الفصل الثامن

بعد إلحاح متواصل من جانب والدة السيدة فيرلوك على العديد من أصحاب الحانات المُرخصين (الذين كانوا يومًا ما معارف زوجها الراحل المنكود) تحوَّل اهتمامهم الفاتر إلى نوعٍ من الحماس، وضمنت أخيرًا قبولها في إحدى دور المسنين التي أسَّسها صاحب حانة ثري لإيواء الأرامل المُعوزات المُنتميات إلى المهنة.

كانت المرأة العجوز قد سعت بسرِّية وتصميم إلى هذه الغاية التي تراءت لها بفِطنة نابعة من قلبها المهموم. كان ذلك عندما لم تَستطع ابنتها ويني أن تمنع نفسها من أن تبدي للسيد فيرلوك ملاحظة عابرة هي أنَّ «أمي أنفقت في الأسبوع الماضي نصف كرونة وخمسة شلنات كل يوم تقريبًا على أجرة عربات الأجرة.» لكنها لم تصدر هذه الملاحظة عن كره أو ضيق من أمها. كانت ويني تحترم شيخوخة والدتها. ولكن كل ما في الأمر أنها اندهشت قليلًا من هذا الهوَس المفاجئ بالرغبة في التنقُّل. أما السيد فيرلوك، الذي كان عظيمًا، فقد تذمَّر بنفاد صبر من الملاحظة لأنها قطعت حبل أفكاره. كانت هذه الأفكار مُتكرِّرة وعميقة وطويلة؛ إذ كانت تتعلَّق بأمر أهم من خمسة شلنات. لا ريب أنها كانت أهم، وبعيدًا عن كل المقارنات، وأصعب، على نحو لا يُقارَن، في تناولها من جميع الجوانب بصفاءِ ذهنٍ فَلسفي.

بعد أن وصلت العجوز القوية إلى غرضها في سرية وذكاء، أفصحت عما في جعبتها للسيدة فيرلوك. شعرت في رُوحها بنشوة النصر وبخَوف في قلبها. ارتجفت من داخلها لأنها شعرت بخشية وإكبار للطبيعة الهادئة والمتحفِّظة التي كانت تتَّسم بها ابنتها ويني، التي كان استياؤها رهيبًا ويتخذ أشكالًا متنوعة من الصمت المخيف. ولكنها لم تسمح لمخاوفها الداخلية أن تسلبها ميزة الهدوء المهيب البادي على مظهرها الخارجي بسبب ذقنها التي تراكمت فيها الدهون وضخامة جثتها وشلَلِ ساقيها.

لم تتوقَّع السيدة فيرلوك الخبر الصادم، مما دفعها إلى قطع الأعمال المنزلية التي كانت عاكفة عليها، ولم تكن هذه عادتها عند مخاطبتها. كانت تَنفض الغبار عن الأثاث في غرفة المعيشة خلف المتجر. وأدارت رأسها باتجاه أمها.

صاحت في ذهول مصدوم: «لأي سبب تُريدين فعل ذلك؟»

لا بد أن الصدمة كانت شديدة لدرجة جعلتْها تَحيد عن ذلك القبول المتحفظ وغير الفضولي للحقائق الذي كان مصدر قوتها ومنجاتها في الحياة.

«ألم يتوفر لك ما يَكفي من سبُل الراحة هنا؟»

كانت قد انغمست في تلك الأسئلة، ولكن في اللحظة التالية حافظت على ثبات سلوكها بأن عادت إلى نفض الغبار، بينما جلست المرأة العجوز مُرتعبة وصامتة مرتديةً قبعتها البيضاء وشعرها المستعار الأسود الباهت.

انتهت ويني من نفض الغبار عن الكرسي، ومرَّرت منفضة الغبار على الأريكة المصنوعة من خشب الماهوجني وشعر الخيل التي يحبُّ السيد فيرلوك أن يرتاح عليها وهو يَرتدي قبَّعته ومعطفه. كانت عازمة على العمل، ولكنها سمحت لنفسها حينئذٍ بأن تطرح سؤالًا آخر.

«كيف استطعتِ بحق الرب أن تَجدي تلك الدار يا أمي؟»

كان مبدأ السيدة فيرلوك هو التجاهل، ولكن لم يكن ثمة ضير من هذا الفضول، بما أنه لن يُؤثِّر في حقيقة الأمور. لم يُصبْها الفضول إلا بشأن الوسائل. رحَّبت المرأة العجوز بالسؤال بلهفة إذ كان يطرح شيئًا يُمكن التحدث عنه بقدر كبير من الصدق.

منحت ابنتها إجابةً مُستفيضة تزخر بالأسماء وثرية بالتعليقات الجانبية عن نوائب الزمان التي ظهرت آثارها في تغيُّر ملامح البشر. كانت الأسماء في المقام الأول عبارة عن أصحاب حانات مرخصين «أصدقاء والدك البائس يا عزيزتي.» أسهبت في الإطراء على لُطفِ واحدٍ من صانعي البيرة الكبار وعلى كرمه، وعلى بارونيت وأحد أعضاء البرلمان، ورئيس مجلس محافظي المؤسسة الخيرية. عبَّرت عن نفسها بتلك الحرارة؛ لأن سكرتيره الخاص سمح لها بموعد لإجراء مقابلة «إنه رجل شديد التهذيب، وكل ملابسه سوداء، وله صوتٌ رقيق وحزين، لكنه رفيع وهادئ جدًّا. كان يبدو وكأنه طَيفٌ يا عزيزتي.»

أطالت ويني عملية نفض الغبار إلى أن انتهت القصة، وخرجت من غرفة المعيشة إلى المطبخ (الذي تَنزل إليه درجتين) بطريقتها المعتادة ومن دون أدنى تعليق.

ذرفت والدة السيدة فيرلوك بعض الدموع علامةً على ابتهاجها للُطف ابنتها في هذه المسألة المروعة، ثم ألمحت إلى ذكائها فيما يتعلق بأثاث المنزل لأنه كان ملكها في الأساس؛ ولكنها كانت تتمنَّى في بعض الأوقات أن لو لم يكن كذلك. إن البطولة أمر حسن جدًّا، ولكن ثمة ظروف ربما يكون عندها التخلُّص من بعض الطاولات والكراسي والأَسرَّة النحاسية، وما إلى ذلك، أمرًا ضخمًا وله عواقب وخيمة وكارثية. طلبت بعض الأثاث لنفسها، لأن المؤسسة الخيرية التي ضمَّتها إلى كنفها الرحيم بعد كثير من الإلحاح لم تكن تُوفِّر للمَشمولين برعايتها سوى أرضية خشبية وجدران مُغطاة بورق رخيص. مرَّت طيبة قلبها، التي قادتها إلى اختيار أقل الأغراض قيمة وأكثرها تداعيًا، دون ملاحَظة من ويني لأنَّ فلسفة الأخيرة كانت تتمثَّل في تجاهل باطن الحقائق؛ وافترضت أن أمها قد أخذت أفضل ما يُناسبها. أما السيد فيرلوك، فقد عزَلَه تأمُّله الشديد عزلًا تامًّا، مثل سور صيني، عن ظواهر هذا العالم المليء بالجهد الذي لا طائل منه وبالمظاهر الوهمية.

بعدما حدَّدت اختياراتها، بات التخلُّص من الباقي مسألة مُحيِّرة بطريقة ما. بالطبع كانت ستتركه في شارع بريت. ولكن كان لديها ولدان. تأمَّنت لويني سبل العيش الكريم بزواجها العقلاني من ذلك الزوج الرائع، السيد فيرلوك. أما ستيفي فكان معدمًا، كما كان غريب الأطوار بعض الشيء. كان لا بدَّ من النظر في موقفه قبل مزاعم عدالة القانون وحتى قبل دعوات الإجحاف. لن تكون حيازة الأثاث إعالة بأي حال من الأحوال. ينبغي لهذا الصبي البائس أن يحصل عليه. ولكن إعطاءه له سيكون بمثابة عبث مع وضعه القائم على التبعية الكاملة. كان استحقاقًا كانت تخشى إضعافه. علاوةً إلى ذلك، قد تتسبَّب مشاعر السيد فيرلوك في أن تجعله لا يُطيق أن يعترف بالفضل لصهره على الكراسي التي كان يجلس عليها. في تجربتها الطويلة مع المُستأجِرين، كانت والدة السيدة فيرلوك قد كوَّنت فكرة سيئة عن الطبيعة البشرية وأخرجت من رأسها فكرة وجود جانب طيب لها. ماذا لو قرَّر السيد فيرلوك فجأةً أن يأمر ستيفي بأن يأخذ عِصيَّه التي يُحبها ويُخرجها من المكان؟ من ناحية أخرى، فإن التقسيم، مهما أُجري بعناية فقد يُعطي مبررًا للإساءة إلى ويني. كلا، يجب أن يَبقى ستيفي معدمًا ومحتاجًا إلى مَن يعوله. وعندما حانت لحظة مغادرتها لشارع بريت، قالت لابنتها: «لا حاجة إلى الانتظار حتى يحين أجلي، أليس كذلك؟ كل شيء أتركه هنا هو ملك لكِ الآن بالكامل يا عزيزتي.»

