المنزل

أعودُ إلى المنزل مثلما فعلتُ عدة مراتٍ خلال العام الماضي، مسافرةً عبر ثلاث حافلات؛ الحافلة الأولى كبيرة ومُكيَّفة الهواء وسريعة ومريحة، ولا يُولي المسافرون على مَتْنِها الكثيرَ من الانتباه بعضهم لبعض؛ فتجدهم ينظرون عبر النوافذ إلى حركة المرور على الطريق السريع والتي تجتازها الحافلة بسهولةٍ بالغة. في هذه الحافلة نسافر غربًا ثم شمالًا من المدينة، وبعد خمسين ميلًا أو نحو ذلك نصل إلى بلدةٍ كبيرةٍ تتميَّز بالرخاء السوقي والصناعي. وهنا أنتقلُ إلى حافلةٍ أصغر مع الرُّكَّاب المسافرين في نفس اتجاهي، والتي تكون ممتلئةً نوعًا ما بالمسافرين الذين تبدأ رحلتهم في هذه البلدة؛ ما بين مزارعين مسنِّين جدًّا بحيث لم يعد بمقدورهم القيادة، وزوجات المزارعين من جميع الأعمار، وطلاب التمريض وطلاب كلية الزراعة العائدين إلى منازلهم لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، وأطفال يتنقلون بين آبائهم وأجدادهم. تسكن هذه المنطقةَ شريحةٌ كبيرةٌ من المستوطنين الألمان والهولنديين، وبعضٌ من كبار السن يتحدَّثون بلغةٍ من هاتين اللغتين. في هذه المرحلة من الرحلة، قد ترى أن المسئول بمحطة الحافلات يُسلِّم سلةً أو طردًا لشخصٍ ما ينتظر عند بوابة إحدى المَزارع.

•••

تستغرق رحلة الثلاثين ميلًا إلى البلدة التي يتم فيها آخر تغيير للحافلة نفس الوقت الذي تستغرقه رحلة الخمسين ميلًا من المدينة أو أطول. وبحلول موعد وصولنا إلى تلك البلدة يكون العدد الكبير من ذوي الأصول الألمانية ذوي الحس الدعابي، والهولنديين الأحدث عهدًا، قد نزلوا من الحافلة، وازداد ظلام المساء توغُّلًا وبرودة، وكفَّ المزارعون عن العمل ورعاية ماشيتهم. أسيرُ عبر الطريق مع واحدٍ أو اثنين من المتبقِّين من الحافلة الأولى، واثنين أو ثلاثة من الثانية؛ وهنا يبتسم أحدنا للآخر مع إدراكنا لوجود زمالةٍ أو تشابهٍ لم يكونا ليتضحا لنا في الأماكن التي بدأنا منها رحلتنا؛ فنصعد على متن الحافلة الصغيرة المنتظرة أمام إحدى محطات الوقود؛ إذ ليس ثَمَّةَ محطة للحافلات هناك.

كانت هذه الحافلة حافلة مدارس قديمة ذات مقاعد غير مريحة تمامًا لا يمكن تعديلها بأي شكلٍ من الأشكال، ونوافذ تقطعها إطارات معدنية أفقية؛ ما يجعل من الضروري أن تنحنيَ أو تجلس في وضعيةٍ مستقيمةٍ للغاية وتمدَّ عنقك لكي تحظى برؤيةٍ لا يعوقها شيء. وهو ما أراه أمرًا مؤرِّقًا؛ لأن الريف هنا هو أكثر ما أودُّ مشاهدته؛ أشجار الخريف المُخضَّبة بالحُمرة، والحقول الجافة المليئة ببقايا الحصاد، والأبقار المحتشدة في مداخل الحظائر. طالما كنت أعتقد أن مثل هذه المشاهد غير اللافتة، في هذا الجزء من القرية، هي آخر شيءٍ سوف أعبأ بمشاهدته في حياتي.

ولدهشتي أن هذا الأمر قد يتضح أنه حقيقي، وبأسرع مما توقعت، مع قيادة السائق للحافلة بما يبدو أنها سرعة متهورة؛ حيث يقفز وينحرف على مدى العشرين ميلًا المتبقية من الطريق شبه المُمهَّد.

وهذا المكان يُعد مرتعًا خصبًا للحوادث؛ فالصبية الذين لم يبلغوا بعدُ سنَّ الحصول على رخصة قيادةٍ يأتون للقيادة الحمقاء على سرعة ٩٠ ميلًا في الساعة على طرقٍ مفروشةٍ بالحصى تضمُّ تلالًا أو منحدراتٍ غير واضحةٍ للعيان. ويملأ السائقون المحتفلون الجوَّ ضجيجًا بنفير سياراتهم عبر القرى في وقتٍ متأخرٍ من الليل دون إضاءة مصابيح سياراتهم، ويبدو أن معظم الرجال البالغين قد نجَوْا على الأقل مرةً واحدةً من الاصطدام بعمود هاتفٍ مُحطَّمٍ والانقلاب في المصرف.

•••

قد يخبرني أبي وزوجته عن هذه الخسائر في الأرواح حين أعود إلى المنزل. فأبي يتحدَّث ببساطةٍ عن حادثٍ بشع، فيما تتولى زوجته سرد التفاصيل، من انفصال الرأس عن الجسد، وتهشُّم الصدر من اصطدامه بعجلة القيادة، وتحطُّم الوجه بسبب الزجاجة التي كان أحدهم يشرب منها.

فيكون ردِّي المقتضب: «حمقى.» ليس الأمر فقط أنني لا أملك ذرة تعاطفٍ نحو المتسابقين على الطرق الحصوية، والثملة؛ فأنا أرى هذه المحادثة، بما تلاها من إفاضةٍ واستمتاعٍ من جانب زوجة أبي، قد تكون مصدر إحراجٍ لأبي. غير أنني سأتفهم لاحقًا أن الأمر ربما لا يكون كذلك.

تردُّ زوجة أبي قائلة: «هذا أبسط وصفٍ لهم. حمقى. يجب ألا يلوموا إلا أنفسهم.»

أجلس مع أبي وزوجة أبي — واسمها إرلما — إلى طاولة المطبخ نحتسي الويسكي، فيما يرقد كلبهما باستر عند قدمَيْ إرلما. يصبُّ أبي شراب الجاودار في ثلاثِ كئوسِ عصيرٍ حتى تمتلئ إلى ثلاثة أرباعها، ثم يُكملها بالماء. حين كانت أمي على قيد الحياة، لم تكن ثَمَّةَ زجاجة شرابٍ واحدة في هذا المنزل، أو حتى زجاجة من الخمر أو الجِعة؛ فقد أخذت على أبي عهدًا قبل زواجهما ألا يقرب الخمر مطلقًا. لم يكن هذا بسبب معاناتها من الرجال السِّكِّيرين في منزلها؛ لقد كان ذلك فقط العهد الذي كانت تشترطه العديد من النساء اللاتي يحترمن أنفسهن قبل أن يهبن أنفسهن لرجلٍ في تلك الأيام.

كانت طاولة المطبخ الخشبية التي كنا دائمًا نأكل عليها، والمقاعد التي كنا نجلس عليها، قد نُقلت إلى الحظيرة، فلم تكن المقاعد ملائمة؛ إذ كانت غاية في القِدَم، وكان اثنان منها يُفترض أنهما قد جاءا مما كان يُسمى مصنع الكراسي — ربما كان مجرد ورشةٍ لا أكثر — في صن شاين، وهي قرية اختفت من الوجود بنهاية القرن التاسع عشر. وعلى ذلك فإن لدى أبي استعدادًا تامًّا لبيعها بلا مقابل، أو التبرُّع بها إذا كان أحد يريدها؛ فهو لا يستطيع قط أن يتفهَّم أيَّ إعجابٍ لما يُسمِّيه الخردة القديمة، ويعتقد أن المشتغلين فيها ما هم إلا مُدَّعون. كان هو وإرلما قد اشتريا طاولة جديدة ذات سطحٍ بلاستيكيٍّ يبدو أشبه بالخشب ولا تعلق به أي علاماتٍ أو آثارٍ للأشياء، وأربعة مقاعد بوسائدَ مغطاةٍ بالبلاستيك بها نقوش من أزهار صفراء، والحقُّ أنها مريحة في الجلوس أكثر بكثيرٍ من المقاعد الخشبية القديمة.

أمَا وقد أصبحتُ الآن أعيش على بُعد مائة ميلٍ فقط، صِرتُ أعود إلى المنزل كلَّ شهرين أو نحو ذلك. قبل ذلك، ولفترةٍ طويلة، كنت أعيش على بُعد أكثر من ألف ميلٍ وتمرُّ سنواتٌ دون رؤية هذا المنزل. كانت فكرتي عنه آنذاك كمكانٍ ربما لن أراه مرةً أخرى أبدًا، وكانت ذكراه تُحرِّك مشاعري كثيرًا. كنت أجوبُ غُرَفه في ذهني، التي كانت كلها صغيرة وكما هو مألوف في المنازل الريفية القديمة ليست مصمَّمة للاستفادة من المساحة الخارجية، بل لتجاهُلها إنْ أمكن. ربما لم يرد الناس أن يُهدروا وقت راحتهم أو مأواهم في النظر إلى الحقول التي يجب أن يعملوا بها، أو إلى أكوام الجليد التي يتعيَّن عليهم إماطتها من الطريق من أجل إطعام ماشيتهم. أما الأشخاص المُغرَمون بالطبيعة — أو حتى هؤلاء الذين يتمادَوْن ويستخدمون كلمة «طبيعة» — فكانوا يُعتبَرون مجانين بعض الشيء.

