الطفولة

إن صح أن الحاضر وليد الماضي، فعلينا أن نتتبَّع حياة الفرد منذ ولادته؛ لنشهد المؤثِّرات المختلفة التي تصهر حياته، ومنهم — ونعني يونج تلميذ فرويد — من يذهب مع الماضي إلى ما هو أبعد من زمن الولادة، فيلتمس حياة الجنس البشري في العهد البدائي، ويفترض أن الإنسان في العصر الحاضر قد ورث عن أجداده الأولين كثيرًا من النزعات والأفكار. وهذه نظرية لها كثير من الأنصار، ولها ما يُؤيِّدها من الوقائع والمشاهدات.

لا يُميِّز الطفل عند ولادته بين نفسه وبين غيره؛ فهو لا يعرف موضوعًا خارجيًّا يُوجِّه نحوه قوته النفسية، ولا نستطيع أن نقول إن الوليد «يُحب» أمَّه، فنحن لا ندري ما يجري في ذهنه، إنما الذي نستطيع أن نُؤكِّده هو ما نُشاهده من أن الوليد يميل إلى الأم بمقدار ما يجد فيها من عنايةٍ ورعاية؛ فهي تُرضعه وتقوم على خدمته. وسواء أكانت الرضاعة طبيعيةً أم صناعية، فهي أعظم وسيلة لإسكات صيحات الوليد؛ فالجوع داعية إلى الشعور بالألم والصياح، والرضاعة سبيل إلى اللذة والارتياح. ووسيلة الرضاعة امتصاص الوليد ثدي أمه أو الثدي الصناعي، حتى يُصبح لذته الوحيدة الامتصاص، يلتمسه في كل وقت ويجده في أعضاء جسمه، وأقرب أعضاء جسمه إليه وأسهلها تناولًا أصابع يدَيه. لا ندري هل يشعر الطفل بهذه اللذة أو لا يشعر، ولكن الراحة التي يُبديها، والتعبير المشاهَد على وجهه يُنبئان عن ارتياح، ويقول فرويد عالم التحليل النفساني: إن «الطفل يمص للامتصاص ويُحقِّق عند ذلك لذةً جنسية.» وإن «امتصاص ثدي الأم يُصبح بدء الحياة الجنسية»، حتى إذا اهتدى الطفل إلى امتصاص إصبعه أو لسانه أو أي عضوٍ آخر من جسمه شعر بلذتَين؛ الأولى لذة نفسه، والثانية لذة ذلك العضو من جسمه. وتصحب هذه اللذة الإنسان في الشباب والكِبر مع المظهر الجنسي البارز في القبلة؛ فهي إحياء لذكرى عهد الطفولة الأولى، أو المرحلة الفمية كما يُسمِّيها فرويد. وفي ضوء هذا الرأي نستطيع أن نُفسِّر ألوانًا من الأعمال التي ينهمك فيها الناس، كأولئك الذين يقرضون أصابعهم أو يضعون أقلام الرصاص في أفواههم، أو لا يَفْتئُون يُديرون أشداقهم ﺑ «قزقزة» اللب.

ويُلحق الطبيب النفساني كارل أبراهام بهذه المرحلة الفمية مرحلةً أخرى متأخِّرةً عنها، وذلك عندما تظهر الأسنان، يُسمِّيها مرحلة التوحُّش، حيث يميل الطفل إلى القضم والعض والتقطيع.

ليست اللذة الوحشية في تلك المرحلة شخصيةً خالصة؛ لأن الطفل يطلب شيئًا خارجيًّا، ولكن صلة الطفل بهذا الشيء الخارجي غايتها التحطيم والإتلاف لمصلحته. فموقف الطفل من الموضوعات الخارجية موقفٌ عدائي، أو على حدِّ تعبير علماء التحليل النفساني موقف «سادي» يشعر فيه الشخص بلذة إيقاع الألم بغيره وتعذيبه. هذا الموقف شديد الغرابة والتناقض؛ إذ يجمع بين الطلب والتلف، ويمزج بين الحب والكراهية، وهذا ما جعلهم يقولون إن الحب يحمل بذور الكراهية، وإن الكراهية تنطوي على جذور المحبة.

