منكم أيها القوم. ولكنِّي سأذهب وأتحقق، إن كنت مصرًّا.»

همْهمَ المفوض المساعد: «افعل. أنت رجل صالح.»

أُعجِب السكرتير المتطوِّع بهذه الجرأة. متَّخذًا وجهًا تكسوه البراءة، فتح بابًا ودخل بثقة طفل لطيف ومميز. وبعد فترة وجيزة عاود الظهور، وأومأ برأسه إلى المفوض المساعد، الذي عبر من الباب نفسه الذي تُرِك مفتوحًا له، ووجد نفسه في حضرة الشخصية العظيمة في غرفة كبيرة.

بدا الشخص العظيم رجلًا هائلًا، بجسده الضخم في الحجم والقامة، ووجه أبيض طويل، عريض من الأسفل، إذ كان له ذقن كبيرة تحته ثنية من الدهون، فبدا الوجه على شكل بيضة يعلوها شعر رمادي. لسوء الحظ من وجهة نظر أي خياط، أن الطيات المتقاطعة في منتصف معطفه الأسود المزرر زادت من انطباع أن أزرار المعطف قد رُبطت بعناء شديد. ومن الرأس، المستقر فوق رقبة مُكتنزة، حدقت العينان، ذاتا الجفنَين السفليَّين المنتفخين، بنظرة مُتغطرِسة مُتعالية من جانبَي أنف معقوف بارز بشكل ملحوظ وسط وجه شاحب كبير. وكذلك بدَت الضخامة على قبعة من الحرير اللامع وزوج من القفازات القديمة موضوعة على طرف مكتب طويل.

وقف على بساط المدفأة مُرتديًا حذاءً ذا مقاس كبير وواسع، ولم يتفوَّه بأيِّ عبارات تحية.

سأل على الفور بصوتٍ مُنخفِض وناعم للغاية: «أود أن أعرف إن كانت هذه بداية حملة ديناميت أخرى. لا تستغرق في التفاصيل. ليس لديَّ وقت لذلك.»

بدا المفوض المساعد أمام ذلك البدن الضخم الريفي وكأنه قصبة نحيلة وضعيفة تُخاطب شجرة بلوط. وبالفعل فإن السجل المتَّصل لنسب ذلك الرجل تجاوز في عدد القرون عمر أقدم شجرة بلوط في البلاد.

«كلا. بقدر ما يُمكن للمرء أن يكون إيجابيًّا حيال أي شيء، يمكنني أن أضمن لك أن الأمر ليس كذلك.»

قال الرجل الضخم وهو يُلوِّح بيده ازدراءً باتجاه نافذة تُطلُّ على الشارع الواسع: «نعم. ولكن يبدو أن فكرتك عن الضمانة في ذلك الأمر تتمثَّل في المقام الأول في جعل وزير الخارجية يبدو أحمقَ. سبق أن قيل لي على نحوٍ لا يقبل الجدل في هذه الغرفة نفسها منذ أقل من شهر أنه لا يُمكن حتى حدوث عمل من هذا القبيل.»

نظر المفوض المساعد في اتجاه النافِذة بهدوء.

«اسمح لي أن أُعلِّق، أيها السير إثيلريد، بأنه لم تُتَح لي حتى الآن أي فرصة لأن أُعطيَك ضمانات من أي نوع.»

عندئذٍ تركَّزت نظرة العينين المُتعجرِفة على المفوض المساعد.

قال صاحب الصوت العميق الناعم: «صحيح. أرسلتُ أطلب هيت. أنت لا تَزال غرًّا في منصبك الجديد. وكيف تتدبَّر أمورك هناك؟»

«أعتقد أنني أعرف شيئًا جديدًا كل يوم.»

«بالطبع، بالطبع. أتمنَّى أن تتدبَّر أمورك.»

«أشكرك، أيها السير إثيلريد. لقد عرفت شيئًا اليوم، بل في غُضون الساعة الماضية أو نحو ذلك. هذا أن هذه القضية تَنطوي على كثير من الأمور من النوع الذي لا يُلاحظه المرء في عمل لا سُلطوي عنيف مُعتاد، حتى لو أمعن المرء النظر فيها قدر الإمكان. ولهذا السبب جئتُ إلى هنا.»

وضع الرجل الضخم ظاهرَي يديه الكبيرتين على وركيه، بحيث برَز مرفقا ذراعَيه إلى الخارج.

«حسن جدًّا. استمِرَّ. ولكن أرجوك دون أن تُسهِب في التفاصيل. أعفني من التفاصيل.»

