الآباء

كان هناك في الربيع صوتٌ يعمُّ كل جنبات الريف الذي سرعان ما كان يتلاشى، لعله كان سيتلاشى تمامًا لولا الحرب، كانت الحرب تعني أنَّ مَنْ يملكون المال لشراء جرَّارات لا يستطيعون إيجاد أي جرارات لشرائها، والقلة التي تملك جرارات بالفعل لا تستطيع دائمًا إيجاد الوقود اللازم لتشغيلها؛ ومن ثَمَّ كان المزارعون يخرجون إلى أرضهم بخيولهم من أجل حرث الربيع، ومن آنٍ لآخر، في جهاتٍ قريبة وبعيدة، كان بإمكانك أن تسمعهم يصدرون أوامرهم التي تتخللها درجاتٌ من التشجيع، أو نفاد الصبر، أو التحذير. ليس بوسعك أن تسمع الكلمات على نحوٍ محدد، مثلما لا يمكنك أن تفهم ما تقوله طيور النورس عندما تهبط على الأرض، أو تتابع مشاجرات الغربان. ولكن من نبرة الصوت، كان يمكنك بصفة عامة أن تحدد ألفاظ السباب التي كانت تُقال.

كان ثَمَّةَ رجلٌ يسبُّ طوال الوقت، لم يكن مهمًّا أيُّ كلماتٍ كان يستخدمها. كان من الممكن أن يقول «زبد وبيض»، أو «شاي المساء»، وتكون الروح التي تلفظها واحدة، وكأنه يغلي بنيران سافعة من الغضب والاشمئزاز.

كان اسمه بانت نيوكام، امتلك أوَّل مزرعة على الطريق الريفي المنعطف ناحية الجنوب الغربي من البلدة. كان بانت (وهي كلمة تعني نطحة، على الأرجح هي كُنية أُطلِقتْ عليه في المدرسة لأنه كان يمشي ورأسه منخفض) على استعدادٍ لنطح أي شخص برأسه ودفعه جانبًا. كان اسمًا صبيانيًّا احتفظَ به منذ الصغر، ولم يكن في الواقع ملائمًا لسلوكه، أو سُمعته، كرجلٍ ناضج.

أحيانًا ما كان الناسُ يتساءلون ما خَطبه؟ فلم يكن فقيرًا؛ إذ كان يمتلك مائتي فدان من أجود الأراضي، وإسطبلًا مبنيًّا على منحدرٍ له صومعة بارزة، وجَرَاجًا خاصًّا، ومنزلًا مربَّعًا متينًا مبنيًّا من الطوب الأحمر. (وإنْ كان المنزل، مثل صاحبه، ذا مظهر يوحي بحدَّة الطبع. فكان هناك ستائر حاجبة ذات لون أخضر داكن منسدلة على النوافذ لأغلب الوقت، أو طوال الوقت، ولا توجد ستائر ظاهرة، وأثر واضح على الحائط الأمامي من جراء إزالة الشرفة الأمامية. أما الباب الأمامي الذي كان حتمًا يُفتح على تلك الشرفة، فقد صار الآن يُفتح على حشائش وبقايا حجارة ارتفاعها ثلاثة أقدام.) ولم يكن سكِّيرًا ولا مقامرًا؛ إذ كان شديدَ الحرص على أمواله لدرجة يتعذَّر معها أن يكون أحدَ الاثنين. وكان بخيلًا ودنيء الخُلق؛ فقد كان يسيء معاملة خيوله، وبالطبع يسيء معاملة أفراد أسرته.

في الشتاء كان يأخذ علب اللبن خاصته إلى البلدة على زلَّاجة يجرُّها عددٌ من الخيول؛ إذ كان هناك نقصٌ آنذاك في كاسحات الجليد في الطرق الريفية، شأنها شأن الجرَّارات. كان ذلك يتمُّ خلال فترة الصباح حين يكون الجميع في طريقهم إلى المدارس، ولم يكن يبطئ مطلقًا مثلما كان المزارعون الآخرون يفعلون للسماح لأي أحدٍ بالقفز على ظهر الزلاجة من أجل الحصول على توصيلة. بدلًا من ذلك، كان يلتقط السَّوط.

لم تكن السيدة نيوكام ترافقه قط، سواءٌ على الزلاجة أو في السيارة. كانت تذهب إلى البلدة سَيْرًا على الأقدام، مرتديةً حذاءً فوقيًّا مطاطيًّا قديمًا — حتى عندما يكون الطقسُ دافئًا — ومعطفًا طويلًا باهتَ اللون، ووشاحًا فوق شعرها. كانت تتمتم بالتحية دون حتى أن ترفع عينيها وتنظر إلى الشخص الذي تحييه، أو أحيانًا كانت تشيح بوجهها بعيدًا، دون أن تنطق ببنت شفة. أظنُّها قد فقدت بعضَ أسنانها، فقد كان هذا شائعًا آنذاك أكثر من الآن. وكان شائعًا كذلك أن يُظهِرَ الناسُ حقيقة طباعهم دون أي تكلُّف، في حديثهم، ومَلبسهم، وإشاراتهم، بحيث يبدو كلُّ شيء متعلق بهم وكأن لسان حاله يقول: «أعلمُ كيف ينبغي أن يكون مظهري وسلوكي، وإذا لم أفعل، فهذا شأني»، أو «لا أهتمُ إنْ كانت الأمورُ قد بلغت مداها معي؛ فلتظن ما شئت!»

•••

ربما تُعتبر السيدة نيوكام اليوم حالةً خطيرة، كشخصٍ مُصاب باكتئابٍ مزمن، فيما قد تنظر بعين القلق والشفقة إلى زوجها بأساليبه الفظَّة الوحشية، ولسان حالك يقول: «هذان الشخصان بحاجة إلى المساعدة.» أما في تلك الأيام، فكان يُنظر إليهما كما هما، وكان يُترك لهما عيش حياتهما كما يحلو لهما دون أدنى تفكير في التدخُّل من قِبَل أي شخص، بل كانا في الواقع يُعتبران مصدرًا للإثارة والتسلية. ربما كان يُقال — وقد قِيلَ بالفعل — إنه ليس لديه عزيز وإنَّ عليك أن تشعر بالأسف تجاهها. ولكن كان ثَمَّةَ شعور بأن بعضَ الناس خُلقوا لإتعاس الآخرين والبعضُ الآخر مخلوقٌ بحيث يسمح للآخرين بإتعاسه. لقد كان هذا ببساطة قدَرًا، ولا شيءَ كان يمكن فعله تجاهه.

أنجبَ الزوجان نيوكام خمسَ بنات، ثم ولدًا. كانت أسماءُ الفتيات هي أبريل، وكورين، وجلوريا، وسوزانا، وداليا. كنت أراها أسماءً جميلة ورائعة، وتمنَّيتُ لو كان شكلهن متماشيًا معها، وكأنهن بنات غول في إحدى القصص الخيالية.

تركت أبريل وكورين المنزل منذ فترة، ولذا لم يتسنَّ لي معرفة شكلهما. أما جلوريا وسوزانا، فكانتا تعيشان في البلدة. كانت جلوريا متزوجة، وخرجت من المشهد مثلما تفعل الفتيات المتزوجات، أما سوزانا، فكانت تعمل في متجر للأدوات المعدنية، وكانت فتاةً ممتلئة مُصابَة بحَوَلٍ بسيط في عينيها، وخَلَتْ من أي مسحة من الجمال، ولكن كان شكلُها طبيعيًّا للغاية (إذ كان الحَوَل شكلًا من الأشكال الطبيعية للعيون، ولم يكن يمثِّلُ فاجعةً في ذلك الوقت، ومن ثَمَّ لم يكن بالشيء الذي يجب علاجه، شأنه شأن الطباع). لم تكن بأي حالٍ تبدو خاضعة مثل والدتها أو فظَّة قاسية مثل أبيها. أما داليا، فكانت تكبرني بعامين، وكانت أول منِ الْتحق بالمدرسة الثانوية من بين أفراد عائلتها، لم تكن هي أيضًا بجمال ابنة الغول ذات العينين الواسعتين والشعر المموَّج، ولكنها كانت حسنة الطلعة وقوية البنية، وذات شعرٍ كثيف وأشقر، ومنكبين قويين، ونهدين قويين وبارزين، كانت تحصل على درجاتٍ رائعة للغاية، وكانت بارعة في الرياضة، لا سيَّما كرة السلة.

