لماذا تريد أن تعرف؟

كنت قد رأيتُ السرداب قبل زوجي. كان على الجانب الأيسر، الجانب الذي يجلس فيه في السيارة، ولكنه كان مشغولًا بالقيادة؛ فقد كنَّا على طريقٍ ضيقٍ غير ممهَّد.

قلت: «ماذا كان ذلك؟ شيءٌ غريب.»

كان ربوة كبيرة غير طبيعية مغطَّاة بالحشائش.

انعطفنا بمجرد أن استطعنا العثور على مكانٍ للانعطاف، رغم أنه لم يكن لدينا الكثير من الوقت؛ فقد كنا في طريقنا لتناول الغداء مع أصدقاء يعيشون على الخليج الجورجي. ولكننا مهووسون بهذه القرية، ونحاول ألا نترك أيَّ شيءٍ يفوتنا منها دون أن نشاهده.

ها هو هذا الشيء يقبع هناك في منتصف جبَّانة ريفية صغيرة، مثل حيوان صوفي كبير، مثل وُمْبَت عملاق يجلس في استرخاءٍ في مشهدٍ من عصور ما قبل التاريخ.

تسلقنا رُكامًا ما ونزعنا خطَّافَ إحدى البوابات وذهبنا لمشاهدة الطرف الأمامي لهذا الشيء. كان ثَمَّةَ حائطٌ حجري بين قوسٍ علويٍّ وسفلي، وحائطٌ من الطوب داخل القوس السفلي. لا أثرَ لأسماءٍ أو تواريخ، لا شيءَ سوى صليبٍ رفيعٍ منقوشٍ بإمعان داخل الحَجر المركزي للقوس العلوي، كأنه منقوش بعصًا أو إصبع. على الطرف السفلي الآخر للربوة، لم يكن ثَمَّةَ شيءٌ سوى ترابٍ وحشائش وبعض الأحجار الكبيرة البارزة، ربما وُضِعَت هناك لتثبيت التراب في موضعه. لا وجودَ لأي علاماتٍ عليها أيضًا؛ لا دلائل على هُوِيَّة الشخص أو الشيء الذي ربما كان مختبئًا بالداخل.

ثم عُدنا إلى السيارة.

•••

بعد حوالي عامٍ من تلك الواقعة، تلقيتُ مكالمة هاتفية من الممرضة التي تعمل في عيادة طبيبي. كان الطبيب يرغب في رؤيتي، وتَمَّ تحديد موعد، علمتُ دون سؤالٍ بما ستدور حوله هذه المقابلة؛ فقبل ثلاثة أسابيع أو نحو ذلك، ذهبتُ إلى إحدى العيادات بالمدينة لإجراء أشعةٍ على ثدييَّ. ولم يكن ثَمَّةَ سبب خاص دفعني إلى ذلك، فلم تكن توجد أي مشكلة، كلُّ ما في الأمر أنني قد وصلت إلى السن الذي يُحبَّذ فيه إجراء أشعةٍ على ثدييَّ كل عام. غير أنني أغفلتُ عمل تلك الأشعة العام الماضي لانشغالي بالكثير من المهام الأخرى.

وها هي نتائج الأشعة قد أُرسلت إلى طبيبي الآن.

كانت ثَمَّةَ كتلة صُلبة في عمق الثدي الأيسر، لم أستطع أنا ولا طبيبي استشعار وجودها، ولم نزل لا نستطيع تلمُّسها. قال طبيبي إنها ظهرت في الأشعة في حجم حبة البازلاء، وحدد لي موعدًا لزيارة طبيبٍ بالمدينة لأخذ عينةٍ منها. وبينما كنت على وشك المغادرة، إذا به يضع يده على كتفي. كانت إشارة اهتمامٍ أو طمأنة؛ فهو صديقٌ لنا، وكنت أعرف أن وفاة زوجته الأولى قد بدأت على هذا النحو بالضبط.

•••

كان لا يزال متبقيًا عشرة أيام قبل أن أتمكَّن من زيارة طبيب المدينة؛ فشغلتُ تلك الفترة بالرد على الخطابات وتنظيف منزلي وتفحُّص ملفاتي ودعوة الناس على العشاء. كان شَغلُ نفسي على هذا النحو بدلًا من التفكير فيما قد تُسميه أمورًا أهم وأعمق بمنزلة مفاجأةٍ لي؛ فلم أمارس أي قراءةٍ جادةٍ أو أستمع إلى الموسيقى، ولم أدخل في شردةٍ مضطربةٍ كما أفعل في الغالب، بالنظر من النافذة الكبيرة في الصباح الباكر مع تسلُّل ضوء الشمس عبر أشجار الأرز. لم أشأ حتى أن أذهب للتمشية بمفردي، رغم أني أنا وزوجي اعتدنا التمشية معًا أو التنزُّه بالسيارة.

خطرَ ببالي فجأة أنني أودُّ أن أرى السرداب مرةً أخرى، وأن أعرف شيئًا عنه؛ ومن ثَمَّ انطلقنا واثقين — أو واثقين على نحوٍ معقول — من أننا نتذكر الطريق الذي كان عليه. ولكننا لم نجده. فأخذنا الطريق المجاور ولم نجده على هذا الطريق أيضًا. قلنا إنه كان يقع في بروس بلا أدنى شك، وكان على الجانب الشمالي من طريقٍ غير ممهَّدٍ يمتدُّ من الشرق إلى الغرب، وكان ثَمَّةَ الكثير من الأشجار الدائمة الخضرة بالقرب منه. قضينا فترةً ما بعد الظهيرة على مدى ثلاثة أو أربعة أيامٍ في البحث عنه، وانتابتنا حالة من الحيرة والبلبلة. ولكن كعهدنا دائمًا كنا سعداء بوجودنا معًا في هذا الجزء من العالم نتطلَّع إلى الريف الذي نعتقد أننا نعرفه جيدًا والذي دائمًا ما يُفجِّر لنا مفاجأةً من نوعٍ ما.

•••

إن المشهد هنا بمنزلة سِجلٍّ لأحداثٍ تاريخيةٍ قديمة؛ فقد تَكوَّن بفضل الثلج المتصاعد، والثابت والمنحسِر. فقد قام الثلج بغزواتٍ وانسحاباتٍ هنا عدة مرات، وكان آخر انحسار منذ حوالي خمسة عشر ألف عام.

منذ عهدٍ قريبٍ للغاية، كما يمكنك أن تقول، اعتدتُ طريقةً بعينها في حساب التاريخ وتقديره.

إنَّ مشهدًا جليديًّا كهذا معرَّضٌ للخطر؛ فالعديد من معالمه الحدودية المتنوعة مُؤلَّف من الحصى، ومن السهل الوصول إلى الحصى، ومن السهل تفريغه، وهو مطلوبٌ دائمًا؛ فتلك هي المادة التي تجعل الطرق الخلفية مهيأةً للمرور؛ الحصى المأخوذ من التلال المتآكلة، والمدرجات الجبلية المستولى عليها، والتي تحوَّلت إلى حُفَرٍ في الأرض. وهي أيضًا وسيلة للتكسُّب لدى المزارعين. فمن أولى ذكرياتي ما فعله والدي حين باع الحصى الكائن على السهول على النهر عندنا، واستمتاعنا بمشهد الشاحنات وهي تمر بنا طوال اليوم، وبأهمية اللافتة المعلقة على بوابة منزلنا؛ «يوجد أطفال يلعبون.» كان هؤلاء هم نحن. بعدها وحين رحلت الشاحنات، تلاشى الحصى ولم يتبقَّ سوى المشهد الجديد للحُفَر والتجاويف التي تحتفظ بداخلها، تقريبًا خلال الصيف، ببقايا فيضانات الربيع. ومثل هذه الحُفَر تُنبت في النهاية كتلًا من العشب المُزْهِر الخشن، الذي يتحوَّل بعد ذلك إلى حشائش وشُجيرات.

في الحُفَر الحصوية الكبيرة ترى التلال وقد تحوَّلت إلى تجاويف، وكأن جزءًا من المشهد قد تمكَّن بطريقةٍ عشوائيةٍ من قلب نفسه بطنًا لظهر، وتتموَّج البحيرات الصغيرة حيث لم يكن من قبل سوى مدرجات أو سهول على جانب النهر. وتنبت في الجوانب المنحدرة للتجاويف في النهاية نباتاتٌ خضراء. ولكن مسارات النهر الجليدي تتلاشى إلى الأبد.