بدأ المفوض المساعد حديثه بنبرة توكيد هادئة وواثقة: «لن أُزعجك بالتفاصيل يا سير إثيلريد.» أثناء حديثه، كانت عقارب الساعة خلف الرجل الضخم، التي كانت عبارة عن شيء ثقيل ولامع، ذات حِلية ضخمة من نفس الرخام الأسود المصنوع منه رفُّ المَوقِد، قد تحرَّكت حيزًا يشير إلى مرور سبع دقائق. تحدث بإخلاص مُتناهٍ مُستخدمًا جملًا اعتراضية، أدخل فيها كل الوقائع الصغيرة — أي كل التفاصيل — بسهولة مُمتعة. لم تصدر همهمة ولا حتى حركة تشير إلى مقاطعة حديثِه. بدا صاحب الشخصية العظيمة وكأنه تمثالٌ لأحد أسلافه الأمراء خُلِعت عنه عدة مُحارب في الحروب الصليبية، وأُلبِس معطفًا بمقاس غير ملائم. شعر المفوض المساعد وكأنه مُنِح حرية الحديث لمدة ساعة. ولكنه حافظ على هدوئه وفي نهاية الوقت المذكور آنفًا، أنهى حديثه بخاتمة مفاجئة، أعاد فيها جملته الافتتاحية، أدهشت السير إثيلريد وسرَّته بسلاستها وقوتها الجليتَين.

«إن ما نُواجهُه تحت السطح في هذه القضية، مع أنه لا ينطوي على خطورة، فإنه أمر غير عادي — بهذا الشكل الدقيق على الأقل — ويتطلَّب تعاملًا خاصًّا.»

صارت نبرة صوت السير إثيلريد عميقة، ومليئة بالاقتناع.

«أظن ذلك فعلًا … ما دام سفير دولة أجنبية مُتورطًا في الأمر!»

اعترض الآخر، ذو الجسد المنتصب النحيل، وسمح لنفسه بابتسامة خفيفة: «يا إلهي! السفير! ستكون حماقةً منِّي أن أقترح أي شيء من هذا القبيل. وهذا غير ضروري على الإطلاق، لأنه إن كنتُ مُحقًّا في تخميناتي، فإن كون الشخص سفيرًا أو حمالًا في فندق هو مجرد تفصيلة.»

فتح السير إثيلريد فمًا واسعًا، ككهف، بدا الأنف المعقوف متلهفًا لأن يُمعن النظر فيه؛ ومنه خرج صوت رنان خافت، كأنه صادر من أُرغُن بعيد، يدل على سُخط وازدراء.

«كلا! تصرفات هؤلاء الناس بغيضة إلى أقصى حد. ماذا يَعنون باستجلاب أساليبهم المُماثلة لأساليب تتار القرم إلى هنا؟ إنَّ الترك يتحلَّون بلياقة أكثر من ذلك.»

«لقد نسيت، يا سير إثيلريد، أننا بالمعنى الدقيق للكلمة لا نعرف شيئًا على وجه اليقين … حتى الآن.»

«كلا! ولكن كيف يُمكنك تعريف الأمر؟ باختصار.»

«جرأة سافرة، تصل إلى حد تصرفات صبيانية من نوع غريب.»

قال الشخص العظيم الضخم، مُتضخمًا أكثر قليلًا، إن جاز القول: «لا يمكننا أن نتحمل سذاجة تصرفات صبيانية بغيضة.» أصابت سهام النظرة المُتغطرسة المتعالية الساحقة السجادة عند قدمي المفوض المساعد. «لا بد أن يتلقَّوا ضربة شديدة على خلفية هذه القضية. يجب أن نكون في وضع يسمح لنا بأن … ما فكرتُك العامة باختصار؟ لا حاجة إلى الخوض في التفاصيل.»

«لا، يا سير إثيلريد. من حيث المبدأ، لا بد أن أؤكد بحسم أن وجود عملاء سريِّين أمر لا ينبغي التهاون معه؛ لأنهم يميلون إلى تضخيم المخاطر الحقيقية التي تكمن في الشر الذي يُستخدَمون لمحاربته. إن فكرة تلفيق الجاسوس لمعلوماته هي أمر اعتيادي تمامًا. ولكن في مجال العمل السياسي والثوري، الذي يَعتمِد جزئيًّا على العنف، يمتلك الجاسوس المحترف كل الوسائل لتلفيق الحقائق الواضحة نفسها، وسيَنشُر الشر المزدوج المتمثِّل في المساجلة من جهة، وفي بثِّ الذعر، وسن التشريعات من دون روية، والكراهية المُندفِعة من الجهة الأخرى. ومع ذلك، فهذا عالم غير مثالي …»

دون أن تَصدُر حركة من صاحب الصوت العميق الواقف على بساط المدفأة، ومرفقَاه الضخمَان بارزان إلى الخارج، قال بسرعة:

«كن واضحًا من فضلك.»

«نعم يا سير إثيلريد؛ عالم غير مِثالي. ولذلك فور أن اتَّضحت لي طبيعة تلك القضية، فكرت في أنه يجب التعامُل معها بسرية خاصة، وغامرت بالمجيء إلى هنا.»

وافقه الشخص العظيم، وهو ينظر إلى أسفل، راضيًا عن نفسه، من فوق ذقنِه المُتخَم بالشحم، قائلًا: «هذا صحيح. أنا مسرور أنه يوجد شخص في إدارتك يظنُّ أنه يُمكن الوثوق في وزير الخارجية بين الحين والآخَر.»