والشيء الوحيد الذي يتجه له الشخص بالمحبة الصحيحة هو ذاته، بمقدار ما يُوحِّد الشخص بين نفسه وجسمه.

ويُطلقون على حب الإنسان لنفسه اصطلاحًا خاصًّا هو «النرجسية»؛ أي عشق الذات أو العجب. والنرجسية نسبة إلى أسطورة يونانية تُحدِّثنا أن «نارسيس» نظر إلى صورته في ماء البحيرة فافتتن … ويبدأ عشق الإنسان لذاته بعد الفطام الذي يفصل بين الوليد وبين أمه، فيفقد بذلك موضوع محبَّته، ويُضطر إلى التراجع على نفسه، إلى أن يعثر في مستقبل حياته على موضوع خارجي يصرف فيه حبه.

والمرحلة الثانية هي المرحلة الشرجية التي يُحدِّدها فرويد من الشهر السادس إلى الثامن عشر تقريبًا، وفيها يجد الطفل لذةً جنسيةً في إخراج الفضلات. وفي هذه المرحلة يبدأ سلوك الطفل يتميَّز شيئًا فشيئًا وتبدو شخصيته، وتنمو بذور حب العرض وحب النظر.

على أن الموضوع الرئيس لمحبة الطفل في تلك السن هو الأم؛ لصلته الوثيقة بها، وقد يحمل الحبَّ لأبيه إذا كان يُلاعبه ويُلاطفه بين حينٍ وآخر، إلَّا أن الطفل لا يُميِّز بين أمه وأبيه من الناحية الجنسية.

ويبدأ الانتباه إلى الفرق الجنسي بأن يتجه الذكر نحو الأنثى والعكس من الرابعة إلى السادسة. في هذه المرحلة تظهر عقدة «أوديب»؛ أي عشق الولد لأمه، وعقدة «ألكترا» وهي عشق البنت لأبيها؛ وذلك نسبة إلى قصة سوفوكليس في الأدب اليوناني حيث تزوَّج «أوديب» من أمِّه دون علمٍ منه.

وتنتهي عقدة «أوديب» في سن السادسة أو السابعة.

وتظهر مرحلةٌ جديدة تستمر إلى عهد البلوغ.

والقضاء على عقدة «أوديب» يرجع إلى النقص في النمو الجسماني، الذي يمنع من الصلة الجنسية على وجهها الصحيح، فلا يتيسَّر الاتصال الجنسي بالآخرين، وخصوصًا بالأقارب الذين يعيش بينهم الطفل، كما يرجع إلى الجهل بالمسائل الجنسية؛ وهذا كله يُؤدِّي إلى تنقية عواطف المحبة من شوائب الصِّلات المادية. هذا هو عهد المحبة الصادقة بين الأحداث ذكورًا وإناثًا، وهي محبة تُشبه الأخوة.

في هذه السن التي يُدرك فيها الطفل أن الأمور الجنسية عيب لا يليق العلم به، يضغط معرفته السابقة بها في السنوات الأولى، فينتهي إلى ما يُسمَّى نسيان الطفولة؛ حيث تُمحى من عقل الطفل الواعي كل ما يتصل بالصبا المبكِّر، ويحل محل ذلك بناءٌ جديد من المعاني الخلقية والفنية؛ كالاشمئزاز والطُّهر والعفاف والشفقة، والانصراف إلى الفنون المختلفة كالموسيقى والتصوير والشعر ونحوها. هذا التحوُّل من الشعور باللذة من المسائل الجنسية إلى تقدير القيم الخلقية والآثار الفنية، هو ما يعبرون عنه بالتسامي.

لا مندوحة لنا من التعرُّض لآراء فرويد — غير محبذين أو منكرين — لأنها تشغل في العصر الحاضر الأذهان، أو هي — إن شئت — «موضة» العصر في معرض الفكر.