لذا فعليك أن تستمرَّ في تبيُّن ما يحدث، واستيعاب ما يحدث من تغييرات، ورؤية الأشياء بينما تدوم وتبقى.

لدينا خرائط خاصة نصطحبها معنا عند السفر، وهي خرائط تُباع بصحبة كتابٍ يُسمَّى «الجغرافيا الطبيعية لأونتاريو الجنوبية»، تأليف ليمان تشابمان ودونالد بوتنام، اللذين نشير إليهما على سبيل رفع الكلفة، التي لا تخلو من التبجيل والتوقير، ببوت وتشاب. تُبيِّن هذه الخرائط الطرق والبلدات والأنهار المألوفة، ولكنها توضح أشياء أخرى كذلك؛ أشياء كانت مفاجئة لي تمامًا حين رأيتُها لأول مرة.

يكفي أن تنظر إلى خريطة واحدة منها — توضح قسمًا من أونتاريو الجنوبية جنوب الخليج الجورجي — لتجد طرقًا وبلداتٍ وأنهارًا تظهر، إلى جانب حدود المناطق. ولكن انظر ماذا هناك أيضًا؛ رُقَع بألوان الأصفر الزاهي، والأخضر اليانع، ورمادي البوارج ورمادي طيني أكثر دكانة، والرمادي الفاتح للغاية، وبُقَع أو مساحات ممتدة أو أذناب رفيعة أو سميكة باللون الأزرق والبُني الضارب إلى الصفرة والبرتقالي والأرجواني والقرنفلي الوردي والبُني الخمري، إلى جانب مجموعاتٍ من النقاط الصغيرة، وشرائط باللون الأخضر تُشبه ثعابين العشب. وعلامات ضيقة متناثرة بقلم أحمر.

ما كل هذا؟

يشير اللون الأصفر إلى الرمال، ليس بمحاذاة شاطئ البحيرة، بل البر المتماسك، الذي غالبًا ما يحدُّ مستنقعًا أو بحيرة جفَّت منذ زمن. أما النقاط، فليست مستديرة، بل على شكل مُعيَّن، وتظهر في المشهد مثل بيضاتٍ نصف مدفونة، يواجه طرفها غير الحاد تيار الجليد. هذه النقاط هي كثبانٌ جليدية، تظهر مُجمَّعة في بعض الأماكن ومتفرقة في أماكن أخرى. البعضُ منها يكون مميزًا كتلال كبيرة ملساء، والبعضُ يخترق الأرض بالكاد. وهي تعير اسمها للتربة التي تظهر بها (تربة الكثبان الجليدية — وتُميَّز على الخريطة باللون البُني الضارب إلى الصُّفرة) وللتربة الأكثر خشونة نوعًا ما التي لا تحوي أيًّا منها بداخلها (التربة غير الجليدية — وتُميَّز بلون رمادي البوارج). في الواقع إن النهر الجليدي قد كوَّنها هنا مثل البيض، ليتخلَّص بذلك من المادة التي الْتقطها في تقدُّمه الجارف بطريقةٍ متقنةٍ واقتصادية. وحيثما لم يتمكَّن من ذلك، تكون الأرض أكثر خشونةً بطبيعتها.

أما عن الأذناب الأرجوانية، فهي ركاماتٌ جليدية طرفية وتظهر حيث توقف الجليد في رحلة انحساره الطويلة، مكوِّنًا أخدودًا من الحُطام عند حافته. أما العلامات الخضراء البارزة، فهي عبارة عن كثبانٍ جليدية طولية، وهي أسهلُ ما يمكنك تمييزه من بين كلِّ هذه المعالم حين تنظر إليها عبر نافذة السيارة. هي أشبه بسلاسل جبلية مصغَّرة أو أخاديد ظهر التنين؛ وتُبيِّن مسار الأنهار التي تسير تحت الجليد بزوايا قائمة حتى مقدمته. وهذه الأنهار عبارة عن سيول مُحمَّلة بالحصى تُفرغه أثناء جريانها. وعادةً ما يكون ثَمَّةَ جدول صغير هادئ يجري بجانب أحد الكثبان الجليدية الطولية؛ وهو فرعٌ مباشر من ذلك النهر القديم المنحدر.

يرمز اللون البرتقالي لقنوات التصريف، تلك القنوات الضخمة التي كانت تحمل الجليد المُذاب، فيما يُبيِّن اللون الرمادي الداكن المستنقعات التي تكوَّنت في قنوات التصريف ولا تزال موجودة هناك. أما الأزرق، فيوضِّح التربة الطينيَّة، حيث تَجَمُّع الجليد المذاب في بحيرات. وهذه الأماكن مسطحة ولكنها ليست ملساء، إلى جانب وجود سمةٍ من الحامضية والتكتُّل فيما يتعلق بالحقول الطينية؛ فالتربة ثقيلة، والحشائش جافَّة، والصرف رديء.

أما الأخضر العُشبي، فيرمز للتربة المشطوفة، ذلك السطح الأملس على نحوٍ رائعٍ الذي قامت بحيرة وارين القديمة بتسويته وتمهيده في الرواسب الموجودة بمحاذاة ساحل بحيرة هورون القائمة اليوم.

وبالنسبة إلى العلامات الحمراء والخطوط الحمراء المتقطعة التي تظهر على التربة المشطوفة، أو على الرمال القريبة منها، فهي بقايا الأجراف والشواطئ المهجورة لتلك البحيرات التي تنحدر منها البحيرات العظمى، التي لا يمكن تمييز حدودها الآن إلا من خلال ارتفاعٍ بسيطٍ للأرض. تلك البحيرات التي سُمِّيت بأسماءٍ حديثةٍ تقليديةٍ ذات وقْعٍ رسمي؛ بحيرة وارين، وبحيرة ويتليسي.

على شبه جزيرة بروس يُوجد حجر جيري أسفل تربة رقيقة (وهي المُميَّزة بالرمادي الفاتح)، وحول مدينة أوين ساوند وعلى كيب ريتش يوجد طَفْل في قاع جرف نياجرا ينكشف حيث يتآكل الحجر الجيري، ذلك الصخر السهل التفتيت الذي يمكن تحويله إلى طوب بنفس اللون الذي يظهر به على الخريطة؛ اللون القرنفلي الوردي.

والمَعلم المُفضَّل لديَّ من بين جميع أنواع مَعالم الريف هو ذلك الذي تركته حتى النهاية؛ إنه التلال الركامية، أو تلال الركام الجليدي، التي لها اللون البُني الخمري على الخريطة وتظهر عمومًا في شكل فقاعاتٍ، وليس شرائط؛ فتجد فقاعة كبيرة هنا، وأخرى صغيرة هناك. تظهر تلك التلال حيث توجد كومة من الجليد الميت، انفصلت عن بقية النهر الجليدي المتحرك، وهي عبارة عن ترسباتٍ ترابيةٍ تُصب عبر جميع فتحاته وشقوقه. أو أحيانًا ما تظهر حيث ينفصل فصَّان من الجليد، ويمتلئ الشق المتكوِّن بينهما. والركامات الجليدية الطرفية منحدرة بطريقة معقولة فيما يبدو، وليست ملساء مثل الكثبان الجليدية، ولكنها تظل متجانسة وذات إيقاعٍ منتظم، بينما جميع التلال الركامية جامحة ووعرة ولا يمكن التنبؤ بها، وذات شكلٍ يوحي بمصادفاتٍ وأسرار.

•••

لم أتعلم أيًّا من هذا في المدرسة. أظنُّ أنه كان هناك آنذاك بعض التوتر والنزَق فيما يتعلق بالاختلاف في الرأي مع الكتاب المقدَّس في مسألة خَلْق الأرض. لقد تعلمتُ هذا حين أتيتُ للعيش هنا مع زوجي الثاني، العالِم الجغرافي؛ حين عدتُ إلى حيث لم أتوقَّع أن أكون، إلى الريف حيث نشأت؛ وهو ما جعل معلوماتي خالصةً لا تشوبها شائبة؛ فأنا أجد متعة بريئة وخاصَّة في مطابقة ما أراه على الخريطة مع ما يمكنني رؤيته عبر نافذة السيارة، وكذلك من محاولة التوصُّل إلى الجزء الذي نحن فيه فيما حولنا، قبل النظر في الخريطة، وصحة توقُّعاتي في كثيرٍ من الأحيان. إنها لمتعة مثيرة لي أن أستكشف الحدود، حين يتعلق الأمر بسهول جليدية مختلفة، أو الموضع الذي تبدأ عنده التلال الركامية من الركامات الجليدية الطرفية.