استمرت ويني، وهي واقفة صامتةً خلف أمها، وقبَّعتها فوق رأسها، في ترتيب طوق عباءة المرأة العجوز. حملت حقيبة يدها ومظلَّة بوجهٍ خالٍ من التعبير. كان الوقت قد حان لإنفاق مبلغ قدره ثلاثة شلنات وستة بنسات على ما قد يُفترَض أن يكون آخر سيارة أجرة تستقلُّها والدة السيدة فيرلوك في حياتها. وخرجُوا إلى باب المتجر.

كان من شأن العربة التي تنتظرهم أن تكون تعبيرًا عن المثَل القائل: «قد تكون الحقيقة أقسى من الرسوم الساخرة» لو كان يُوجد مَثَلٌ كهذا. زحفت عربة مُتهالكة يجرُّها حصان ضعيف على عجلات مترنِّحة وجلس على المقصورة سائق مشوَّه الخِلقة. تسبَّبت هذه الصفة الأخيرة في بعض الإحراج. لما وقعت عين والدة السيدة فيرلوك على الخطاف الحديدي المعقوف البارز من كُمِّ المِعطَف الذي يَرتديه الرجل، فقدت فجأة شَجاعتها البطولية في تلك الأيام. لم تستطع حقًّا أن تثق في نفسها. قالت، مترددةً في المضي قدمًا: «ما رأيك يا ويني؟» بدت الاعتراضات الانفعالية لسائق العربة ذي الوجه الكبير وكأنها تخرج عنوة من حلق مسدود. انحنى من المقصورة التي يجلس عليها، وهمس بسخط مُستتِر. ما المسألة الآن؟ هل يمكن معاملة رجل بتلك الطريقة؟ احمرَّ وجهُه الكبير الوسخ من شدة الغضب وعربته متوقفة في الحيز الموحل من الشارع. واستفسر باستماتة، هل يُمكن أن يمنحوه رخصة، إذا …

أسكتَه شرطي الدرك بنظرة ودية؛ ثم مُوجهًا حديثه إلى السيدتين من دون احترام ملحوظ، قال:

«إنه يسوق عربة أجرة منذ عشرين عامًا. ولم أعرف عنه أنه تسبَّب في حادث قط.»

صاح السائق بنبرة هامسة مُحتقِرة: «حادث!»

حسمت شهادة الشرطي الأمر. وتفرَّق التجمُّع الصغير المكون من سبعة أشخاص، كان معظمهم من الأطفال. تبعت ويني والدتها إلى العربة. صعد ستيفي وجلس على المقصورة. كان فمه المفتوح وعيناه الحزينتان يُعبران عن حالة عقله بشأن التعامُلات التي كانت قيد الحدوث. في الشوارع الضيقة، كانت سرعة تقدم الرحلة معقولةً لمن هم داخل واجهات المنازل القريبة التي كانت تمر ببطء وترنُّح، مع اهتزاز وجلجلة عظيمين للزجاج، وكأنه يُوشك على السقوط مع مرور العربة؛ وبدا الحصان الضعيف، بعدَّة جرِّه الموضوعة فوق عموده الفقري البارز مُصطفقة بغير إحكام حول فخذَيه، وكأنه يتراقص مُتبخترًا على حوافره بصبرٍ متناهٍ. لاحقًا، في النطاق الأوسع من طريق وايتهول، أصبحت جميع الشواهد البصرية على الحركة غير محسوسة. استمر اهتزاز الزجاج وجلجلته بلا توقف أمام مبنى وزارة الخزانة الطويل، وبدا أن الوقت نفسه قد توقف.

أخيرًا، قالت ويني: «هذا ليس حصانًا جيدًا جدًّا.»

لمعت عيناها، اللتان كانتا تحدقان إلى الأمام بثبات، في ظلمة العربة. وعلى المقصورة، أغلق ستيفي فمه الفاغر أولًا، من أجل أن يَصيح بجدية: «لا تفعل.»

لم ينتبه له السائق، وهو يرفع عاليًا اللجام الملفوف حول الخُطاف. ربما لم يسمعه. ارتفعت أنفاس ستيفي.

«لا تَضربه بالسوط.»

أدار الرجل ببطء وجهه المنتفخ والمتبلِّد المُتعدِّد الألوان الذي يعج بشعيرات بيضاء خشنة. التمعت عيناه الصغيرتان الحمراوان بالرطوبة. اصطبغت شفتاه الكبيرتان بصبغة أرجوانية. ظلَّتا مُطبقتَين. وبظهر يده القذرة الممسكة بالسوط حكَّ الشعر النابت على ذقنه الضخم.

قال ستيفي بعنف متلعثمًا: «يجب ألَّا تَضربه. هذا يُؤلمه.»

همس الآخر مُتشكِّكًا بتفكر: «يجب ألا أضربه بالسوط»، وعلى الفور ضرب الحصان بالسوط. فعل هذا، ليس بسبب قسوة في روحه أو شرٍّ في قلبه، وإنما لأنه كان عليه أن يَجنيَ أجرته. ولفترة من الوقت، أطلَّت جدران كنيسة سانت ستيفن، ذات الأبراج والقباب، في جمود وسكون عربة تَمضي مُحدثةً قعقعة. ولكنها أيضًا كانت تمضي متمايلة. ولكن على الجسر كان ثمة فوضى. بدأ ستيفي فجأةً في النزول من المقصورة. تعالت أصوات صياح على الرصيف، واندفع أناس يَجرُون إلى الأمام، وأوقف السائق العربة، وهو يهمس بلعنات السخط والذهول. أنزلت ويني النافذة، وأخرجت رأسها، بوجه شاحب كشبح. في داخل العربة، كانت والدتها تصيح بنبرة معاناة: «هل تأذَّى ذلك الصبي؟ هل تأذى ذلك الصبي؟»

لم يتأذَّ ستيفي، ولم يسقط حتى، ولكن الانفعال المعتاد كان قد سلبه القدرة على الكلام المترابط. لم يستطع فعل شيء إلا الحديث بتلعثم عند النافذة: «ثقيل للغاية. ثقيل للغاية.» وضعت ويني يدها على كتفه.

«ستيفي! اصعد إلى المقصورة مباشرةً، ولا تُحاول النزول مرة أخرى.»

«كلا. كلا. سأمشي. لا بدَّ أن أمشي.»

لما حاول أن يذكر طبيعة تلك الضرورة، تلعثَمَ بكلامٍ غير مترابط. لم يكن لديه عجز جسدي يحول دون نزوته المفاجئة. كان يمكن لستيفي بسهولة أن يواكب خطوات الحصان الضعيف المترنِّح من دون أن تنقطع أنفاسه. ولكن أخته أبت بحسم أن تُبدي موافقتها. «الفكرة! من سمع بشيء كهذا! تجري خلف العربة!» قبَعَت أمها، خائفة من غير حول منها ولا قوة، في داخل العربة، وتوسلت قائلة: «أوه، لا تدعيه يذهب يا ويني. سيتوه. لا تدعيه يذهب.»

«بالتأكيد لن أدعه. ماذا بعد! سوف يَأسف السيد فيرلوك لو سمع بهذا الهراء يا ستيفي … أنا واثقة من ذلك. لن يكون سعيدًا إطلاقًا.»

أثَّرت فكرة أسف السيد فيرلوك وحزنه بقوة كالمعتاد على مسلك ستيفي سهل الانقياد بالأساس، وجعلته يتخلَّى عن كل مُقاومة وعاود الصعود إلى المقصورة واليأس يعتلي وجهه.

استدار إليه سائق العربة بوجهه الضخم المُستشيط غضبًا بنظرة عدوانية. وقال: «لا تُقْدِم على تجربة هذه اللعبة السخيفة مرةً أخرى، أيها الشاب.»

بعدما أفصح عما بنفسه هكذا بهمسٍ عابس، مجهدًا إلى حد الخمود، تابع المضي بالعربة غارقًا في التفكير بجدية. في عقله، ظلت الحادثة غامضة بعض الشيء. لكن عقله، على الرغم من أنه كان قد فقد حيويته الفطرية في سنوات خدر الجلوس الطويل مُتعرضًا لتقلبات الطقس، لم يكن يفتقر إلى الاستقلالية أو الرجاحة. نبذ بشدة فرضية أن يكون ستيفي شابًّا مخمورًا.

في داخل العربة كان الصمت المخيم، الذي عانت خلاله المرأتان الجالستان جنبًا إلى جنب من الارتجاج والصخب والجلجلة التي كانت تُحدثها العربة، قد قُطِع باهتياج ستيفي. رفعت ويني صوتها.