خلال أَشْهُري القليلة الأولى في المدرسة الثانوية، وجدتُ نفسي أسيرُ معها لجزءٍ من المسافة إلى المدرسة. كانت تسير بطول الطريق الريفي وتعبر الجسر لتصل إلى البلدة. وكنتُ أعيش في نهاية الطريق الذي طوله نصف ميل والموازي لهذا الطريق، على الجانب الشمالي للنهر. حتى ذلك الحين، يمكن أن تقول إننا كنَّا نعيشُ على مسافة قريبة إحدانا من الأخرى، ولكن المناطق التعليمية كانت مقسَّمة بطريقة معينة جعلتني دائمًا ألتحق بمدرسة البلدة، بينما بنات عائلة نيوكام كنَّ يلتحقن بمدرسة ريفية أبعد على الطريق الريفي. خلال العاميْن الأوليْن لداليا في المدرسة الثانوية، بينما كنتُ أنا لا أزال في المدرسة الإعدادية، كان لا بد أن تتخذ كلتانا نفس الطريق، وإن لم نكن لنسير معًا؛ فلم يجرِ العُرف أن يسير طلاب المدرسة الثانوية والمدرسة الإعدادية معًا. ولكن الآن وقد صرنا نذهب إلى المدرسة الثانوية، كنَّا عادةً ما نلتقي حيثما يلتقي الطريقان، وإذا حدثَ ورأت إحدانا الأخرى قادمة، كانت تنتظرها.

هكذا كان الحال بالنسبة لي في خريفي الأول في المدرسة الثانوية. لم يكن السيرُ معًا يعني أننا قد أصبحنا صديقتين، كلُّ ما في الأمر أنه كان من الغرابة أن تسير كلٌّ منَّا بمفردها بعد أن أصبحت كلتانا في المدرسة الثانوية ونسلكُ نفس الطريق. لستُ أدري عمَّا كنا نتحدث، أعتقدُ أنه كانت ثَمَّةَ فترات طويلة من الصمت تعمُّنا، نظرًا لترفُّعِ داليا النابع من أنها أكبر مني سنًّا، ولجفافٍ في طبعها جعل من المستبعد إمكانية إجراء أي حوار سخيف بيننا. لكن لا أذكرُ أنني كنتُ أجد تلك الفترات الصامتة غير مريحة.

•••

في صباح أحد الأيام لم أَرَها، فمضيتُ في طريقي، ووجدتُها تقول لي في حجرة إيداع المعاطف والقبعات: «لن أسلك هذا الطريق بعد ذلك؛ لأنني أُقيم الآن في البلدة لدى جلوريا.»

ولم نتحدث معًا مرة أخرى إلا بالكاد إلى أن جاء يومٌ في بداية الربيع؛ ذلك الوقت الذي أنا بصدد الحديث عنه، حين كانت الأشجار عارية من الأوراق ولكنها ضاربة إلى الحُمرة، والغربان وطيور النورس مشغولة، والمزارعون يصيحون في خيولهم. وجدتُها تتجه نحوي، حيث كنَّا نهمُّ بمغادرة المدرسة، وقالت: «هل ستتجهين إلى المنزل مباشرةً؟» فأجبتُ بنعم، وما لَبِثتْ أن سارت بجواري.

سألتُها إنْ كانت قد عادت للإقامة في منزلها مجددًا، فأجابت قائلة: «كلا، ما زلتُ أقيم لدى جلوريا.»

وعندما مضينا في المسير قليلًا، قالت: «أنا ذاهبةٌ إلى هناك فقط لأرى ما يحدث.»

كان أسلوبها وهي تقول ذلك واضحًا ومباشرًا، وليس به أيُّ أسرار أو خصوصية. ولكنني أدركتُ أن كلمة «هناك» لا بد أنها تعني منزلها، وأن عبارة «ما يحدث»، وإن كانت غير محددة، كانت تعني شيئًا سيئًا.

خلال الشتاء الماضي كانت قد ارتفعت مكانة داليا في المدرسة؛ لكونها أفضل لاعبة في فريق كرة السلة، وكان الفريق قابَ قوسين أو أدنى من الفوز ببطولة المقاطعة. وكان السيرُ معها والحصول منها على أي معلومات كانت ترغب في إعطائها لي يمنحني شعورًا بالتميز. لا أستطيعُ أن أتذكَّر بالضبط، ولكنني أظنُّ أنها لا بدَّ قد بدأت دراستها في المدرسة الثانوية وكلُّ شئون عائلتها تطاردها. كانت البلدة صغيرة بما يكفي بحيث بَدَأْنَ جميعًا نفسَ البداية، بعوامل إيجابية نعيشُ وفقًا لها، أو ظِلٍّ ما نعيش في كنفه. ولكن الآن صار متاحًا لها، إلى حدٍّ كبير، أن تتحرر. كان استقلالُ الروح، تلك الثقة التي يجب أن تكون لدى أيِّ أحدٍ في جسده لكي يصبح بطلًا رياضيًّا، هو ما جعلها تنال احترام الآخرين وأثنى أيَّ شخص يفكر في إيقافها. كانت أنيقة أيضًا؛ لم يكن لديها سوى القليل جدًّا من الملابس ولكنها كانت رائعة للغاية، لم تكن كتلك الملابس الوقورة التي تتداولها الشقيقاتُ فيما بينهن، والتي غالبًا ما كانت فتيات الريف ترتدينها، أو أطقم الملابس المصنوعة منزليًّا التي كانت أمي تكدح من أجل حِيَاكتها لي. أتذكرُ كَنْزةً حمراء ذات فتحة عنق مثلثة غالبًا ما كانت ترتديها، وتنورة رويال ستيوارت ذات ثنياتٍ. ربما كانت جلوريا وسوزانا تنظران إليها بوصفها ممثلة العائلة ومصدر فخرها، فخصَّصتا جزءًا من مواردهما لشراء ملابس لها.

كنَّا خارج البلدة قبل أن تتحدث إليَّ مجددًا.

قالت: «لا بد أن أتابع ما يفعله والدي العجوز، أتمنى ألا يعتدي بالضرب على رايموند.»

كان رايموند أخاها.

قلت: «أتعتقدين أنه قد يفعل ذلك؟» شعرتُ وكأن عليَّ أن أتظاهر بأنني أعرف أقلَّ مما كنت أعرفه — وكان الجميع يعرفونه — بالفعل عن عائلتها.

فقالت في تأمُّل: «أجل، أجل. قد يفعل، لقد كان رايموند يجيد الإفلات من عقابه أكثرَ منا، ولكن الآن لم يبقَ في المنزل غيره وأخاف عليه بشدة.»

«أكان يضربكِ؟»

قلت ذلك على نحو شبه عارض، محاولةً ألا يبدو في صوتي سوى قدر معقول من الاهتمام، وألا أُبدي أيَّ هلع بأي حال.

فنخرت قائلة: «أتمزحين؟ قبل أن أرحل آخر مرة، حاول أن يسحق رأسي بالمجرفة.»

وبعد أن تقدَّمنا قليلًا في المسير، قالت: «أجل، وطلبتُ منه أن يتقدم ليقتلني، تعالَ لتقتلني، فلتقتلني وبعدها سوف تُعدَم. ولكنني حينئذٍ أفلتُّ منه؛ لأنني فكرتُ أنه لو قتلني، فلسوف أُحرم من متعة مشاهدته معدومًا.»

وأخذتْ تضحك. فقلتُ بنبرة تشجيعية: «أتكرهينه؟»

قالت دون أن يرتسم على وجهها أيُّ تعبير أكثر من ذلك الذي كانت ستبديه لو قالت إنها تكره النقانق: «بالطبع أكرهه، لو أخبرني أحدهم أنه يغرق في النهر، لذهبتُ ووقفتُ على ضفة النهر وأخذتُ أهلل.»

لم يكن من الممكن أن أعلِّق على ما قالت، ولكنني قلت: «ماذا لو أمسكَ بكِ الآن؟»

«لن يراني، سوف أتلصصُ على ما يفعله فقط.»

وحين وصلنا إلى مفترق طريقينا، قالت بشبه ابتهاج: «أتودِّين أن تأتي معي؟ أتريدين أن تَرَي كيف أتلصصُ عليه؟»

سرنا معًا عبر الجسر ورأسانا منخفضان في هدوءٍ واتِّزان، ننظرُ عبر الشقوق الفاصلة بين الألواح الخشبية للجسر على النهر ذي الفيض المرتفع، ويملؤني الانزعاج والإعجاب في آنٍ واحد.