ارتسمَت ابتسامة مُبتهِجة على شفتَي المُفوض المساعد.

«في الحقيقة كنتُ أُفكِّر أنه قد يكون من الأفضل في هذه المرحلة أن نَستبدل بهيت شخصًا …»

صاح الرجل صاحب المقام الرفيع بنبرة تنمُّ عن عدائية واضحة: «ماذا! هيت؟ أحمق هو … أليس كذلك؟»

«مطلقًا … على الإطلاق. من فضلك يا سير إثيلريد، لا تُفسِّر ملاحظاتي هذا التفسير الجائر.»

«ماذا إذن؟ داهية، ولكن تعيبه عجرفتُه؟»

«ولا ذاك … على الأقل ليسَت قاعِدة. فكل أسباب تخميناتي مأخوذة منه. الشيء الوحيد الذي اكتشفتُه بنفسي هو أنه كان يستغلُّ ذلك الرجل لصالحه هو. من ذا الذي يَستطيع أن يلومه؟ إنه رجل شرطة قديم. قال لي تقريبًا إنه يجب أن يكون لديه أدوات للعمل بها. خطر لي أن تلك الأداة يجب أن تخضع لقسم الجرائم الخاصة ككل، بدلًا من أن تظلَّ في حوزة كبير المفتِّشين هيت بمُفرده. يمتد تصوري للواجبات المنوطة بالإدارة التي أرأسها إلى إخضاع العميل السري. ولكن كبير المفتِّشين هيت يعمل في الإدارة منذ زمن طويل. وربما اتهمني بإفساد أخلاقيات العمل والتحامل على فاعليته. وربما عَرَّف الأمر تعريفًا بغيضًا بأنه حماية امتدت إلى الفئة الإجرامية من الثوريِّين. قد يَعني الأمر له ذلك فحسب.»

«نعم. ولكن ما الذي تقصده؟»

«ما أقصده هو، أولًا، أنه لا يوجد سوى قدر ضئيل من التعزية في القدرة على التصريح بأن أي عمل من أعمال العنف — إتلاف المُمتلكات أو إزهاق الأرواح — ليس عملًا لا سلطويًّا على الإطلاق، وإنما شيء مختلف تمامًا؛ ضرب من النذالة المصرح بها. وأظن أن هذا يتكرَّر أكثر مما نتوقع. ثانيًا: من الواضح أن وجود هؤلاء الأشخاص الذين يتقاضَون أجورًا من حكومات أجنبية يقلص من كفاءة رقابتنا. يُمكن لجاسوس من هذا النوع أن يكون أكثر تهورًا من أكثر المتآمرين تهورًا. فعمله خالٍ تمامًا من جميع المعوِّقات. إنه لا يملك وازعًا من إيمان من شأنه أن يدفعه إلى الرفض التام، ولا من قانون حسبما يَنطوي عليه الخروج على القانون. ثالثًا: وجود هؤلاء الجواسيس بين الجماعات الثورية — التي نُلام على إيوائها هنا — يقضي على كل يقين. لقد سمعتَ عبارات طمأنة من كبير المفتِّشين هيت منذ مدة. لم يكن لها أيُّ أساس على الإطلاق؛ ومع ذلك وقعت هذه الحادثة. أُسمِّيها حادثة؛ لأنَّني أجرؤ على القول بأن هذه القضية عَرَضيَّة؛ إذ لا تُمثِّل جزءًا من أيِّ مخطَّط عام، رغم همجيتها. نفس الخصائص التي تُفاجئ كبير المفتشين هيت وتُحيِّره هي التي تُحدِّد طبيعتها في تصوُّري. إنني أنأى عن التفاصيل يا سير إثيلريد.»

كان الشخص العظيم الواقف على بساط المِدفأة يَستمِع بانتباهٍ شديد.

«بالضبط. أوجز قدر المستطاع.»

أشار المفوض المساعد بلفتة احترام جادة إلى أنه كان حريصًا على الإيجاز.

«تَنطوي إدارة هذه القضية على غباء غريب وأوجه ضعف مما يَمنحني آمالًا كبيرة في سبر أغوارها والتوصل إلى شيء آخر غير كونها نزوة تعصب فردية. لأنها بلا شك عمل قائم على تخطيط. يبدو أن العقل المدبر قد اقتاد الجاني الفعلي إلى مكان التفجير، ثم غادَر مسرعًا تاركًا له حرية التصرف. واستنتاجي أنه قد جُلِب من خارج البلاد بغرض ارتكاب هذا الاعتداء. وفي الوقت نفسه، لا مفرَّ من استنتاج أنه لم يكن يعرف من الإنجليزية ما يكفي لأن يطلب أن يدلَّه أحدٌ على طريقه، ما لم نقبل بالنظرية الخيالية القائلة بأنه كان أصمَّ وأبكمَ. إنني أتساءل الآن، ولكن هذا مضيَعة للوقت. من الواضح أنه لم يقصد أن يقتل نفسه. ليس حادثًا غير عادي. ولكن تبقى حقيقة صغيرة غير عادية؛ ألا وهي العنوان المُدوَّن على ملابسه الذي اكتُشِف بمحض الصدفة أيضًا. إنها حقيقة صغيرة غير معقولة، غير معقولة لدرجة أنَّ التعليل الذي سيُفسِّرها لا بد أن يصل إلى عُمق هذه القضية. وبدلًا من إصدار أوامر لهيت بأن يستمر في تلك القضية، فإنني أنوي أن أبحث عن هذا التعليل شخصيًّا — أعني بنفسي — في المكان الذي يُمكن التوصُّل إليه فيه. وذلك في محلٍّ مُعيَّن في شارع بريت، وعلى شفتَي عميل سري معين كان يومًا ما الجاسوس السري والموثوق فيه لدى البارون ستوت فارتنهايم، السفير لدى دولة عظمى في بلاط سانت جيمس الملكي.»