«لقد فعلتِ ما أردتِ يا أمي. لا تلومي إلا نفسكِ إن شعرتِ بعدم السعادة بعد ذلك. ولا أظن أنكِ ستكونين سعيدة. لا أظن ذلك. ألم تكوني مُرتاحة معنا في المنزل؟ أيًّا كان ما سيظنه الناس بنا، أترمين نفسك هكذا في مؤسسة خيرية؟»

صاحت المرأة العجوز بجدية وعَلا صوتها فوق صوت الضوضاء: «يا بنيتي، كنتِ أبر البنات بي. أما السيد فيرلوك … فلا يوجد …»

لم تسعفها الكلمات لما أتت على ذكر فضائل السيد فيرلوك، فرفعت عينَيها الهرمتَين الدامعتين إلى سقف العربة. ثم حولت رأسها بحجة النظر من النافذة، وكأنما تُريد أن تستنتج مدى تقدم العربة بهم. كان تقدُّمها طفيفًا، وتابعت مسيرها بالقرب من الرصيف. كان غسق الليل، ليل جنوب لندن القذر، والمشئوم، والصاخب، والقانط، والقاسي قد حلَّ عليها في آخر رحلة لها بعربة أجرة. في ضوء مصابيح الغاز للمتاجر ذات الواجهات المنخفضة، توهجت وجنتاها بمسحة من لون برتقالي تحت قلنسوتها ذات اللونين الأسود والبنفسجي.

كان لون بشرة والدة السيدة فيرلوك قد اصفر بسبب أثر التقدم في العمر ومن قابليتها الطبيعية للإصابة بالصفراء، وساعد على ذلك تجارب حياة صعبة وقلقة، في البداية كزوجة، ثم أرملة. كانت بشرتها من النوع الذي تعلوه مسحة من لون برتقالي حينما تتورَّد وجنتاها خجلًا. وكان وجه هذه المرأة، المتواضِعة حقًّا ولكنها صلبة أمام لهيب الشدائد، قد توردت وجنتاه أمام ابنتها، في عُمرٍ لا تُتَوَقَّع فيه حمرة الخجل. في عُزلة عربة ذات عجلات أربع، وفي طريقها إلى دارٍ خيري (واحد من صفٍّ من الأبنية) ربما يكون، بصغر مساحته وبساطة تجهيزاته، قد صُمِّمَ بلطف كي يكون مكانًا من أجل التدريب على أوضاع القبر الأكثر ضيقًا، اضطرت إلى أن تخفي عن ابنتها تورد وجنتيها ندمًا وخجلًا.

ما الذي سيظنُّه الناس؟ كانت تعرف جيدًا جدًّا ما يظنون، الناس الذين كانت ويني تقصدهم؛ أصدقاء زوجها القدامى، وآخرين غيرهم، الذين كانت قد استجدَّت اهتمامهم بنجاح باهر. لم تكن تعرف من قبل كم هي جيدة كمُتسولة. لكنها أحسنت تخمين الاستنتاج الذي استوحي من طلبها. بناءً على تلك الحساسية الآخِذة في التقلص، التي كانت موجودة جنبًا إلى جنب مع وحشية عدوانية في الطبيعة الذكورية، لم يُتمادَ كثيرًا في الاستفسارات حول ظروفها. كانت قد كبحتها بضغط ظاهر على شفتَيها وإظهار لبعض الانفعال عاقدة العزم على الصمت البليغ. ومن شأن الرجال أن يصبحوا فجأة غير فضوليين تبعًا للأسلوب المتبع في جنسهم. هنأت نفسها أكثر من مرة على عدم تعامُلها في هذا الأمر مع النساء، اللواتي من طبيعتهن أنهنَّ أكثر قسوةً وشغفًا بالتفاصيل، وكنَّ سيَحرصن على أن يطلبن منها أن يعرفن بدقة أي نوع من السلوك غير الطيب من قِبَل ابنتها وزوج ابنتها دفعها إلى تلك النهاية الحزينة. لم يحدث ذلك إلا أمام سكرتير صاحب مصنع البيرة الكبير وعضو البرلمان ورئيس المؤسسة الخيرية، الذي شعر، وهو يُؤدي دور مديره، بأنه يتعين عليه أن يكون فضوليًّا حسبما يُمليه ضميره حيال الظروف الحقيقية لمقدمة الطلب، فانهمرت دموعها بالنحيب على الفور وبصوت عالٍ وكأنها امرأة في موقف حرج. بعدما أخذ الرجل الرفيع المهذَّب يتأملها بشيء من «الارتباك الشديد»، تخلَّى عن موقفه تحت ستار عبارات مُهدئة. يجب ألا تشعر بالكرب. لم تنصَّ وثيقة المؤسسة الخيرية على «الأرامل من دون أطفال» مُطلقًا. في الواقع، لم تَستبعِدها بأيِّ شكلٍ من الأشكال. ولكن السلطة التقديرية للجنة لا بدَّ أن تكون مُستنيرة. يُمكن للمرء أن يفهم جيدًا عدم رغبتها في أن تكون عبئًا على أحد، وما إلى ذلك. عندئذٍ، ذرفت والدة السيدة فيرلوك مزيدًا من الدموع بقوة أكبر، مما أصابه بخيبة أمل شديدة.

كانت دموع تلك الأنثى الضخمة، التي كانت تضع شعرًا مُستعارًا أسودَ مُغبرًّا وترتدي فستانًا حريريًّا قديمًا مزينًا بدانتيل قطني ذي لون أبيض متَّسخ، تنمُّ عن كرب حقيقي. لقد بكت لأنها كانت امرأة شجاعة ومنعدمة الضمير ومُفعَمة بالحب لولديها. كثيرًا ما يُضحَّى بالفتيات من أجل رفاهية الأولاد. في هذه الحالة، كانت تُضحِّي بويني. وبطمس الحقيقة، كانت تفتري عليها. بالطبع، كانت ويني مُستقلة ولم تكن بحاجة لأن تهتم بآراء أناس لن تراهم ولن يروها أبدًا؛ في حين أن ستيفي البائس لم يكن يملك من حطام الدنيا سوى شجاعة والدته وانعدام ضميرها.

تلاشى بمرور الوقت الشعور الأول بالأمان الذي أعقب زواج ويني (فلا شيء يدوم)، وفي عزلة والدة السيدة فيرلوك في غرفة النوم الخلفية، تذكرت ما تعلمته من انطباعات تلك التجربة التي يفرضها العالم على امرأة أرملة. لكنها تذكرتْه من دون مرارة لا جدوى منها؛ إذ كان ما لديها من استسلام يوازي تقريبًا ما كانت تملكه من كرامة. تدبَّرت بصبر أن كل شيء في هذا العالم يضمحلُّ، ويتلاشى؛ وأن طريق الإحسان ينبغي أن يُمَهَّد لمن لديهم النية الحسنة؛ وأن ابنتها ويني كانت أختًا مخلصة جدًّا وزوجة واثقة من نفسها حقًّا. فيما يتعلَّق بتفاني ويني باعتبارها شقيقة، ذبل فتورها. استثنت ذلك الشعور من قاعدة الاضمحلال التي تؤثر على كل ما هو بشري وبعض الأشياء الإلهية. لم تستطع ألا تفعل، وكان عدم فعلها ذلك سيُخيفها إلى أقصى حد. ولكن بالنظر إلى ظروف زواج ابنتها، نبذت كل الأوهام المُغرية نبذًا قاطعًا. تبنَّت وجهة نظر بعيدة عن المشاعر وعقلانية مَفادها أنه كلما قلَّ الضغط على لطف السيد فيرلوك، كان من المرجَّح أن يمتد أثره لفترة أطول. أحب هذا الرجل العظيم زوجته، بالطبع، ولكنه، بلا شك كان من شأنه أن يُفضِّل أن يُبقي أقل عدد ممكن من أقربائها بما كان يتسق مع الإظهار المناسب لتلك المشاعر. سيكون من الأفضل لو ركز كل تأثير تلك المشاعر على ستيفي البائس. وصمَّمت المرأة العجوز الجسور على الابتعاد عن ولدَيها مُعتبرةً ذلك عملًا من أعمال التفاني وخطوةً نابعة من تخطيطٍ عميق.

تمثَّلت «فضيلة» هذا التخطيط (كانت والدة السيدة فيرلوك بارعةً في طريقتها)، في أن هذه الخطوة سوف تُعزِّز ذريعة ستيفي الأخلاقية. لم يكن الصبيُّ البائس — الطيب والمُفيد، حتى لو كان غريب الأطوار بعض الشيء — يَمتلك اعتبارًا كافيًا. كان قد استُحْوِذ عليه على يد والدته، بطريقة تُماثل نوعًا ما الطريقة التي استُحوِذ بها على الأثاث في منزل بلجرافيا، كما لو كان ذلك على أساس أنه يَنتمي إليها حصريًّا. سألت نفسها ما الذي سيَحدُث (إذ كانت والدة السيدة فيرلوك خيالية إلى حدٍّ ما) عندما أموت؟ وارتعبت عندما سألت نفسها هذا السؤال. كانت تَرتعب أيضًا عندما تُفكر في أنها لن تَمتلك وسيلة لمعرفة ما حدث لذلك الفتى البائس. ولكن بنقل تبعيتِه إلى أخته، بالرحيل بتلك الطريقة، منحتْه ميزة أن يكون في وضعية تبعية مباشرة. كان ذلك أدق تصديق على جسارة والدة السيدة فيرلوك وانعدام ضميرها. في الحقيقة كان هجرها للمكان ترتيبًا من أجل استقرار ولدها طيلة حياته. قدم آخرون تضحيات مادية من أجل غايات كتلك، وقد فعلت هي الأخرى بتلك الطريقة. كانت الطريقة الوحيدة. إضافة إلى ذلك، ستكون قادرة على أن ترى كيف سارت الأمور. وسواء خيرًا أم شرًّا، فستتجنَّب الشكوك الرهيبة وهي على فراش الموت. ولكن الأمر كان صعبًا، صعبًا، صعبًا للغاية.