قالت: «اعتدتُ أن آتي هنا في الشتاء، كنتُ معتادة أن أقف أمام نوافذ المطبخ تمامًا حين يعمُّ الظلام بالخارج. أما الآن فالأجواء تظل مضيئة لوقتٍ متأخر للغاية. واعتدتُ أن أفكر أنه سيرى آثار حذائي في الثلج ويعرفُ أن أحدهم كان يتلصصُ عليه وأن ذلك سوف يدفعه إلى الجنون.»

سألتُها إن كان والدها يمتلك بندقية.

قالت: «بالتأكيد. إذن ماذا لو خرج وأطلق عليَّ النار؟ سوف يطلق عليَّ النار ويُعدم ويذهب إلى الجحيم. لا تقلقي؛ إنه لن يرانا.»

قبل أن يصبح منزل آل نيوكام على مرأًى منا، تسلَّقنا منحدرًا يقع على الجانب الآخر من الطريق، حيث كان هناك نموٌّ كثيف من أشجار السماق متاخمة لمجموعة من أشجار التنوب المزروعة لصدِّ الرياح. عندما كانت داليا تبدأ في السير رابضةً أمامي كنت أفعل المثل، وعندما كانت تتوقف كنت أتوقف أنا أيضًا.

كان الإسطبل وفناؤه ممتلئين بالأبقار، وأدركتُ أننا نسمع صوتَ وطء الأبقار وصياحهم فور توقفنا عن عمل أي ضجيج ونحن نسير بين فروع الأشجار. وعلى عكس معظم المزارع الريفية، لم يكن لمزرعة آل نيوكام ممرٌّ خاص بها؛ فكان المنزلُ والإسطبل وفناؤه تقع جميعًا على الطريق مباشرةً.

لم يكن ثَمَّةَ ما يكفي من الحشائش الناضرة للأبقار لكي ترعى خارج الإسطبل بعد — فقد كانت المناطق المنخفضة في المروج لا تزال معظمها غارقة في الماء — ولكنها كانت تُترك للخروج من الإسطبل للتريُّض قبل الحلب المسائي. ومن خلف حاجز أشجار السماق الذي كنَّا نختبئ وراءه، كان بإمكاننا النظرُ عبر الطريق والنظرُ كذلك إلى أسفل إلى الأبقار وهي تصطدم بعضها ببعض وتتخبَّط وسط الروث، في حالة من الاضطراب والتذمُّر بسبب ضروعها الممتلئة، حتى إذا قصفنا فرعًا من الفروع، أو تحدَّثنا بأصواتنا الطبيعية، فقد كان ثَمَّةَ الكثير مما يدور هناك لدرجة لا يستطيع معها أيُّ شخصٍ سماعنا.

جاء رايموند، وهو صبيٌّ في حوالي العاشرة من عمره، بالقرب من الإسطبل. وكان معه عصًا، ولكنه كان ينقر بها فقط على مؤخرة الأبقار دافعًا إياها وهو يقول: «شي، شي» بإيقاع هادئ ويحثُّها على التحرك نحو باب الإسطبل. لم تكن تلك الأبقار من نفس النوع أو لها نفس اللون، وهو الأمر الذي كان موجودًا في معظم المزارع في ذلك الوقت، كانت ثَمَّةَ بقرة سوداء، وبقرة حمراء ضاربة إلى البرتقالي، وبقرة ذهبية اللون إلى حدٍّ ما، لا بد أنها تنتمي على نحوٍ ما لسلالة الجيرزية، إلى جانب أبقار أخرى ذات بقع بُنية وبيضاء، وسوداء وبيضاء، وذلك بجميع أنواع التوليفات. كانت لا تزال محتفظة بقرونها، وهو ما منحها مظهرًا مهيبًا وشرسًا افتقدته الأبقارُ الآن.

جاء صوت رجل، وكان صوت بانت نيوكامب، ينادي من الإسطبل.

«أَسرِعْ. لِمَ التأخير؟ أتظنُّ أن أمامك الليل بأكمله؟»

فردَّ رايموند صائحًا: «حسنًا، حسنًا!» لم تكن نبرة صوته تشير لشيء بالنسبة إليَّ، فيما عدا أنه لم يكن يبدو خائفًا. ولكن داليا قالت بصوتٍ خافت: «رائع، إنه يحدثه بوقاحة! عظيم.»

خرج بانت نيوكام من بابٍ آخر للإسطبل، كان يرتدي بدلة العمل وسمَقًا مشحمًا، بدلًا من المعطف الثقيل الذي ظننته كان يلبسه دائمًا، وكان يتحرَّك بأرجحة غريبة لإحدى ساقيه.

قالت داليا بنفس الصوت الخافت ولكن طرأ عليه رضًا بالغ: «إنَّ لديه ساقًا عرجاء. سمعتُ أن بيل قد رفسته، ولكن أظنه أمرًا جيدًا لدرجة يصعب تصديقها. من المُؤسِف أنها لم تكن رأسه.»

كان يحمل مذراة، ولكن بدا أنه لم يعتزم إلحاق أي أذًى برايموند. كان كلُّ استخدامه للمذراة مقتصرًا على إخراج روث الأبقار من ذلك الباب، بينما كانت تُساق الأبقار إلى الداخل من الباب الآخر.

ربما كان مقته للابن أقلَّ من مقته لبناته.

قالت داليا: «لو كان معي بندقية، لاستطعت النيلَ منه الآن. كان يجب أن أفعلها بينما كنتُ لا أزال صغيرة بما يكفي حتى لا يئول بي المآل بأن أُعدَم.»

قلت: «كان سيُزجُّ بكِ في السجن.»

«وماذا بعدُ؟ إنه يدير سجنه الخاص به. ربما لم يكونوا ليستطيعوا الإمساك بي مطلقًا، وربما ما كانوا ليعرفوا أنه أنا مَنْ فعلها.»

لم يكن من الممكن تصديق أنها كانت تعني ما تقول؛ فلو كانت لديها مثلُ هذه النية، ألم يكن من الجنون أن تبوح بها لي؟ إذ من الممكن أن أشي بها، لم أكن أعتزم ذلك بالطبع، ولكن قد يستدرجني أحدهم ويعرف هذا مني. غالبًا ما كنت أفكر، بسبب الحرب، كيف يكون شكل التعذيب، ما القدر الذي يمكنني تحمله منه؟ وذهبتُ بفكري إلى عيادة الطبيب حينما يضربُ عصبًا، فكَّرتُ في نفسي قائلة: لو استمرَّ ألم كهذا بلا نهاية ما لم أشي بمكان اختباء أبي مع المقاومة، فماذا كنتُ سأفعل؟

حين استقرَّت جميع الأبقار بالداخل وأغلق رايموند وأبوه بابَي الإسطبل، عُدنا عبر أشجار السماق، وكنَّا لا نزال رابضيْن، وما إن توارينا عن الأنظار، حتى نزلنا إلى الطريق. ظننتُ أن داليا قد تقول الآن إن الجزء الخاص بإطلاق النار كان مجرد مزاح، ولكنها لم تفعل. وتساءلتُ لماذا لم تقل أيَّ شيء عن والدتها، عن قلقها عليها مثلما كانت قَلِقة على رايموند. حينئذٍ خطر لي أنها ربما كانت تحتقر والدتها لما تحملته ولما آلَ إليه مصيرُها. كان عليكَ أن تبدي بعض الجرأة لتجاري داليا في شجاعتها، ولم أكن لأرغب في أن تعرف أنني كنت خائفة من الأبقار ذات القرون.

كان على إحدانا أن تُودِّع الأخرى حين اتخذتْ هي طريقها عائدةً إلى البلدة إلى منزل جلوريا، فيما اتخذتُ أنا طريقنا المسدود، ولكن ربما تكون قد واصلت السير وتركتني. ظللت أفكر فيما لو كان من الممكن حقًّا أن تقتل أباها، وراودتني فكرةٌ غريبة بأنها صغيرة للغاية بحيث لا يمكن أن تُقدِم على فِعلة كهذه؛ وكأنَّ قتلَ نفسٍ مثلُ قيادة سيارةٍ أو التصويت أو الزواج، لا بد أن تصل إلى سنٍّ معينة لكي تتمكَّن من القيام به. وراودتني فكرةٌ أخرى كذلك — وإنْ لم أكن لأعرف كيف لي أن أعبِّر عنها — وهي أن القتل لن يكون سببًا في أي راحة لها؛ إذ كانت كراهيتها له قد وصلت لحدِّ أن أصبحت عادة. كنتُ أتفهم أنها قد اصطحبتني معها، لا لكي تأتمني على سِرِّها أو لكوني بأي نحو صديقة حميمة لها؛ لقد أرادت فقط أن يراها شخصٌ ما وهي تمارس كراهيتها له.