ولكن هناك دائمًا متعة أكبر من مجرَّد المتعة القوية المُستمَدة من الاستكشاف؛ فهناك حقيقة وجود هذه النطاقات المستقلة، بما لكلٍّ منها من تاريخ وسبب مستقلٍّ بذاته، ومحاصيلها وأشجارها ونباتاتها المُفضَّلة — فأشجار البلوط والصنوبر، على سبيل المثال، تنمو على الرمال، وأشجار الأرز وأشجار الليلك المتناثرة على الحجر الجيري — وما لكلٍّ منها من شكلٍ خاص، وصورتها الخاصة في الخيال؛ وحقيقة أن هذه القرى الصغيرة تظهر متلاصقة دون إثارة أي شكوك، مثلما يمكن ولا يمكن للأشقاء أن يكونوا، في مشهدٍ عادةً ما يُهمَل، أو يُنبَذ باعتباره غطاءً زراعيًّا باهتًا. إنها الحقيقة التي تَعْلَق بذهنك.

•••

ظننتُ أن الموعد المحدد لي مع الطبيب كان من أجل أخذ عينة، ولكن اتضح أنه ليس كذلك. كان موعدًا لكي يقرر طبيب المدينة ما إذا كان سيأخذ عينة أم لا، وبعد فحص ثديي وفحص نتائج أشعة الثدي، قرَّر أخذ العينة. لم يَطَّلع إلا على نتائج أحدث أشعة ثدي لي؛ فلم تكن تلك التي أُجريت في عامَي ١٩٩٠ و١٩٩١ قد وصلت بعدُ من مستشفى القرية حيث أُجريت. تَمَّ تحديد موعد أخذ العينة بعد أسبوعين، وتَمَّ إعطائي ورقة بها تعليمات تتعلَّق بكيفية الاستعداد لها.

قلت إن أسبوعين يبدوان فترة طويلة للانتظار.

فقال الطبيب إن فترة أسبوعين في هذه المرحلة من المشكلة غير ذات أهمية.

لم يكن هذا ما دُفِعتُ لاعتقاده. ولكنني لم أتذمَّر بعد أن ألقيتُ نظرة على بعض الناس الجالسين في غرفة الانتظار. لقد تجاوزت الستين، وموتي لن يكون بالكارثة بالمقارنة بموت أمٍّ شابة، أو عائلِ أسرةٍ، أو طفل. فلم يكن ليبدو ككارثة.

•••

أصابنا الضيقُ لعدم تمكُّننا من العثور على السرداب؛ فوسَّعنا نطاقَ بحثنا. ربما لم يكن في بروس ولكن في جراي المجاورة؟ في بعض الأحيان لم نكن على يقينٍ من أننا على الطريق الصحيح، ولكن دائمًا ما كنا نصاب بخيبة الأمل؛ فما كان مني سوى أن اتجهت إلى مكتبة البلدة للاطلاع على أطالس المنطقة في القرن التاسع عشر، لأرى ما إذا كان من المُحتمَل أن تكون الجبَّانات الريفية مُؤشَّرة بعلاماتٍ على خرائط المنطقة. وبدا أنها مُؤشَّرة على خرائط هورون، ولكن ليس في بروس أو جراي. (لم يكن هذا صحيحًا، مثلما اكتشفتُ لاحقًا؛ فقد كانت مُؤشَّرة، أو كان بعضها مُؤشَّرًا، إلا أنني أَغفلتُ حروفَ C (التي ترمز لكلمة جبَّانة بالإنجليزية) المكتوبة بخطٍ صغير جدًّا.)

في المكتبة قابلتُ صديقًا زارنا الصيف الماضي لرؤيتنا بعد فترةٍ قصيرةٍ من اكتشافنا هذا. كنا قد أخبرناه بشأن السرداب، وأعطيناه بعض الإرشادات التقريبية بشأن كيفية العثور عليه؛ نظرًا لكونه من المهتمين بالجبَّانات القديمة. وأخبرني آنذاك في المكتبة أنه قد كتبَ الإرشادات بمجرد أن عاد إلى المنزل. وكنت قد نسيتُ تمامًا أنني قد أعطيتُه إياها، فاتجه مباشرةً إلى المنزل ووجد الورقة المدوَّنة بها الإرشادات؛ وكان العثور عليها أشبه بالمعجزة، على حد قوله؛ إذ وجدها وسط ركامٍ مختلطٍ من الأوراق الأخرى. وعاد إلى المكتبة حيث كنت لا أزال أتفحَّص الأطالس.

«بيبادي، سكون، بحيرة ماكولا.» كان ذاك هو ما كتبه.

كان السرداب يقع في اتجاه الشمال في نقطةٍ أبعد مما كنا نظن؛ خلف حدود المنطقة التي قتلناها بحثًا.

ومن ثَمَّ وجدنا الجبَّانة الصحيحة، وبدا السرداب الذي غطَّته الحشائش مدهشًا وبدائيًّا مثلما تذكَّرناه. وكان لدينا حينئذٍ الوقت الكافي لتفحُّص المكان. ورأينا أن معظم ألواح البلاط القديم قد جُمِعَت معًا ووُضِعَت في شكل صليب. وكانت جميع هذه الألواح تقريبًا عبارة عن شهودٍ لقبور أطفال. وفي أيٍّ من هذه المقابر القديمة كانت التواريخ تميل لأن تكون تواريخ وفاة أطفال، أو أمهاتٍ شاباتٍ فقدن حياتهن أثناء الولادة، أو شبابٍ لقُوا حتفهم في حوادث عَرضية؛ فمنهم من غرق، أو سقطت عليه شجرة، أو قتله حصانٌ جامح، أو تعرض لحادثٍ أثناء تشييد حظيرة؛ فقلما كان هناك مُسِنون ليموتوا في تلك الأيام.

كانت جميع الأسماء تقريبًا ألمانية، والعديد من الكتابات المنقوشة على القبور بالألمانية التي تبدأ بعبارة Hier ruhet in Gott (هنا يرقد بسلام)، ثم Geboren (المولود في)، يتبعها اسم بلدة أو مقاطعة ألمانية، ثم كلمة Gestorben (المُتوفَّى في)، يتبعها تاريخ في ستينيات أو سبعينيات القرن التاسع عشر.
كان مكتوبًا على أحد الشواهد أن المُتوفَّى تُوفِّي هنا في بلدة سوليفان بجراي في إحدى المستعمرات الإنجليزية، في وسط الأحراش، ثم كُتِبَ ما يلي:
Das arme Herz hienieden
Von manches Sturm bewegt
Erlangt den renen Frieden
Nur wenn es nicht mehr schlagt.
دائمًا كان لديَّ اعتقاد بأنني أُجيد القراءة باللغة الألمانية، على الرغم من عدم إجادتي لذلك؛ فقد كنت أظنُّ أن هذه العبارات تتحدَّث عن شيءٍ يتعلَّق بالقلب، أو الروح، أو الشخص المدفون أسفل هذه الأرض وقد أصبح الآن بعيدًا عن كل شرور الدنيا، وصار في مكانٍ أفضل تمامًا؛ فقلما كان ثَمَّةَ مجال للخطأ في فهم كلمات Herz وSturm وnicht mehr. ولكن حين عُدت إلى المنزل وتبيَّنت معانيَ الكلمات في قاموس إنجليزي-ألماني، ووجدت جميع الكلمات عدا كلمة renen التي كان من الممكن أن تكون مجرد خطأٍ في تهجئة كلمة reinen، وجدتُ أن المقطع الشعري لم يكن مريحًا للدرجة؛ فقد بدا أنه يقول إن القلب المسكين المدفون هنا لن يهنأ بأي راحةٍ حتى يتوقَّف عن الخفقان.

«الموتُ أفضل.»

ربما كان هذا المقطع من كتابٍ للمقاطع الشعرية التي تُنقَش على شواهد القبور، ولم يكن ثَمَّةَ الكثير من الخيارات.