كانت العربة تهتز وتُحدِث جلبة؛ في الحقيقة، كانت جلبتها استثنائية تمامًا. بسبب عنف اهتزازها وضخامتها، زال كل إحساس بتقدمها إلى الأمام؛ وكان التأثير هو أن يتعرض المرء للاهتزاز في أداة ثابتة تُشبه أداة من العصور الوسطى للمعاقبة على جريمة ما، أو مثل اختراع حديث للغاية لعلاج كسل في الكبد. كان الأمر مُؤلمًا للغاية؛ وبدا علو صوت والدة السيدة فيرلوك وكأنه عويل من الألم.

«أعرف يا بنيتي أنك ستأتين لزيارتي كلما سنحت لكِ الفرصة. أليس كذلك؟»

ردت ويني باقتضاب وهي تُحملِق أمامها مباشرة: «بالطبع.»

واهتزت العربة أمام متجر مشبع بالبخار والزيوت من لهيب الغاز ورائحة السمك المقلي.

علا نحيب المرأة العجوز مرةً أخرى.

«ويجب يا بنيتي، أن أرى هذا الفتى البائس كل يوم أحد. لن يُمانع في قضاء اليوم مع أمه العجوز …»

صرخت ويني بتبلُّد:

«يمانع! لا أظن ذلك. سيَفتقدُك هذا الفتى البائس كثيرًا. أتمنَّى لو أنك كنتِ فكرتِ في ذلك قليلًا يا أمي.»

لم تفكر في ذلك! ابتلعت المرأة الجسور شيئًا هزليًّا ومُزعجًا وكأنها ابتلعت كرة بلياردو كانت تُحاول أن تخرج من حلقها. جلست ويني صامتة عابسة لفترة من الوقت، في مقدمة العربة، ثم قطعت صمتها، وتحدثت بنبرة غير معتادة منها:

«أتوقع أنني سأُعاني الأمَرَّين معه في البداية، سيكون مُضطربًا إلى درجة …»

«مهما فعل، لا تدعيه يزعج زوجك يا عزيزتي.»

ومِن ثَمَّ تناقشتا نقاشًا مُتقاربًا حول احتمالات وضع جديد. واهتزت العربة. أعربت الوالدة عن بعض الشكوك لديها. هل يُمكن الوثوق في أن يمشي ستيفي كل ذلك الطريق وحده؟ أكدت ويني على أن «شرود ذهنه» بات أقل بكثير الآن. اتفَقَتا على ذلك. لا يمكن إنكار هذا. بات أقل بكثير، نادرًا جدًّا. كانت كل واحدة منهما تُخاطب الأخرى هتافًا في جلجلة العربة بمرح نسبي. ولكن فجأة اندفع قلق الأم من جديد. كان يتعيَّن عليه استقلال حافلتَين بينهما مسافة سير قصيرة على الأقدام. كان هذا أمرًا بالغ الصعوبة! استسلمت المرأة العجوز للحزن والذعر.

حملقت ويني أمامها.

«لا تُزعجي نفسك هكذا يا أمي. بالطبع لا بد أن تريه.»

«كلا يا بُنيتي. سأُحاول ألا أفعل.»

مسحت عينيها المغرورقتَين بالدموع.

«ولكن ليس بوسعك أن تجدي فسحة من الوقت كي تأتيَ معه، وإذا نسيَ نفسه وضلَّ طريقه وتحدث إليه أحد بنبرة حادَّة، فربما ينسى اسمه وعنوانه، وسيظلُّ تائهًا لأيام وأيام …»

اعتصر قلبها ألمًا تصوُّر وجود ستيفي البائس في إصلاحية الأحداث، حتى لو دخلها وقت التحقيقات فقط. لأنها كانت امرأة معتدة بنفسها. زادت حدَّة حملقة ويني وقلقها وتفكيرها.

صاحت: «لا أستطيع الإتيان به إليكِ كل أسبوع بنفسي.» «ولكن لا تَقلقي يا أمي. سأحرص على ألا يضل الطريق لفترة طويلة.»

شعرتا بارتطام غريب؛ طال مشهد أعمدة الطوب أمام نوافذ العربة المهتزة؛ أذهل المرأتين توقفٌ مفاجئٌ للاهتزازات العنيفة والجلجلة الصاخبة. ما الذي حدث؟ جلستا بلا حراك ومذعورتين إلى أن فُتِح الباب، وسمعتا همسًا من صوت خشن ومرهق:

«ها قد وصلنا!»

مجموعة من منازل صغيرة ذات أسقف جملونية، وبكل واحدٍ منها نافذة واحدة صفراء وقاتمة، في الطابق الأرضي، وتُحيط بمساحة مظلمة مفتوحة عشبية مزروعة بالشجيرات، ومفصولة بحاجز عن مزيج الأضواء والظلال في الطريق الواسع، الذي تَدوي فيه جلبة حركة المرور المُملة. كانت العربة قد توقَّفت أمام باب أحد هذه المنازل الصغيرة، منزل من دون ضوء في النافذة الصغيرة بالطابق السُّفلي. خرجت والدة السيدة فيرلوك أولًا، بظهرها، وفي يدها مفتاح. ظلت ويني واقفة على الدرب الحجَري كي تدفع الأجرة لسائق العربة. بعدما ساعد ستيفي في حمل الكثير من الحزم الصغيرة إلى الداخل، خرج ووقف تحت ضوء مصباح غاز يخصُّ المؤسسة الخيرية. نظر سائق العربة إلى القِطَع الفضية، التي بدت صغيرة جدًّا في راحة يده الضخمة والمتَّسخة، والتي كانت ترمز إلى الحصيلة التافهة التي يُجازى بها إنسان، أيامه قصيرة على هذه الأرض المليئة بالشر، على شجاعته وطموحه وكدحه.

كان قد حصل على أجر معقول — أربع قطع من فئة شلن واحد — وتأملها في سكون تام، كما لو كانت تُمثل تعبيرًا باعثًا على الدهشة عن مشكلة عويصة. تطلب الانتقال البطيء لتلك الثروة إلى الجيب الداخلي جهدًا كبيرًا لتَلمس أعماق الملابس البالية. كانت هيئته بدينة ولا تتحلَّى بالمرونة. وقف ستيفي النحيف عابسًا على قارعة الطريق وكتفه مرفوعةً إلى الأعلى قليلًا ويداه مُتوغلتان بعمق داخل الجيوب الجانبيَّة لمعطفِه الدافئ.

بعد أن توقف سائق العربة مؤقتًا عن حركاته المتعمَّدة، لمعت في ذهنه ذكرى ضبابية.

قال هامسًا: «أوه! ها هو أنت أيها الشاب. سوف تعرفه مرةً أخرى، أليس كذلك؟»

كان ستيفي يُحدِّق في الحصان، الذي بدا الجزء الخلفي منه مرتفعًا على نحو غير متَّسق بسبب الهزال. بدا الذيل القصير المتصلِّب وكأنه مخلوق كي تصاغ عليه نكتة قاسية؛ وفي الطرف الآخر، تتدلى الرقبة الرفيعة المسطحة، مثل لوح خشب مُغطًّى بجلد حصان عجوز، إلى الأرض تحت ثقل رأسٍ عظمي ضخم. كانت الأذنان متدليتَين بزوايتين مختلفتين بإهمال؛ وتصاعد البخار من ضلوع ذلك المخلوق الأبكم البائس الذي يعيش على سطح الأرض ومن عموده الفقري في سكون الهواء الرطب.

ضرب سائق العربة صدر ستيفي ضربًا خفيفًا بالخطاف الحديدي البارز من كمٍّ رثٍّ ومُزيَّت.

«انظر أيها الشاب. هل تُريد المكوث خلف هذه المؤخِّرة حتى الساعة الثانية صباحًا، ربما؟»

رمق ستيفي العينين الصغيرتين الشرستَين بجفنين طرفَيهما محمرين بنظرة خالية من التعبير.

أردف الآخر وهو يهمس بحيوية: «ليس أعرجَ. ليس مصابًا بألم في أي مكان من جسمه. ها هو بين يديك. وإذا كنت تودُّ …»

أضفى صوته الخافت المجهد طابعًا من السرية الشديدة على حديثه. ببطء تحولت نظرات ستيفي الخالية من التعبير إلى خوف.