حين أكون بعيدةً عن المنزل، كنت أشاهد في ذهني أيضًا سقف المطبخ المُؤلَّف من ألواحٍ ضيقةٍ ملطخةٍ بالدخان ومزوَّدةٍ بلسانٍ وحَزٍّ، وإطار نافذة المطبخ الذي قرضه كلب كان محبوسًا هناك قبل ميلادي. كان ورق الحائط به بُقع باهتة من أثر مدخنةٍ راشحة، وكان مشمع الأرضية يُعاد طلاؤه كل ربيعٍ على يد أمي ما دامت توافرت لديها القدرة على ذلك. كانت تطليه بلونٍ داكن — بُني أو أخضر أو كُحلي — ثم باستخدام قطعةٍ من الإسفنج ترسم عليه تصميمًا تتخلله نقاط صغيرة لامعة باللون الأصفر أو الأحمر.

توارى هذا السقف الآن خلف قوالب من القرميد الأبيض، واستُبدل بإطار النافذة الخشبي المقروض إطارٌ معدني جديد. وتمَّ تركيب زجاجٍ جديدٍ للنافذة أيضًا لا يُضفي أي خطوطٍ تموُّجية أو حلزونية غريبة على ما تُشاهده عبره. وعلى أي حالٍ لم يعد ما ينتظرك لرؤيته عبر تلك النافذة هو تلك الشجيرة ذات الوهج الذهبي التي كانت نادرًا ما تُقطَع والتي كانت تغطي كلا اللوحَين الزجاجيَّين السفليَّين، أو البستان ذو أشجار التفاح الجَرِب وشجرتا الكمثرى اللتان لم تحملا الكثير من الثمار قط، كونهما في أقصى الشمال. لم يعد هناك الآن سوى حظيرةٍ طويلةٍ رماديةٍ بلا نوافذ للديوك الرومي، وفناء لها، باعَ أبي قطعة أرضٍ من أجل بنائهما.

رُكِّبَ ورقُ حائطٍ جديدٌ للغرف الأمامية — ورق حائط أبيض ذو تصميم مبهج ولكنه تصميم أحمر بارز تقليدي — وغُطيت الأرضية بأكملها بالموكيت الأخضر بلون الطحالب. لمَّا كان أبي وإرلما قد نشآ وعاشا جزءًا من حياتهما في مرحلة النضج في منازل تُضَاء بمصابيح الكيروسين، فإن الضوء يُغطي كلَّ أرجاء المنزل؛ فتجد مصابيح للسقف، ومصابيح مُوصَّلة بالكهرباء، ومصابيح فلورسنت طويلة تتوهج بالضوء، ولمباتٍ تعمل بجهد مائة واط.

حتى خارجُ المنزل، الطوب الأحمر الذي كانت رياح شرقية تخترق مونته المُفتتة، سيُغطَّى بألواح معدنية بيضاء. ويفكر أبي في تركيبها بنفسه؛ ومن ثَمَّ يبدو أن هذا المنزل الغريب — بمطبخه المبنيِّ جزءٌ منه في ستينيات القرن الثامن عشر — يمكن أن يذوب، بطريقةٍ ما، وينصهر داخل منزلٍ عاديٍّ مريحٍ على الطراز الحديث.

إنني لا أتحسَّر على هذه الخسارة كما كنت سأفعل ذات مرة. بل أقول إن الطوب الأحمر له لونٌ ناعم وجميل، وإنني قد سمعت عن أناسٍ (من أهل المدن) يدفعون مبالغ باهظة من أجل شراء هذا الطوب القديم، إلا أنني في أغلب الأحيان أقول ذلك لاعتقادي أن أبي يتوقَّعه. فأنا الآن من أهل المدينة في نظره، ومنذ متى كنت شخصًا عمليًّا؟ (وهذا لا يُعد خطيئة كما كان من قبل؛ لأنني شققتُ طريقي، على عكس التوقعات، وسط أناسٍ ربما يفتقرون إلى العملية مثلي.) وهو يسعد الآن بإعادة توضيح قصة الريح الشرقية وتكلفة الوقود وصعوبة الإصلاحات. وأنا أعلم أنه يقول الحقيقة، وأعلم أن المنزل الذي سيختفي ليس بالمنزل الجميل أو الأنيق بأي حال؛ فهو أحد منازل الفقراء، الذي تمتدُّ درجات سُلَّمه دائمًا بين حائطَين، وغرفُ نومه مفتوحةٌ كلٌّ منها على الأخرى؛ منزلٌ يعيش فيه أناسٌ في عَوَزٍ لما يزيد على المائة عام. إذن، فإن كان أبي وإرلما يتمنيان الراحة بدمج معاشَيْ تقاعدهما معًا؛ ما يجعلهما أكثر ثراءً ورغدًا من أي وقتٍ مضى في حياتيهما، وإذا كانا يبغيان أن يكونا «عصريَّين» (وهي الكلمة التي كانا يستخدمانها دون علامات اقتباس، ببساطةٍ وعلى نحوٍ إيجابي)؛ فمَنْ أنا لكي أتذمر من خسارة بعض قوالب الطوب القرنفلية، وجدار مُحطَّم؟

ولكن يظل صحيحًا أيضًا أن أبي بطريقةٍ ما يريد بعض الاعتراضات، بعض الحماقة مني. وأنا أشعر بأنني مُلزَمة بأن أخفيَ عنه حقيقة أن المنزل لا يُمثِّل لي الكثير مثلما كان في يومٍ من الأيام، ولا يعنيني حقًّا شكل التغييرات التي يُضفيها عليه الآن.

يقول لي بنبرةٍ اعتذارية، ولكنها لا تخلو من الرضا: «أعلمُ مدى حُبِّك لهذا المكان.» لا أخبره أنني لا أعرف الآن ما إذا كان لديَّ حبٌّ لأي مكانٍ أم لا، وأن ما أحببته هنا هو نفسي؛ نفسٌ انتهت كل صلة لي بها، وفي الوقت المناسب.

لا أدخلُ الآن الغرفة الأمامية للتفتيش في مقعد البيانو عن النُّوَت الموسيقية والصور الفوتوغرافية القديمة. ولا أذهبُ للبحث عن كتبي المدرسية القديمة في المرحلة الثانوية، وقصائد الشعر اللاتينية، ورواية «ماريا تشابدلين»، أو أكثر الكتب مبيعًا لعامٍ ما في أربعينيات القرن التاسع عشر حين كانت والدتي تنتمي إلى نادي كِتاب الشهر؛ وكان عامًا رائعًا للروايات التي تدور حول زوجات هنري الثامن، وللروائيات ذوات الأسماء الثلاثية، ولفهم الكتب التي تتحدَّث عن الاتحاد السوفييتي. لا أفتحُ «الكلاسيكيات» المجلَّدة بجلدٍ مقلَّدٍ ضعيف، والتي اشترتها أمي قبل زواجها، فقط لأرى اسمها قبل الزواج مكتوبًا بخط اليد الجميل التقليدي لمُعلِّمة على الورقة الأخيرة المُجزَّعة بعد تعهُّد الناشر: «أيُّها الإنسان العادي، سأكون معك، وسأرشدك، في أقصى لحظات احتياجك إلى وقوفي بجانبك.»

ليس من السهل العثور على أشياء تُذكِّرني بأمي في هذا المنزل، على الرغم من هيمنتها عليه لزمنٍ طويل بما كان يبدو لنا من طموحاتها المحرجة، ثم بشكاواها المحرجة بنفس القدر وإنْ كان لها ما يبررها. فلم يكن المرض الذي كانت تعاني منه معروفًا على نحوٍ كبيرٍ آنذاك، وكان غاية في الغرابة في تأثيراته، حتى إنه بدا مجرد شيءٍ ربما تكون قد اختلقته، بدافع الحماقة وحاجتها الحقيقية إلى الاهتمام، ولأبعادٍ أكبر في حياتها؛ فإن الاهتمام الذي كانت عائلتها تمنحها إياه كان بدافع الضرورة، صحيحٌ أنه لم يكن يُمنح كرهًا منهم، ولكنه كان يُمنح على نحوٍ روتينيٍّ حتى إنه قد بدا باردًا، ومتبرمًا، وخاليًا من الحنان والحب، والذي لم يكن أبدًا، أبدًا، كافيًا بالنسبة إليها.

جمعت إرلما الكتب التي دائمًا ما كانت تتناثر تحت الأَسِرَّة وعلى الطاولات في جميع أرجاء المنزل وأقحمتها في خزانة الكتب الموجودة بالغرفة الأمامية وأغلقت عليها أبوابها الزجاجية. ويقول أبي، المطيع لزوجته، إنه لم يعد يقرأ تقريبًا لكثرة مشاغله. (على الرغم من أنه يحب بالفعل الاطلاع على «الأطلس التاريخي» الذي كنت أرسلته إليه.) إن إرلما لا تهتم بمنظر الناس وهم يقرءون لأنه شيءٌ غير اجتماعي، وما الطائلُ من وراء ذلك في النهاية؟ إنها تعتقد أنه من الأفضل أن يمارس الناسُ ألعابَ الورق، أو يصنعوا أشياء؛ فبإمكان الرجال أن يقوموا بأعمالٍ خشبية، وبإمكان السيدات أن يصنعن ألحفة ويغزلن أبسِطة، أو يقمن بأعمال كروشيه أو بالتطريز؛ فهناك دائمًا الكثيرُ للقيام به.

على النقيض من ذلك، تُكنُّ إرلما احترامًا لما يقوم به أبي في شيخوخته من كتابة؛ إذ قالت لي: «إنَّ كتابته رائعة فيما عدا عندما يكون متعبًا للغاية، إنها أفضل من كتابتكِ على أي حال.»

استغرق مني الأمر لحظةً لإدراك أنها كانت تتحدَّث عن تدوين الأفكار والذكريات؛ فدائمًا ما كان هذا هو ما تعنيه «الكتابة» هنا في هذا المنزل، أما المعنى الآخر، فكان التأليف أو هكذا يُسمَّى. وهما في نظرها متصلان بطريقةٍ ما دون أن تثير أي اعتراضات، على أيٍّ مما يُكتب.

تقول: «إنها تُنشِّط عقله.»

كذلك تعتقد أن لعب الورق له نفس الأثر. ولكنها دائمًا لا تملك الوقتَ الكافيَ للجلوس واللعب معه في منتصف اليوم.