لم يكن ثَمَّةَ كلمة واحدة على السرداب، على الرغم من أننا قد تعمَّقنا في البحث أكثر مما فعلنا من قبل. لم يكن ثَمَّةَ شيء سوى ذلك الصليب الوحيد المرسوم بلا إتقان. ولكننا وجدنا مفاجأةً في الركن الشمالي الشرقي من الجبَّانة. كان ثَمَّةَ سرداب ثانٍ أصغر كثيرًا من الأول، له قمة خرسانية ملساء. لا وجودَ لترابٍ أو حشائش، ولكن كانت توجد شجرة أرز كبيرة تنمو من شقٍّ في الخرسانة التي كانت جذورها تتغذَّى على ما كان بداخل الشق أيًّا كانت ماهيته.

قلنا إنه شيءٌ أشبه بالركام الترابي الذي يُوضَع فوق القبور. لعلَّه من الأطلال الباقية في أوروبا الوسطى من عصور ما قبل المسيحية؟

•••

في نفس المدينة المُزمَع أن تُؤخَذ فيها العينة، والتي أجريت فيها أشعة الثدي، توجد كلية كنت أنا وزوجي طالبَين فيها يومًا ما. ليس مسموحًا لي باستعارة كتبٍ منها؛ لأنني لم أتخرَّج فيها، ولكن بإمكاني استخدام بطاقة زوجي الجامعية، وبإمكاني البحث وسط أكداس الكتب وقاعات المراجع كما أشاء. وأثناء زيارتنا التالية هناك دخلت قاعة المراجع الإقليمية لقراءة بعض الكتب عن جراي وعرفت كلَّ ما استطعت معرفته عن بلدة سوليفان.

قرأت عن اكتساحٍ للبلدة من جانب أسرابٍ رهيبةٍ من الحمام المهاجر الذي دمَّر كل المحاصيل في أحد الأعوام في أواخر القرن التاسع عشر، وعن شتاءٍ عصيبٍ في أربعينيات القرن الثامن عشر استمرَّ لفترةٍ طويلةٍ جدًّا وصاحَبَه بَرْدٌ مُهْلِك حتى إن المستوطنين الأوائل كانوا يعيشون على كرنب البقر الذي كان يُقتلع من الأرض. (لم أكن أعرف شيئًا عن كرنب البقر هذا — هل كان مجرد كرنب عادي تُعلَف به الحيوانات أم نباتًا بريًّا وأكثر خشونةً مثل كرنب الظربان؟ وكيف كان يمكن أن يُقتلع في مثل هذا الطقس والأرضُ تُشبه الصخر؟ هناك دومًا ألغاز.)

وقرأتُ عن رجلٍ يُدعى بارنز مات جوعًا ليدع عائلته تحصل على نصيبه من الطعام حتى يبقَوْا على قيد الحياة.

وبعد ذلك ببضعة أعوامٍ كتبَت امرأة شابة لأحد أصدقائها في تورونتو عن أن ثَمَّةَ محصولًا هائلًا من التوت يفوق قدرة أي شخصٍ على قطفه من أجل تناوله أو تجفيفه، وأنها بينما كانت تقطف بعضًا منه، إذا بها أمام دُب كان قريبًا منها لدرجة أنها استطاعت أن ترى قطرات عصير التوت تلمع على شعيراته. قالت إنها لم تَخَفْ، وإنها كانت ستسير عبر الأحراش لإرسال هذا الخطاب بالبريد، سواءٌ كانت هناك دببة أم لا.

طلبتُ الاطِّلاع على السجلات التاريخية للكنائس، ظنًّا مني أنه قد يكون ثَمَّةَ شيء عن الكنائس اللوثرية أو الكنائس الكاثوليكية الألمانية من شأنه أن يساعدني. من الصعب إبداء مثل هذه الطلبات في مكتبات المراجع؛ إذ غالبًا ما ستُسأل عما ترغب في معرفته تحديدًا، ولمَ تريد معرفته؟ بل في بعض الأحيان يكون حتى من الضروري أن تُدوِّن السبب كتابةً. إذا كنت بصدد بحث، أو دراسة، فبالطبع سيكون لديك سببٌ وجيه، ولكن ماذا لو كان «مجرد اهتمامٍ بالموضوع» من جانبك لا أكثر؟ ربما يكون أفضل شيءٍ أن تقول إنك تتحرَّى تاريخ عائلتك. فأمناءُ المكتبات معتادون على قيام الأشخاص بهذا — لا سيَّما مَنْ بلغوا المشيب — ويُعتقَد عمومًا أنها طريقة معقولة لقضاء الوقت. أما عبارة «مجرد اهتمامٍ بالموضوع»، فتبدو ذات وقعٍ تبريري، إن لم يكن مراوغًا، وتُعرِّضك لخطر النظر إليك باعتبارك متسكعًا تتسكَّع بلا هدفٍ بين جنبات المكتبة، شخصًا عاطلًا بلا عملٍ وبلا اتجاهٍ محددٍ في الحياة، «وليس لديك ما هو أفضل من ذلك لتفعله». فكرتُ أن أكتبَ على استمارتي: «بحثٌ من أجل ورقةٍ بحثيةٍ عن بقاء الركام الترابي للقبور في أونتاريو القديمة». ولكن لم تواتِني الشجاعة لذلك؛ فقد خطرَ لي أنهم قد يطلبون مني إثبات ذلك.

وبالفعل حددتُ موقع كنيسة رأيت أنها قد تكون مرتبطة بجبَّانتنا، باعتبار أنها كانت تقع على بُعد قريتَين غربًا وقريةٍ واحدةٍ شمالًا. كانت تُسمَّى كنيسة سانت بيتر الإنجيلية اللوثرية، لو كانت لا تزال موجودة.

•••

وأنت في بلدة سوليفان تتذكَّر كيف كانت تبدو الحقول الزراعية في كل مكانٍ قبل دخول الماكينات الزراعية الحديثة؛ فقد كانت هذه الحقول تحتفظ بالحجم الذي يمكن حرثه بالمحراث الذي تقوده الخيول، والمحصدة الحازمة، وجزازة العشب. لا تزال الأسوجة ذات القضبان موجودةً — رغم وجود سورٍ حجريٍّ في بعض الأماكن — وبطول هذه الحدود تنمو أشجار الزعرور البري، وكرز الطيور، والقضبان الذهبية، والياسمين البري.

إنَّ مثل هذه الحقول لا تتغيَّر لعدم وجود أي ربحٍ أو منفعةٍ تُجنى من التوسُّع فيها؛ فالمحاصيل التي يمكن زراعتها فيها لا تستحق التعب؛ فهناك ركامان جليديان كبيران وعران ينحدران عبر الجزء الجنوبي من البلدة — وهنا تتحوَّل الشرائط الأرجوانية على الخريطة إلى ثعابينَ منتفخةٍ وكأن كلَّ واحدٍ منها قد ابتلع ضفدعًا — تتوسطهما قناةُ تصريفٍ مستنقعية. وتتميز الأرض جهة الشمال بأنها طينية. ومن المرجح أن المحاصيل التي تُزرع هنا لم تكن أبدًا ذات جودةٍ عالية، على الرغم من أن الناس كانوا أكثر إذعانًا للعمل في أرضٍ غير مُربِحة، وأكثر امتنانًا لأي شيءٍ يستطيعون نيله، ممَّا هم عليه الآن. وحين تُستغلُّ مثلُ هذه الأراضي على أي نحوٍ الآن، تُستغل كمرعًى. أما الأجزاء الدغلية — الأحراش — فهي بصدد عودةٍ قويةٍ لسابق عهدها؛ ففي ريفٍ كهذا لم يَعُد الاتجاه السائد نحو ترويض الطبيعة وزيادة السكان، وإنما العكس. لن تستعيد الأحراش السيطرة على نحوٍ تامٍّ مرةً أخرى مطلقًا، ولكنها بصدد طفرةٍ جيدة؛ فقد استعادت الغزلانُ والذئاب، التي كانت قد اختفت تمامًا في وقتٍ من الأوقات، بعضًا من مناطق سيطرتها. وربما سيكون ثَمَّةَ دببة قريبًا تستمتع مرةً أخرى بولائم التوت الأسود وتوت السلمون وسوف تُوجد في البساتين البرية. وربما توجد هنا بالفعل.