•••

ربما كان يقع على طريقنا فيما مضى اثنا عشر منزلًا، كان معظمها منازل صغيرة ورخيصة للإيجار، حتى تصل إلى منزلنا الذي كان أقرب إلى منزل ريفي عادي في مزرعة صغيرة. كان بعض هذه المنازل يطلُّ على السهل الفيضي للنهر، ولكن قبل بضعة أعوام، إبان فترة الكساد العظيم، كانت جميعها مأهولة. ثم جاءت وظائف الحرب، جميع أنواع الوظائف، لتأخذ تلك الأُسَر بعيدًا، ونُقِلت بعضُ المنازل إلى مكانٍ آخر لتكون بمنزلة جَرَاجَاتٍ أو حظائر للدجاج. أما تلك التي تُرِكَتْ مكانها، فكان منها اثنان خاويين، فيما كانت البقية يسكنها في الغالب أشخاصٌ مسنُّون؛ الأعزبُ العجوز الذي يسير إلى البلدة كل يوم لمتجر الحدادة خاصته، والزوجان المسنَّان اللذان كان لديهما متجر للبقالة ولا يزال على نافذتهما الأمامية ملصق مشروب البرتقال كراش، والزوجان المُسنَّان الآخران اللذان يتاجران في بضائع محظورة قانونًا، وكان يُقال إنهما يخفيان أموالهما في عُلَبِ الطلاء في الفِناء الخلفي لمنزلهما. هذا إلى جانب العُجُز اللاتي تُركن بمفردهن: السيدة كوري، والسيدة هورن، وبيسي ستيوارت.

كانت السيدة كوري تربِّي كلابًا كانت تتسابق في النباح على نحوٍ جنوني طوال اليوم في حظيرة سلكية، وفي الليل كانت تُساق إلى داخل منزلها الذي كان مبنيًّا جزئيًّا في منحدر أحد التلال، والذي لا بد أنه كان مظلمًا وذا رائحة كريهة جدًّا. أما السيدة هورن، فكانت تربِّي زهورًا، وكان منزلها وفناؤها الصغيران يبدوان في الصيف كقطعة قماشٍ مطرَّزة؛ فترى فيها كَرْمات الياسمين البري، وزهرة شارون، وكلَّ أنواع الورود والفلوكس والدلفينيون. أما بيسي ستيوارت، فكانت ترتدي ثيابها الأنيقة وتتَّجه إلى أعلى البلدة فيما بعد الظهيرة لتدخين السجائر وتناول القهوة في مطعم باراجون. ورغم أنها لم تكن متزوجة، فقد كان يُقال إنَّ لها صديقًا.

كان أحد المنازل الخاوية تسكنه، ولا تزال تملكه، السيدة إدي. كانت تسكن هذا المنزل منذ فترة قصيرة — منذ أعوام؛ أي أربعة أو خمسة أعوام قبل أن ألتقي داليا، وكانت فترة طويلة في حياتي — عائلةٌ تُسمَّى وينرايت، وكانت تربطهم صلة قرابة بالسيدة إدي وتركتهم يعيشون هناك، ولكنها لم تكن تعيش معهم، فقد نُقِلت إلى المكان الذي نُقِلت إليه، وكان يُدعى كير.

قَدِمَ السيد والسيدة وينرايت من شيكاجو، حيث كانا يعملان في تزيين المعروضات وتنسيقها في الواجهات لدى أحد المتاجر الكبيرة المتعددة الأقسام. أغلقَ هذا المتجر أبوابه، أو تقرَّر أنه لا يحتاج إلى تزيين الكثير من واجهاته؛ أيًّا كان ما حدث، فقد فقدا وظيفتيهما وجاءا إلى هنا للإقامة في منزل السيدة إدي وحاولا تأسيس شركة للصق ورق الحائط.

كان لديهما ابنة تُدعى فرانسيس، كانت تصغرني بعامٍ واحد، وكانت ضئيلة الجسم ونحيفة سرعان ما تلهث بسبب إصابتها بالربو. في أول يوم لي في الصف الخامس، خرجت السيدة وينرايت واستوقفتني في الطريق، بينما فرانسيس كانت تسير خلفها ببطء، طلبت مني أن أصطحب فرانسيس إلى المدرسة وأُريها مكان قاعة الدراسة الخاصة بالصف الرابع، وأن أكون صديقة لها؛ لأنها لم تكن تعرف أيَّ شخص بعدُ، أو مكانَ أي شيء.

وقفت السيدة وينرايت تتحدث إليَّ على قارعة الطريق مرتديةً لباسَ بيتٍ حريريًّا ذا لون أزرقَ فاتحٍ. وكانت فرانسيس متأنقةً في ثوبٍ قُطني ذي نقوش مربعة وقصير للغاية ومكشكش عند الجزء السفلي وشريط شعر ذي نقوش مربعة يتماشى معه.

•••

وسرعان ما أصبح مفهومًا أنه يتوجب عليَّ السير إلى المدرسة مع فرانسيس ثم العودة إلى المنزل معها بعد ذلك، كانت كلتانا تحمل غداءها إلى المدرسة، ولكن لم يُطلَب مني صراحةً أن أتناول الغداء معها، ومن ثَمَّ لم أفعل هذا قط.

كانت ثَمَّةَ فتاة أخرى في المدرسة تعيش على مسافة بعيدة جدًّا من المدرسة مما جعلها مضطرة لإحضار غدائها معها، كان اسمُها واندا لويز بالمر، وكان والداها يملكان قاعة الرقص التي تقع في جنوب البلدة ويعيشان فيها هما والبنت أيضًا، كنت أنا وهي دائمًا ما نأكل معًا، ولكن لم نعتبر أنفسنا مطلقًا أصدقاء، ولكن الآن نشأ بيننا نوعٌ من الصداقة، كان قائمًا بالكامل على تجنُّب فرانسيس. كنت أنا وواندا نتناول الطعام في البدروم المخصَّص للفتيات، خلف ساتر من المقاعد المدرسية القديمة المحطَّمة التي كانت مكدَّسة في أحد الأركان. وما إنْ نفرغ من طعامنا، حتى ننسَلَّ إلى الخارج تاركين المدرسة كي نجوب الشوارع القريبة أو نذهب إلى وسط البلدة ونشاهد واجهات المتاجر. كان من المفترض أن تكون واندا رفيقة مُسَلِّية لكونها تعيش في قاعة الرقص، ولكنها كانت تميل للغاية إلى نسيان ما كانت تقوله لي (رغم أنها لم تكن تتوقف عن الحديث) لدرجة جعلتها مملَّة جدًّا. كان كل ما يجمعنا حقًّا هو اتحادنا ضد فرانسيس، وضحكاتنا البائسة التي نستميتُ في كَبْحها حين ننظر عبر المقاعد المُحطَّمة ونراها وهي تبحثُ عنا.

بعد فترة لم تعد تفعل ذلك، وصارت تتناول غداءها بمفردها في الطابق العلوي في غرفة إيداع المعاطف والقبعات.

أودُّ الاعتقاد بأن واندا هي مَنْ جعلت فرانسيس، حين كنَّا نقفُ في صفٍّ استعدادًا للتوجه إلى الفصل، تلاحظ أنها الفتاة التي نحاول دائمًا تجنبها، ولكن من الممكن أن أكون أنا مَنْ فعل ذلك، وبالطبع استمررتُ في ذلك، وكنت سعيدة لكوني أحد هؤلاء الذين يقومون بأمور من قبيل رفع الحواجب والعضِّ على الشفاه وكتم الضحكات العالية؛ وإنْ كنت لا أكتمها بالدرجة الكافية. كان العيشُ في نهاية ذلك الطريق، مثلما كان حالي، وسهولةُ التعرُّض للحرج ولكن مع حُبِّ الظهور، مثلما كان مستبعدًا أن أكون، كلُّ ذلك جعلني لا أستطيع الدفاع عن أي شخصٍ يُهان، لم يكن بوسعي التَّسامي فوق الشعور بالارتياح لكوني لستُ مَنْ يُهان.