يتحدَّث إليَّ أبي عن تغطيةِ خارجِ المنزل بألواح، فيقول لي: «أحتاجُ إلى مهمةٍ كهذه لتُعيدني إلى لياقتي التي كنت عليها قبل عامَين.»

كان قد أُصيبَ قبل حوالي خمسين شهرًا بأزمةٍ قلبيةٍ خطيرة.

تُعِدُّ إرلما أكواب القهوة، وطَبَقًا من رقائق البسكويت المالِح، وبسكويت جراهام، والجُبن والزُّبد، ومافن النخالة، وبسكويت مسحوق الخبيز، وقطع الكعك الطيِّب المغطَّى بطبقة السكر المغلية.

وتقول: «هذا ليس كثيرًا، أراني أزداد كسلًا في شيخوختي.»

فأقول إن هذا لن يحدث أبدًا؛ فلن يصيبها الكسل أبدًا.

«أخجل من أن أخبركِ أنه حتى الكعك مصنوع من خليطٍ جاهز. بعد ذلك، سنشتري الكعك جاهزًا.»

فأقول: «إنه جيد. بعض الخلطات الجاهزة تكون جيدة حقًّا.»

فتقول إرلما: «حقًّا.»

•••

في اليوم التالي يزورنا هاري كروفتون — الذي يعمل بدوامٍ جزئيٍّ في مزرعة الديوك الرومي التي كان والدي يعمل بها — في وقت الغداء، وبعد بعض الاعتراضات الضرورية والمتوقَّعة يقتنع بالبقاء معنا. يحين موعد الغداء في الظهيرة، ونتناول فيه قِطَعَ لحمٍ مستديرة تمَّ دَقُّها وتغطيتها بالدقيق وطهيُها في الفرن، والبطاطس المهروسة في صوص اللحم، والجزر الأبيض المسلوق، وسَلطة الكرنب، والبسكويت، وكعك الزبيب، والتفاح الحامض المحفوظ، وفطيرة القرع العسلي بطبقة المارشميلو، إلى جانب الخبز والزبد، والعديد من المقبلات، والقهوة الفورية والشاي.

ينقل هاري رسالة فحواها أن جُو تومس، الذي يعيش عند النهر في كارافان، ولا يوجد لديه هاتف، سوف يكون ممنونًا لو زاره والدي ومعه جِوال من البطاطس، وبالطبع سوف يدفع ثمنه. كان سيأتي ويأخذه بنفسه لو كان يستطيع، ولكنه لا يستطيع القدوم.

تقول إرلما: «أراهنُ أنه يستطيع.»

فيحاول أبي صرف الانتباه عن هذه السخرية بأن يقول لي: «إنه شبه أعمى هذه الأيام.»

يضيف هاري: «إنه بالكاد ما يجد طريقه إلى متجر الخمور.»

فيضحك الجميع.

فتقول إرلما مُعقِّبة: «إنه يستطيع أن يجد طريقه إلى هناك عن طريق أنفه.» ثم تعيد ما قالته بحسٍّ من الاستمتاع كعادتها: «إنه يجد طريقه إلى هناك عن طريق أنفه.»

إرلما امرأة بدينة ذات وجهٍ متورِّد، وضفائر مصبوغة باللون البُني الذهبي، وعينَين بُنِّيتَين لا يزال بهما لمعان، وطَلَّة من الاستعداد العاطفي، والوقوف دائمًا على شفا المرح الصاخب. أو على شفا الجَزع الذي يتحوَّل تدريجيًّا إلى غضبٍ وثورة؛ فهي تحب إضحاك الآخرين، وإضحاك نفسها. وفي أوقاتٍ أخرى تجدها تضع يديها على وركيها دافعةً رأسها إلى الأمام لتطلق عبارة لاذعة، وكأنها تتمنَّى لو أثارت شجارًا، وهو السلوك الذي تربطه بكونها أيرلندية وبكونها قد وُلِدَت على متن قطار.

«أنا أيرلندية، كما تعلم؛ لذا أتشاجر على الطريقة الأيرلندية. ووُلِدتُ على متن قطارٍ متحرك، لم أستطع الانتظار، كان القطار يسير على خط كيكينج هورس (بمعنى الحصان الرافس) للسكك الحديدية، أتعلم ماذا يعني ذلك؟ إن كونك مولودًا على ظهر حصانٍ رافسٍ يعني أنك تعرف كيف تُدافع عن نفسك، وتلك حقيقة.» بعدها، وسواءٌ ردَّ مستمعوها بنفس الطريقة أو تراجعوا في صمتٍ مرتبِك، سوف تطلق ضحكة يشوبها التحدِّي.

تقول موجِّهة الحديث لهاري: «ألا يزال جُو يعيش برفقة تلك السيدة التي تُدعى بيجي؟»

أنا لا أعرف بيجي؛ ومن ثَمَّ سألتُ عنها.

فيردُّ هاري في نبرة تعنيفٍ قائلًا: «ألا تذكرين بيجي؟» ثم يخاطب إرلما قائلًا: «أنتِ تراهنين أنه لا يزال يعيش معها.»

كان هاري يعمل لدينا حين كان أبي يملك مزرعة الثعالب وكنت أنا صغيرة. كان يعطيني حلوى العرقسوس من غياهب جيوبه الضبابية، وحاول أن يعلِّمني قيادة الشاحنة، وكان يدغدغني عند رباط بنطالي المرن.

يقول لي: «بيجي جورينج؟ كانت هي وشقيقاها يعيشون بجوار السكك الحديدية الواقعة على هذا الجانب من شركة كندا باكرز؟ إنهم من أصولٍ هندية. هيو وبَد جورينج. هيو الذي كان يعمل في مصنع الألبان؟»

يتدخل أبي قائلًا: «كان بَد هو الحارس في مبنى مجلس البلدة.»

فتقول إرلما بشيءٍ من الحدة: «أتتذكرينهم الآن؟» فمن الممكن أن يبدوَ نسيان الأسماء والحقائق في محيطكِ شيئًا متعمَّدًا، وسلوكًا وقحًا غير لائق.

فأقول إنني قد تذكَّرتهم، رغم أن الواقع غير ذلك.

تقول: «لقد رحل هيو ولم يَعُدْ مطلقًا؛ ما جعل بَد يغلق المنزل، ويعيش في الغرفة الخلفية منه فقط. إنه يتقاضى المعاش الآن، ولكنه بخيل لدرجة أنه لا يُدفئ المنزل بأكمله.»

فيقول أبي: «لقد صار غريب الأطوار بعض الشيء مثل بقيتنا.»

يقول هاري الذي يعرف ودائمًا ما كان يعرف كلَّ قصة وكلَّ شائعة وكلَّ فضيحة، وربما الأنساب في نطاق أميالٍ عديدة: «إذن هل تذكرتِ بيجي؟ بيجي التي كانت رفيقة جُو؟ قبل سنوات. ولكن بعد ذلك رحلتْ وتزوَّجتْ من شخصٍ آخر، وكانت تعيش في الشمال. وبعد فترةٍ رحل جُو إلى هناك وعاشا معًا، ولكن دبَّت بينهما مشاجرة كبيرة ورحل إلى الغرب.» يضحك في صمتٍ مثلما كان يفعل دائمًا، وبِكَمٍّ كبيرٍ من السخرية المكتومة التي تبدو مكبوتة بداخله؛ ما يجعلها تُولِّد رعشة تسري عبر صدره وكتفيه.

تقول إرلما: «هكذا كان حالهما. هكذا استمرَّا.»

يواصل هاري حديثه قائلًا: «بعد ذلك انطلقت بيجي غربًا وراءه وانتهى الأمر بأن عاشا معًا هناك، ويبدو أنه كان يعتدي عليها بالضرب المبرح لدرجة أنها استقلَّت القطار في النهاية وعادت إلى هنا. ويبدو أنه قد ضربها بعنفٍ قبل أن تستقلَّ القطار، لدرجة أن الناس اعتقدوا أنهم سيُضطرون للتوقُّف ونقلها إلى المستشفى.»

تقول إرلما: «كَمْ أودُّ أن أرى ذلك. أودُّ أن أرى رجلًا يُجرِّب فعل ذلك معي.»

يقول هاري: «أجل، حسنًا. ولكن لا بد أنها قد تحصَّلت على بعض المال أو جعلت بَد يدفع لها مقابل نصيبها في المنزل؛ لأنها اشترت لنفسها الكارافان. ربما ظنَّت أنها ستسافر. ولكن ظهر جُو مرةً أخرى ونقلا المقطورة إلى النهر وتزوَّجا. لا بد أن زوجها الآخر كان قد مات.»

تقول إرلما: «لقد تزوَّجا حسبما يقولون.»

فيقول هاري: «لست أدري. إنهم يقولون إنه لا يزال يُمعن في ضربها حين تواتيه الرغبة في ذلك.»

تقول إرلما: «ليت أيَّ شخصٍ يُجرِّب فعل ذلك معي، وسوف أضربه. سوف أضربه في مكانٍ حسَّاس بجسده.»

يقول أبي في ذعر هازئ: «اهدئي، اهدئي.»

يقول هاري: «ربما يكون لجذورها الهندية دخلٌ في ذلك؛ فهم يقولون إن الهنود يضربون نساءهم بين الحين والآخر وهذا يجعلهن يحببنهم أكثر.»

أشعر بأنني مضطرة لأنْ أقول: «أوه، هكذا يتحدَّث الناس عن الهنود.» وتقول إرلما — التي سرعان ما يتسلل إليها شيءٌ من السموِّ أو التميُّز — إنَّ ما يقوله الناس عن الهنود به قدرٌ كبير من الحقيقة، وإنني يجب ألا أعبأ بالأمر.

يقول أبي: «حسنًا، إن هذه المحادثة مشوِّقة أكثر من اللازم لعجوزٍ مثلي، أعتقد أنني سأذهب للاضطجاع في فراشي قليلًا في الطابق العلوي.»