ومع زوال فكرة الزراعة فيها، تقفز أعمالٌ ومشروعاتٌ أخرى غير متوقعةٍ لتحلَّ محلها. ومن الصعب أن تعتقد أنها ستدوم؛ فتجد لافتةً متقشرةً مكتوبًا عليها «معرض البطاقات الرياضية»، وأخرى مكتوبًا عليها «بيوت للكلاب ببابَين للبيع». مكان يمكن فيه إعادة تقشيش الكراسي. «ساحة فاخرة للإطارات». معروضات من التحف وعلاجات التجميل. بَيض بُني، شراب قيقب، دروس في عزف مزمار القِربة، تسريحات شعر للجنسين.

وصلنا إلى كنيسة سانت بيتر اللوثرية في صباح يوم أحد مع تعالي دقات الجرس إيذانًا ببدء مراسم الصلاة بينما الأيدي التي تعلو برج الكنيسة تُشير إلى الحادية عشرة. (وقد علمنا فيما بعدُ أن تلك الأيديَ لا تُشير إلى الوقت؛ إذ تشير دائمًا إلى الحادية عشرة. موعد انعقاد الصلاة.)

كانت تلك الكنيسة كبيرةً وأنيقةً ومبنيةً من قوالب الحجر الجيري، وتعلو برجَها قمةٌ عالية ويوجد رواق زجاجي حديث لصدِّ الرياح والجليد. ومُلحقةٌ بها أيضًا سقيفة طويلة للسيارات من الحجر والخشب، تُذكِّرك بتلك الأيام حين كان الناس يذهبون إلى الكنيسة مستقلِّين العربات ذات الأحصنة ومركبات الجليد. كما كان يوجد بيتٌ حجريٌّ جميل، هو بيت القسيسة، محاطٌ بالأزهار الصيفية.

استقللنا السيارة في اتجاه ويليامزفورد على الطريق السريع رقم ٦ لتناول الغداء، ولإمهال القسيسة فترةً مناسبةً للاستراحة من مراسم الصلاة الصباحية قبل أن نطرق باب منزلها لاستقاء المعلومات. وبعد مِيلٍ أو نحو ذلك على الطريق تعثَّرنا في اكتشافٍ محبط؛ فقد اكتشفنا جبَّانةً أخرى — جبَّانة كنيسة سانت بيتر نفسها بتواريخها القديمة وأسمائها الألمانية — ما جعل جبَّانتنا، القريبة جدًّا منها، تبدو أكثرَ من لغز.

عُدنا على أي حالٍ إلى الكنيسة في الساعة الثانية تقريبًا. وطرقنا الباب الأمامي لبيت القسيسة، وبعد فترةٍ ظهرت لنا فتاة صغيرة وحاولت فتح مزلاج الباب، إلا أنها لم تفلح، وأشارت لنا كي نستدير نحو الباب الخلفي. وجاءت مسرعة لتُقابلنا في الطريق.

أخبرتنا أن القسيسة غير موجودةٍ بالمنزل؛ إذ كانت قد ذهبت لأداء الصلوات المسائية في ويليامزفورد. لم يكن في المنزل سوى مُجيبتنا وشقيقتها ترعيان كلب القسيسة وقططها. ولكن إنْ أردنا معرفة أي شيءٍ عن الكنائس أو الجبَّانات أو التاريخ، يجدر بنا التوجُّه إلى والدتها التي تعيش على التل في المنزل الخشبي الجديد الكبير.

وأخبرتنا باسمها. ريتشل.

•••

لم يَبْدُ على والدة ريتشل أي مَعالم اندهاشٍ لفضولنا أو انزعاجٍ من زيارتنا؛ فقد دعتنا لدخول منزلها، حيث كان يوجد كلب فضولي مزعج وزوجٌ رابط الجأش كان يفرغ من غداءٍ متأخر. كان المنزل عبارة عن غرفةٍ واحدةٍ كبيرةٍ يحظى بإطلالة بانورامية على الحقول والأشجار.

أخرجت كتابًا لم أرَه في قاعة المراجع الإقليمية. كان كتابًا قديمًا ذا غلافٍ ناعمٍ عن تاريخ البلدة. كانت تعتقد أنه يحوي فصلًا عن الجبَّانات.

والواقعُ أنه كان كذلك. وفي غضون وقتٍ قصيرٍ كنت أنا وهي نقرأ جزءًا عن جبَّانة مانرو «المعروفة بسردابَيها». كان ثَمَّةَ صورة فوتوغرافية مُجزَّعة للسرداب الأكبر حجمًا. ورد في الكتاب أنه قد بُني في عام ١٨٩٥ لاستقبال جثمان صبيٍّ في الثالثة، وكان أحد أبناء عائلة مانرو، وتوالى دفن جثامين أفراد آخرين من تلك العائلة هناك في السنوات التالية. ودُفن جثمانا زوجٍ وزوجةٍ من عائلة مانرو في السرداب الأصغر في أحد جوانب الجبَّانة. وقد أصبحت الجبَّانةُ، التي كانت في الأصل جبَّانةً عائليةً، جبَّانةً عامةً وتغيَّر اسمُها من مانرو إلى سيدارديل.

وكان السردابان مسقوفَين من الداخل بالخرسانة.

قالت والدة ريتشل إنه لم يعد متبقيًا من عائلة مانرو سوى واحدٍ فقط يعيش في البلدة اليوم، والذي يعيش في سِكُون.

قالت: «إنه يعيش في المنزل المجاور لمنزل أخي. أتعرفين أنه لا يوجد سوى ثلاثةِ منازلَ في سِكُون؟ هذا كلُّ ما يوجد. المنزل الأصفر المصنوع من الطوب ومنزل أخي، والمنزل الأوسط، وهو منزل آل مانرو؛ لذا ربما يخبرونكِ بشيءٍ آخر إذا ذهبتِ إلى هناك وسألتِهم.»

•••

بينما كنت أتحدَّث إلى والدة ريتشل وأنظر في كتاب التاريخ، جلس زوجي إلى الطاولة وراح يتحدَّث إلى زوجها؛ فتلك هي الطريقة اللائقة التي تسير بها الأحاديث في هذا الجزء من العالم. سأل الزوج من أين أتينا، ولدى سماعه أننا قادمون من هورون، قال إنه يعرفها جيدًا. قال إنه قد وصل إلى هناك حين رحل من هولندا بعد الحرب بفترةٍ ليست بالطويلة، أي في عام ١٩٤٨، (فهو يكبر زوجته بكثير). وعاش لفترةٍ بالقرب من بليث وعمل في إحدى مزارع الديوك الرومي.

سَمِعتُه يقول هذا، وحين شارفَ حواري مع زوجته على الانتهاء سألتُه إنْ كانت المزرعة التي عمل بها هي مزرعة والاس للديوك الرومي.

فقال نعم هي، وأضاف أن شقيقته كانت متزوجةً من ألفين والاس.

فقلت: «كوري والاس.»

«هذا صحيح. إنها هي.»

فسألتُه إنْ كان يعرف أيًّا من أفراد عائلة ليدلو في تلك المنطقة، وكانت إجابته بالنفي.

فأخبرتُه أنه إذا كان قد عمل في مزرعة آل والاس، فلا بد أنه كان يعرف بوب ليدلو.

أخبرتُه قائلة: «كان يعمل في تربية الديوك الرومي أيضًا، وكان على معرفةٍ بعائلة والاس منذ كانوا يذهبون إلى المدرسة معًا، وقد عمل معهم في بعض الأحيان.»

فقال بنبرة متصاعدة: «بوب ليدلو؟ أوه، بالتأكيد، كنت أعرفه. ولكن أظنُّ أنكِ قصدتِ من حول بليث؛ فقد كان لديه منزل بالقرب من وينجهام، غرب وينجهام، بوب ليدلو.»

فأخبرتُه أن بوب ليدلو قد نشأ بالقرب من بليث على الطريق الثامن لبلدة موريس، ومن هنا جاءت معرفته بالأخوَين والاس، والِد ألفين وعَمِّه. كانوا جميعًا يذهبون إلى مدرسة إس رقم ١، بجوار مزرعة والاس مباشرةً.

فنظر إليَّ عن كثبٍ وضحك.

«هل تريدين أن تقولي لي إنه والدكِ؟ أنتِ لست شيلا، أليس كذلك؟»

«إن شيلا شقيقتي. أنا الشقيقة الكبرى.»

فقال: «لم أكن أعلم أن هناك شقيقةً كبرى لها، لم أكن أعلم ذلك، ولكن كنت أعرف فقط بيل وشيلا. كانا معتادين على النزول معنا لتجهيز الديوك قبل أعياد الكريسماس. لم تكوني هناك، أليس كذلك؟»

«لم أكن بالمنزل آنذاك.»