«فلتنظر جيدًا! حتى الساعة الثالثة والرابعة صباحًا. البرد والجوع. البحث عن ركَّاب تَنقلُهم لتنال الأجرة. السكارى.»

انتشرت في وجنتَيه الأرجوانيتين شعرات بيضاء؛ ومثل سايلينوس، المذكور في كتابات فيرجيل، الذي، بينما كان وجهه مُلطخًا بعصير التوت، حَدَّث رعاة صقلية الودعاء عن آلهة الأولمب، تحدث إلى ستيفي عن شئون منزلية وأمور رجال يُعانون مُعاناةً عظيمة وخلودهم أكيد لا محالة.

همس بسخط متبجح: «أنا سائق على عربة أجرة بالليل.» «يتعيَّن أن آخذ أي عربة لعينة يتفضلون بإعطائي إياها في ساحة عربات الأجرة. لديَّ زوجة وأربعة أطفال في المنزل.»

بدا وكأن الطبيعة الفظة لذلك التصريح عن الأبوة قد ألقمت العالم حجرًا. ساد صمت تصاعد أثناءه البخار من فرائص الحصان العجوز، جواد البؤس المُروع، في ضوء مصباح الغاز التابع للمؤسسة الخيرية.

نخر سائق العربة، ثم أردف بنبرته الهامسة غير الواضحة:

«الحياة ليست سهلة في هذا العالم.» ظلَّ وجه ستيفي يرتعش لبعض الوقت، وفي النهاية انفجرت مشاعره بعبارات مختصرة كالعادة.

«سيئ! سيئ!»

لم يُنزل عينَه من ضلوع الحصان، بنظرة خجولة ومكتئبة، وكأنه يخشى من أنه لو نظر حوله فسيبصر الشر الذي يعج به العالم. وأضفت عليه نحافته وشفتاه الورديتان وشحوب بشرته وصفاؤها، مظهر صبي رقيق، على الرغم من ظهور بعض الشعرات الذهبية على وجنتَيه. عبس وجهه خوفًا وكأنه طفل صغير. نظر إليه سائق العربة القصير والسمين بعينيه الصغيرتين الشرستين اللتين كانتا تبدوان وكأنهما تتألَّمان بشدة في سائل شفاف وفاسد.

أصدر صدرُه أزيزًا مسموعًا وهو يتكلم: «شاقة على الخيول، ولكنها أشق على رجال فقراء مثلي.»

تمتم ستيفي: «فقير! فقير!» وهو يدفع يده أعمق إلى داخل جيوبه بتعاطُف مُرتجف. لم يستطع أن يتفوه بكلمة؛ لأن إحساسه بكل الآلام والبؤس، ورغبته في إسعاد الحصان وسائق العربة، كان قد بلغ حد تَوقٍ غريبٍ إلى أن يأخذهما معه إلى الفراش. ولكنه كان يعلم أن هذا مستحيل. لأن ستيفي لم يكن مجنونًا. يمكن القول، إن جاز التعبير، إنه كان تَوقًا رمزيًّا؛ وفي الوقت نفسه كان واضحًا جدًّا، لأنه كان نابعًا من تجربة، والتجربة هي مصدر الحكمة. لهذا عندما كان طفلًا، كان يَنكمِش في زاوية مظلمة، خائفًا وتعيسًا وحزينًا وبائسًا، يحيط بروحه حزن سوداوي، وكانت أخته ويني تأتي إليه، وتحملُه إلى السرير معها، وكأنها تحمله إلى جنة سلام وعزاء. وعلى الرغم من أن ذاكرة ستيفي كان يُمكن أن تنسى الحقائق المجردة، مثل اسمه وعنوانه، إلا أنه كان لديه ذاكرة لا تخونُه فيما يتعلَّق بالأحاسيس. كان العلاج الأمثل له هو أخذه إلى السرير بتعاطف، ولم يكن يَعيب هذا العلاج سوى صعوبة تطبيقه على نطاق واسع. ولما نظر إلى سائق العربة، أدرك حاله على الفور لأنه كان عاقلًا.

واصل سائق العربة استعداداته على مهلٍ كما لو أن ستيفي لم يكن موجودًا. تحرك وكأنه سيصعد على المقصورة، ولكنه بدافع خفي توقف في اللحظة الأخيرة، ربما لمجرَّد الاشمئزاز من قيادة العربة. بدلًا من ذلك اقترب من شريكه في شقائه الذي كان واقفًا بلا حراك، وانحنى ليُمسك اللجام، ثم رفع الرأس الكبير المرهَق حتى وصل إلى مستوى كتفه بجهد من ذراعه الأيمن وكأنه أمر صعب يتطلب قوة.

همس بصوت خافت: «هيا.»

سار بالعربة مبتعدًا، وهو يَعرج. لم يخلُ هذا الرحيل من بعض القسوة؛ إذ كان الحصى المتناثر على الطريق يئنُّ تحت العجلات التي كانت تدور ببطء، وأخذ فخذا الحصان الهزيلتان تتحركان بتأنٍّ زاهد بعيدًا عن الضوء إلى ظلام الساحة المفتوحة المُتاخمة لبعض الأسقف المدبَّبة والنوافذ الخافتة الضوء لملاجئ الفقراء الصغيرة. ظل الحصى يئن من بطء سير العجلات عليه طوال المسيرة. بين مصابيح بوابة المؤسسة الخيرية، عاود الموكب البطيء الظهور تحت الإضاءة للحظة، الرجل القصير السمين يَعرج بهمة، رافعًا رأس الحصان بقبضتِه، والحيوان النحيف يمشي في وقار متصلب وبائس، والمقصورة المنخفِضة فوق العجلات تتدحرج تدحرجًا هزليًّا مع شيء من التمايل. انعطفت العربة جهة اليسار. كانت توجد حانة في نهاية الشارع، على بُعد خمسين ياردة من البوابة.

تُرِك ستيفي وحده بجانب عمود الإنارة الخاص بالمؤسسة الخيرية، ويداه مدسوستان بعمق في جيوبه، يحملق بعبوس أبله. في قعر جيوبه قبضتان غاضبتان، ضُمَّت يداه الضعيفتان العاجزتان بشدة في هيئة قبضتين غاضبتَين. في مواجهة أي شيء كان يؤثر تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر في خوفه المرضي من الألم، كان الأمر ينتهي بستيفي إلى أن يصير عدوانيًّا. تعاظم السخط الحانق في صدره الضعيف إلى حد الانفجار، وجعله يُغضي عينَيه المفتوحتين. لم يكن ستيفي حكيمًا للغاية في إدراك ضعفه، ولم يكن حكيمًا بما يكفي لكبح جماح عواطفه. اتخذت رقته في محبة الجميع وجهَين لا ينفصم أحدهما عن الآخر، ومتَّصلين مثل وجهَي عملة واحدة. فمعاناة التعاطف المفرط كان يعقبها ألم نابع من غضب بريء لكنه لا يرحم. وإذ كانت هاتان الحالتان تعبران عن ذاتيهما ظاهريًّا بنفس علامات الانفعال الجسدي العقيم، كانت أخته ويني تهدئ من روعه من دون أن تستوعب طبيعتها المزدوجة. لم تكن السيدة فيرلوك تُضيِّع أي قدر من هذه الحياة العابرة في البحث عن معلومات جوهرية. هذا نوع من التدبير يتَّسم بجميع مظاهر الحكمة وبعض مزاياها. من الواضح أنه قد يكون من الجيد ألا يعرف المرء أكثر مما ينبغي. ووجهة النظر تلك تتَّفق مع سمة الخمول الجسدي.

في تلك الأمسية التي يمكن أن يقال إن والدة السيدة فيرلوك بمفارقتها لولدَيها فيها للأبد قد فارقت هذه الحياة أيضًا، لم تَستطلِع ويني فيرلوك حالة أخيها النفسية. بالطبع كان الفتى البائس منفعلًا. بعدما طمأنت المرأةَ العجوزَ مجددًا على عتبة الباب بأنها ستعرف كيف تحمي ستيفي من خطر أن يضلَّ طريقه لفترة طويلة في رحلاته للبِر بأمه، أمسكت ذراع أخيها كي يُغادرا. لم يُتمتم ستيفي في نفسه حتى، ولكن بفضل الشعور الخاص بالتفاني الأُخوي الذي نما لديها في طفولتها المبكرة، شعرت أن الفتى كان بالفعل مُنفعلًا جدًّا. عندما تمسكت بذراعه بقوة، متظاهرةً بأنها تتكئ عليها، فكرت في بعض الكلمات التي تناسب الموقف.

«الآن، يا ستيفي، يجب أن تعتني بي جيدًا عند تقاطُعات الشوارع، وأن تصعد إلى الحافلة أولًا، مثل أخ بارٍّ.»

استقبل ستيفي هذه المناشَدة بالحماية النابعة من الرجولة بطاعته المعتادة. أرضى هذا غروره. رفع رأسه ودفع صدره إلى الأمام.