•••

تقول إرلما بعد أن نسمع خطوات أبي البطيئة على الدَّرَج: «إنه ليس كعادته؛ فهو يشعر بالإرهاق منذ يومَين أو ثلاثةٍ الآن.»

أقول وبداخلي شعورٌ بالذنب لعدم ملاحظتي ذلك: «حقًّا؟» يبدو لي الآن مثلما يبدو لي دائمًا حين تجمعني زيارة مع إرلما؛ مضطربًا ومتوجسًا بعض الشيء، وكأنَّ عليه أن يكون يقظًا، كأن الأمر يتطلَّب بعض الطاقة لكي تشرح كلٌّ منَّا موقفها وتدافع عنه أمام الأخرى.

تقول إرلما: «إنه ليس على ما يُرام. أستطيع أن أجزم بذلك.»

تلتفت لهاري الذي كان قد ارتدى سترته.

تقول له وقد حالت بينه وبين الباب لتعترض طريقه: «فقط أخبرني بشيءٍ قبل أن تخرج من هذا الباب. أخبرني كَمْ من الحِبال يلزم لتقييد امرأة؟»

يتظاهر هاري بالتفكير ويقول: «امرأةٌ ضخمة أم رفيعة؟»

«أي امرأةٍ من أي حجم.»

«أوه، لا أستطيع أن أخبركِ. لا أستطيع.»

تقول إرلما: «خصيتان وقضيب.» ويطالنا بعضُ الرذاذ البعيد من مدى الضحكة المكبوتة التي شعر بها هاري.

«إرلما، أنتِ فظيعة.»

«أنا كذلك. أنا فظيعة. أنا كذلك.»

•••

أذهبُ مع أبي في السيارة لتسليم البطاطس لجُو تومس.

«ألست على ما يُرام؟»

«لستُ في أفضل حال.»

«ما وجه هذا الشعور؟»

«لا أعلم، لا أستطيع النوم، لن أُفاجأ إذا أُصبت بالأنفلونزا.»

«هل ستستدعي الطبيب؟»

«إذا لم أشعر بتحسُّن، فسوف أستدعي الطبيب. لكن إذا استدعيته الآن فأنا فقط أُضيع وقته.»

جُو تومس، الذي يكبرني بحوالي عشر سنوات، رجلٌ واهن ومرتجف على نحوٍ مثيرٍ للانزعاج، وذو ذراعَين طويلتَين هزيلتَين، ووجهٍ وسيمٍ فاسدٍ وغير محلوق، وعينَين ضعيفتَين. لا أستطيع أن أُدرك كيف يمكنه ضرب أي شخص، يتلمَّس طريقه ليقابلنا ويأخذ جِوال البطاطس، ويحثنا على الدخول إلى الكارافان المليء بالدخان.

يقول: «أعتزمُ أن أسدد لك ثمنه هنا. فقط أخبرني كَمْ يساوي؟»

فيقول أبي: «لا عليك.»

تقف امرأة بدينة عند الموقد تُقلِّب شيئًا في قِدر.

فيقول أبي: «بيجي، هذه ابنتي. إنَّ هذا الذي تطهينه رائحته طيبة.»

لا تجيب، فيقول جُو تومس: «إنه أرنب قُدِّم إلينا كهدية. لا جدوى من الحديث إليها؛ فهي لن تسمعك. إنها صماء وأنا كفيف. أليس هذا من فعل الشيطان؟ إنه مجرد أرنب، ولكننا لا نرفض الأرانب؛ فالأرانب طعامٌ نظيف.»

يتضح لي الآن أن السيدة ليست بدينة على الإطلاق. فقد كان الجزء العلوي من ذراعها المتاخم لنا لا يتناسب مع جسدها؛ إذ كان متورمًا كالفطر النفاث. كان الكُمُّ منزوعًا من ردائها، تاركًا منطقة الإبط منسلة تتدلى منها الخيوط، جاعلًا لحمها المتورم مكشوفًا ومتلألئًا في وسط دخانِ وظلِّ الكارافان.

يقول أبي: «يكفي هذا الأرنب.»

يقول جُو: «أعتذر لأنني لم أُقدِّم لك شرابًا، ولكن لا يوجد شرابٌ هنا في المنزل، فلم نعد نشرب على الإطلاق.»

«أصدقك القول، إنني أيضًا أشعر بأنني لا أقوى عليه.»

«لم يعد ثَمَّةَ أي شرابٍ منذ الْتحقنا بالمعبد المورموني أنا وبيجي. أسمعتَ بانضمامنا إليه؟»

«كلا يا جُو، لم أسمع بذلك.»

«لقد فعلنا هذا. وكَمْ من راحةٍ جلبها لنا ذلك.»

«عظيم.»

«أُدرك الآن أنني قد قضيت حياتي في الطريق الخطأ، وبيجي أيضًا تُدرك ذلك.»

فيقول أبي في تأمل: «امممم.»

«أُحدِّث نفسي بأن لا غرابة في أن الرب قد سلبني بصري، لقد جعلني ضريرًا، ولكني أرى حكمته في ذلك. إنني أرى حكمة الرب؛ نحن لم نُدخِل المنزل قطرة واحدة من الشراب منذ أول عطلة نهاية أسبوعٍ في شهر يوليو، كانت تلك هي آخرَ مرة. الأول من يوليو.»

يقرب وجهه من وجه أبي.

«أترى حكمة الرب؟»

فيقول أبي وهو يتنهَّد: «أوه يا جُو. جُو، أعتقد أن كلَّ ذلك ما هو إلا هراء.»

اندهشَ من ذلك؛ لأن أبي عادةً ما كان رجلًا لديه قدرٌ كبيرٌ من الدبلوماسية والقدرة على بعض المراوغة الرقيقة؛ فلطالما كان يتحدَّث إليَّ، بأسلوبٍ شبه تحذيري، عن الحاجة إلى التوافق مع الناس وعدم استفزازهم.

وكانت دهشة جُو تومس أكبر من دهشتي.

«أنت لا تقصد قول ذلك، لا تقصده. أنت لا تعرف ما تقول، أليس كذلك؟»

«نعم، أعرف.»

«إذن عليك أن تقرأ كتابك المقدس، وعليك أن ترى كل ما يقوله.»

فيضرب أبي بيديه على ركبتيه في عصبيةٍ أو نفاد صبر.

«من الممكن لأي شخصٍ أن يتفق أو يختلف مع الكتاب المقدس يا جُو؛ فالكتاب المقدس مجرد كتابٍ مثل أي كتابٍ آخر.»

«من الإثم أن تقول ذلك. لقد كتب الرب الكتاب المقدس وخطَّط العالم وخلقه وخلق كل واحدٍ منَّا يعيش هنا.»

يقول أبي وهو يزيد من ضرب يده على ركبتيه: «لا أعرف شيئًا عن ذلك يا جُو، لا أعرف، وإذا تحدثنا عن تخطيط العالم، فمَنْ قال إنه لا بد أن يكون قد خطَّط له من الأساس؟»

«حسنًا، فمَنِ الذي خلقه؟»

«لا أعرف الإجابة، ولا أهتم بذلك.»

أرى أن وجه أبي على غير عادته؛ فلا يبدو عليه القَبول والاستساغة (اللذان كانا أكثر تعابيره شيوعًا) ولا العبوس أيضًا. يبدو عليه العناد والتعنُّت ولكن من دون تحدٍّ، كان فقط منغلقًا على نفسه في كللٍ متعنِّت، وكأن شيئًا بداخله قد تجمَّد ووصلَ إلى نقطة توقُّف.

•••

يقود أبي السيارة متجهًا إلى المستشفى، وأنا أجلسُ بجواره وعلى ركبتيَّ علبة صفيح قديمة، على استعدادٍ لحملها له حال اضطُرَّ للوقوف على جانب الطريق وشعر بالغثيان مرةً أخرى؛ فقد ظلَّ ساهرًا طوال الليل وتقيَّأ كثيرًا، وفي الأوقات التي تخلَّلت ذلك جلسَ إلى طاولة المطبخ يتطلَّع في «الأطلس التاريخي». يعرفُ هذا الرجلُ الذي قلَّما غادرَ مقاطعة أونتاريو بعضَ المعلومات عن أنهار آسيا والحدود القديمة في الشرق الأوسط، ويعرف أين يقع أعمق خندقٍ في أرضية المحيط، ويعرف مسار فتوحات الإسكندر الأكبر، ومسار فتوحات نابليون، وأن الخَزَرَ قد أَنشَئُوا عاصمتهم عند الْتقاء نهر الفولجا ببحر قزوين.

قال إنه يعاني من ألمٍ في كتفَيه وظَهْره، وما كان يُسمِّيه عدوه القديم؛ ألم البطن.

في حوالي الساعة الثامنة صَعِدَ إلى الطابق العلوي ليحاول النوم، وقضيتُ أنا وإرلما الصباح في الحديث والتدخين في المطبخ، آملَتَين أن يكون قد فعل ذلك.

راحت إرلما تتذكَّر ما كان لها من تأثيرٍ على الرجال، والذي بدأ مبكرًا حين حاول أحد الرجال التغرير بها حين كانت تشاهد إحدى المسيرات ولم تزل في التاسعة من عمرها. وخلال السنوات الأولى من زيجتها الأولى وجدت نفسها تسير في أحد شوارع تورونتو تبحث عن مكانٍ كانت قد سمعت عنه يبيع قطع غيارٍ للمكانس الكهربائية. فقال لها رجل، وكانت لا تعرفه: «دعيني أُسْدِ إليكِ نصيحة يا سيدتي الصغيرة، لا تسيري في المدينة وعلى وجهك مثل هذه الابتسامة؛ فقد يسيء الناسُ فهمَها.»

«لم أكن أعرف كيف كنت أبتسم. لم أكن أقصد أيَّ سوء؛ فقد كنت دومًا ما أبتسم أكثر مما أعبس. لم أُذهَل في حياتي قط مثلما ذُهِلتُ حينها.» «لا تسيري في المدينة وعلى وجهك مثل هذه الابتسامة.» تنحني إلى الوراء في مقعدها، فاتحةً ذراعيها في قلة حيلة، وتضحك.