«بوب ليدلو. بوب ليدلو كان والدكِ. حسنًا. كان لا بد أن يخطر لي ذلك مباشرة. ولكن حين قلتِ من حول بليث، لم أُدرك الأمر. كنت أظنُّ أن بوب ليدلو كان من مكانٍ بالقرب من وينجهام. لم أكن أعرف أبدًا أنه كان من بليث في الأساس.»

وضحك ومدَّ يده عبر الطاولة ليصافحني.

«حسنًا. بإمكاني الآن أن أرى ليدلو فيكِ. أنتِ ابنة بوب ليدلو. أرى ذلك حول عينيكِ. لقد مرَّ زمن طويل. مرَّ زمن طويل.»

لستُ أدري إن كان يقصد أنه قد مرَّ زمن طويل منذ كان أبي وأبناء والاس يذهبون معًا إلى المدرسة في بلدة موريس، أم منذ كان هو نفسه شابًّا صغيرًا قادمًا لتوِّه من هولندا، وعمل مع أبي وشقيقي وشقيقتي في تجهيز الديوك الخاصة بالكريسماس. ولكنني اتفقت معه في الرأي، وحينئذٍ قال كلانا إنه عالمٌ صغير. قلنا ذلك، كما يفعل الناس عادة، بحسٍّ من التعجُّب والانتعاش. (حين ينزعج الناسُ من اكتشاف مثل هذا، فإنهم عادةً ما يتجنَّبون القيام به.) أخذنا نستكشف الصلة بقدر ما طالت، وسرعان ما وجدنا أننا لن نجنيَ الكثير من وراء ذلك. ولكننا كنا سعداء. كان سعيدًا أنْ ذكَّره أحدٌ بنفسه في شبابه، وهو لا يزال جديدًا في القرية وقادرًا على شَغل أي عملٍ يُعرَض عليه، وكلُّه ثقة في المستقبل الذي بانتظاره، وبمنظر هذا المنزلِ الجيدِ البناءِ بمشهده الواسع الذي يُطلُّ عليه، وزوجته الرائعة، وابنته الجميلة ريتشل، وجسده الذي لا يزال يقظًا ونافعًا؛ لقد بدا بالفعل وكأن الأمور قد دانت له تمامًا.

أما أنا، فكانت سعادتي لعثوري على شخصٍ لا يزال يمكنه أن يراني جزءًا من عائلتي، ويستطيع أن يتذكَّر أبي، والمكان الذي عمل وعاش فيه والداي طوال حياتهما الزوجية معًا، بالأمل في البداية ثم بالكفاح المشرِّف؛ المكان الذي نادرًا ما أمرُّ به وأستطيع بالكاد أن أجدَ له رابطًا بحياتي الآن، على الرغم من أنه لا يبعد عني أكثر من عشرين مِيلًا.

لقد تغيَّر بالطبع، بل تغيَّر كليةً، وتحوَّل إلى مستودعٍ للسيارات الخردة. الفناءُ الأمامي والفناءُ الجانبي وحديقةُ الخضراوات وشرائطُ الأزهار، وحقلُ التبن، وشجيراتُ البرتقال المكسيكي، وأشجارُ الليلك، وجذلُ شجرة كستناء، والمرجُ والأرض اللذان كانا يومًا ما مغطيَين بحظائر الثعالب، سُحِقتْ جميعًا تحت مدٍّ من أجزاء السيارات، وأجسام السيارات المُفرَّغة من أحشائها، والمصابيح الأمامية المُهشَّمة، وشبكات الرادياتور، ورفارف العجلات، ومقاعد السيارات المقلوبة بحشوها النتن المنتفخ، إلى جانب أكداسٍ من الأجزاء المعدنية المَطليَّة والصدئة والمُسوَدة واللامعة، كاملةً كانت أو مُعوجة، والتي لا تزال باقية وتقاوم عامل الزمن.

ولكن ليس هذا هو الشيءَ الوحيدَ الذي يُجرِّده من معناه بالنسبة إليَّ. كلا. إنها حقيقة أنه على بُعد عشرين مِيلًا فقط، وكان بمقدوري أن أراه كل يومٍ لو شئت؛ فالماضي بحاجةٍ للتعامل معه من على بُعد.

سألتْنا والدة ريتشل إن كنا نودُّ إلقاء نظرةٍ على الكنيسة من الداخل قبل أن ننطلق إلى سِكُون، فلم نمانع. فترجَّلنا من على التل واصطحبتْنا في ترحابٍ إلى داخل الكنيسة المُغطَّى بالسجاد الأحمر. كانت رائحتها رطبةً ونتنةً قليلًا كحال المباني الحجرية في الغالب، حتى حين يُحافَظ على نظافتها إلى أقصى حدٍّ.

تحدثتْ إلينا بشأن أحوال هذا المبنى وجماعات المُصلِّين المتردِّدين عليه.

أُنشِئَت الكنيسة بأكملها قبل بضع سنواتٍ وأُضيفت تحتها مدرسة الأحد والمطبخ.

كان الجرسُ لا يزال يدق لإعلان وفاة كلِّ فردٍ من أفراد الكنيسة، فكان يدق دقاتٍ بعدد سنوات حياة الشخص المُتوفَّي. بإمكان كل شخصٍ على مرمى السمع أن يسمعَ ويُحصيَ عدد المرات التي يُقرع فيها ويُحاول أن يتوصَّل إلى هوية الشخص الذي يُقرع له. في بعض الأحيان يكون ذلك سهلًا؛ شخصًا يُنتظَر موته. وفي أحيانٍ أخرى يكون الأمر مفاجأة.

ذكرتْ لنا أن الرواق الأمامي للكنيسة على الطراز العصري، كما لا بد أن نكون قد لاحظنا. وحين أُنشيء، نشبَ جدال كبير بين هؤلاء الذين كانوا يعتقدون أنه ضروري، بل وكانوا معجبين به، وأولئك الذين عارضوا وجوده، وفي النهاية حدث انفصال؛ فانطلقَ هؤلاء الذين لم يعجبهم إلى ويليامزفورد وكوَّنوا كنيستهم الخاصة هناك، وإنْ كان بنفس القسيسة.

ففي آخر مرةٍ كان يجب تعيين قسيس أو قسيسة لتلك الكنيسة، كان خمسة من المرشحين السبعة لشغل المنصب من النساء، وكانت هذه السيدة متزوجة من طبيبٍ بيطري، وكانت هي نفسها طبيبة بيطرية. كانت محبوبة من الجميع، على الرغم من أنه في إحدى المرات نهض رجلٌ ينتمي إلى الكنيسة اللوثرية في ديسبورو وغادر إحدى الجنازات حين وجدها تُلقي عظةً فيها؛ فلم يستطع تحمُّل فكرة وجود امرأةٍ تَعِظُ.

فالكنيسة اللوثرية جزءٌ من المَجْمَع الكنسي بميسوري، وهذا هو أسلوبهم.

نشبَ حريقٌ كبيرٌ بالكنيسة منذ فترة، أتى على قدرٍ كبيرٍ من محتوياتها من الداخل، ولكن لم يمسَّ الهيكل. وبينما كانت الجدران الداخلية الناجية من الحريق تُدعك بعد ذلك، سقطت طبقاتٌ من الطلاء مع الدخان، وكانت ثَمَّةَ مفاجأة أسفلها: نصٌّ باهت باللغة الألمانية، بالكتابة القوطية الألمانية، الذي لم يكن قد أُزيلَ بالكامل، وكان مختبئًا أسفل الطلاء.

وها هو قد ظهر. أزالوا الطلاء وها هو قد ظهر.

Ich hebe meine augen auf zu den Bergen, von welchen mir Hilfe Kommt. كان هذا هو ما كُتِبَ على أحد الجدران الجانبية، فيما كُتِبَ على الحائط المقابل: Dein Wort ist meines Fusses Leuchte und ein Licht auf meinem Wege.

وترجمة ذلك هي:

«سأرفعُ عيني إلى الجبال من حيث يأتي عوني.»

«سراجٌ أهتدي به كلامُك ونورٌ لدَربي.»

لم يكن أحدٌ يعرف أو يتذكر وجود الكلمات الألمانية هناك حتى كشفها الحريق وما أعقبه من عمليات تنظيف. لا بد أن الجدار قد طُليَ فوقها في وقتٍ ما، وبعدها لم يُورِدْ أحدٌ لها ذكرًا، وهكذا ذهبت ذكرى وجودها في هذا المكان طيَّ النسيان.

