الاستلقاء أسفل شجرة التفاح

على الجانب الآخر من البلدة كانت تعيش سيدة تُدعى ميريام ماكالبن، كانت تربي خيولًا. لم تكن هذه الخيول ملكًا لها، بل كانت ترعاها وتدرِّبها من أجل أصحابها، الذين كانوا من هواة سباق عربات الخيول الخفيفة ذات العجلتين المُسمَّاة بالصلكية. كانت تعيشُ في منزل كان المنزل الريفي الأصلي، بالقرب من حظائر الخيول، مع والديها المسنَّيْن اللذين نادرًا ما كانا يخطوان خارج باب المنزل. ووراء المنزل والحظائر كان ثَمَّةَ مضمارٌ بيضاوي الشكل كان من الممكن أن تشاهد فيه ميريام، أو عاملَ الإسطبل، أو أحيانًا أصحابَ الخيول أنفسهم، من آنٍ لآخر على المقعد المنخفض لصلكية رديئة الشكل، التي كانت خيولها تنطلق بقوة مثيرةً الغبار من حولها.

في أحد حقول المرعى الخاصة بالخيول، بجوار شارع البلدة، كانت توجد ثلاثٌ من أشجار التفاح، كانت مما تبقى من بستانٍ قديم، كانت اثنتان منهما صغيرتين ومنحنيتين، والثالثة كبيرة جدًّا مثل شجرة قيقب شبه بالغة. لم تكن تلك الأشجار تُقلَّم أو تُسقَى، وكانت ثمار التفاح جَرِبة لا تستحق السرقة، ولكن في معظم السنين كان ثَمَّةَ إزهار وفير، وكانت أزهار التفاح المتفتحة تتدلى في كل مكان، ومن ثَمَّ كانت الأفرع تبدو من مسافةٍ قريبة متجمدة تمامًا بالثلج.

•••

كنت قد ورثتُ درَّاجة، أو على الأقل كان لديَّ حقُّ الانتفاع بواحدة، تركها عاملنا الذي كان يعمل لدينا بدوام جزئي حين رحلَ من أجل العمل في أحد مصانع الطائرات. كانت درَّاجة رجالية، بالطبع؛ إذ كان مقعدها مرتفعٌ، وكانت خفيفة الوزن، وكان تصميمها ذا شكل غريب توقَّف إنتاجه منذ فترة طويلة.

قالت لي شقيقتي حين بدأتُ في التدرب على قيادة الدراجة عبر ممرنا: «إنكِ لن تذهبي بها إلى المدرسة، أليس كذلك؟» كانت شقيقتي تصغرني سنًّا، ولكن أحيانًا ما كانت تعاني القلق نيابة عني، لإدراكها — ربما قبلي — للطرق المتعددة التي يمكن أن أجازف بها بجعل نفسي أضحوكة للآخرين. لم تكن تفكِّر في شكل الدراجة فحسب، ولكن أيضًا في حقيقة أنني في الثالثة عشرة وفي عامي الأول في المدرسة الثانوية، وأن هذا العام يُعد عامًا حاسمًا فيما يتعلَّق بقيادة الفتيات للدراجات إلى المدرسة؛ فقد كان لزامًا على جميع الفتيات اللاتي يردن إثبات أنوثتهن التخلي عن ركوبها. وكانت الفتيات اللاتي يستمررن في ركوبها إما يسكنَّ في مكانٍ ناءٍ للغاية في الريف بما يتعذَّر معه السير — ولهن آباءٌ لا يستطيعون تحمُّل تكاليف إقامتهن في البلدة — وإما كنَّ ببساطة غريبات الأطوار ولا يستطعن أن يَأْخُذْنَ في اعتبارهن قواعد معينة غير معلَنة ولكنها أساسية. وقد كنَّا نعيش فيما وراء حدود البلدة تمامًا، ولو ظهرتُ وأنا أركب دراجة — وخاصةً تلك الدراجة — لكنتُ سأضع نفسي في فئة أولئك الفتيات اللاتي كنَّ يرتدين أحذية أكسفورد النسائية والجوارب القطنية المغزولة ويموِّجن شعورهن.