أجاب بتلعثُم مُدغم خشنٍ يجمع بين خجل الطفل وحزم الرجل: «لا تَقلقي يا ويني. يجب ألَّا تقلقي! لا بأس بالحافلة.» تقدم بلا خوف والمرأة ممسكة بذراعه، ولكن شفته السفلية كانت متدلية. ومع ذلك، على رصيف الطريق القذر والواسع، الذي كان افتقاره إلى جميع مرافق الحياة مفضوحًا بسخافة بفعل إسرافٍ جنوني في أضواء مصابيح الغاز، كان التشابه بينهما واضحًا لدرجة أذهلت المارة العابرين في الشارع.

أمام أبواب الحانة على الناصية، حيث بلغ انتشار ضوء مصابيح الغاز ذروة شر متيقن، كانت عربة أجرة بأربع عجلات، واقفة بجانب الرصيف بلا أحد على المقصورة، تبدو وكأنها نُبِذَت على حافة الطريق جراء خراب مُستعصٍ فيها. تعرفت السيدة فيرلوك العربة. كان مظهرها يبعث على الأسى الشديد، ببؤس بشعٍ تامٍّ وغرابة تفاصيل مُروعة، كما لو كانت عربة الموت نفسها، حتى إن السيدة فيرلوك صاحت، بذلك الميل من امرأة لإبداء الشفقة على حصان (عندما لا تكون جالسة خلفه)، بنبرة غير واضحة:

«حيوان بائس!»

توقف ستيفي فجأة، وهز أختَه هزةً ملفتةً للانتباه.

هتف فجأة بتفهم: «بائس! بائس!» «سائق العربة بائس أيضًا. أخبرني بنفسه.»

سيطر عليه التفكير في الجواد الضعيف والوحيد. تدافع وسط الناس بمنكبيه، ولكنه كان حَرُونًا؛ إذ ود لو بقيَ هناك، محاولًا أن يُعبِّر عن وجهة النظر التي تبدَّت حديثًا لعواطفه عن الارتباط الوثيق بين بؤس الإنسان وبؤس الخيل. ولكن الأمر كان في غاية الصعوبة. كان كل ما استطاع أن يُردِّده: «حيوان بائس، أناس بائسون!» لم تبدُ مؤثرةً كفايةً، فتوقف فجأة وهو يتمتم غاضبًا: «عارٌ!» لم يكن ستيفي يُتقن صياغة العبارات، وربما لذلك السبب بعينه كانت أفكاره تفتقر إلى الوضوح والدقة. ولكنه شعر بقدر أكبر من الإحاطة وبعض العمق. اشتملت تلك الكلمة البسيطة على كل ما كان يشعر به من سخط ورعب تجاه نوع من التعاسة قائم على معاناة الآخرين، تجاه ضرب سائق عربة الأجرة البائس للحصان البائس، إن جاز القول، نيابةً عن أطفاله البائسين الذين يعولهم. وكان ستيفي يعرف شعور من يتعرَّض للضرب. كان يعرفه من واقع تجربة. يا له من عالم سيئ! سيئ! سيئ!

لم يكن بوسع السيدة فيرلوك، أخته الوحيدة، والوصية عليه، وحاميته، أن تتظاهر بهذا القدر من التعمُّق في بصيرتها. علاوة على ذلك، لم تكن قد خبرت بلاغة سائق عربة الأجرة. كانت تجهل مدى عمق كلمة «عار». وقالت بهدوء:

«هيا بنا يا ستيفي. لا يُمكنك فعل شيء حيال ذلك.»

مشى ستيفي المطيع؛ ولكنه أضحى يَمشي بلا تفاخر، مُتثاقلًا، ويتمتم بكلمات غير مكتملة، بل حتى بكلمات ربما كانت ستصبح مكتملة لو لم تتركب من أنصاف كلمات لم تكن تنتمي لبعضها. بدا الأمر كما لو أنه كان يحاول أن يجعل كل الكلمات التي يمكنه أن يتذكرها تنسجم مع مشاعره من أجل أن يتوصل إلى فكرة منسجمة نوعًا ما. وفي الحقيقة، توصل إليها في النهاية. فتوقف من أجل أن يلفظها على الفور.

«عالم سيئ للفقراء.»

وفورًا بعد أن عَبَّر عن فكرته تلك، صار يدرك أنه يألف هذا العالم بكل ما فيه من عواقب. عزز هذا الظرف قناعته إلى حد كبير، لكنه أيضًا زاد من سخطه. شعر أنه لا بدَّ من عقاب شخص ما على ذلك، لا بدَّ أن يلقى عقابًا شديدًا. ولأنه لم يكن إنسانًا مُتشكِّكًا، وإنما أخلاقي، فقد كان بطريقة ما خاضعًا لعواطفه النابعة من أخلاقه.

أردف باقتضاب: «وحشية!»

لم يخْفَ على السيدة فيرلوك أنه كان مُنفعلًا انفعالًا شديدًا.

قالت: «لا يُمكن لأحد فعل شيء حيال ذلك. هيا تعالَ. أتلك هي طريقتك في الاعتناء بي؟»

أطاعها ستيفي وعدل وتيرة خطواته. تفاخر بأنه أخ بارٌّ. ذلك ما أملته عليه أخلاقه، التي كانت مكتملة جدًّا. ولكنه تألم من المعلومة التي نقلتها له أخته ويني التي كانت أختًا بارة. لا يمكن لأحد فعل شيء! مشى عابسًا، لكنه ابتهج بعد قليل. مثل بقية البشر، الذين تُحيِّرهم ألغاز الكون، كانت لديه لحظات من المواساة النابعة من الثقة في السلطات المنظمة على الأرض.

اقترح واثقًا: «الشرطة.»

علقت السيدة فيرلوك بسرعة، وهي تسير مُتعجِّلة: «ليس ذلك دور الشرطة.»

استطال وجه ستيفي كثيرًا. انشغل عقله بالتفكير. وكلما فكر بعمق أكثر، ازداد تدلي فكه السفلي.

وتخلى عن مبادرته الفكرية وعلى وجهه خواء قانط.

تمتم مستسلمًا إلا أنه كان مندهشًا: «ليس ذلك دورها؟» «ليس ذلك دورها؟» كان قد صاغ لنفسه مفهومًا مثاليًّا عن شرطة العاصمة باعتبارها مؤسسة خيرية نوعًا ما، معنية بقمع الشر. كانت فكرة حب الخير على وجه الخصوص مرتبطةً لديه ارتباطًا وثيقًا بمعنى السلطة التي يتمتع بها أصحاب الزي الأزرق. كان قد أحب كل رجال الشرطة حبًّا جمًّا، ويَثق فيهم ثقة ساذجة. واعتصر الألم قلبه. انزعج، أيضًا، من شك نخر قلبه بشأن ازدواجية في أعضاء قوات الشرطة. وذلك لأن ستيفي كان صريحًا وواضحًا كالشمس في كبد السماء. ما الذي يقصدونه بالتظاهر إذن؟ على النقيض من أخته، التي وضعت ثقتها في القيم الظاهرية، رغب في أن يتعمَّق في أصل المسألة. واصل استفساره باعتراض غاضب.

«ما دورهم إذن، يا ويني؟ ما دورهم؟ أخبريني.»

كانت ويني تكره الجدال. ولكن بدافع أولًا من خوف شديد من أن يدخل ستيفي في نوبة اكتئاب حادٍّ ناجمة عن افتقادِه لأمه كثيرًا، لم ترفض المناقشة بالكلية. دون أي تهكم، أجابت بطريقة ربما لم تكن غريبة على زوجة السيد فيرلوك، مفوض اللجنة الحمراء المركزية، والصديق الشخصي لبعض اللاسُلطويين ونصير الثورة الاجتماعية.

«ألا تعرف دور الشرطة، يا ستيفي؟ إنهم موجودون من أجل ألا يأخذ من لا يَملكون شيئًا أي شيء ممَّن يملكون.»

تجنبت استخدام فعل «يسرق» لأنه دائمًا ما كان يُزعج أخاها. لأن ستيفي كان أمينًا للغاية. كانت قد غُرِسَت فيه بعض المبادئ البسيطة بحرص بالغ (بسبب «غرابة أطواره») لدرجة أن مجرد ذكر أسماء بعض التجاوزات كان يملؤه رعبًا. كان دائمًا يتأثر بسهولة بالأحاديث. كان متأثرًا ومذهولًا الآن، وكان عقله مُتنبِّهًا جدًّا.

سأل على الفور بقلق: «ماذا؟ ولا حتى لو كانوا جوعى؟ ألا يتعيَّن عليهم ذلك؟»

كان الاثنان قد توقَّفا عن المشْي قليلًا.

قالت السيدة فيرلوك، برباطة جأشٍ شخص لا تقلقه مسألة توزيع الثروات، وهي تَستكشِف الطريق بحثًا عن الحافلة العامة ذات اللون الصحيح: «ولا حتى لو كانوا جوعى. بالتأكيد لا. ولكن ما الفائدة من الحديث عن كل تلك المسائل؟ أنت لم تكن جائعًا من قبل.»