تقول: «كَمْ كنت مثيرة! ولم أدرِ حتى ذلك.»

تخبرني بما كان أبي يقوله لها، كان يقول لها إنه كان يتمنى لو كانت هي مَنْ صارت زوجته من البداية وليس أمي.

«هذا ما قاله. قال إنني أنا مَنْ كانت ستُناسبه، وإنه كان من المفترض أن يكون هو أول مَنْ يتزوَّجني.»

وهذه هي الحقيقة، على حدِّ قولها.

•••

حين نزل أبي، قال إنه قد تحسَّن، وإنه قد نالَ قدرًا قليلًا من النوم وإنَّ الألم قد تلاشى، أو على الأقل ظنَّ أنه يتلاشى. كان بإمكانه أن يحاول تناول شيء؛ فقدمتْ له إرلما شطيرة، وبيضًا مقليًّا، وصوص تفاح، وكوبًا من الشاي. حاول أبي أن يتناول كوبَ الشاي، ثم تقيَّأ وظلَّ يتقيَّأ مادةً صفراء.

ولكن قبل أن يُغادر إلى المستشفى كان عليه أن يصطحبني إلى الحظيرة ليُريَني مكان التبن، وكيف أضعه للأغنام. يربي هو وإرلما ٢٤ رأسًا أو نحو ذلك من الأغنام، لا أعرف لماذا يفعلان ذلك؛ فلا أظن أنهما يتكسَّبان من الأغنام ما يكفي من المال لكي يكون هذا العمل الذي يتكبَّدانه بسببها يستحق العناء. ربما يكون من قبيل الطمأنة فقط أن يكون ثَمَّةَ بعض الحيوانات حولهما. كان لديهما كلب باستر بالطبع، ولكنه ليس من حيوانات المزرعة بالمعنى الدقيق؛ فالأغنام تُولِّد مهامًّا؛ أعمالًا حقلية تظل بحاجةٍ إلى القيام بها، وهو نوع العمل الذي عرفاه طوال حياتهما.

الأغنام لا تزال ترعى بالخارج، ولكن الحشائش التي تتغذَّى عليها فقدت بعضًا من قيمتها الغذائية — إذ كانت هناك عاصفتان من الصقيع — لذا لا بد أن تتناول التبن كذلك.

•••

أجلسُ في السيارة بجواره حاملةً العلبة ونتبع ذلك الطريق القديم المعتاد ببطءٍ — شارع سبنسر، شارع الكنيسة، شارع ويكسفورد، شارع ليدي سميث — نحو المستشفى. البلدة لا تزال على حالها إلى حدٍّ كبيرٍ على عكس المنزل؛ فما من شخصٍ يسعى لتجديدها أو تغييرها. غير أنها تغيَّرت في نظري. لقد كتبتُ عنها واستهلكتُ كلَّ مكانٍ فيها؛ فلا تزال هنا على نحوٍ أو آخر نفس البنوك ومتاجر الأدوات المعدنية والبقالة وصالون الحلاقة وبرج مجلس البلدة، غير أن كلَّ رسائلها البلدة الكثيرة والسرية التي كانت تبعث بها إليَّ تلاشت جميعًا.

ولكن لم تتلاشَ بالنسبة إلى أبي؛ فقد عاشَ هنا وليس في أي مكانٍ آخر، ولم يهرب من الأشياء عن طريق مثل هذا الاستخدام.

•••

يحدث أمران غريبان بعض الشيء عند اصطحابي لأبي إلى داخل المستشفى؛ يسألونني عن عمره، وأجيبُ على الفور: «اثنان وخمسون»، وهو عمر رجلٍ تربطني به علاقة حب. فأضحك وأعتذر وأُهرَع إلى السرير الذي يرقد عليه في قسم الطوارئ، وأسأله إن كان عمره اثنين وسبعين أم ثلاثة وسبعين؛ فينظر إليَّ وكأن السؤال قد أثار استغرابه هو الآخر، ويقول: «معذرة.» بأسلوبٍ رسميٍّ لكي يكسب وقتًا للتركيز، ثم يستطيع أن يخبرني بأنه في الثانية والسبعين. تسري رعشة بسيطة عبر جسده بأكمله، إلا أن ذقنه يرتعش على نحوٍ ملحوظٍ مثلما كان يحدث مع أمي. وفي خلال الفترة القصيرة منذ دخوله المستشفى حدثَ بعضُ الاستسلام. بالطبع كان يعرف أنه سيحدث، وهذا ما جعله عازفًا عن القدوم. تأتي الممرضة لقياس ضغط الدم لديه ويحاول أن يُشمِّر كُمَّ قميصه ولكنه لا يستطيع؛ فتُضطر هي للقيام بذلك بدلًا منه.

تقول لي الممرضة: «يمكنكِ الذهاب والجلوس في الغرفة بالخارج؛ فالجلوسُ هناك مريح أكثر.»

أما الشيء الغريب الثاني، فيتصادف أن الطبيب باراكولام، طبيب أبي الخاص — والمعروف محليًّا بالطبيب الهندوسي — هو الطبيب المتأهِّب للاستدعاء في قسم الطوارئ. يصل بعد فترةٍ وأسمع أبي يبذل جهدًا لتحيته بطريقةٍ دمثةٍ لطيفة. وأسمع الستائر تُسدَل حول السرير. وبعد الفحص يخرج الطبيب باراكولام ويتحدث إلى الممرضة التي كانت وقتها مشغولةً على المكتب الموجود في الغرفة التي أنتظر فيها.

«حسنًا. أدخلوه. في الطابق العلوي.»

يجلس الطبيب قُبالتي بينما تتحدَّث الممرضة في الهاتف.

تقول عبر الهاتف: «لا؟ حسنًا إنه يريده هناك. لا. حسنًا، سوف أبلغه.»

«يقولون إنه سيُضطر لدخول عنبر ٣ج؛ فلا توجد أَسِرَّة.»

فيقول الطبيب: «لا أريده في قسم الحالات المُزمنة، أريده في قسم الرعاية المُركَّزة، أريده بالطابق العلوي.» ربما يتحدث إليها بطريقةٍ أكثر تسلطًا، أو بنبرةٍ أقرب إلى شخصٍ مغلوبٍ على أمره، من طبيبٍ نشأ في هذه البلاد.

فتقول: «حسنًا، إذن، ربما عليك أن تتحدَّث إليهم. أتريد التحدُّث إليهم؟»

إنها ممرضة طويلة نحيلة، في منتصف العمر، مرِحة وذات لهجةٍ عامية، وتتصرَّف قليلًا كالرجال، ونبرتها معه أقل تحفُّظًا، وأقل لياقةً واحترامًا من النبرة التي توقَّعت أن تعتمدها ممرضة مع طبيب. ربما هو ليس بالطبيب الذي يحظى باحترام مَن حوله. أو ربما أنَّ نساء هذه البلاد والبلدة الصغيرة، اللاتي يتَّسمن عامةً بالتحفُّظ الشديد في آرائهن، يمكن في الغالب أن يكون أسلوبهن متسلطًا وجريئًا.

يلتقط الطبيب باراكولام سماعة الهاتف.

«لا أريده في قسم الحالات المزمنة. أريده في الطابق العلوي. حسنًا، ألا تستطيعون — نعم أعرف. ولكن ألا تستطيعون؟ — هذه حالة — أعلم. ولكنني أقول — نعم. نعم حسنًا. حسنًا. فهمت.»

ويضع السماعة ويقول للممرضة: «أنزليه إلى عنبر ٣ج.» وتأخذ سماعة الهاتف لترتيب الأمر.

قلت له: «ولكنك تريده في قسم الرعاية المُركَّزة»، ظنًّا مني أنه لا بد أن ثَمَّةَ طريقةً ما يمكن بها أن تكون لاحتياجات أبي الغَلبة.

«نعم، أريده هناك، ولكن ما من شيءٍ بإمكاني فعله إزاء ذلك.» لأول مرةٍ ينظر إليَّ الطبيب مباشرة وربما صرت أنا الآن عدوته، وليس الشخص الذي على الهاتف. إنه رجلٌ أنيقٌ قصير القامة، وذو بشرةٍ بُنية، وعينين كبيرتين لامعتين.

قال لي: «لقد بذلت أقصى ما في وسعي. ماذا يمكنني أن أفعل أكثر من ذلك في ظنكِ؟ ما قيمة الطبيب؟ لم يعد الطبيب يساوي شيئًا الآن.»

لا أعلم من يظن أنه المُلام في ذلك — الممرضات، أم المستشفى، أم الحكومة — ولكنني لم أعتدْ رؤية الأطباء بهذا الانفعال، وآخر شيءٍ أريده منه هو الاعتراف منه بالعجز وقلة الحيلة؛ فهذا يبدو نذير شؤمٍ على أبي.

فقلت: «أنا لا ألومك …»

«حسنًا إذن. لا تلوميني.»

تفرغ الممرضة من الحديث عبر الهاتف، وتخبرني بأن عليَّ التوجُّه إلى قسم الإدخال وملء بعض الاستمارات، وتقول: «أمعكِ بطاقته؟» ثم تخاطب الطبيب قائلة: «إنهم يُدخلون شخصًا صدمته سيارة على طريق لاكناو السريع. وبقدر ما فهمت، حالته ليست سيئة جدًّا.»

«حسنًا، حسنًا.»

«إنه يومك!»

•••

يُودع أبي في عنبرٍ مكوَّنٍ من أربعة أسِرَّة، أحدها خاوٍ، وفي السرير المجاور له، بجانب النافذة، يوجد رجل عجوز ينام مستلقيًا على ظهره ويتلقَّى الأكسجين ولكن يستطيع التحدُّث. يقول إنه خلال العامَين المنصرمَين خضع لتسع عملياتٍ جراحية، وأمضى معظم العام الفائت في مستشفى المحاربين القدماء في المدينة.