توقف المفوض المساعد قليلًا ثم أردف قائلًا: «هؤلاء الناس آفات ضارية.» من أجل أن يرفع الشخص العظيم الواقف على بساط المِدفأة ناظرَيه الموجَّهَين إلى الأرض نحو وجه المُتحدِّث، أمال رأسه إلى الخلف رويدًا رويدًا، ما أعطاه مظهرًا مُتعاليًا غير عادي.

«لماذا لا تتركُها في يد هيت؟»

«لأنه رجل له باعٌ طويل في القسم. ولديهم أخلاقياتهم الخاصة. ومِن ثَمَّ قد تبدو له طريقتي في التحرِّي إفسادًا بشعًا ينال الواجب. من وجهة نظره، الواجب الواضح هو إلصاق الجُرم بأكبر عدد مُمكن من اللاسُلطويِّين البارزين بناءً على بعض المؤشِّرات الضئيلة التي كان قد جمعها في سياق تحقيقه في مسرح الحادث؛ بينما أنا، على حدِّ قوله، عازم على إثبات براءتهم. إنني أحاول أن أكون واضحًا قدر الإمكان في عرض هذه القضية الغامِضة عليك من دون تفاصيل.»

تمتم السير إثيلريد من علوِّه الشاهق: «سيقول ذلك، هل سيفعل؟»

«أخشى ذلك … بسخط واشمئزاز لا نستطيع أنت ولا أنا أن نتصوَّره. إنه موظَّف ممتاز. ويجب ألَّا نضع قيدًا غير ضروري على إخلاصه. تلك طريقة خاطئة دائمًا. علاوة على ذلك، أريد حريةً مطلقةً؛ أكثر حرية مما قد يكون من المُستحسَن منحُه كبير المفتِّشين هيت. ليس لديَّ أدنى نية في أن أرحم هذا الرجل المدعو فيرلوك. أظن أنه سيندهش غاية الاندهاش عندما يجد أن صلته بهذه القضية، مهما كانت تلك الصلة، قد اتضحت لنا بهذه السرعة. لن يكون تخويفه صعبًا جدًّا. ولكن هدفنا الحقيقي يكمن وراءه في مكان ما. أحتاج إلى سلطتك لمنحه ضمانات بسلامته الشخصية حسبما أرى مُناسبًا.»

قال الشخص العظيم الواقف على بساط المدفأة: «بالتأكيد. توصل إلى أكبر قدر يُمكنك التوصُّل إليه من المعلومات؛ توصل إليها بطريقتك الخاصة.»

قال المفوض المساعد: «يجب أن أبدأ فورًا دون إضاعة للوقت، هذا المساء.»

نقل السير إثيلريد إحدى يدَيه تحت ذيل معطفِه، وأمال رأسه إلى الخلف، ناظرًا إليه بثبات.

قال: «ستكون لنا جلسة في وقتٍ متأخِّر الليلة.» «تعالَ إلى دار المجلس التشريعي بما اكتشفته إذا لم نكن قد عُدنا إلى منازلنا بعد. سآمر تودلز أن ينتظر قدومك. سيأتي بك إلى غرفتي.»

كانت العائلة الكبيرة والعلاقات الواسعة التي يتمتَّع بها السكرتير الخاص الشاب قد جعلته يتعلَّق بالأمل في أن يصل إلى مرتبة جليَّة وسامية. وفي الوقت نفسه، اختار المحيط الاجتماعي الذي كان هو زينته في ساعات فراغِه أن يُلاطفه باسم التدليل المذكور آنفًا. وكان السير إثيلريد، الذي كان يَسمعه كل يوم (غالبًا وقت الإفطار) على شفاه زوجته وبناته، قد أضفى عليه مهابة أن يُناديه به بجدية.

كان المفوض المساعد مُتفاجئًا وممتنًّا للغاية.

«سأحضر بالتأكيد المعلومات التي سأتوصَّل إليها إلى دار المجلس التشريعي إذا كان لديك الوقت كي …»

قاطعه الشخص العظيم: «لن يكون لديَّ الوقت. ولكنِّي سألقاك. ليس لديَّ وقت الآن … وأنت هل ستَذهب بنفسك؟»

«نعم يا سير إثيلريد. أظن أنها الطريقة الأفضل.»