أصبحت شرائط الشعر جزءًا من هذا، فكان مجرد الصعود إلى فصل فرانسيس وقول: «يعجبني الشريط الذي تضعينه في شعرك، من أين جئتِ به؟» واضطرارها للرد في ارتباكٍ بريء قائلة: «من شيكاجو»، مصدرًا دائمًا للسعادة. ولفترة أصبحت عبارة «من شيكاجو» أو كلمة «شيكاجو» فقط هي الإجابة لكل شيء.

«أين ذهبتِ بعد المدرسة أمس؟»

«شيكاجو.»

«أين لجأت شقيقتك لتمويج شعرها؟»

«أوه، إلى شيكاجو.»

كانت بعضُ الفتيات يزممن أفواههن لدى سماع الكلمة، وكانت صدورهن تهتاج، أو يَدَّعين إصابتهن بالفواق حتى يملن.

لم أكن أتجنَّبُ السيرَ إلى المنزل مع فرانسيس، وإنْ كنت بالتأكيد قد أذعت أن الأمر لم يكن باختياري، بل كنت أفعل ذلك بناءً على طلبٍ من والدتها. لم أكن أعلم قدر ما كانت تدركه من هذا الاضطهاد الخاص الأنثوي للغاية، ربما ظنَّت أن ثَمَّةَ مكانًا ما تذهب إليه فتياتُ فَصْلِي دومًا لتناول الغداء، وأنني أفعلُ ذلك مثلهن. ربما لم تدرك مطلقًا السببَ وراء تلك الضحكات العالية، ولم تكن تسأل عن ذلك مطلقًا. حاولتْ أن تمسكَ يدي ونحن نعبر الشارع، ولكنني انتزعتُ يدي وأخبرتُها ألا تفعل.

قالت إنها دائمًا ما كانت تمسك يدَ سادي حين كانت سادي توصِّلها سيرًا على الأقدام إلى المدرسة في شيكاجو.

وأضافت: «ولكن هنا الأمر مختلفٌ؛ فلا يوجد ترام.»

في أحد الأيام قدَّمتْ لي كعكة محلَّاة بقيت من غدائها، فرفضتُ حتى لا أشعر بأي الْتزام مزعج تجاهها.

قالت: «فلتأخذيها، لقد وضعتها أمي من أجلك.»

حينها فهمت؛ لقد وضعت والدتها تلك الكعكة الإضافية من أجلي لكي أتناولها حين نتناول غداءنا أنا وابنتها معًا. إنها لم تخبر والدتها قط بأنني أختفي في وقت الغداء، وأنها لا تستطيع معرفة مكاني، لا بد أنها كانت تتناول الكعكة الإضافية، ولكن عدم الأمانة تؤرقها الآن. ومن ثمَّ صارت منذ ذلك الحين تقدِّمها لي كل يوم في اللحظة الأخيرة تقريبًا وكأنها تشعر بالحرج، وفي كل يوم كنت أقبلها.

بدأنا نتجاذبُ أطرافَ الحديث على نحوٍ محدود، ويبدأ ذلك عندما نبتعدُ تقريبًا عن البلدة، كان لدينا اهتمامٌ مشترك وهو نجوم السينما، كانت قد شاهدت أفلامًا أكثر بكثير ممَّا شاهدت؛ ففي شيكاجو كان يمكنك أن تشاهد أفلامًا بعد ظهيرة كل يوم، واعتادت سادي أن تصطحبها إلى السينما، أما أنا فكنتُ أمرُّ من أمام السينما وأنظرُ إلى «أفيشات» الأفلام في كل مرَّة تتغيَّر فيها، ومن ثَمَّ كنت أعرف عنها شيئًا. كان لديَّ في المنزل مجلة سينمائية واحدة تركتها إحدى قريباتنا حين كانت في زيارةٍ لنا، وكانت تحوي صورًا لزفاف ديانا دوربين. ومن ثمَّ أخذنا نتحدَّث عن ذلك، وعن الشكل الذي نرغبه لحفل زفافنا؛ فستان الزفاف، وفساتين الوصيفات، والزهور، وملابس شهر العسل. كانت نفس القريبة قد أعطتني هدية؛ دفتر صور مقصوصة لفتيات زيجفيلد. كانت فرانسيس قد شاهدت فيلم «فتاة زيجفيلد» وتحدَّثنا عن أي فتاة من فتيات زيجفيلد تود كلٌّ منَّا أن تكون، واختارت جودي جارلاند لأنها تستطيع الغناء، فيما اخترتُ أنا هيدي لامار لكونها الأجمل.

«كان أبي وأمي يغنيان في جمعية الأوبرا الكوميدية. كانا يغنِّيان في أوبرا «قراصنة بنزانس».»

لم يكن نطقها لكلمتَي الأوبرا الكوميدية وقراصنة بنزانس صحيحًا؛ لذا احتفظتُ بالكلمتين في ذاكرتي ولكن لم أكن لأسألها عن معنيهما. لو كانت قد قالتهما في المدرسة، أمام الآخرين، لكانتا بمنزلة ذخيرة لا تُقاوم للهجوم عليها.

حين كانت والدتها تخرج لتحيتنا — طابعةً على وجه فرانسيس قبلة العودة مثلما كانت تقبِّلها عند وداعها صباحًا — كان من الممكن أن تسأل إنْ كان بإمكاني الدخول واللَّعب معها، ودائمًا ما كنت أقول إن عليَّ التوجه مباشرةً إلى المنزل.

•••

قُبيل احتفالات الكريسماس، سألتني السيدة وينرايت إنْ كان بإمكاني القدوم لتناول العشاء معهم يوم الأحد القادم. قالت إنه سيكون حفلَ شكرٍ صغير وحفل وداعٍ استعدادًا للرحيل عن المنطقة. كنت على وشك أن أقول إنني لا أعتقد أن والدتي سوف تسمح لي بالذهاب، ولكن عندما سمعتُ كلمة «وداع»، تغيَّر منظوري للدعوة؛ فعبءُ فرانسيس سوف يُرفع عن كاهلي، ولن يكون ثَمَّةَ أي الْتزام بعد الآن، ولا ألفة مفروضة عليَّ. قالت السيدة وينرايت إنها كتبت رسالة صغيرة لوالدتي؛ إذ لم يكن لديهم هاتف.

كانت والدتي ستحبِّذ الأمر أكثر لو كانت الدعوة لمنزل إحدى فتيات البلدة، ولكنها وافقت، وقد وضعتْ في الاعتبار أيضًا مسألة رحيل آل وينرايت.

قالت لي: «لا أعرفُ فيما كانوا يفكرون بمجيئهم هنا؛ فأيُّ شخصٍ يمكنه تحمُّل تكاليف شراء ورق الحائط سوف يلصقه بنفسه.»

سألت فرانسيس: «إلى أين ستذهبون؟»

«برلينجتون.»

«أين يقع هذا المكان؟»

«في كندا أيضًا، سوف نقيم مع عمتي وعمي، ولكن سيكون لنا مرحاضنا الخاص بالطابق العلوي وحوض خاص ولوح تسخين. سوف يحصل أبي على وظيفة أفضل.»

«ماذا سيعمل؟»

«لستُ أدري.»

•••

كانت شجرة عيد الميلاد خاصتهم تقف في أحد الأركان؛ فقد كانت للغرفة الأمامية نافذةٌ واحدة فقط، ولو أنهم وضعوا الشجرة هناك لحَجَبت كلَّ الضوء. لم تكن شجرة كبيرة أو حسنة الشكل، ولكنها كانت مغطَّاة بكثافة بخيوط الزينة اللامعة والخرز الذهبي والفضي وزخارف متشابكة جميلة. وفي ركن آخر من الغرفة كان ثَمَّةَ مدفأة تستخدم الخشب كوقودٍ لها، وبدا أن النار قد أُوقِدت فيها توًّا. وكان الهواء لا يزال باردًا وشديدًا يحمل رائحة أشجار الغابة.

لم يكن السيد أو السيدة وينرايت واثقين بشأن نار المدفأة، وأخذ الرجل في البداية وتبعته زوجته بعد ذلك في العبث بالصمام الخامد، ومدَّا أيديهما بجرأة نحو القضيب المعدني الخاص بتزكية النار، وأخذا يضربان الأنبوب ضربًا خفيفًا لمعرفة ما إذا كان يسخن أم لا، أو ما إذا كان ساخنًا أكثر من اللازم بأي حال. كانت الرياح عاتية في ذلك اليوم، حتى إنها أحيانًا ما كانت تنفخ الدخان عبر المدخنة.