«لقد استأصلوا كل شيءٍ استطاعوا استئصاله ثم أتخموني بحبات الدواء وأرسلوني إلى المنزل كي أموت.» يقول هذا وكأنه دعابة ألقاها عدة مراتٍ بنجاح.

في حوزة هذا الرجل راديو كان يُشغله على محطةٍ لموسيقى الروك. ربما هذا هو كلُّ ما استطاع الوصول إليه، وربما كان يحبها.

على الجانب الآخر من أبي كان ثَمَّةَ سرير لمسنٍّ آخر كان قد نُقِلَ منه ووُضِعَ على كرسيٍّ متحرك. هذا الرجل له شعر أبيض قُصَّ على نحوٍ قصيرٍ للغاية، ولكن لا يزال كثيفًا، وله الرأس الكبير والجسد النحيل المميَّز الذي لطفلٍ سقيم. يرتدي رداء مستشفًى قصيرًا ويجلس في الكرسي المتحرك وساقاه متباعدتان، كاشفًا عن خصيتين بُنيتَين جافتَين. توجد صينية في مقدمة الكرسي مثل تلك الموجودة في كرسي الأطفال العالي، وكان قد أُعطيَ منشفةَ وجهٍ ليلعب بها. يلفُّ هذا الرجل المنشفة على هيئة أسطوانةٍ ويطرقها ثلاث مراتٍ بقبضة يده، ثم يحلُّها ويعاود لَفَّها مجددًا بعناية، ويطرقها مرةً أخرى. كان دائمًا يطرقها ثلاث مرات، مرةً عند كل طرفٍ من طرفَيها ومرةً في المنتصف. ويستمر هذا الفعل طوال الوقت.

يقول أبي بصوتٍ خفيض: «ديف إيلرز.»

«أتعرفينه؟»

«بالتأكيد، إنه عامل السكة الحديد العجوز.»

يرمقنا عامل السكة الحديد العجوز بنظرةٍ سريعة، دون أن يُوقِف ما يقوم به، ويقول بنبرة تحذير: «ها.»

فيقول أبي دون سخريةٍ كما بدا: «لقد تدهورت حالته.»

فأقول: «حسنًا، أنت أجمل رجلٍ في الغرفة والأكثر أناقةً أيضًا.»

حينئذٍ يبتسم بوهنٍ وإرهاق. كانوا قد سمحوا له بارتداء بيجامته المقلمة باللونَين الكستنائي والرمادي التي أخرجتْها إرلما له من علبتها، حيث كانت هدية تلقاها بمناسبة الكريسماس.

«ألا تشعرين أن حرارتي مرتفعة قليلًا؟»

ألمسُ جبهته لأجدها ملتهبة من الحرارة.

فأميلُ نحوه هامسة: «ربما قليلًا، سوف يعطونك شيئًا، أعتقد أيضًا أنك قد حصدت ميزة الدخول المبكر في نطاق الخطر الفكري.»

فيقول: «ماذا؟ أوه.» وينظر حوله، ثم يردف قائلًا: «ربما لا أستطيع أن أحتفظ بها.» وحتى بينما يقول هذا يرمقني بتلك النظرة العاجزة التي تعلَّمتُ تفسيرها اليوم، وعلى الفور أنتزع الحوض الصغير من الحامل القابع بجوار السرير وأحمله له.

وبينما أبي يحاول التقيؤ، إذا بالرجل الذي أجرى تسع جراحاتٍ يرفع صوت الراديو على أغنية تقول:

جالسٌ على السقف
أنظرُ من أعلى إلى أسفل
أشاهدُ جميع الناس
وهم يدورون ويدورون.

أعود إلى المنزل وأتناول العشاء مع إرلما. وسأذهبُ إلى المستشفى مجددًا بعد العشاء، على أن تذهب إرلما غدًا؛ فقد قال أبي إنه من الأفضل ألا تأتيَ إرلما الليلة.

قال: «انتظري حتى تصبح حالتي تحت السيطرة، لا أريد أن أزعجها.»

تقول إرلما: «إن باستر في مكانٍ ما بالخارج. لا أستطيع أن أناديَه ليعود. وإذا لم يأتِ إليَّ، فلن يذهب إلى أي شخصٍ آخر.»

باستر هو كلب إرلما في الأساس؛ فهو الكلب الذي أحضرته معها حين تزوجت أبي. كان نصفه شيبرد ألمانيًّا والنصف الآخر كولي اسكتلنديًّا، وهو كلب عجوز جدًّا وله رائحة كريهة، وكئيب على نحوٍ عام. إن إرلما على حق؛ فهو لا يثق بأحد سواها. ومن وقتٍ لآخر خلال أكلنا، تنهض وتناديه من عند باب المطبخ.

«تعالَ إلى هنا يا باستر. باستر، باستر. عُدْ إلى المنزل.»

«أتودِّين أن أخرج وأناديَه؟»

«لن يُجديَ ذلك. فلن يُلقيَ بالًا لكِ.»

يبدو لي صوتها أضعف وأكثر إحباطًا عند مناداتها على باستر عما تسمح له أن يكون حين تتحدث مع أي شخصٍ آخر. تُصفرُ له، بأقوى ما تستطيع، ولكن تصفيرها أيضًا يفتقد الحيوية والقوة.

تقول: «أراهنكِ أنني أعرف أين ذهب. عند النهر.»

يدور بخلدي أنني سأُضطرُّ لارتداء حذاء أبي العالي المطاطي وأذهبُ للبحث عنه بصرف النظر عما تقوله. حينئذٍ، ودون أي ضجةٍ أستطيع سماعها، ترفع رأسها وتُهرع إلى الباب وتنادي: «تعالَ هنا أيُّها العجوز باستر. ها هو هناك. ها هو هناك. فلتَحضرِ الآن. تعالَ يا باستر. ها هو العجوز هناك.»

تقول وهي تنحني وتحتضنه: «أين كنت؟ أين كنت أيُّها الشقي العجوز؟ أعلم، أعلم. لقد ذهبتَ وبلَّلتَ نفسك في النهر.»

تفوح من باستر رائحة عفن وأعشاب النهر. ويتمطَّى على السجادة ما بين الأريكة وجهاز التليفزيون.

تقول وهي تحتضنه في المنشفة التي تستخدمها لتنظيفه: «لقد عاوده اضطراب معدته مرةً أخرى، هذا كل ما في الأمر. هذا ما جعله ينزل إلى الماء؛ إنه يُسبب له حرقة ما تجعله ينزل الماء ليُخفِّفها. ولكنه لن يشعر بأي راحةٍ حقيقيةٍ حتى يُخرجها. لا، لن يشعر براحة. مسكينٌ هذا العجوز.»

توضح لي مثلما فعلتْ من قبلُ أن الاضطراب المعوي الذي يعاني منه باستر سببه التسكُّع في حظيرة الديوك الرومي والْتهام أي شيءٍ يجده هناك.

«إنه يأكل بقايا الديوك النافقة والتي بها بعض الريش، فتدخل جسمه ولا يستطيع إخراجها مثلما يفعل الكلب الأصغر منه سنًّا؛ فهو لا يستطيع التعامل معها، فتتجمَّع في أمعائه وتُسبِّب انسدادًا هناك ولا يستطيع إخراجها ويظل يتألم. فقط أنصتي له.»

وبالفعل باستر ينخر ويتأوَّه، ويدفع نفسه باتجاه قدميه.

«ربما يظل على ذلك طوال الليل. لا أعرف. ربما لا يستطيع إخراجها على الإطلاق. ولا يسعني عمل شيءٍ إزاء ذلك سوى الخوف. أنا أعلم إن أخذته إلى العيادة البيطرية أنهم لن يساعدوه. سوف يكتفون بقول إنه عجوز جدًّا، ولن يرغبوا في حجزه.»

ويستمر باستر في التأوُّه.

•••

يقول السيد إيلرز، عامل السكة الحديد: «لا أحدَ يعبأ حتى بالقدوم لوضعي في السرير.» إنه في السرير يجلس مسندًا. كان صوته أجشَّ وقويًّا، ولكنه لم يشأ إيقاظ أبي. جفْنا أبي يرتعشان، وطاقم أسنانه قد نُزِعَ؛ ما جعل فمه يهبط عند الأركان، فيما تختفي شفتاه تقريبًا. ترتسم على وجهه النائم نظرة من الإحباط الثابت المستعصي على التغيير.

يقول السيد إيلرز مخاطبًا الردهة الساكنة: «أخرِسوا تلك الضجة هناك. أخرِسوها وإلا غرَّمتكم مائة وثمانين دولارًا.»

فيقول الرجل صاحب الراديو: «فلتخرس أنت أيُّها المعتوه العجوز.» ثم يُشغِّل الراديو.

«مائة وثمانين دولارًا.»

يفتح أبي عينيه ويحاول الجلوس في السرير ويضطجع في استرخاء، ويقول لي في نبرةٍ شابَها بعض الإلحاح: «كيف يمكننا أن نجزم بأن النِّتاج النهائي إنسان؟»

«أخرج يديك من جيبي …»

يقول أبي: «إنه التطوُّر. ربما نكون قد أخطأنا فهم الموقف فيما يتعلق بذلك. ثَمَّةَ شيءٌ يدور لم نعرفه في البداية.»

ألمس جبهته فأجد حرارته مرتفعة كالعادة.

«ما رأيكِ في ذلك؟»

«لا أعرف يا أبي.»

لأنني لا أفكر في أمورٍ كهذه. فعلتها مرةً واحدة، ولكن لم أكررها مجددًا أبدًا؛ فكلُّ تفكيري الآن في عملي وفي الرجال.

كانت قدرته على الحديث في طريقها إلى النفاد.

«ربما تكون قادمة؛ عصورٌ مظلمة جديدة.»

«أتعتقد ذلك؟»

«لقد تفوَّقت علينا إرلما نحن الاثنين.»

يبدو صوته رقيقًا بالنسبة إليَّ، ولكن مشوبًا بالحزن. بعدها يبتسم ابتسامةً واهنة. أظنُّ أن الكلمة التي ينطق بها هي … «عجيبة».