أمال الشخص العظيم رأسه إلى الخلف أكثر، كي يُبقي المفوض المساعد تحت ناظرَيه، حتى كاد يغلق عينيه.

«هممم، أها! وكيف تَقترح أن … هل ستَتنكِر؟»

«ليس تنكرًا بالمعنى الدقيق! سأُغيِّر ملابسي بالطبع.»

كرر الرجل صاحب المقام الرفيع، بنوع من التعالي المتسم بشرود الذهن: «بالطبع.» أدار رأسه الكبير ببطء، ومن فوق كتفه رمق الساعة الرخامية الثقيلة، التي تتحرك عقاربها بدقات مسترقة وخافتة، بنظرة غير مباشرة. كان العقربان المطليان بلون الذهب قد اغتنما الفرصة وسرقا ما لا يقل عن خمس وعشرين دقيقة دون أن يلاحظ.

ازداد قليلًا توتر المفوض المساعد، الذي لم يستطع أن يراهما في تلك الفترة القصيرة. ولكن الرجل المهم توجه إليه بوجه هادئ وثابت الجأش.

قال: «جيد جدًّا»، ثم توقف، وكأنه يتعمد ازدراء الساعة الرسمية. «ولكن ما الذي دفعك بدايةً في هذا الاتجاه؟»

بادره المفوض المساعد قائلًا: «لديَّ دائمًا رأيي الخاص.»

«آه. نعم! رأي. بالطبع هو ذا. ولكن ماذا كان الدافع الفوري؟»

«ماذا بوسعي أن أقول، يا سير إثيلريد؟ عداء رجل جديد للأساليب القديمة. رغبة في معرفة شيء مباشَرةً. بعض من نفاد الصبر. إنه عملي القديم، ولكن رُوتين العمل مُختلِف. لقد كان يزعجني قليلًا في مكان أو مكانَين حسَّاسين.»

قال الرجل صاحب المقام الرفيع بلُطف، وهو يمدُّ يده، الناعمة الملمَس، على الرغم من كبر حجمها وقوتها مثل يد مُزارع أصيل: «آمل أن تتدبر أمورك هناك.» صافَحَه المفوض المساعد وانصرف.

في الغرفة الخارجية قابله تودلز، الذي كان ينتظر جالسًا على حافة المكتب، وهو يكبح شعور المرح المتأصل في طبعه.

سأل باهتمام مرح: «ماذا إذن؟ هل أنت راضٍ؟»

أجاب المفوض المساعد: «تمام الرضا. سأظل ممتنًّا لك على الدوام.» بدا وجهه الطويل متجهمًا بالمقارنة مع الآخر الذي كانت الجدية غريبة عليه، إذ بدا دومًا على وشك القهقهة والضحك.

«حسن إذن. ولكن بجدِّية، لا يُمكنك أن تتخيَّل مدى غضبه من الهجمات على مشروعه لتأميم مَصايد الأسماك. إنهم يُطلقون عليه بداية الثورة الاجتماعية. لا شكَّ في أنه إجراء ثوري. ولكن هؤلاء الناس يفتقرون إلى اللياقة. الهجمات الفردية …»

قال المفوض المساعد: «لقد قرأتُ الصحف.»

«مشينة؟ ها؟ وليس لديك فكرة عن كَمِّ العمل الذي عليه أن يُنجزه كل يوم. إنه يُؤدِّيه كله بمفرده. يبدو أنه ليس بوسعِه أن يَثق في أيِّ شخص بشأن هذه المصايد.»

تدخَّل المفوَّض المساعد بقوله: «ومع ذلك، فقد منَحني نصف ساعة كاملة للنقاش حول قضيتي الصغيرة.»

«صغيرة! أهي كذلك؟ أنا سعيد لسَماعي ذلك. ولكن من المُؤسِف إذن أنك لم تنأَ به عنها. هذا الصراع يأخذ قدرًا كبيرًا للغاية من طاقته. بدأ الرجل يشعر بالإنهاك. أشعر بذلك عندما يتَّكئ على ذراعي في أثناء سيرنا. ولكن، هل يشعر بالأمان في الشوارع؟ أمر مولينز رجاله بالمسير إلى هنا بعد ظهر اليوم. يُوجد شرطي يقف عند كل عمود إنارة، وكل شخص نَلتقي به بين تلك البقعة وبالاس يارد هو «محقق» بلا شك. سيُؤثِّر الأمر على أعصابه عما قريب. أودُّ أن أقول، من المُستبعَد أن يُلقيَ هؤلاء الأنذال الأجانب شيئًا عليه، هل يُمكن ذلك؟ ستكون كارثة وطنية. لا يمكن للدولة أن تستغنيَ عنه.»

اقترح المفوض المساعد بجدِّية: «ولا عنك. إنه يتَّكئ على ذراعك. ستموتان معًا.»