فقلت: «لن أذهبَ بها إلى المدرسة.» ولكنني بدأتُ بالفعل في الانتفاع بالدراجة بركوبها إلى الريف عبر الطرق الخلفية فيما بعد ظهيرة أيام الأحد. كانت الفرصة آنذاك لمقابلة أي شخص أعرفه تكاد تكون معدومة، وأحيانًا ما كنتُ لا ألتقي أيَّ أحد.

كنتُ أهوى القيام بذلك؛ إذ كان لديَّ شغفٌ داخلي بالطبيعة، وقد أتى لي هذا الشعور من الكتب في البداية؛ جاء من قصص الفتيات التي كتبها الكاتِب إل إم مونتجمري، الذي كان غالبًا ما يُقحم بعض العبارات التي تصف حقلًا مغطًّى بالثلوج تحت سَنَا القمر أو غابة صنوبرية أو بركة ساكنة تعكس سماءَ المساء. وبعد ذلك، اندمج مع شغف آخر خاص لديَّ بأبيات الشعر؛ فقد كنتُ أغوص وسط كتبي المدرسية بنَهَمٍ وحماسٍ من أجل استكشاف معانيها قبل أن تُقرأ في الفصل وتُصبُّ عليها اللعنات.

وكان إفشاء أيٍّ من هذين الشغفين، سواءٌ في المنزل أو في المدرسة، يضعني في حالة دائمة من الضعف ويجعلني عرضة للهجوم، وهي الحالة التي كنتُ أشعر بأنني أعيشها بالفعل بدرجة ما. كان كلُّ ما على أحدهم أن يقوله، بصوتٍ معين: «سوف تفعلين …»، أو: «ما رأيك في …»، فأشعر بالسخرية، الهواء الطاهر، الأبيات وقد رُسِمَت أمامي. ولكن الآن صارت معي الدراجة، وبإمكاني قيادتها في عصر أيام الأحد داخل بقعة بدت في انتظار نوعية الولاء الذي أردت تقديمه. كانت توجد هنا صفحات الماء القادمة من الجداول المغمورة بالماء التي تتألَّق على الأرض، وأكداس نباتات التريليوم أسفل الأشجار ذات الأزهار الحمراء، كما كانت تُوجد أشجار كرز فيرجينيا، والكرز الأحمر، في الشريط المُجْدِب على جانبي السور، وهي تنقسم إلى أجزاءٍ صغيرة رقيقة من الزهرة قبل أن تنمو عليها أي ورقة.

دفعتني أزهار الكرز للتفكير في الأشجار بحقل ميريام ماكالبن، كانت لديَّ رغبة في النظر إليها وهي تُزهر، وليس النظر إليها فحسب — مثلما يمكنك أن تفعل وأنت سائر في الشارع — بل والدخول أسفل تلك الأفرع والاستلقاء على ظهري مسندةً رأسي إلى جذع الشجرة ومعرفة مدى ارتفاعه، وكأنه قد خرج من جمجمتي، سيرتفع إلى أعلى ويستغرق تمامًا داخل بحر مضطرب من الأزهار المتفتحة، ولمعرفة أيضًا إن كانت ثَمَّةَ أجزاء من السماء تظهر خلال ذلك، حتى أستطيع أن أغلق عينيَّ بشدة لكي أجعل تلك الأجزاء مشهدًا أماميًّا وليس خلفية، أجزاء ذات لون أزرق زاهٍ على هذا البحر الأبيض العريض. كان في هذه الفكرة شيءٌ أشبه بطقس طالما اشتقتُ إليه؛ فقد كان أشبه تقريبًا بالركوع في الكنيسة، وهو الشيءُ الذي لم نكن نفعله في كنيستنا. كنتُ قد فعلته مرة واحدة، حين كنتُ صديقة لداليا كافانا واصطحبتنا والدتُها إلى الكنيسة الكاثوليكية في أحد أيام السبت لإعداد الزهور. رسمتُ إشارة الصليب وجثوتُ على ركبتي في أحد المقاعد، وقالت داليا، من دون حتى أن تهمس: «لماذا تفعلين هذا؟ ليس من المفترض بكِ أن تفعلي هذا، إنه لنا نحن فقط.»