في أي وقتٍ حدث هذا؟ الاحتمالُ الأرجح أن يكون قد حدث في بداية الحرب العالمية الأولى، التي امتدَّت فيما بين عامَي ١٩١٤ و١٩١٨. فلم يكن ذلك وقتًا مناسبًا لإظهار كتابةٍ باللغة الألمانية أو حتى إلقاء نصوصٍ مقدسةٍ بها. وظلَّ شيئًا يجب عدم الإتيان على ذكره لسنواتٍ بعد ذلك.

كان وجودي في الكنيسة مع هذه السيدة كمرشدةٍ يمنحني شعورًا بالضياع قليلًا، أو شعورًا بالحيرة والارتباك، شعورًا بأن كل الأمور قد سارت في الاتجاه الخطأ. لقد مستْني بشدةٍ الكلماتُ المنقوشة على الحائط، ولكنني لست مؤمنةً وليس لهذه الكلمات أن تجعلني مؤمنة. كانت تبدو وكأنها تفكر في كنيستها، بما فيها هذه الكلمات، وكأنها حارستها اليقظة. بل إنها ذكرت بنبرةٍ نقديةٍ أن جزءًا من الطلاء — في حرف L المزخرف في كلمة Licht — قد تلاشى أو تقشَّر، ولا بد من استبداله. ولكنها كانت مؤمنة. كان يبدو وكأن عليك دائمًا أن تعتنيَ بما هو فوق السطح، وسوف يتولى ما خلفه، بضخامته وإزعاجه، الاعتناءَ بنفسه.
في ألواحٍ منفصلةٍ من النوافذ الزجاجية المتسخة ظهرت هذه الرموز:
  • الحمامة (على المذبح).

  • الرمزان ألفا وأوميجا (في الجدار الخلفي).

  • الكأس المقدسة.

  • حزمة القمح.

  • الصليب في التاج.

  • مرساة السفينة.

  • حَمَلُ الرب يحمل الصليب.

  • البجعة الخرافية، ذات الريش الذهبي، التي يُعتقَد أنها تطعم صغارها على دم ثديها الممزق، كرمزٍ لكنيسة المسيح. (البجعة الخرافية كما هي ممثلة هنا تُشبه البجعة الحقيقية من حيث كونها طائرًا فقط.)

قبل بضعة أيامٍ من خضوعي لعملية أخذ العينة، تلقيتُ اتصالًا من مستشفى المدينة لإبلاغي بأن العملية قد أُلغيت.

ظلَّ الموعد قائمًا على أي حالٍ للتحدُّث مع طبيبة الأشعة، ولكن لم أكن بحاجةٍ للإسراع في الإعداد للعملية.

فقد أُلغيت.

لماذا؟ هل وردت معلوماتٌ عن أشعتَي الثدي الأخريين؟

ذات مرةٍ تعرَّفتُ إلى رجلٍ دخل المستشفى لاستئصال ورمٍ من عنقه. وضع يدي عليه، على هذا الورم الصغير السخيف، وأخذنا نضحك من إمكانية أن نُهوِّل من خطورته ونجعله يحصل على إجازةٍ من العمل لمدة أسبوعين للذهاب لقضاء إجازةٍ معًا. تمَّ فحص الورم، ولكن أُلغيت عملية أخرى كان من المقرر إجراؤها نظرًا لاكتشاف وجود الكثير والكثير من الأورام الأخرى، وصدر القرار النهائي بأن العمليات التي ستُجرى لن تجديَ نفعًا. وعلى حين غرةٍ صار رجلًا في دائرة الخطر. لم يعد يضحك؛ فحين ذهبت لرؤيته أخذ يُحدِّق فيَّ بغضبٍ شبه أحمق لم يتمكَّن من إخفائه؛ فقد قالوا إن المرض «منتشر في كلِّ جسده.»

اعتدتُ أن أسمع نفس الشيء يُقال حين كنت طفلة، وكان دائمًا ما يُقال بصوتٍ خافتٍ للغاية بدا ينبئ، على نحوٍ شبه طوعي، بفاجعة. شبه طوعي، حتى ولو كان بتلميحٍ مكشوف.

•••

توقفنا بالفعل عند المنزل الأوسط في سِكُون، ليس بعد زيارة الكنيسة، بل في اليوم التالي لاتصال المستشفى. كنا نبحث عن شيءٍ يُسلينا. ثَمَّةَ شيءٌ ما تغيَّر؛ فقد لاحظنا كَمْ بَدأ المشهد الطبيعي لبلدة سوليفان والكنيسة والجبَّانات، وقريتَي ديسبورو وسِكُون وبلدة تشيسلي؛ يبدو مألوفًا لنا، وكيف قصرت المسافات بين الأماكن. ربما نكون قد اكتشفنا كلَّ ما كنا قادمين لمعرفته. وربما كان هناك مزيد من الإيضاح والتفسير — فربما تكون فكرة السرداب قد جاءت نتيجة عدم رغبة شخصٍ ما في وضع طفلٍ في الثالثة تحت الأرض — ولكن أكثر ما كان ساحرًا وجذابًا مجسَّدٌ الآن في نموذجٍ لأشياء نعرفها.

لم يَجُبْ أحدٌ الباب الخارجي. كان المنزل والفناء مرتَّبَين. أخذتُ أنظر حولي إلى أحواض الحوليات الزاهية وزهرة من شجيرة شارون وصبي أسود البشرة يجلس على جذل شجرة وفي يده عَلمٌ كندي. لم يكن ثَمَّةَ الكثير من الصبية الصغار السود في أفنية منازل الأهالي كما كان الحال من قبل. ربما كان الأطفال البالغون قاطنو المدن قد حَذَّروهم منهم، وإن كنت لا أعتقد أن أي إهانةٍ عنصريةٍ كانت تصدر عن عمدٍ ووعي. لقد كان الأمر كما لو أن الناس كانوا يشعرون بأن وجود صبيٍّ أسود يضيف لمسة من الصخب والسحر.

كان البابُ الخارجي مفتوحًا على رواقٍ ضيق، فدخلتُ وقرعتُ جرس باب المنزل. كان ثَمَّةَ مساحة كافية للمرور من أمام كرسي ذي مسندَين عليه غطاءٌ أفغاني ملوَّن وطاولتين من الخيزران عليهما أصص نباتات.

ما من مجيبٍ حتى الآن، ولكن استطعت أن أسمع صوت إنشادٍ دينيٍّ عاليًا داخل المنزل. كانت هناك جوقة تنشد: «إلى الأمام أيُّها الجنود المسيحيون». وعبر النافذة التي كانت بالباب رأيتُ المنشدين على شاشة التليفزيون في غرفةٍ داخلية. ورأيتُ ثيابًا زرقاء والعديد من الوجوه المتمايلة على صفحة السماء في وقت الغروب. تُرى أهم جوقة المعبد المورموني؟

أخذتُ أستمع إلى الكلمات التي اعتدتُ سماعها جميعًا قبل ذلك. وفي تقديري أن هؤلاء المنشدين كانوا في نهاية المقطع الغنائي الأول.

فتركتُ القَرْعَ على الجرس حتى يفرغوا.

أعدتُ المحاولة ثانيةً، وجاءت السيدة مانرو التي كانت امرأةً قصيرة القامة ذات طلَّةٍ تنمُّ عن البراعة والاقتدار وخصلات شعرٍ مُموَّجةٍ مضغوطةٍ ذات لونٍ بُنيٍّ ضاربٍ إلى الرمادي، وترتدي بلوزة زرقاء مزيَّنة بالأزهار لتلائم بنطالها الأزرق.

أخبرتني أن زوجها يعاني صعوبةً شديدةً في السمع؛ ومن ثَمَّ لن يجديَ الحديثُ معه كثيرًا. وكان عائدًا للتوِّ من المستشفى قبل بضعة أيام؛ ومن ثَمَّ لم يكن يرغب في الحديث، ولم تكن هي ذاتها لديها متسعٌ من الوقت للحديث؛ إذ كانت تتأهَّب للخروج. كانت ابنتها قادمةً من تشيسلي لاصطحابها. كانتا ذاهبتَين في نزهةٍ عائليةٍ للاحتفال بعيد زواج والدَيْ زوجها الخمسين.