«أليست طريقة سهلة لشابٍّ حتى يُخلِّده التاريخ؟ لم يتعرض كثير من الوزراء البريطانيِّين للاغتيال لدرجة تجعلها حادثة بسيطة. ولكن جديًّا الآن …»

«يؤسفني القول إنه إن كنتَ تُريد أن يخلد اسمك في التاريخ، فسيكون عليك تحقيق إنجازٍ ما. في الحقيقة، لا يوجد أي خطر على كليكما سوى الإرهاق.»

احتفى تودلز المُتعاطِف بهذا المنفَذ بضحكة مكتومة.

قال بمزاح عفوي: «مصايد الأسماك لن تَقتُلني. أنا معتاد على العمل حتى وقتٍ مُتأخِّر.» ولكن لما شعر بندم فوري، بدأ يَتظاهر بمظهر رجل الدولة المُتقلِّب المزاج، وكأنَّما يرتدي قفازًا. «سوف يستوعب ذكاؤه المتَّقد أي قدر من العمل. لا أخشى سوى انفلات أعصابه. فتلك العصابة ذات الفِكر الرجعي، وعلى رأسها المدعو تشيزمان البذيء والهمجي ذاك، تُهينه كل ليلة.»

تمتم المفوض المساعد: «إذا كان سيُصرُّ على تفجير ثورة!»

استشاط تودلز الثوري غضبًا أمام نظرة المفوض المساعد الهادئة والتأمُّلية، واحتجَّ قائلًا: «لقد حان الوقت، وإنه الرجل الوحيد العظيم بما يَكفي لهذا العمل.» في مكانٍ ما على مسافة بعيدة في الردهة دقَّ جرسٌ باستعجال، وبيَقَظة مُتفانية أصغى الشابُّ بانتباه إلى الصوت. صاح همسًا: «إنه مُستعدٌّ للذهاب الآن.» واختطَفَ قُبَّعته، واختفى من الغرفة.

خرج المفوض المساعد من بابٍ آخر بطريقة أقل مرونة. عبر الطريق العريض مرةً أخرى، ومشى في الشارع الضيق، وعاود الدخول إلى مبنى إدارتِه مُسرعًا. ظلَّ يَمشي بهذه الخُطى الحثيثة حتى وصل إلى باب غرفتِه الخاصة. وقبل أن يُغلق الباب خلفه، وقعت عيناه على مكتبِه. تصلَّب في مكانه للحظة، ثم سار إليه، ونظر إلى الأرضية من حولِه، وجلس على كرسيِّه، ورنَّ جرسًا، وانتظر.

«هل غادر كبير المفتشين هيت؟»

«نعم يا سيدي. غادر منذ نصف ساعة.»

أومأ المفوض المساعد برأسه. وقال: «حسنًا.» وبينما كان جالسًا من دون حراك، وقبَّعته مُنحسِرة عن جبهتِه، فكر في أن هذه هي صفاقة هيت اللعينة المعهودة للفوز بهدوء بالدليل المادِّي الوحيد. لكنه فكر في هذا من دون عدائية. سيَسمح الموظَّفون الكبار وذَوُو القامات لأنفسهم بذلك. إن قطعة قماش المِعطَف المخيط عليها العنوان لم تكن بالتأكيد شيئًا يمكن تركه. بعد أن طرد من عقله هذا المظهر من مظاهر عدم الثقة من جانب كبير المفتشين هيت، كتب ملاحظة إلى زوجته وأرسلها إليها، طالبًا منها أن تُبلغ اعتذاره إلى السيدة العظيمة التي ترعى ميكايليس، والتي كانا على موعد عشاء معها في تلك الأمسية.

ارتدى السترة القصيرة والقبَّعة المُستديرة المنخفِضة في تجويف في جدار الغرفة تغطيه ستارة، ويحتوي على حوض لغسل الأيدي وصفٍّ من المشاجب الخشبية ورف، مما أظهر على نحوٍ عجيب طول وجهِه الأسمر المتجهِّم. عاد إلى الغرفة ذات الإضاءة الكاملة وهو يبدو مثل صورة دون كيخوتي الهادئ المتأمِّل ذي العينَين الغائرتَين السوداوَين المُتحمِّستَين والأسلوب الحريص. غادر مسرح عمله اليومي بسرعة وكأنه طيف خفي. كان نزوله إلى الشارع يُشبه النزول إلى حوض سمك لَزِج فرغ منه الماء. أحاطت به رطوبة مُوحشة ضبابية. كانت جدران المنازل مُبتلَّة، والطين يلمع في الطريق المُعَبَّد مثل الفوسفور، ولما خرج إلى شارع ستراند من شارع ضيق بجانب محطة تشيرينج كروس، اندمج في عبقرية المكان. ربما لم يكن سوى شخص أجنبي غريب آخر من الأشخاص الذين يُمكن رؤيتُهم في إحدى الأمسيات يَحُومون هناك حول الزوايا المُظلمة.