•••

تركتُ الدراجة مُمدَّدة وسط الحشائش. كنَّا في المساء، وكنتُ قد اتخذتُ طريقي نحو البلدة بالدراجة عبر الشوارع الخلفية، ولم يكن هناك أي أحد في فناء الإسطبلات أو حول المنزل، فتسلقت السور، وحاولت بأقصى ما لديَّ من سرعة، من دون ركض، أن أجتازَ الأرض حيث كانت الخيول تأكل الحشائش المبكرة. خفضت رأسي أسفل أفرع الشجرة الكبيرة وظللت أنحني وأتعثَّر، وأحيانًا ما كانت الأزهار تصطدم بوجهي، إلى أن وصلت عند جذع الشجرة واستطعتُ القيام بما جئت للقيام به.

استلقيتُ على ظهري في انبطاح، كان ثَمَّةَ جذر من جذور الشجرة له نتوءٌ صَلبٌ تحتي؛ ما اضطرني للاستلقاء في الوضع المعاكس. وكان ثَمَّةَ بقايا من تفاح العام الماضي، داكنة كقطع اللحم المجفَّف، حتى إنني اضطررتُ لإزاحتها من طريقي قبل أن أتمكَّنَ من الاستلقاء. وحتى بعد ذلك، حين استجمعتُ هدوئي، كنت أشعرُ بجسدي في وضعٍ غريب وغير طبيعي، وحين نظرتُ لأعلى إلى كلِّ البتلات اللؤلئية المتدلية بلونها الوردي الباهت، كل طاقات الزهور الصغيرة المُعدَّة مسبَّقًا، لم أكن قد استغرقتُ تمامًا في تلك الحالة الذهنية من التعبُّد التي كنتُ أرجوها. وكانت السماء غائمة قليلًا، وذكَّرني ما استطعتُ رؤيته منها بقطع الخزف الداكنة من اتساخها.

لم يكن ذلك بالأمر الذي لا يستحق الإقدامَ عليه، على الأقل — حين بدأتُ أدرك حين نهضت وخرجت من هناك في اندفاع وتعجُّل — كان أمرًا يستحق القيام به. وقد كان ذلك أقرب لاعترافٍ، وليس تجربة. اجتزتُ الحقل في عجالة، ثم تَسَلَّقتُ السور، واستعدتُ دراجتي، بل كنتُ قد بدأت في التحرك بالدراجة حين سمعت صفيرًا عاليًا واسمي يُنادى.

«يا هذه، أنتِ؟ نعم، أنتِ!»

كانت هذه هي ميريام ماكالبن.

«تَعَالَيْ إلى هنا دقيقة واحدة.»

فاستدرتُ بالدراجة. وهناك في الممر الكائن ما بين المنزل القديم وحظائر الخيول كانت ميريام تتحدَّث إلى رجليْن، لا بد أنهما كانا في السيارة المتوقفة بجانب الطريق. كان كلٌّ منهما يرتدي قميصًا أبيض، وصديري بذلة، وبنطلونًا، مثلما يرتدي أيُّ رجل كان يعمل في مكتب أو خلف خزينة في تلك الأيام منذ أن يرتدي ملابسه في الصباح حتى يخلع ملابسه للخلود إلى النوم. وبجوارهما كانت ميريام في بنطال العمل الخاص بها وقميص فضفاض ذي نقوش مربعة، وكانت تبدو كصبي مزهوٍّ بنفسه في الثانية عشرة من عمره، على الرغم من أنها كانت امرأة بين الخامسة والعشرين والثلاثين من عمرها. كانت تبدو كذلك، أو كانت تبدو أشبه بفارس، بشعرها القصير للغاية، وكتفيها المحدبين، وبشرتها الجافة. رمقتني بنظرة جمعت ما بين التهديد والاستهزاء.