ولكنها لم تكن لتُمانعَ في إخباري بما تعرفه.

وعلى الرغم من أنها لم تتزوَّج إلا من داخل العائلة، فلم تكن تعرف الكثير عنهم.

بل إن كلتيهما لم تكن تعرف الكثير على الإطلاق.

استرعى انتباهي شيءٌ جديدٌ في استعداد كلٍّ من هذه السيدة العجوز والسيدة الشابة المفعمة بالحيوية في المنزل الخشبي وتأهُّبهما للمساعدة؛ فلم يَبْدُ عليهما أي استغرابٍ من أن يكون ثَمَّةَ مَنْ يرغب في معرفة أمورٍ ليس لها نفع معين أو أهمية عملية؛ فلم تُلمِحَا إلى أن لديهما أمورًا أهم للتفكير فيها؛ أعني أمورًا حقيقية، عملًا حقيقيًّا. فحين كنت في طور النضج لم تكن الرغبة النهمة في اكتساب أي معرفةٍ غير عمليةٍ من أي نوعٍ تحظى بالتشجيع. لا بأسَ في معرفة أي حقلٍ سوف يتناسب مع محاصيل بعينها، ولكن لم يكن مقبولًا تمامًا معرفة أي شيءٍ عن الجغرافيا الجليدية التي ذكرتها. كان من الضروري أن تتعلم القراءة، ولكن لم يكن مستحبًّا تمامًا أن ينتهيَ بك الحال إلى الاستغراق في قراءة كتاب. وإنْ كان لا بد أن تتعلم التاريخ واللغات الأجنبية للنجاح في المدرسة، فكان الشيء الطبيعي الوحيد أن تنسي مثل هذا النوع من الأمور بأسرع ما يمكن، وإلا أصبحت «مختلفًا» عن الآخرين، ولم تكن تلك بالفكرة الجيدة. وكان التساؤل عن «الزمن القديم» — ما الذي كان موجودًا هنا، ماذا حدث هناك، ولماذا، لماذا؟ — كانت طريقة مضمونة لكي تجعل نفسك مختلفًا.

بالطبع، كان بعضٌ من هذه الأمور متوقَّعًا لدى الغرباء، من أهل المدينة، الذين كان لديهم متسعٌ من الوقت لذلك. لعلَّ هذه السيدة تعتقد أن هذا هو الحال بالنسبة إليَّ، ولكن السيدة الشابة كان إدراكها مختلفًا، ومع ذلك بدت لا تزال ترى أن لفضولي ما يبرره.

قالت السيدة مانرو إنها اعتادت أن تتساءل، حين كانت في بداية زواجها؛ لماذا كانوا يدفنون أهلهم هناك على هذا النحو، من أين جاءتهم الفكرة؟ لم يكن زوجها يعرف السبب؛ فقد كان جميع أفراد آل مانرو يتعاملون مع الأمر على نحوٍ مُسلَّمٍ به، لم يكونوا على درايةٍ بالسبب، كانوا يتعاملون معه على نحوٍ مُسلَّمٍ به لأن ذلك هو ما كانوا يفعلونه دائمًا. كانت تلك هي طريقتهم دائمًا، ولم يخطر لهم مطلقًا أن يسألوا لماذا أو مِن أين أتت عائلتَهم الفكرة.

هل كنت أعلمُ أن السردابَ بأكمله مسقوفٌ بالخرسانة من الداخل؟

لقد كان السردابُ الأصغر من الخرسانة أيضًا من الخارج. أجل. فلم تكن قد ذهبت إلى الجبَّانة منذ فترةٍ ونسيت كلَّ شيء بشأن هذا السرداب.

تذكرتْ آخر جنازةٍ أقاموها حين دفنوا آخر شخصٍ في السرداب الكبير؛ آخر مرةٍ فتحوه فيها. كان من أجل السيدة ليمبكي التي كانت تنتمي إلى عائلة مانرو. لم تكن توجد مساحة إلا لشخصٍ واحد، وكانت هي هذا الشخص، ومِن بعدها لم تعد ثَمَّةَ مساحة لأي جثمانٍ آخر.

كانوا يحفرون عند الطرف ويرفعون قوالب الطوب، وحينئذٍ كان لك أن ترى بعضًا مما كان في داخل السرداب قبل أن يسجوا تابوتها داخله. كان بإمكانك أن ترى أنه كانت ثَمَّةَ توابيت هناك سبقت تابوتها على كلا الجانبين، ولا أحدَ يعرف متى بدأ هذا.

قالت: «لقد منحني هذا شعورًا غريبًا، حقًّا، فقد اعتدنا رؤية التوابيت حين تكون جديدة، ولكن لم نَعْتَدْ رؤيتها حين تكون قديمة.»

كانت هناك طاولة صغيرة قابعة في مقدمة المدخل مباشرةً، في الطرف الأقصى، وعليها نسخة مفتوحة من الكتاب المقدس.

وكان بجوار الكتاب المقدس مصباح.

كان مجردَّ مصباحٍ عاديٍّ قديم الطراز، من النوع الذي اعتادوا إضاءته بالكيروسين.

وقبعَ التابوت هناك كما هو في ذلك اليوم، وأُغلِقَ كل شيءٍ بإحكام، ولن يراه أحدٌ مرةً أخرى مطلقًا.

قالت: «لا أحدَ يعرف لماذا كانوا يفعلون ذلك. لقد فعلوه فحسب.»

وابتسمتْ ليَ ابتسامةً ودودةً يشوبها شيءٌ من الارتباك، واتسعت عيناها شبه الباهتتَين لتصبح كعينَي البومة، بفضل نظَّارتها، وأومأت إليَّ برأسها إيماءتَين مرتجفتَين، وكأنها تقول إنه أمرٌ يتجاوز نطاق استيعابنا، أليس كذلك؟ ثَمَّةَ أمورٌ عديدةٌ تتجاوز نطاق استيعابنا. أجل.

•••

قالت طبيبة الأشعة إنها حين اطَّلعت على أشعتَي الثدي الواردتَين من المستشفى الريفي، رأت أن الورم كان موجودًا في عامَي ١٩٩٠ و١٩٩١، ولم يطرأ عليه أي تغيير، فهو لا يزال في نفس المكان وبنفس الحجم، قالت إنني لا أستطيع مطلقًا أن أكون متيقنة مائة بالمائة أن مثل هذه الكتلة آمنة، ما لم تؤخَذ عينة منها. وأضافت أن بإمكاني أن أطمئن؛ فأخذُ العينة في حدِّ ذاته يُعتبر إجراءً تدخُّليًّا، وأنها لو كانت مكاني، لم تكن لتُجريَه. وبدلًا من ذلك قالت لي إنها سوف تُجري لي أشعةً أخرى على الثدي في غضون ستة أشهرٍ أخرى، وإنه لو كان ثديها، لظلَّت تراقبه، ولكن في الوقت الراهن كانت ستدعه وشأنه.

تساءلتُ لماذا لم يخبرني أحدٌ من قبلُ عن هذه الكتلة حين ظهرت لأول مرة.

فقالت إنه لا بد أنهم لم يرَوْها.

•••

إذن فتلك أول مرةٍ تظهر.

ستظل مثل هذه المخاوف تظهر وتختفي.

وسيأتي الخوفُ الذي لن يختفي. الخوفُ الذي لن يختفي.

ولكن الآن، ها هي الذُّرة في الشُّرابة، وذروة الصيف على وشك الانتهاء، والوقت يتسع ليفسح مجالًا من جديدٍ للمشاحنات الصغيرة والتفاهات. لم تعد للأيام حوافُّ حادة، لم يعد ثَمَّةَ شعورٌ بطَنين القَدَرِ المُزعِج يسري في عروقك كسربٍ من الحشرات الصغيرة التي لا ترحم. ها قد عُدنا إلى حيث لا يبدو هناك أي تغييرٍ كبيرٍ يُرجى أكثر من تغيير الفصول. وعادت نطاقات السماء والأرض تحمل قدرًا من الاهتراء، واللامبالاة، بل وإمكانية متقطعة للملل والسأم.

•••

ونحن في طريقنا إلى المنزل عائدين من مستشفى المدينة قلتُ لزوجي: «أتعتقد أنهم يضعون أيَّ زيتٍ في ذلك المصباح؟»

وعلى الفور أدرك ما أتحدث عنه، وقال إنه كان يتساءل عن نفس الشيء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