لم يكن لذلك أي أهمية لديَّ أنا وفرانسيس؛ فعلى طاولة للعب الورق نُصِبَتْ في منتصف الغرفة كانت ثَمَّةَ لعبة دامة صينية جاهزة لكي يلعبها شخصان، ومجموعة من المجلات السينمائية، وفي الحال انقضضتُ على المجلات، لم يمر بخيالي قط أن أجد مثل هذه الوليمة من المجلات. لم يكن مهمًّا بالنسبة إليَّ أنها لم تكن جديدة ولا أن بعضها كان شبه ممزَّق من كثرة تصفحه. وقفت فرانسيس بجوار مقعدي، مُفسدةً عليَّ متعتي قليلًا بإخباري بما سأجده بعد ذلك في المجلة التي بين يديَّ وما تحويه أخرى لم أفتحها بعد. كانت المجلاتُ فكرَتها بالطبع، وكان عليَّ التحلي بالصبر معها؛ فقد كانت مِلكًا لها، ولو قررت انتزاعها لعصفَ بي الحزنُ أكثر مما حدث لي عندما أغرقَ أبي قططي الصغيرة.

كانت ترتدي ثوبًا ربما يكون قد خرجَ من واحدة من تلك المجلات؛ كان رداء حفلاتٍ لإحدى النجمات السينمائيات من الأطفال، وكان من القماش المخملي ذي اللون الأحمر القاني وله ياقة من الدانتيل الأبيض وشريط أسود متدلٍّ عبر الدانتيل. كان رداءُ والدتها مماثلًا لردائها تمامًا، وكانت تسريحة شعرهما واحدة؛ الشعر متموج من الأمام ومنسدل من الخلف. كان شعر فرانسيس خفيفًا وناعمًا، وفي غمرة حماسها وقفزها هنا وهناك لتريني الأشياء كان تموجه قد انحلَّ بالفعل.

كانت الغرفة تزداد ظلامًا، وكانت ثَمَّةَ أسلاك بارزة من السقف ولكن دون مصابيح، فأحضرت السيدة وينرايت مصباحًا ذا سلك طويل ووضعت قابسه في مقبس بالحائط، فتألَّقَ ضوءُ المصباح عبر الإطار الزجاجي الأخضر الفاتح لتنورة نسائية طويلة.

«إنها تنورة سكارليت أوهارا. أهديتُها أنا وأبي إلى أمي في عيد ميلادها.»

لم نجد وقتًا للعب الدامة الصينية، وبعد فترة أُزيلت لوحة اللعب الخاصة بها، ونقلنا المجلات إلى الأرض، وبُسطت قطعةٌ من القماش المُطرَّز — لم تكن مفرش مائدة بالمعنى المفهوم — عبر الطاولة، ثم تبع ذلك وضع الأطباق عليها. كان من الواضح أني أنا وفرانسيس سوف نتناول طعامنا هنا بمفردنا. انشغل كلا الأبوين في تجهيز الطاولة؛ وكانت السيدة وينرايت ترتدي مريلة رائعة فوق ردائها المخملي الأحمر بينما ارتدى السيد وينرايت قميصًا وصُدْرِيَّة الجزء الخلفي منها مصنوعٌ من الحرير.

حين انتهى إعداد كل شيء دُعينا إلى الطاولة. توقعتُ أن يترك السيد وينرايت تقديم الطعام لزوجته؛ والحقُّ أنني قد اندهشتُ جدًّا حين رأيته يتحرَّك حول المائدة بالسكاكين والشِّوَك، ولكنه حينئذٍ كان يجذب لنا مقاعدنا لنجلس، وأعلن أنه سيلعب دور النادل. حين اقتربَ مني لتلك الدرجة، استطعتُ أن أشمَّ رائحته وأسمعَ صوت أنفاسه. كانت أنفاسه تبدو متلهفة، مثل أنفاس كلبٍ، وكانت تفوح منه رائحة بودرة التلك واللوسيون التجميلي، ذكَّرتني برائحة الحفاضات النظيفة وأوحت بحميمية مثيرة للاشمئزاز.

قال: «والآن آنساتي الجميلات، سوف أحضرُ لكما بعض الشامبانيا!»

وإذا به يُحضر إبريقًا به عصير ليمون ويملأ كئوسنا منه. راودني شعورٌ بالقلق إلى أن تذوقته؛ فقد كنت أعرف أن الشامبانيا مشروبٌ كحولي، ولم يكن لمثل تلك المشروبات مكانٌ في منزلنا ولا في منزل أحد مِمَّنْ نعرفهم. وراح السيد وينرايت يرقبني وأنا أتذوقه وبدا أنه كان يخمِّن ما أشعر به.

قال: «هل ثَمَّةَ مشكلة؟ ألستِ قلقة الآن؟ هل كل شيءٍ ينال رضا سيادتكِ؟»

ثم انحنى لي.

وأردفَ قائلًا: «والآن، ماذا تحبِّين أن تتناولي من صنوف الطعام؟» وراحَ يسرد قائمة من الأصناف غير المألوفة؛ كان كل ما فهمته منها هو لحم الغزال، الذي لم يسبق لي أن تذوقته بالتأكيد، وانتهت القائمة بالحلويات، فضحكت فرانسيس وقالت: «سوف نتناول حلويات من فضلك، مع البطاطس.»

توقعت أن تكون الحلويات مثل اسمها؛ نوعًا من الكعك المُزيَّن بالمربى أو السكر البُني، ولكن لم يتسنَّ لي أن أعرف لِمَ سيكون معها بطاطس. ولكن ما وصلنا كان عبارة عن قطع صغيرة من اللحم مُحوَّطة بلحم خنزير مقدَّد مقلي وحبَّات بطاطس صغيرة بقشرها، قُلبت في الزبد الساخن وقُليت في المقلاة. وكان يوجد أيضًا جزر مقطَّع إلى أعواد رفيعة وله نكهة مسكرة قليلًا. لم أكن أحبُّ الجزر، ولكنني لم أتذوق في حياتي بطاطس بهذا الطعم اللذيذ ولا لحمًا بتلك الطراوة. كان كلُّ ما أتمنَّاه هو أن يبقى السيد وينرايت في المطبخ بدلًا من أن يحوم حولنا ليصبَّ لنا عصير الليمون، ويسألنا إن كان كلُّ شيء ينال إعجابنا.

أما الحلوى، فتلك أعجوبة أخرى؛ كانت عبارة عن بودنج أملس من الفانيليا عليه شيءٌ أقرب إلى الغطاء من السكر المخبوز حتى اكتسبَ لونًا بنيًّا ضاربًا إلى الذهبي، ومعه كعكات صغيرة مُغطاة من جميع الجوانب بشوكولاتة غنيَّة شديدة الدكانة.

جلستُ في حالة من الامتلاء فيما لم يتبقَّ لعقةٌ أو فتات. أخذت أتأمَّل الشجرة المستوحاة من إحدى القصص الخيالية بزيناتها التي ربما كانت على شكل قِلاع مصغرة أو ملائكة. كانت تيارات الهواء تأتي عبر النافذة وتحرِّك الفروع قليلًا، جاعلةً شرائط الزينة الكثيفة تتموَّج والزينات تميل قليلًا لتُظهر نقاطًا جديدة من الضوء. بدا لي حين امتلأت معدتي بذلك الطعام الغني الشهي وكأنني في حلم رأيتُ فيه كلَّ شيء قويًّا ومأمونًا.

كان من الأشياء التي رأيتُها ضوء النار؛ وهجًا متثاقلًا بلون الصدأ يتصاعد من الأنبوب، فقلت لفرانسيس بلا أدنى انزعاج: «أعتقدُ أن أنبوب مدفأتكم يحترق.»

فأخذت تصيح بروح من الإثارة التي غمرتها على إثر الحفل: «الأنبوبُ يحترق!» ليدخل السيد وينرايت، الذي كان قد ذهبَ أخيرًا إلى المطبخ، وخلفه السيدة وينرايت على مسافة قريبة.

قالت السيدة وينرايت: «يا إلهي، بيلي! ماذا سنفعل؟»

فقال السيد وينرايت: «أعتقدُ أن علينا غلق وحدة تنظيم تدفق الهواء.» كان صوته رفيعًا حادًّا ويبدو فيه الخوف، بما لا يليق بأَبٍ.