قالت: «لقد رأيتُكِ في حقلنا.»

لم أنطق بشيء؛ فقد كنتُ أعلم السؤال التالي وكنت أحاول التفكير في إجابة له.

«حسنًا، ماذا كنتِ تفعلين هناك؟»

قلت: «كنتُ أبحث عن شيء.»

«تبحثين عن شيء! حسنًا، ما هو؟»

«سوار.»

لم أكن قد امتلكتُ سوارًا في حياتي.

«ولِمَ ظننتِ أنه هناك؟»

«ظننتُ أنني قد أَضعتُه هناك.»

«حسنًا، أَضَعْتِه هناك. كيف يمكن أن يحدث ذلك؟»

فقلتُ وقد انتابتني حالة من الارتباك: «لأنني كنتُ هناك قبل أيام للبحث عن فِطر الموريل، وكنتُ أرتدي السوار آنذاك وظننتُ أنه ربما قد خُلِعَ من يدي.»

كنتُ صادقة بما يكفي في أن الناس كانوا يبحثون عن هذا الفِطر تحت أشجار التفاح في الربيع، وإنْ كنتُ لا أعتقد أنهم كانوا يرتدون أساور وهم بصدد ذلك.

فقالت ميريام: «حسنًا، وهل وجدتِ أيًّا منه؟ وتشاماكالوم؟ أو موريل؟»

فأجبتُ بالنفي.

«عظيم؛ لأنها كانت ستصبح مِلكًا لي.»

راحت تنظر إليَّ من أعلى إلى أسفل وقالت ما كانت ترغب في قوله من البداية: «لقد بدأتِ مبكرًا، أليس كذلك؟»

كان أحد الرجليْن ينظر في الأرض، ولكن ظننتُ أنه كان يبتسم. أما الآخر، فكان ينظر إليَّ مباشرةً، رافعًا حاجبيه قليلًا في توبيخ هزلي. فلم يكن الرجلان اللذان كانا يعرفان مَنْ أنا، واللذان كانا يعرفان والدي، على الأرجح ليسمحا لنظراتهما بأن تقول الكثير.

وأدركتُ الأمر؛ لقد كانت تعتقد — بل كانوا جميعًا يعتقدون — أنني كنت تحت الشجرة، مساءَ أمس أو مساءَ يوم آخر، مع رجلٍ أو صبي.

قالت ميريام: «اذهبي إلى منزلك. اذهبي إلى منزلك أنتِ وأساورك ولا تعودي للعبث في أملاكي في المستقبل! اذهبي.»

كانت ميريام ماكالبن معروفة بنزعتها للصياح في الآخرين بصوتٍ عالٍ؛ فقد سمعتُها ذات مرة في متجر البقالة تصيح بأعلى صوتها بسبب بعض ثمار الخوخ المعطوبة. كانت الطريقة التي عاملتني بها متوقعة، وبدت الشكوك التي راودتها بشأني وقد أثارت داخلها شعورًا واضحًا لا التباس فيه من الاشمئزاز الشديد الذي لم يمثل أي مفاجأة لي.

كان الرجلان هما من أصاباني بالغثيان؛ بنظراتهما التي رمقاني بها والتي جاءت موحية بالاستنكار المستحق والتخمين الحقير، والتهدُّل والغلظة السَّمجين في ملامح وجهيهما، مع ارتفاع مستوى الأفكار القذرة في رأسيهما.

خرج عامل الإسطبل وسط هذه الأحداث، كان يقود فرسًا مملوكًا لأحد الرجليْن أو كليهما، وتوقفَ في الفِناء ولم يقترب قيدَ أنملة. لم يكن يبدو أنه ينظر إلى مخدومته، أو إلى صاحبَي الفرس، أو إليَّ، ولا يعيرُ أيَّ اهتمام للحدث من الأساس؛ فقد كان معتادًا على أسلوب ميريام في تعنيف الآخرين.

