إهداء الكتاب

إلى الأمير «لورنزو دي مديتشي» الكبير

قال ماكيافيلي في إهدائه:

تعود الذين يخطبون ودَّ الأمراء، ويسعون في التقرب منهم أن يبذلوا لهم أعز ما لديهم، أو يهدوا إليهم ما يحبه الأمراء خاصة ويميلون إليه بطبعهم، فترى المتزلفين يهدون المال والخيل وسبائك الذهب وعقود الجمان وعدد الحرب وغير ذلك مما يليق بأقدار الملوك السامية.

فلما أردت أن أتزلف إلى الأمير رأيت أن أقدم له هدية تليق بقدره، وتكون دليلًا على إخلاصي لعرشه، فلم أجد بين ما أملك شيئًا أعز على نفسي وأعظم قدرًا في عيني من أخبار كبار الرجال وأعمالهم، وما اكتسبته بطول الخبرة، واستيعاب حوادث التاريخ الماضي، وإمعان النظر في شئون الزمن الحاضر، فدونت كل ما علمت مما ذكرت في هذا الكتيب الذي أقدمه لسموكم، بَيْدَ أنني أعلم حقارة شأنه، وأعتقد أن هديتي لا تليق بمقامكم السامي، ولكن ثقتي بمكارم أخلاقكم، وبما ركز في فطرتكم الطاهرة من حب الضعفاء والحنو عليهم؛ جرأني على تقديم الهدية التي لم أجد لديَّ ما يفوقها قيمة وقدرًا، ولا يزيد عنها لسموكم نفعًا؛ لأن مطالعة هذا الكتيب بمثابة الإلمام في ساعة بما حصلته أنا في سنين طويلة، رأيت فيها الأهوال، وقاسيت أثناءها أنواع الشدائد.

ولم أُدخل في كتيبي جملًا مزوقة ولا ألفاظًا ضخمة كالتي يُدخلها الكتاب ليزينوا ما ألفوه بصفها، ويحسنوا ما صنفوه برصفها؛ لأنني لا أتطلب على عملي ثناء أو مدحًا، وكل ما أريده هو أن يقدر موضوع الكتاب حق قدره، وهيهات أن أنجو من نقد الناقدين ولوم اللائمين، فسوف يقولون أنَّى لهذا الصعلوك من نقد سياسة الأمراء والملوك! فأقول لهؤلاء: إن جمال الشمس لا يستجليه غير ساكن البسيطة، ونور الثريا يتمتع به من كان على الثرى، والمصور الحاذق لا يستطيع أن ينقل صور قُنَنِ الجبال ورءوسها إلا إذا كان في سفوحها، وكذلك لا يتبين جمال الوديان من لا يتسنم هامة الجبل، فلا لوم علي إذن، ومثلي كمثل المصور في الوادي، يرمق قمة الجبل ليصورها، ولا أرى لومًا على من يريد من الأمراء أن يعرف شعبه حق المعرفة، فيتنزل إلى جميع الطبقات ليسبر غورها، ولا أرى لومًا ولا تثريبًا علي إذا ارتقيت إلى مصافِّ الملوك والأمراء لأعرف طبائعهم ولأعمل جهدي في معاونتهم على سياسة الأمم وحكم الشعوب.

وها أنا أقدم كتيبي بنية سليمة، وعزم صادق وقصد حسن، فهل لسمو الأمير أن يتقبله كذلك؟ ولو أن الأمير تنازل فأمعن النظر في مؤلفي رأى أنه يسهل عليه نيل أرفع مقام وأسمى مكانة.

ثم ارجع البصر يا سمو الأمير تَرَ في الحضيض رجلًا تستدعي حاله الشفقة لما ناله من العذاب عدوانًا من الزمان وظلمًا من أهله، وهو واضع هذا الكتاب.١
الخاضع لدى أعتابك
نيقولا ماكيافيلي
١  ليت ماكيافيلي راجع نفسه قبل تدوين هذين السطرين، فإن ما فيهما من الاستعطاف ذهب بقيمة ما تقدمهما من إصابة الرأي وجلال الحكمة، وقد قضت علينا أمانة التعريب بنقلهما.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١