يُميِّز فرويد تمامًا بين الغرائز الجنسية وبين الغرائز الذاتية، ويجعل بين غرائز الذات والجنس توازيًا وانسجامًا، إذا اختل حدث صراع على حساب إحداها يُؤدِّي إلى «الكبت»، وأن الأمراض النفسية هي نتيجة الصراع بين القوة الجنسية وبين «الأنا»، فإذا انتصرت القوة الجنسية اتخذت شكلًا إيجابيًّا بإشباع الرغبات الجنسية، وإذا انتصر «الأنا» اتخذ شكلًا سلبيًّا بالابتعاد عن المسائل الجنسية.

ولا يُنكر أحدٌ وجود الغريزة الجنسية، ولكن فرويد — كما رأينا — ينسب إليها كثيرًا من المظاهر التي لا تمت إليها بصلة، ومن هنا نشأت الاعتراضات على نظريته. ويرد فرويد على الذين ينتقدونه، بأننا واقعون تحت تأثير نفاق خفي نتيجة التعلُّم ومطالب المجتمع؛ فقد تعوَّدنا الانصراف عن المسائل الجنسية، وحرَّمنا على أنفسنا الحديث عنها، كما أن المجتمع يرى في إطلاق الغريزة الجنسية من عقالها، وتحريرها من القيود، أكبر الخطر على الثقافة والحضارة.

هذا كله معروف غير منكور، أمَّا الجديد الأصيل في نظرية فرويد، فهو القول بحياة جنسية للأطفال، «وأن الشذوذ الجنسي ليس إلَّا مظهرًا مجسِّمًا لحياة الطفل الجنسية.»

ونذكر هنا أهم الاعتراضات الموجَّهة إلى هذه النظرية؛ وأولها أن إضافة الشعور بلذةٍ جنسية إلى الوليد فيها كثيرٌ من الإسراف والغلو، بل الجرأة، ثم إن فرويد يُقيم بناء نظريته على دراسة المرضى والشواذ، ويتخذ من هؤلاء سبيلًا إلى أحكامٍ عامة يُصدرها على سواد الناس وهم الأغلبية، فيحكم بالخاص على العام، وبالشاذ على السليم. كما أنه يذهب إلى تفسير شخصية الإنسان في ضوء القوة الجنسية، ولو عكسنا لأصبنا الحق، فتُصبح القوة الجنسية ومظاهرها إحدى وظائف الفرد، وليست كل وظائفه.

ونترك جانبًا هذه التفاصيل الطويلة عن نظرية التحليل النفساني، ونستبقي طريقة التحليل لأهميتها وصدقها. وجوهر الطريقة أن المظاهر الحاضرة عند الإنسان وليدة أحداث ماضية أُهملت في زوايا النسيان بعوامل «الكبت» والقمع والإخفاء. وأن هذه الأحداث المنسية لا تزال موجودةً في النفس تعمل وتُحرِّك صاحبها؛ فهي منسية في الظاهر، موجودة في الباطن، خفية عن الشعور، جلية في «اللاشعور»، ونستطيع بالتحليل النفساني أن نصل إلى معرفة هذه الأحداث الماضية. ومن الطبيعي أن صاحب هذه الأحداث هو الذي يستطيع أن يصل إليها، وما وظيفة الطب النفساني في هذا الصدد إلَّا وظيفة المرشد إلى الطريق السديد.

وما دمنا في معرض الكلام عن الحب والكراهية، فسواء اتخذنا موقف أصحاب التحليل، أو اتجاه الاجتماعيين، أو نظرة علماء الحياة، فلا بد لنا من سؤال أنفسنا عن أسرار الانعطاف وعلة الانصراف؛ وذلك باصطناع طريقة التحليل النفساني؛ لأن تفاعل المجتمع مع الفرد، وموقف الفرد بإزاء المجتمع، قصة طويلة تصهر الفرد خلال الحياة وتنمو به مع الأيام. ونعود إلى سؤال الفرد كيف تأَّثر بالناس؛ فليس الإنسان جمادًا مسلوب الشعور والعزم والإرادة والمزاج، إنما هو أرقى الكائنات الحية فكرًا وأسماها عقلًا، لا يقبل إلَّا ما يُوائم طباعه ويُلائم مزاجه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