كانت أفكار الآخرين بشأني — ولا أقصدُ فقط نوعية الأفكار التي ربما راودت الرجليْن أو ميريام، فقد كان لكل نوع خطورة شديدة في حدِّ ذاته — وأي أفكار على الإطلاق، تبدو لي كتهديدٍ غامض، ووقاحة شديدة؛ فقد كنتُ أكره حتى أن أسمع شخصًا يقول شيئًا ليس به نسبيًّا ما يسوءُ.

«لقد رأيتكِ تسيرين في الشارع قبل أيام، وقد بدوتِ حالمة.»

كانت كلُّ الأحكام والتخمينات مثل سربٍ من البَقِّ يحاول التسلل إلى فمي وعينيَّ. كان بإمكاني أن أسحقها، أتفُلها.

•••

همستْ لي شقيقتي حين عدتُ إلى المنزل قائلةً: «دَنَسٌ. هناك دَنَسٌ على ظهر بلوزتك.»

شاهدتني وأنا أخلعها في الحمام، وأدعكها بقطعة من الصابون. لم نكن نشغِّل الماء الساخن إلا في الشتاء، ومن ثَم عرضتْ عليَّ أن تحضر لي بعض الماء الساخن من الغلاية. لم تسألني من أين جاء هذا الدَّنَس، كان كل ما تتمنَّاه هو التخلص من الدليل وتجنيبي المتاعب.

•••

في ليالي السبت دائمًا ما كان ثَمَّةَ تجمُّع في الشارع الرئيسي. في ذلك الوقت لم يكن يوجد ما يُسمَّى بالمركز التجاري في أي مكانٍ في البلدة، ولم تتحوَّل ليلة التسوق الكبرى إلى يوم الجمعة إلا بعد الحرب بعدة سنوات. أتحدثُ عن عام ١٩٤٤، حين كان لا يزال لدينا بطاقات تموين، وكان ثَمَّةَ الكثير من الأشياء التي لا يمكنك شراؤها — مثل السيارات الجديدة والجوارب الحريرية — ولكن كان المزارعون يأتون إلى البلدة وبحوزتهم بعضُ المال، وكانت المتاجر قد انتعشت بعد حالة الركود التي أصابتها خلال فترة الكساد العظيم وكان كلُّ شيءٍ يظل مفتوحًا حتى العاشرة مساءً.

كان معظم أهل البلدة يتسوَّقون خلال الأسبوع وفي فترة النهار. وما لم يكونوا يعملون في المتاجر أو المطاعم، فإنهم كانوا يقبعون في المنازل في ليالي السبت يلعبون الورق مع جيرانهم أو يستمعون إلى الراديو. أما المتزوجون حديثًا، والمخطوبون، والمرتبطون عاطفيًّا، فكانوا يتعانقون في دار السينما، أو يتوجَّهون بسياراتهم، حال استطاعوا الحصول على كوبونات الوقود، إلى إحدى صالات الرقص على شاطئ البحيرة. كان أهل الريف هم مَنْ كانوا يستولون على الشارع، وكان المتحررون من الرجال والفتيات من قاطني الريف هم مَنْ كانوا يذهبون إلى نَيديز نَايت آول، حيث كانت منصة الرقص منصوبة فوق أرضٍ وحلة، وكانت كلُّ رقصة تتكلَّف عشرة سنتات.

وقفتُ بالقرب من المنصة مع بعض الأصدقاء ممَّن هم في نفس عمري. لم يكن أحدٌ يأتي ليدفع لأي منَّا عشرة سنتات، ولا عجبَ في ذلك. كانت ضحكاتنا تتعالى، وننتقدُ الرقص، وتسريحات الشعر، والملابس. وأحيانًا ما كنا ننعتُ إحدى الفتيات بالداعِرة، أو رجلًا بالجِنِّي، وإنْ لم يكن لدينا تعريفٌ محدد لأيٍّ من الكلمتين.