فعلَ ذلك، ثم أخذ يصرخ وينفض يده التي كانت قد احترقت لا محالة، ووقفَ الاثنان وجعلا ينظران إلى الأنبوب الذي تلوَّن بحمرة النار، ثم قالت بصوتٍ مرتجف: «ثَمَّةَ شيءٌ من المفترض أن تضعه عليه. ما هو؟ بيكربونات الصوديوم!» فهُرعتْ إلى المطبخ وعادت ومعها علبة بيكربونات الصوديوم وهي شبه باكية. صاحت قائلة: «ضَعْها على ألسنة اللهب مباشرةً.» كان السيد وينرايت لا يزال يفرك يده ببنطاله؛ لذا لفَّت مريلتها حول يدها واستخدمت رافع المدفأة وراحت تنثر المسحوق على النيران. كان ثَمَّةَ صوت أشبه بصوت البصق عندما بدأت النيران تخمد ويتصاعد الدخان داخل الغرفة.

فقالت: «يا فتيات، يا فتيات! من الأفضل أن تسرعا بالخروج من هنا.» وكانت تبكي بالفعل في تلك اللحظة.

وتذكرتُ شيئًا من أزمة مماثلة حدثت في منزلنا.

فقلت: «يمكن أن تلفي مناشف مبللة حول الأنبوب.»

قالت: «مناشف مبللة! تبدو فكرة جيدة، نعم.»

فَهُرعتْ إلى المطبخ حيث سمعناها وهي تضخ المياه، وتبعها السيد وينرايت وهو ينفضُ يده المحترقة أمامه، وعاد الاثنان وقطرات الماء تتساقط من المناشف. ربطت المناشف حول الأنبوب، وما إن كانت تبدأ في السخونة والجفاف حتى كانت تُوضَع أخرى في مكانها. وبدأت الغرفة تمتلئ أكثر وأكثر بالدخان، وشرعت فرانسيس في السعال.

قال السيد وينرايت: «فلتحصلي على بعض الهواء النقي!» واستغرقَ منه الأمر بعض الوقت ليفتح الباب الأمامي غير المُستخدَم بقوة بيده السليمة، تاركًا بقايا الجرائد القديمة والممسحات المتعفنة التي كانت متراكمة حوله لتتطاير بالداخل. وكانت ثَمَّةَ كومة ثلج بالخارج، فدخلت موجةٌ بيضاء الغرفة.

قالت فرانسيس بينما لا يزال صوتها يبدو مبتهجًا بين نوبات السعال: «فلنقذف الثلج على النار!» وأخذنا معًا في الْتقاط حفنات من الثلج وقَذْفِها نحو المدفأة. كان بعضها يصيب ما تبقى من النيران، والبعضُ يخطئ الهدفَ وينصهر وينسكب في البرك الصغيرة التي خلفتها قطرات الماء المتساقطة من المناشف على الأرض. لم يكن ليُسمح لي بإحداث مثل هذه الفوضى في المنزل.

في وسط هذه البِرَك، وبعد أن انتهى الخطر، وأخذت البرودة تلفُّ الغرفة أكثر فأكثر، وقفَ السيد والسيدة وينرايت وكلٌّ منهما يلف الآخر بذراعه، يضحكان ويواسي كلٌّ منهما الآخر.

قالت السيدة وينرايت: «يا لِيَدِكَ المسكينة! وأنا التي لم أشعر بذرَّة تعاطف نحوها! لقد كنت في أشدِّ الخوف من أن يحترق المنزل.» وحاولت تقبيل يده، فقال: «آه، آه!» كانت الدموع في عينيه هو أيضًا من الدخان أو من الألم.

ربَّتت على ذراعيه وكتفيه وحتى على ردفيه قائلة: «يا لحبيبي المسكين!» وأشياء من هذا القبيل، بينما ضمَّ هو شفتيه وقَبَّلها قبلة قوية، ثم ضمَّها من الخلف بيده السليمة.

بدا وكأن حلقة الملاطفة تلك قد تستمر لبعض الوقت.

قالت فرانسيس وقد عمَّ الاحمرار جسدها من أثر السعال والإثارة الممزوجة بالسعادة: «أغلقوا الباب، الجو متجمد.» لو كانت تقصد أن يقوم والداها بذلك، فهما لم يُلقيَا بالًا لشيءٍ سوى الاستمرار في ذلك السلوك المريع الذي لم يَبْدُ أنه يسبب لها أي حرج أو حتى يستحق اهتمامها. فأمسكت كلتانا الباب ودفعناه في عكس اتجاه الرياح التي كانت تثير تيار الهواء وتقذف مزيدًا من الثلج إلى داخل المنزل.

•••

لم أتحدث عن أيٍّ من هذا لأهلي عندما عدتُ إلى المنزل، على الرغم من أن الطعام والزينات والنيران كانت غاية في الإثارة والتشويق. كانت هناك الأشياء الأخرى التي لم يكن بوسعي وصفها مما جعلني أشعر باختلال التوازن، والغثيان قليلًا؛ ومن ثمَّ لم أشأ على نحوٍ ما أن أذكر أيًّا منها؛ الطريقة الرائعة التي يعامل بها الوالدان الطفلتيْن. لعبة النادل التي مارسها السيد وينرايت، ويداه السميكتان البيضاوان كقطعة صابون، ووجهه الشاحب، وشعره الناعم اللامع ذو اللون البُني الفاتح. الثبات — القرب المبالغ فيه — في خطواته الناعمة وهو يرتدي شبشبًا منتفخًا ذا نقوش مربعة، ثم تأتي تلك الضحكات التي لا تليق تمامًا بالكبار، عقب كارثة كانت وشيكة، والأيدي الوقحة والقبلة المُدوِّية. كان ثَمَّةَ تهديد زاحف بشأن كل هذا، بدايةً من أكذوبة دفعي إلى لعب دور الصديقة الصغيرة — كانت كلتاهما تصفانني بهذا — في حين لم أكن أيَّ شيءٍ من هذا القبيل، ومعاملتي كفتاة طيبة وبريئة، في حين لم أكن كذلك أيضًا.

ماذا كان هذا التهديد؟ هل كان مجرد تهديد الحُبِّ أو المودة؟ لو كان الأمر كذلك، لكان عليك أن تقول إنني قد أدركته بعد فوات الأوان. وقد جعلني هذا الشرود الذهني أشعرُ بالحرج والمهانة، كما لو كان أحدهم قد نظرَ داخل سروالي، حتى الطعام الرائع غير التقليدي شابته الشكوك في ذاكرتي. وحدها المجلاتُ السينمائية هي ما أفلتت من وصمة الشك.

بنهاية إجازات الكريسماس، كان منزل آل وينرايت قد خوى من سكَّانه. كان الثلجُ شديدًا للغاية في ذلك العام حتى إن سقف المطبخ قد انهار. وحتى بعد حدوث ذلك لم يشغل أحدٌ نفسه بهدم المنزل أو وضع لافتة «ملكية خاصة، ممنوع التعدي». ولسنواتٍ كان الأطفال — وكنت أنا من بينهم — يتسكعون حول الأنقاض المحفوفة بالخطر لمجرد أن يروا ما يمكنهم أن يجدوه هناك. كان يبدو أن لا أحدَ يخشى بشأن الإصابات أو المساءلة.

ولم تظهر أي مجلات سينمائية.

•••

حكيتُ لأسرتي عن داليا. في ذلك الوقت كنت قد أصبحت شخصًا مختلفًا تمامًا، من وجهة نظري، عن تلك الفتاة التي كانت في منزل آل وينرايت. ففي بداية سنوات المراهقة كنت قد أصبحت مصدر التسلية في المنزل، لا أقصد بذلك أنني كنت دائمًا ما أحاول إضحاك أفراد عائلتي — رغم أنني كنت أفعل ذلك أيضًا — بل أقصد أنني كنت أنقل الأخبار والنمائم، كنت أخبرهم بأشياء حدثت في المدرسة، ولكن أيضًا بأشياء حدثت في البلدة، أو كنت أكتفي فقط بوصف شكل الأشخاص الذين رأيتهم في الشارع أو حديثهم. وقد تعلمت القيام بذلك بأسلوبٍ تهكمي أو ساخر، لم يكن ليعرضني للتوبيخ، أو لأن يُقال لي إنني شديدة الذكاء لدرجة تضر بي. فقد أتقنت تصنُّع الوجه الجامد، بل والأسلوب الوقور الرزين الذي كان يمكن أن يُضحِكَ الآخرين حتى عندما يظنون أنهم ينبغي ألا يضحكوا والذي يجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت نِيَّاتي بريئة أم خبيثة.