وصل إلى حافة الرصيف ووقف منتظرًا. كانت عيناه المُتمرستان قد تبيَّنتا وسط الحركات المربكة للأضواء والظلال المتدفِّقة في الطريق حنطورًا يتقدَّم ببطء مُقتربًا. لم يُشِر إلى سائق الحُنطور؛ ولكن عندما وصلت الدرجة المنزلقة بطول الرصيف إلى قدمِه، ركب في العربة بمهارة أمام العجلة الكبيرة الآخِذة في الدَّوَران، وتحدث مُفصحًا عن وجهتِه من خلال نافِذة صغيرة تُشبه بابًا خفيًّا قبل أن يُدرك الرجل الذي يَنظر أمامه بثباتٍ على كرسيِّه أن راكبًا بأُجرة قد صعد إلى حنطوره.

لم تكن رحلة طويلة. انتهَت بإشارة مُفاجئة، في مكانٍ غير مُحدَّد، بين عمودَي إنارة أمام مبنى كبير للأقمشة، صف طويل من المحلات كانت أبوابها مُغطاة بالفعل بألواح من الصاج المتعرِّج طوال الليل. عندما دفَعَ عُملة معدنيَّة من النافِذة الصغيرة، انزلَقَت الأجرة من يدِ السائق، مما خلَّف شعورًا غريبًا وغير مألوف في ذهنِه. لكن حجم العُملة المعدنية كان مُرضيًا عندما لمَسَها، وإذ لم يكن يعرف القراءة والكتابة، ظلَّ مُطمئنًّا، لا يُكدِّره الخوف من أن يجد أنها تحوَّلت إلى ورقة عديمة القيمة في جيبِه. ولأنه لم يكن له علاقة بقضية الأجور بسبب طبيعة عملِه، لم يُفكِّر كثيرًا في انعكاساتها. تكشَّفت فلسفته لما شدَّ بحدةٍ لجامَ حصانه ليُحوِّل اتجاهَه.

في تلك الأثناء، كان المفوض المساعد يُبلِّغ طلبه لنادل في مطعمٍ إيطالي صغير عند الناصية، أحد تلك الفِخاخ المنصوبة للجياع، مكان طويل وضيق، يَصطاد زبائنه بمنظر المرايا والشراشف البيضاء؛ ليس فيه فُسحَة، ولكن له جوه الخاص، جو من فنِّ الطبخ القائم على الغش الذي يستهزئ بالجنس البشري الذليل في أشد احتياجاته البائسة إلحاحًا. في هذا الجوِّ غير الأخلاقي، فكَّر المفوض المساعد في مُغامرته، وبدا له أنه يَفقد المزيد من هُويتِه. تملَّكَه شعورٌ بالوحدة، وبحرية آثِمة. ولكنه كان شعورًا مُمتعًا إلى حدٍّ ما. بعدما دفع ثمن وجبته الصغيرة، ووقَفَ مُنتظرًا الباقي، رأى نفسه في لَوح من الزجاج، وأذهله مظهرُه الغريب. تأمَّل صورته بنظرة حزينة وفضولية، ثمَّ بإلهامٍ مُفاجئ رفع ياقة سُترته. بدا له هذا التعديل جديرًا بالثناء، وأكمله بفتل طرفَي شاربه الأسود إلى الأعلى. سُر بهذا التعديل المُتقَن في مظهره الشخصي الذي أحدثته هذه التغييرات الصغيرة. قال مفكرًا: «هذا سيُؤدي الغرض جدًّا.» «سأبتلُّ قليلًا، بعض الماء …»

أدرك وجود النادل عند مرفقه ووجود كومة صغيرة من العملات المعدنية على حافة الطاولة أمامه. راقب النادل النقود بعين، أما عينُه الأخرى فتتبَّعت فتاة طويلة، ليست شابة جدًّا، من ظهرها، وهي تمرُّ وصولًا إلى طاولة بعيدة في مكانٍ بعيد عن الأنظار ومُنعزل تمامًا. بدَت زبونة مُعتادة.

في طريق خروجه، لاحظ المفوض المساعِد بينه وبين نفسه أن مُرتادي المكان قد فقدوا في اعتيادهم على تلك الأكلات المغشوشة كل خصائصهم الوطنية والخاصة. وكان هذا غريبًا؛ لأن المطعم الإيطالي هو مؤسَّسة بريطانية بطريقة غريبة. لكن هؤلاء الأشخاص تجرَّدوا من جنسيتِهم مثل الأطباق الموضوعة أمامهم بحالة من الاحترام الذي لم يكن يَحمل طابعًا معيَّنًا. كذلك بطريقة ما لم تَحمل شخصياتهم أيَّ طابع مُعيَّن، سواء كان مهنيًّا أو اجتماعيًّا أو عرقيًّا. بدا الأمر وكأنهم خُلِقوا من أجل المطعم الإيطالي، هذا إن لم يكن المطعم الإيطالي قد أُنشئ من أجلهم بالصدفة. لكن هذه الفرضية الأخيرة كانت مُستبعَدة؛ لأنه لا يُمكن للمرء أن يضعهم في أيِّ مكانٍ خارج تلك المؤسسات الخاصة. فلم يكن المرء يَلتقي بهؤلاء الأشخاص الغامضين في أي مكانٍ آخر. استحال عليه أن يُكوِّن فكرة دقيقة عن أعمالهم التي يَمتهنونها نهارًا وعن الأماكن التي يَأوون إليها ليلًا. وكان هو نفسه قد أصبح في موضع غير موضعِه. ما كان لأحد أن يُخمِّن مهنتَه. وفيما يتعلق بذهابه إلى النوم، كان ثمة شك حتى في عقله هو. ليس فيما يخصُّ مكان إقامته نفسه بالتأكيد، ولكن كان الأمر يتعلَّق إلى حدٍّ كبير بالوقت الذي سيعود فيه إلى هناك. استحوذ عليه شعور ممتع بالاستقلالية عندما سمع صوت الأبواب الزجاجية وهي تتأرجح خلف ظهره بنوع من الجلجلة المختلَّة المُرتبِكة. تقدم في الحال إلى كتلة ضخمة من الطين الموحل والجص الرطب المرصَّع بالمصابيح، والمُغلَّف بسواد ليلِ لندن الرطب الذي تغمره قطرات الماء.