•••

ترحبُ بي إرلما لدى عودتي إلى المنزل قائلة: «لقد تجاوز باستر الأزمة.» وعلا وجهَها بريقٌ من الارتياح والانتصار.

«أوه، هذا رائع.»

«بعد أن ذهبتِ إلى المستشفى مباشرةً، خلا إلى المهمة. سوف أعدُّ لكِ فنجانًا من القهوة حالًا.» تُشغِّل الغلاية، وكانت قد وضعت على الطاولة شطائر لحم خنزير، ومخللات بالمستردة، وجبنًا، وقطع بسكويت، وعسلًا أسود وأبيض، رغم فراغنا من العشاء قبل ساعتين فقط.

«لقد بدأ ينخر ويجوب المكان جيئةً وذهابًا ويتململ على السجادة. كاد يُجنُّ من البؤس ولم يكن بيدي شيءٌ أفعله. بعدها وفي حوالي السابعة والرُّبع سمعت صوت التغيير. يمكنني أن أُحدد من الصوت الذي يُحدثه حين ينزوي إلى مكانٍ أفضل حيث يمكنه أن يحاول التبرُّز. لا يزال هناك فطيرة متبقية، فنحن لم ننتهِ منها. هل تفضلين تناول الفطيرة؟»

«لا، أشكركِ؛ فهذا جيد.»

ألتقطُ شطيرة لحم.

«لذا أفتح الباب وأحاول إقناعه بأن يخرج حيث يمكنه التبرُّز.»

تُصدر الغلاية صفيرها، وتصبُّ الماء على قهوتي الفورية.

«انتظري دقيقة. سوف أُحضر لكِ بعض اللبن الحقيقي، ولكن فات الوقت؛ فقد تبرَّز على السجادة هناك. كانت كتلة ضخمة كهذه.» تطبق قبضتيها معًا وتريني إياهما، ثم تُردفُ قائلة: «وهي صلبة. يا مسكين. لا بد أن تَرَيْها. إنها تُشبه الصخرة.»

وتضيف: «وكنت على حقٍّ؛ فقد كانت ممتلئة عن آخرها بريش الديك الرومي.»

أُقلِّبُ القهوة الداكنة.

تقول مخاطبةً باستر الذي رفع رأسه: «وبعد ذلك تسارع الصوت مع نزول الفضلات اللينة. لقد حطَّمت السدَّ.» ثم تقول وهي تُدير ظهرها لي: «لقد نُشرت رائحة كريهة عبر المكان. ولكن أغلبها كانت على السجادة؛ لذا أخرجتُها وسلطت خرطوم الحديقة عليها، ثم أخذت الصابون وفرشاة الحَكِّ ثم شطفتها بالخرطوم مرةً أخرى، ثم دعكت الأرضية أيضًا ورششتها بالليزول، وتركت الباب مفتوحًا. لا يمكن أن يصل إلى أنفك أي رائحةٍ لها هنا الآن، أليس كذلك؟»

«كلا.»

«لا شك أنني كنت سعيدة حين رأيته وقد تخلَّص من معاناته. مسكينٌ هذا العجوز. لو كان بشرًا لكان عمره الآن أربعة وتسعين عامًا.»

•••

خلال أول زيارةٍ قمت بها لأبي وإرلما بعد أن انفصلتُ عن زوجي واتجهتُ شرقًا، ذهبتُ للنوم في الغرفة التي كانت غرفة نوم أبي وأمي؛ حيث صار أبي وإرلما ينامان في الغرفة التي كانت غرفتي. وحلمتُ بأنني قد دخلتُ لتوِّي هذه الغرفة التي كنت نائمة فيها بالفعل، ووجدتُ أمي جاثيةً على ركبتيها. كانت تطلي إزار الحائط باللون الأصفر. فقلت لها: ألا تعلمين أن إرلما سوف تطلي هذه الغرفة باللونين الأزرق والأبيض؟ فقالت أمي: بلى أعلم، ولكن أعتقد أنني لو أسرعتُ وانتهيتُ منها بالكامل، فسوف تدعها وشأنها ولن تُكلِّف نفسها عناء طلائها من جديد، ولكنكِ ستُضطرين لمساعدتي. سوف يكون عليكِ مساعدتي في الانتهاء من الطلاء؛ لأن عليَّ أن أفعل ذلك بينما هي نائمة.

وقد كانت على نفس هذه الشاكلة بالضبط في الماضي؛ فكانت تبدأ شيئًا بدفقةٍ كبيرةٍ من الطاقة، ثم تحشد الجميع لمساعدتها؛ بسبب نوبةٍ مفاجئةٍ من الإرهاق والعجز.

فقالت لي موضحة: «أنا ميتة كما تعلمين، لذا عليَّ أن أقوم بذلك وهي نائمة.»

•••

«لقد تفوَّقت علينا إرلما نحن الاثنين.»

ماذا كان أبي يقصد بذلك؟

أيقصد أنها لا تعرف سوى الأشياء النافعة لها، ولكنها تعرف تلك الأشياء جيدًا؟ أنها كان يمكن الاعتماد عليها في الحصول على ما تحتاج إليه، تحت أي ظروف؟ كونها شخصًا لا يفند رغباته، لا يشكِّك في أنه على صوابٍ في أي شيءٍ يشعر به أو يقوله أو يفعله؟

قلت في وصفي لها لأحد الأصدقاء إنها شخصٌ على استعدادٍ لفعل أي شيءٍ من أجل مصلحتها. وبعدها بالطبع قلت، ما العيب في ذلك؟

«… عجيبة.»

«إنها عجيبة.»

•••

حدث شيءٌ أشعر إزاءه بالخجل. حين قالت إرلما ما فعلته بشأن أمنية أبي أن لو كان قد عاش معها طوال حياته، وعن تفضيله لها عن أمي، قلت لها بنبرةٍ باردةٍ متزنة — تلك النبرة المُهذَّبة التي تحوي بداخلها قدرة على إيذاء المشاعر — إنني لا أشك في كونه قد قال ذلك. (وأنا لست كذلك. فأنا وأبي تجمعنا عادةٌ — ليست محمودةً جدًّا — تجعلنا كثيرًا ما نقول للناس ما نعتقد على نحوٍ أو آخر أنهم يرغبون في سماعه.) قلت إنني لم أكن أشك في كونه قد قال ذلك، ولكن لا أظن أنه من الكياسة أن تخبرني بذلك. «كياسة»، نعم. تلك هي الكلمة التي استخدمتُها.

كانت مندهشة من أن أحدًا قد استطاع أن يحاول صفعها على هذا النحو، في الوقت الذي كانت فيه سعيدة بنفسها وفي أوج زهوها. وقالت إنه لو كان ثَمَّةَ شيء لا تستطيع تحمُّله، فهو الناسُ الذين يسيئون فهمها، الناس بالغو الحساسية، واغرورقت عيناها بالدموع. ولكن حينئذٍ نزل أبي ونسيت شكواها — على الأقل نسيتها مؤقتًا — في خِضَم لهفتها للعناية به، وتقديم شيءٍ له يستطيع تناوله.

في خضم لهفتها؟ أستطيع أن أقول: في خضم حُبِّها؛ فقد تهلَّل وجهها وتورَّد وبشَّ وتخضَّب بالحب.

•••

أتحدَّث إلى الطبيب باراكولام عبر الهاتف.

«ما سببُ هذا الارتفاع في درجة حرارته في اعتقادك؟»

«إنه يعاني من عدوى في مكانٍ ما.» الكلمة التي لم يقلها هي «من الواضح».

«هل يأخذ … حسنًا، أعتقد أنه يأخذ مضادات حيوية لذلك، أليس كذلك؟»

«إنه يأخذ كلَّ شيء.»

لحظة صمت.

«حسب رأيك، أين تُوجد العدوى …»

«إنني أُجري له تحاليل اليوم. تحاليل دم، ورسم قلب آخر.»

«أتظن أنه قلبه؟»

«نعم. أظن أنه هو في الأساس. هذه هي المشكلة الأساسية؛ قلبه.»

•••

في عصر يوم الإثنين، تذهب إرلما إلى المستشفى. كنت سأصطحبها إلى هناك — فلم تكن تجيد القيادة — لولا أن جاء هاري كروفتون في شاحنته وقررت أن تذهب معه، حتى يتسنَّى لي البقاء بالمنزل؛ فهي وأبي ينزعجان من فكرة «عدم وجود أحد بالمنزل».

أخرجُ إلى الحظيرة، وأحضر حزمة من التبن وأقطع الخيط المحيط بها وأقسِّم التبن وأوزِّعه.

حين آتي إلى هنا، عادةً ما أمكث من ليل الجمعة حتى ليل الأحد، لا أكثر، والآن وقد امتدَّت إقامتي للأسبوع التالي، فيبدو لي أن شيئًا في حياتي قد خرج عن نطاق السيطرة. لا أشعر بالثقة كثيرًا في كونها مجرد زيارة؛ فلم تعد الحافلات المتنقلة من مكانٍ إلى مكانٍ تبدو مرتبطة بي.

أرتدي صندلًا مفتوحًا من جلد جاموس الماء الرخيص. هذا النوع من النعال يرتديه الكثير من النساء ممن أعرفهن، ويُعتبر دلالة على تفضيلٍ للحياة الريفية، وإيمانٍ بكل ما هو بسيط وطبيعي. ولكنه غير عمليٍّ حين تقوم بعملٍ مثل الذي أقوم به الآن؛ فقد كانت أجزاء من التبن وروث الأغنام، الذي كان أشبه بحبات زبيبٍ سوداء كبيرة، تُسحَق بين أصابع قدمي.