تلك كانت الطريقة التي تحدثتُ بها عن زحف داليا بين أشجار السماق للتلصص على والدها، وعن كراهيتها له، وحديثها عن قتله. وكانت هي الطريقة التي كان يجب أن تُروى بها أي قصة عن عائلة نيوكام، وليس فقط الطريقة التي كان يجب أن أرويها بها؛ فأي قصَّة عنهم كان ينبغي أن تؤكِّد، بما يرضي الجميع، كيف كانوا يؤدون أدوارهم بإتقانٍ وصدق، وها هي داليا الآن هي الأخرى صار يُنظَر إليها على أنها تنتمي إلى هذه الصورة. التلصص، التهديدات، الميلودراما، مطاردته لها بالمجرفة، أفكارها عن كونه سيُعدَم حال قتلها، وعدم إمكانية إعدامها، لو قتلته بينما كانت لا تزال حَدَثًا.

واتفقَ والدي مع هذا.

«من الصعب أن تجعلي أي محكمة هنا تصدر حكمًا بإدانتها.»

وقالت أمي إنَّ ما فعله مثل هذا الرجل بابنته لهو عارٌ.

يبدو لي غريبًا الآن أننا قد استطعنا خوض هذا الحديث بتلك السهولة، دون أن يخطر لنا أن أبي كان يضربني، في بعض الأحيان، وأنني كنت أصرخ معلنةً رغبتي لا في قتله، ولكن في الموت، وأن هذا لم يحدث منذ فترة بعيدة — فقد حدث ثلاث أو أربع مرات، حسبما أعتقد، حين كنت تقريبًا في الحادية عشرة أو الثانية عشرة. وقد حدث ذلك في الفترة ما بين معرفتي بفرانسيس ومعرفتي بداليا. كنت أُعاقَبُ في تلك المرات لخلافٍ نشبَ بيني وبين أمي، أو لردٍّ وقح، أو للغوٍ كي أبدو ذكية، أو لعنادٍ مني. فكانت أمي تأتي بأبي من عمله للتعامل معي، وكنت أنا أنتظر وصوله، بغضبٍ مثبط في البداية، ثم بيأسٍ مثير للاشمئزاز، كنت أشعر وكأن نفسي ذاتها هي التي كانا يسعيان وراءها، وأعتقدُ أن الأمر كان كذلك على نحوٍ ما. لقد كان الجزء المعتد بذاته المولع بالجدل من نفسي هو ما كان يجب أن يُضرب ضربًا مبرحًا، حين كان أبي يشرع في نزع حزامه — كانت تلك هي وسيلته في ضربي — كنت أبدأ في الصراخ: «لا، لا»، وأدافع عن نفسي بأسلوبٍ يفتقر إلى التماسك، بطريقة بدت تدفعه لازدرائي. والحقُّ أن سلوكي حينها كان مثيرًا للازدراء؛ إذ كان لا يُظهر طبيعةً من الإباء أو حتى احترام النفس، ولم أكن أعبأ بذلك. وحين كان الحزام يُرفع — في اللحظة السابقة لنزوله عليَّ — كانت هناك لحظة من المكاشفة العصيبة، وكان الظلم هو ما يسود. لم يكن بإمكاني مطلقًا أن أروي الجانب الخاص بي من الأمور؛ إذ كان لاشمئزاز أبي مني اليد العليا. كيف كان يمكن ألا أجد نفسي أنوح في وجه مثل هذا الانحراف في الطباع؟

أنا على يقين من أن أبي لو كان حيًّا الآن، لقال إنني أبالغ، وإنَّ الإهانة التي كان يقصد إنزالها بي لم تكن شديدة لتلك الدرجة، وإن أخطائي كانت مربكة، وإنه لا تُوجد طريقة أخرى غير ذلك للتعامل مع الأطفال. لقد كنت أسبِّب له متاعب وأسبِّب حزنًا لأمي، وكان يجب أن أقتنع بضرورة تغيير طريقتي.

وقد فعلت؛ فقد كبرت، وأصبحت مصدر نفعٍ في المنزل؛ تعلمتُ ألا أتكلم بوقاحة، ووجدتُ طرقًا لأجعل نفسي مقبولة ومستحسنة من قِبَل الآخرين.

وحين كنتُ مع داليا أنصتُ لما تقول، وحين كنتُ أسير إلى المنزل بمفردي، وحين كنتُ أروي القصة لأسرتي، لم أفكر ولو لمرَّة أن أقارن موقفي بموقفها. بالطبع لا! لقد كنا أسرة محترمة؛ فلم تكن أمي، رغم ما كان يصيبها من كدر في بعض الأحيان من سلوك أسرتها، تذهب إلى البلدة بشعرٍ أشعث، أو ترتدي حذاءً فوقيًّا مطاطيًّا مترهلًا. ولم يكن أبي سبَّابًا؛ فقد كان رجلًا ذا احترام وكفاءة وروح دعابة، وكانت لديَّ رغبة شديدة في إرضائه أكثر من أمي. لم أكن أكرهه، لم أكن أستطيع حتى التفكير في كراهيته. بل كنت أرى ما كان يكرهه فيَّ؛ فقد كان في طبيعتي غطرسة مرتعشة، شيءٌ وقح ولكنه جبان، كانت توقِظُ بداخله ذلك الغضبَ العارم.

إنه الخزي؛ الخزي من تعرُّضي للضرب، والخزي من الانكماش خوفًا من الضرب. إنه الخزي الدائم، الفضح. وثَمَّةَ شيءٌ يربط هذا، كما أستشعره الآن، بالخزي، إنه الاضطراب الذي تسلَّل إليَّ حين سمعتُ وقع قدمَي السيد وينرايت المكتسيتين بالشبشب المنتفخ، وصوت أنفاسه. كانت ثَمَّةَ متطلبات بدت غير لائقة، كانت ثَمَّةَ انتهاكات مريعة، منها ما كان مسترقًا ومنها ما كان صريحًا؛ البعضُ منها كان يمكن أن يثير حفيظتي، والبعضُ الآخر يجعلني أنكمش خجلًا. كلُّ ذلك كان من مخاطر الحياة التي لاقيتها في الطفولة.

وكما يقول المَثَلُ الدارج، عن هذه المسألة المتعلقة بما يشكِّلنا أو يغلفنا: إنْ لم يكن هذا الأمر، فسوف يكون غيره. على الأقل كان هذا من أقوال الكبار في تلك الأيام، بما اكتنفه من غموضٍ، وإزعاجٍ، وعدم توجيه أي اتهام.

في صباح يوم الجمعة الماضي، لَقِيَ هارفي رايان نيوكام، وهو أحد المزارعين المعروفين في بلدة شيلبي، مصرعه صعقًا بالكهرباء. والفقيدُ كان الزوج المحب للسيدة دورثي (موريس) نيوكام، وأبناؤه هم: السيدة جوزيف (أبريل) ماكوناهاي من مدينة سارنيا، والسيدة إيفان (كورين) ويلسون من قرية كاسلو، كولومبيا البريطانية، والسيدة هيو (جلوريا) وايتهيد من البلدة، والآنستان سوزانا وداليا، من البلدة أيضًا، ورايموند، الذي يعيش بمنزل العائلة. كما أنَّ له سبعة من الأحفاد. وقد شُيِّعت الجنازة بعد ظهر الإثنين من مركز ريفي براذرز للمراسم الجنائزية وتمَّت مراسم الدفن في جبَّانة بيثل.

تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وسوف أريحكم.

لم يكن من الممكن أن يكون لداليا نيوكام أي صلة بالحادث الذي تعرَّض له والدها، فقد وقعَ حين مدَّ يده ليضيء مصباحًا في مقبس معدني متدلٍّ، بينما كان يقف على أرضية مبتلة في إسطبل أحد الجيران، حيث أخذ إحدى بقراته إلى هناك ليُلقِّحها الثور، وكان يتشاجر بشأن ما سيدفعه مقابل ذلك. ولسببٍ ما لم يتسنَّ لأحدٍ فهمه، لم يكن يرتدي حذاءه المطاطي الطويل، الذي قال الجميعُ إنه ربما كان سينقذ حياته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