لم يكن شارع بريت ببعيد جدًّا. كان يتفرع ويضيق من جانب فسحة مفتوحة مثلَّثة الشكل محاطة بمنازل مظلمة وغامضة، ومنشآت تجارية صغيرة يهجرها أصحابها في الليل. لم يكن يوجد سوى متجَر فاكهة على الناصية، يصدر وهجًا ساطعًا من الضوء والألوان. وراءه كانت العتمة مخيِّمة، ويخلو الشارع إلا من قلة من الناس اختفوا بعد خطوة لما تجاوزوا أكوام البرتقال والليمون التي يسطع عليها الضوء. لم يكن ثمة صدًى لوقع أقدام. لن يُسمَع صوتها مجدَّدًا. باهتمام، ومن بعيد، راقب رئيس إدارة الجرائم الخاصة المغامر هؤلاء المارة وهم يَختفُون. شعر بفرح، وكأنه تعرض لكمينٍ وحيدًا تمامًا في غابة على بُعد آلاف الأميال من المكاتب الإدارية والمحبرات الرسمية. يبدو أن هذا الفرح وتشتُّت الأفكار قبل مهمَّة على قدر من الأهمية يُثبت أن هذا العالم في نهاية الأمر ليس شأنًا ذا بال. إذ لم تكن التركيبة النفسية للمفوض المساعد تميل إلى التهور.

ظهر شرطي الدورية وهو يمرُّ بجدية وحيوية أمام أكوام البرتقال والليمون البراقة، ودخل شارع بريت دون إسراع. ظل المفوض المساعد مُتواريًا عن الأنظار، يترقَّب عودته، وكأنه فرد من الفئة الإجرامية. ولكن بدا أن هذا الشرطي قد انضمَّ إلى قوة الشرطة التابع لها ولن يعود أبدًا. لم يَعُد مُطلَقًا؛ لا بد أنه خرج إلى الطرف الآخر في شارع بريت.

بعد أن توصَّل المفوض المساعد إلى هذا الاستنتاج، دخل بدورِه إلى الشارع، ووجد عربة كبيرة لنقل البضائع تجرها خيول مُتوقِّفة أمام النوافذ الزجاجية المضيئة بإضاءة خافتة لمطعم رخيص يقدم الطعام لأصحاب العربات التي تجرها الخيول. كان الرجل يُجدِّد نشاطه بالداخل، وكانت الخُيول خافضة رءوسها الكبيرة إلى الأرض، وتَتناول غذاءها بثبات من أكياس العلف المثبتة إلى رءوسها. وهناك على الجانب الآخر من الشارع، توهَّم أنه رأى بقعة أخرى من ضوء خافت يَنبعِث من واجهة متجر السيد فيرلوك، المُعلَّقة عليها صحف، وتَمتلِئ بأكوام غير محدَّدة المعالم من صناديق مصنوعة من الورق المقوى وأشكال من الكتب. وقف المفوض المساعد يُراقب واجهة المتجر من الناحية الأخرى للطريق. لا يُمكن أن يكون ثمة خطأ على الإطلاق. إلى جانب النافذة الأمامية، المثقلة بظلال أشياء يتعذر وصفها، سمح الباب الموارب بانبعاث شعاع واضح وضعيف من مصباح غازي بالداخل إلى رصيف الشارع.

خلف المفوض المساعِد، أصبحت العربة والخيول كتلة واحدة، بدت وكأنها شيء حي، وحش أسود مربَّع الظهر يسد نصف الشارع، بأصوات خُطًى مفاجئة لحدوات حديدية، وجلجلة قوية، وأنفاس ثقيلة تنفث الهواء. واجه الوهج الاحتفالي الصاخب المشئوم لحانة كبيرة وعامرة في الطرف الآخر من شارع بريت عبر طريق واسع. بدا أن هذا الحاجز من الأضواء المتوهِّجة، الذي تباين مع الظلال المتجمِّعة حول المسكن المُتواضِع الذي كان يضمُّ سعادة السيد فيرلوك الأُسرية، زاد من غموض الشارع، وجعله أكثر تجهُّمًا وكآبةً وشؤمًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١