رمقت الفتى بنظرة خاطفة وكأنه شابٌّ يَمشي بجانبها. رأته لطيفًا وجذابًا وحنونًا، ولم ترَه غريب الأطوار إلا بقدر ضئيل، ضئيل جدًّا. ولم تستطع أن تراه خلاف ذلك؛ لأنه كان مرتبطًا بما كان ملح العاطفة في حياتها التي لا طعم لها، عاطفة الغضب والشجاعة والرأفة وحتى التضحية بالنفس. لم تُردف قائلة: «ولا يُحتمَل أن تكون كذلك ما دمت أنا على قيد الحياة.» ولكن ربما فعلت ذلك بالفعل؛ لأنها اتخذت خطوات فعالة من أجل تحقيق تلك الغاية. كان السيد فيرلوك زوجًا صالحًا جدًّا. وكان انطباعها الصادق أنه لا أحد يمكنه ألا يحب الفتى. صاحت فجأة:

«أسرع يا ستيفي. أوقف تلك الحافلة الخضراء.»

ورفع ستيفي، الذي كان مُضطربًا ومهتمًّا بأخته المُمسكة بذراعه، ذراعَه الأخرى فوق رأسه مشيرًا إلى الحافلة، ونجح في إيقافها.

بعد ساعة، رفع السيد فيرلوك عينيه من الجريدة التي كان يقرؤها — أو ينظر إليها على أيِّ حال — خلف منضدة البيع، وبعد أن توقَّفت جلبة جرس الباب، رأى زوجته، ويني، تدخل وتَعبُر المتجر في طريقها إلى الطابق العلوي، يتبعها صهره ستيفي. كان مرأى السيد فيرلوك لزوجته باعثًا على الرضا في نفسه. كانت هذه هي طبيعته. ظل السيد فيرلوك غير مدرك لوجود صهره بسبب التفكير الكئيب الذي كان قد خيَّم على عقله في الفترة الأخيرة وحجب عنه مظاهر العالم الحسية. تابع زوجته مُثبتًا ناظرَيه عليها، من دون أن يتفوه بكلمة، وكأنها كانت شبحًا. كان صوته في المنزل أجشَّ وهادئًا، ولكنه الآن لم يكن يُسمَع على الإطلاق. لم يُسمع صوته على العشاء، الذي دعتْه إليه زوجته بطريقتها المختصرة المعتادة: «أدولف.» جلس يتناول عشاءه من دون شهية وهو يَرتدي قبعته المتراجِعة كثيرًا إلى الخلف على رأسه. لم يكن هذا انكبابًا على الحياة خارج المنزل، ولكن التردُّد على المقاهي الأجنبية كان مسئولًا عن تلك العادة، مغلفًا ولاء السيد فيرلوك الثابت لحياتِه المنزلية بطابع من عدم استقرار معتاد. نهض مرتين عند صلصلة الجرس المتهالك، دون أن يتفوَّه بكلمة واختفى داخل المتجر وعاد صامتًا. أثناء هاتين المرتين اللتَين غاب فيهما فيرلوك، تنبَّهت السيدة فيرلوك بشدَّة إلى المكان الخالي على يمينها، وافتقدت أمها كثيرًا، وأخذت تُحدِّق في شرود؛ بينما ظل ستيفي، للسبب نفسه، يحرك قدميه، وكأن الأرض تحت الطاولة كانت ساخنة على نحو غير مريح. عندما عاد السيد فيرلوك وجلس في مكانه، وكأنه تجسيد للصمت نفسه، تغيَّرت طريقة تحديق السيدة فيرلوك تغييرًا طفيفًا، وتوقف ستيفي عن التملمُل بقدمَيه، بسبب احترامه الكبير ومهابته لزوج أخته. وجَّه إليه نظرات تعاطف تنم عن الاحترام. كان السيد فيرلوك حزينًا وأسِفًا. كانت أخته ويني قد أفهمته (في حافلة المواصلات العامة) أنه سيجد السيد فيرلوك بالمنزل في حالة من الحزن، وأنه يجب ألَّا يقلق من ذلك. كان غضب والده وحدة طباع المستأجِرين وجنوح السيد فيرلوك إلى الحزن المفرط، هي الرادع الرئيسي الذي كان يَجعل ستيفي يكبح جماح نفسه. من بين هذه المشاعر، التي كان يمكن استثارتها بسهولة جميعها، ولكن لم يكن يسهل دومًا فهمها، كان للأخيرة أكبر أثر أخلاقي لأنها كانت «طيبةً». كانت والدته وأخته قد أقرَّتا بهذه الحقيقة عن أخلاقه بناءً على أساس لا يتزعزع. أقرَّتا بها وأثبتَتاها وعظَّمتاها من دون علم السيد فيرلوك؛ لأسباب لم يكن لها علاقة بالأخلاق المجردة. ولم يكن السيد فيرلوك على دراية بذلك. من الإنصاف التام للسيد فيرلوك القول إنه لم يكن لديه أي فكرة عن مظهره الصالح في عينَي ستيفي. لكن هكذا كان الحال. بل إنه كان الرجل الوحيد المؤهَّل لفهم حالة ستيفي، والسبب أن المُستأجِرين كانوا نزلاء عابرين كما أنهم كانوا بعيدين كل البعد عن أن يكون لهم أيُّ أثر واضح سوى ربما أثر أحذيتهم؛ وفيما يتعلق بتدابير أبيه التأديبية، فإن شعور أمه وأخته بالوحشة جعلهما تحجمان عن صوغ نظرية عن صلاحه أمام الضحية. كان هذا سيصبح في غاية القسوة. بل كان من المحتمل أيضًا أن ستيفي ما كان سيصدقهما. وفيما يتعلق بالسيد فيرلوك، لم يكن يُمكن لأي شيء أن يقف في وجه اعتقاد ستيفي. من الواضح أن السيد فيرلوك كان «صالحًا» على نحوٍ غامض. وحزن الرجل الصالح حزنًا جليلًا.

رمق ستيفي صهره بنظرات تنمُّ عن تعاطفه وتبجيله له. كان السيد فيرلوك حزينًا وأسِفًا. لم يشعر شقيق ويني من قبل بهذا القدر من التشارك الوثيق من سرِّ طيبة ذلك الرجل. كان حزنًا مفهومًا. وكان ستيفي نفسه حزينًا وأسِفًا. كان حزينًا جدًّا. كان نوع الحزن نفسه. ولما انجذب انتباه ستيفي إلى هذه الحالة غير السارة، أخذ يُحرِّك قدميه. كان معتادًا أن تظهر مشاعره في انفعالات أطرافه.

قالت السيدة فيرلوك بنبرة آمرة وعطوفة: «أبقِ قدميك ساكنتَين، يا عزيزي.» ثم استدارت إلى زوجها بنبرة غير مبالية، تُمثِّل فيها أداءً بارعًا لِلَباقة غريزية، وسألته: «هل ستخرج الليلة؟»

بدا التلميح البسيط مُستَقبَحًا للسيد فيرلوك. هزَّ رأسه بكآبة، ثم جلس ساكنًا مُنكِّسًا عينيه، ناظرًا لدقيقة كاملة إلى قطعة الجبن الموضوعة في الطبق أمامه. في نهاية ذلك الوقت، نهض وخرج، خرج في صلصلة جرس باب المتجر. يتصرَّف هكذا على نحو غير متسق، ليس بسبب أي رغبة منه في أن يكون مُستَهجَنًا، ولكن بسببِ قلقٍ لا يُقْهَر. لم يكن ثمة نفع على الإطلاق من خروجه. لم يكن يَستطيع أن يجد في أيِّ مكان في لندن ما كان يُريده. لكنه خرج. أخذت تُراوده مجموعة من الأفكار الكئيبة وهو يمشي في شوارع مظلمة، وعبر شوارع مضيئة، ودخل حانتين وخرج منهما بسرعة، وكأنه يُحاول دون حماسة أن يُمضيَ الليل كله خارج البيت؛ وأخيرًا عاد إلى بيته المهدَّد بخطر وشيك، حيث جلس متعبًا خلف منضدة البيع، واحتشدت الأفكار في رأسه بإلحاح، مثل مجموعة من كلاب صيد سوداء جائعة. بعدما أقفل باب المنزل وأطفأ مصباح الغاز، أخذها معه إلى الطابق العلوي، ويا لها من رفقة مخيفة لرجل ذاهب إلى الفراش. كانت زوجته قد سبقته ببعض الوقت، وبهيئتها الكبيرة المحدَّدة بغير وضوح تحت اللحاف، ورأسها على الوسادة، وإحدى يديها تحت خدها أوحت لذهنه الشارد بمشهد نعاس مبكر يُبرهن على امتلاكها لرُوح وادِعة. حدقت عيناها الواسعتان المفتوحتان على اتساعهما، والخامدتان والداكنتان مقارنةً ببياض اللحاف المصنوع من الكتان. لم تتحرك.

كانت روحها وادعة. شعرت في أعماقها بأنه من غير المستحسن التنقيب عن بواطن الأمور. تشكَّلت قوتها وحكمتها من تلك الغريزة. ولكن صمت السيد فيرلوك أثقل صدرها لأيام كثيرة. وفي الحقيقة، كان صمته يؤثِّر في أعصابها. لما كانت مستلقية، بهدوء قالت، وهي مضطجعة وساكنة:

«ستُصاب بنزلة برد إذا ظللتَ تتمشَّى بجَوربك هكذا.»