تأتي الأغنام لتحتشد نحوي. ولمَّا كان صوفها قد اجتُزَّ في الصيف، فقد عاد للنمو مجددًا، ولكنه لم يكن طويلًا جدًّا بعد. بعد جَزِّ صوفها مباشرة، تبدو الأغنام من بعيدٍ كالماعز على نحوٍ مثيرٍ للدهشة، بل وتفتقر إلى النعومة والثقل. فتبرز عظام الوركين الكبيرة والجباه المُقلَّمة. أتحدث إليها في خجلٍ نوعًا ما وأنا أنشرُ التبن، وأضعُ لها الشوفان في الحوض الطويل.

يقول بعضٌ من معارفي إن هذا النوع من الأعمال مجدِّد للنشاط وذو مهابةٍ فريدةٍ وخاصة، ولكنني جُبلت عليه، وشعوري تجاهه مختلف؛ فمن الممكن أن يحاصرني الزمان والمكان، ومن الممكن بسهولةٍ للغاية أن أبدوَ وكأنني لم أهرب أبدًا من هنا، وأنني قد قضيت حياتي بأسرها هنا. كأن حياتي في مرحلة النضج كانت أشبه بحلمٍ لم يتحقق له السيطرة عليَّ مطلقًا. لا أرى نفسي مثل هاري وإرلما، اللذين كان عليهما أن يزدهرا في هذه الحياة إلى حدٍّ ما، أو مثل أبي، الذي أقلمَ نفسه لكي يتلاءم معها، بل أشبه بواحدةٍ من هؤلاء الأسرى المقيَّدين، الذين لا يتوافقون معها — ممن لا نفع لهم، ويعيشون وحدهم دون شريك، وكأن الصدأ قد طالهم — الذين كان ينبغي أن يغادروها، ولكن لم يفعلوا، أو بالأحرى لم يستطيعوا، وباتوا لا يصلحون لأي مكانٍ قط. أتخيَّلُ رجلًا ترك أبقاره تتضوَّر جوعًا حتى الموت ذات شتاءٍ بعد وفاة والدته، لا لأنه قد تجمَّد من الحزن، بل لأنه لم يكن يعبأ بالخروج إلى الحظيرة لإطعامها، ولم يكن ثَمَّةَ أحد ليُخبره بأن عليه أن يفعل ذلك. بإمكاني تصديق ذلك، بإمكاني أن أتخيَّله. بإمكاني أن أرى نفسي كابنةٍ في منتصف العمر أدَّت واجبها، ومكثت في المنزل تعتقد أنها يومًا ما ستواتيها فرصتها إلى أن أفاقت وأدركت أنها لن تأتي. والآن صارت تقضي الليل بأكمله تقرأ ولا تجيب على من يطرق بابها، وتخرج في غيبوبةٍ عابسةٍ لإعطاء التبن للأغنام.

•••

بينما أنا بصدد الانتهاء من إطعام الأغنام، تأتي كُوني ابنة شقيقة إرلما وتدخل بسيارتها إلى فناء الحظيرة، بعد أن أخذت ابنها الأصغر من المدرسة الثانوية وجاءت للاطمئنان علينا.

كُوني أرملة تعول ابنين وتملك مزرعة صغيرة تقع على بُعد بضعة أميال. وتعمل ممرضة مساعدة في المستشفى. وإلى جانب كونها ابنة شقيقة إرلما، فهي ابنة عمٍّ من الدرجة الثانية لي؛ وفي ظني أن علاقة أبي بإرلما قد توطدت أكثر عن طريقها. لها عينان بُنيتان ولامعتان، مثل إرلما، ولكنهما أكثر مراعاةً للآخرين وأقل مطالب. وجسدها قوي، وبشرتها جافة، ولذراعيها عضلات قوية، وشعرها الداكن قصير جدًّا وعلى وشك المشيب. وصوتها وتعبير وجهها يحمل سحرًا متقطعًا، ولا تزال حركتها كحركة راقصٍ جيد. تضع أحمر شفاهها وتُزيِّن عينيها قبل الذهاب إلى العمل ومرةً أخرى عند انتهائه، ووجهها ينضح بما قد تصفه وصفًا غير كافٍ بمعنوياتٍ مرتفعة، أو حسٍّ دعابيٍّ جيد، أو رِقَّة إنسانية، وهي نتاج حياة لم تكن الاختيارات المتاحة فيها كثيرة، وليس بها قدرٌ وافر من الحظ.

أرسلت ابنها ليغلق لي البوابة — كان ينبغي أن أفعل ذلك — لمنع الأغنام من الانحراف نحو الحقل السفلي.

قالت إنها قد توجَّهت لزيارة أبي في المستشفى وإنه يبدو في حالٍ أفضل كثيرًا اليوم، وانخفضت حرارته وتناول غداءه.

قالت لي: «لا بد أنكِ متلهفة للعودة إلى حياتك.» تقول ذلك وكأن ذلك هو الشيء الطبيعي في العالم وهو نفس ما كانت ستريده هي ذاتها لو كانت في مكاني. ليس بإمكانها معرفة أي شيءٍ عن حياتي التي تتلخَّص في الجلوس في إحدى الغرف للكتابة والخروج أحيانًا لمقابلة صديقٍ أو حبيب، ولكن لو كانت تعلم، لربما قالت إن لديَّ الحق في فعل ذلك.

«يمكنني أنا والصبيين أن نصعد ونفعل ما يجب أن نفعله للخالة إرلما. قد يمكث أحدهما معها إذا لم ترغب في البقاء وحدها. يمكننا تدبير الأمور الآن على أي حال. يمكنكِ الاتصال لمعرفة التطوُّرات. ويمكنكِ أن تعودي مجددًا في عطلة نهاية الأسبوع. ما رأيك؟»

«هل أنتِ واثقة من أن كل شيءٍ سيكون على ما يُرام؟»

تقول: «لا أظن أن الأمر رهيب إلى هذا الحد. إنه يسير كما يسير عادة، لا بد أن تعاني بعض المخاوف قبل أن يُسدَل الستار كما تعلمين. هذا هو المعتاد على أي حال.»

أفكر أن بإمكاني المجيء إلى هنا سريعًا إذا اضطُررتُ لذلك، وبإمكاني دائمًا أن أستأجر سيارة.

فأردفتْ قائلة: «بإمكاني أن آتيَ لزيارته يوميًّا؛ فأنا وهو صديقان، وسوف يتحدث إليَّ. سوف أَطمئن عليه وأُبلغكِ بأي شيءٍ، أعني حال حدوث أي تغييرٍ أو أي شيء.»

ويبدو أن هذا هو ما سيكون عليه الحال.

أذكر شيئًا قاله لي أبي ذات مرة: «لقد أعادت لي إيماني بالنساء.»

كان يقصد الإيمان بغريزة النساء، غريزتهن الطبيعية، شيء عاطفي ونشط وواضح. شيء لا أملكه، على حدِّ اعتقادي؛ شيء مكبوت بداخلي. ولكنني بينما أتحدث الآن إلى كُوني، أستطيع أن أدرك المزيد مما كان يقصده بهذه المقولة، على الرغم من أنه لم يكن يتحدَّث عن كُوني، بل عن إرلما.

•••

حين أفكر في كل هذا فيما بعد، سوف أدرك أن ذلك الركن البعيد من الحظيرة حيث كنت واقفة لتوزيع التبن، وحيث بدأ الذعر يحلُّ بي، هو مشهد أول ذكرى واضحة في حياتي؛ فهناك في هذا الركن سُلمٌ ذو درجاتٍ خشبيةٍ منحدرةٍ تؤدي إلى مخزن التبن، وفي داخل المشهد أتذكر جلوسي على الدرجة الأولى أو الثانية أشاهد أبي يحلب البقرة المرقطة بالأبيض والأسود. أعرف ماذا كان هذا العام؛ فقد نفقت البقرة المرقطة بالأبيض والأسود إثر إصابتها بالالتهاب الرئوي في أسوأ شتاءٍ شهدتُه في طفولتي، وكان عام ١٩٣٥. وكانت تلك خسارة فادحة ليس من الصعب تذكُّرها.

ولمَّا كانت البقرة لا تزال على قيد الحياة وأنا أرتدي ملابس ثقيلة نوعًا ما، عبارة عن معطف صوفي وبنطال ضيق، وفي وقت الحلب يكون قد حلَّ الليل — حيث يوجد مصباح مُعلَّق على مسمار بجوار المربط — فعلى الأرجح أننا في أواخر الخريف أو بدايات الشتاء. ربما كنا لا نزال في عام ١٩٣٤، قُبيل حلول وطأة فصل الشتاء مباشرة.

المصباح معلَّق على المسمار. البقرة المرقطة بالأبيض والأسود تبدو كبيرةً على نحوٍ ملحوظٍ ومميزةً على نحوٍ قاطع، على الأقل مقارنةً بالبقرة الحمراء، أو البقرة الداكنة الضاربة إلى الحُمرة، الناجية من الشتاء المدمِّر، في المربط المجاور. يجلس أبي على كرسي الحلب ذي الأرجل الثلاثة في ظلِّ البقرة. بإمكاني أن أتذكَّر إيقاع سَيْلَيِ اللبن في طريقهما إلى الدلو، ولكن ليس الصوت ذاته. ربما شيءٌ صلب وخفيف مثل كرات البَرَد؟ وخارج المساحة الصغيرة من الحظيرة المضاءة بالمصباح توجد المعالف الممتلئة بالتبن الخشن، وحوض الماء حيث ستغرق قطتي الصغيرة بعد بضعة أعوامٍ في المستقبل؛ والنوافذ التي يغطيها نسيجُ العنكبوت، والأدوات الكبيرة القاسية — المناجل، والفئوس، والجرَّافات — مُعلَّقة بعيدًا عن متناولي. وخارج تلك المساحة، يعمُّ ظلام ليالي الريف حين كانت بعضُ السيارات القليلة ترتاد طريقنا ولم تكن ثَمَّةَ أي مصابيح خارجية.

وهناك البرد الذي لا بد وأنه كان يتراكم حتى في هذا الحين، متحوِّلًا إلى البرد القارس الذي سادَ ذلك الشتاء غير العادي الذي قتل كلَّ أشجار الكستناء والعديد من البساتين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