هذا الكلام، الخليق باعتناء زوجة وحيطة امرأة، باغت السيد فيرلوك. كان قد ترك حذاءه في الطابق السُّفلي، لكنه نسيَ أن يرتدي خُفه، وظلَّ يغدو ويروح في غرفة النوم على الألواح من دون صوت مثل دب محبوس في قفص. عند سماعه صوت زوجته، توقَّف وحدَّق فيها طويلًا بنظرة خالية من التعبير كنظرة رجلٍ مُصاب باضطراب المشي أثناء النوم، مما جعل زوجته تُحرِّك أطرافها قليلًا تحت اللحاف. لكنها لم تُحرك رأسها ذا الشعر الأسود الغارق في الوسادة البيضاء وإحدى يدَيها تحت خدِّها وعيناها الكبيرتان السوداوان لا ترمشان.

بتأثير من حملقة زوجها الخالية من التعبير، وتذكُّرها لغرفة أمها الخالية على بسطة الدَّرَج، شعرت بانقباض وَحْدة كئيب. لم تكن قد افترقت عن أمها من قبل. كانت إحداهما تُعضِّدُ الأخرى. شعرت أنهما كانتا كذلك، وقالت لنفسها إن أمها الآن قد رحلت … رحلت إلى الأبد. لم تكن السيدة فيرلوك تتوهَّم ذلك. ولكن ستيفي بقي على أيِّ حال. قالت:

«فعلت أمي ما أرادت. ولا يُمكنني أن أرى أي منطق فيما فعلته. أنا متأكدة من أنه لم يخطر على بالها أنك قد سئمت منها. من الغريب للغاية أن تَتركنا بتلك الطريقة.»

لم يكن السيد فيرلوك شخصًا واسع الاطلاع؛ كان ما يعرفه من عبارات التلميح محدودًا، ولكن كان ثمَّة تَوافُق غريب في الظروف جعله يفكر في الفئران التي تهرب من سفينة على وشك الغرق. كاد أن يقول هذا. كان قد تَزايد لديه الشعور بالتشكُّك والمرارة. هل من المُمكن أنه كان لدى المرأة العجوز ذلك الحدس الذي لا يَخيب؟ لكن انعدام معقولية ذلك الشك كان واضحًا، ومِن ثَمَّ أمسك السيد فيرلوك لسانه. ولكن لم يُمسكه عن الحديث تمامًا. تمتم بتثاقُل:

«ربما يكون ذلك أمرًا طيبًا.»

بدأ في خلع ملابسه. ظلَّت السيدة فيرلوك ساكنة، دون حراك تمامًا، وعيناها تُحملقان بنظرة حالمة وهادئة. وبدا أن قلبها قد توقف أيضًا لجزء من الثانية. في تلك الليلة «لم تكن على سجيتها» كما يقال، كان الأمر يُثقل كاهلها حتى إن جملة بسيطة يُمكن أن تحمل معانيَ مُتعددة، أغلبها بغيض. كيف يكون ذلك أمرًا طيبًا؟ ولماذا؟ ولكنها لم تسمح لنفسها بأن تسقط في هوة التكهنات العقيمة. وبالأحرى تأكدت في أعماقها من أنه من المستحسن عدم التنقيب عن بواطن الأمور. ولأنها كانت تفكر بطريقة عملية ودقيقة، أبرزت موضوع ستيفي دون إضاعة للوقت؛ لأن وحدة القصد لديها كانت ذات طبيعة لا تخطئ وقوة غريزية.

«لا أعلم حقًّا ما الذي سأفعله كي أُسَريَّ عن ذلك الفتى في الأيام القليلة القادمة. سيظل قلقًا من الصباح حتى المساء قبل أن يعتاد على غياب أمه. كما أنه فتًى طيب. لا أستطيع الاستغناء عنه.»

تابع السيد فيرلوك خلع ملابسه مع تركيز داخلي غير ملحوظ وكأنه رجل يخلع ملابسه في عزلة صحراء شاسعة وقاحلة. لأن هكذا كان التصور الذي رآه السيد فيرلوك في مخيلته لتلك الأرض، إرثنا المشترك، أنها مُوحِشة ومقفرة. كان كل شيء ساكنًا في الخارج والداخل حتى إن صوت دقات عقارب الساعة على بسطة الدرج تسلَّل إلى داخل الغرفة وكأنه يبحث عن صحبة.

بعدما أوى السيد فيرلوك إلى جانبه المعتاد من الفراش، بقي مُستلقيًا وصامتًا خلف ظهر السيدة فيرلوك. استقرت ذراعاه الضَّخمتان بإهمال على اللحاف مثل أسلحة مُلقاة أو أدوات مُهمَلة. في تلك اللحظة، أمسى على قيد شعرة من أن يُفصح لزوجته عن كل ما كان ينوء به صدره. بدت اللحظة مُواتية. لما نظر بطرف عينَيه، رأى كتفَي زوجته العريضتَين ملتحفتَين بالبياض، ومؤخر رأسها وشعرها مضفور من أجل الليل في ثلاث ضفائر مربوطة بأشرطة سوداء من الأطراف. لكنه أحجم عن ذلك. أحب السيد فيرلوك زوجته كما ينبغي أن تُحَبَّ الزوجة؛ أو بعبارة أخرى، من منظور الحياة الزوجية، بالمراعاة الواجبة لأهم ما يَمتلكه المرء. كان لهذا الرأس ذي الشعر المضفَّر من أجل الليل وهاتين الكتفين العريضتين مظهرُ قدسية مألوفة؛ قدسية السلام المنزلي. كانت ساكنة وضخمة وبلا شكل محدَّد لقوامها مثل تمثال راقد في العراء؛ تذكر نظراتها بعينَيها الواسعتين إلى الغرفة الفارغة. كانت غامضة، ويَكتنفُها غموض الكائنات الحية. لم يكن العميل السرِّي الشهير «دلتا» وأخطر مبعوث لدى بارون ستوت فارتنهايم الراحل، هو الرجل الذي يخترق تلك الألغاز. كان من النوع الذي يسهل تخويفه. كما كان كسولًا، ذلك الكسل الذي غالبًا ما يكون سرَّ طبيعة طيبة. أحجم فيما يخص ذلك الغموض بدافع الحب والخجل والكسل. سيكون لديه دائمًا ما يكفي من الوقت. ولعدة دقائق، تحمَّل معاناته بصمت، في سكون الغرفة الباعث على النعاس. ثم كسر ذلك الصمت بإعلان حازم.

«سأسافر إلى أوروبا غدًا.»

ربما كانت زوجته قد غطَّت في النوم بالفعل. لم يكن بوسعه أن يتبيَّن ذلك. في الحقيقة، كانت السيدة فيرلوك قد سمعته. ظلَّت عيناها مفتوحتان على اتساعهما، وظلت راقدة بلا حراك، وأكدت على قناعتها الغريزية بأنه من المستحسن عدم التنقيب كثيرًا عن بواطن الأمور. ومع ذلك، لم يكن من غير المألوف أن يُسافر السيد فيرلوك في رحلة كتلك. كان يُجدِّد مخزونه من باريس وبروكسل. وعادةً ما كان يَذهب لشراء حاجياته بنفسه. كانت جماعة سرية صغيرة مُنتقاة من الهُواة تتشكَّل حول المتجر الكائن في شارع بريت، جماعة سرية مناسبة جدًّا لأي عمل يَضطلع به السيد فيرلوك الذي — بتوافق سري بين الطبع والضرورة — كان قد تميز بأن يكون عميلًا سريًّا طيلة حياته.

انتظر بعض الوقت ثم أردف: «سأظل في سفري أسبوعًا أو ربما أسبوعين. اطلُبي من السيدة نيال أن تأتيكِ نهارًا.»

كانت السيدة نيال هي خادمة شارع بريت. كانت ضحية زواج فاشل من نجار فاسق، وأرهقتها احتياجات أطفال صغار كثيرين. كانت تَرتدي مئزرًا بأكمام حمراء مخيط من قماش خشن يصل إلى الإبطين، كانت تنفث عن مُعاناة الفقر بالعمل في غسل الملابس في المياه والصابون واحتساء شراب الرم المُسْكِر، وفي ضجة الدعك وقعقعة الدلاء المصنوعة من الصفيح.

تحدثت السيدة فيرلوك من أعماقها بنبرة تنم عن أقل درجات اللامبالاة.

«لا حاجة إلى أن تمكث المرأة هنا طوال النهار. سأعتني بالعمل على نحو جيد جدًّا مع ستيفي.»

تركت الساعة الوحيدة على بسطة الدرج تعدُّ خمس عشرة دقة في هاوية الأبدية، ثم سألت:

«هل أُطفئ المصباح؟»

رد السيد فيرلوك على زوجته بسرعة بصوت مبحوح.

«أطفئيه.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١