الْتفتَ نيدي، الذي كان يبيع التذاكر، بنفسه إلينا وقال: «ألا تعتقدن يا فتيات أَنَّكُنَّ بحاجة إلى بعض الهواء المنعش؟» ابتعدنا في خيلاءٍ وتبختر، وإلا لكنَّا سنَمِلُّ وسنبادر بالرحيل من تلقاءِ أنفسنا. اشترينا آيس كريم وأعطت كلٌّ منَّا لعقة للأخرى لتجربة النكهات المختلفة، وسرنا عبر الشارع في خيلاء وزهْوٍ، دائرين حول زُمَر المتحدثين، وعبر حشود الأطفال الذين يرشُّ بعضهم بعضًا بالماء من نافورة الشُّرب. لم يكن أحدٌ يستحقُّ أن نعيره اهتمامنا.

لم تكن الفتيات المشاركات في تلك المسيرة من المنتميات إلى الطبقة العليا، كما كانت أمي تقول بنبرة حزينة وساخرة قليلًا؛ فلم يكن لدى واحدة منهن في منزلها غرفة مشمسة، أو أبٌ يرتدي بذلة في أي يوم سوى يوم الأحد. فالفتيات من تلك النوعية كنَّ في ذلك الوقت قابعاتٍ في البيوت، أو في منازل إحداهن يلعبن لعبة مونوبولي، أو يعددن حلوى الفدج، أو يجرِّبن تصفيفاتٍ جديدة للشعر. وكانت أمي تشعر بالأسف لكونها لا تراني مقبولة في هذه الزمرة.

ولكن لم يكن الأمر يسبِّب لي أيَّ ضيق؛ فبهذه الطريقة كان بإمكاني أن أكون زعيمة وأستمتع بالصخب والثرثرة. لو كان ذلك تنكرًا، فقد كان تنكرًا أجيده بسهولة، أو ربما لم يكن تنكرًا، ولكن مجرد واحدة من الشخصيات المفككة والمختلفة بالكامل التي يبدو أنها كانت تُشكِّلني.

في قطعة أرضٍ خاوية في الطرف الشمالي من البلدة وَضَعَ بعضُ أعضاء منظمة جيش الخلاص لافتاتهم. كان ثَمَّةَ واعظ وجوقة صغيرة من المنشدين لإنشاد الترانيم والتراتيل، وصبيٌّ بدين على الطبلة، وكذا صبيٌّ طويل القامة للعزف على الترومبون، وفتاةٌ للعزف على الكلارنيت، وبعضُ الأطفال الذين لم يبلغوا الحُلُمَ بعدُ مزودين بآلات رِقٍّ.

كان أفراد منظمة جيش الخلاص من طبقة اجتماعية أقل من الفتيات اللاتي كنت بصحبتهن. فالرجلُ الذي كان يقوم بالوعظ هو سائق العربة الذي يتولى نقل الفحم، لا شك أنه كان قد اغتسلَ جيدًا، ولكن لا يزال على وجهه آثار غبار رمادية. كانت قطرات العَرَق تتساقط منه من إجهاد الوعظ، وبدا عرقه وكأنه رمادي أيضًا. كانت بعض السيارات تطلق نفيرها لكي تشوِّش عليه أثناء مرورها. (فعلى الرغم من تبديد الوقود، كان ثَمَّةَ بعض السيارات التي تُقاد، بواسطة بعض الشباب، من بداية الشارع حتى الطرف الشمالي، ومن نهاية الشارع حتى الطرف الجنوبي، مرارًا وتكرارًا.) كان معظم الناس يمرُّون به وعلى وجوههم الضيقُ ولكن مع الْتزام الاحترام، ولكن البعض كان يتوقف للمشاهدة، مثلما كنَّا نفعل نحن؛ انتظارًا لشيءٍ كي نضحك عليه.

كانت الآلات الموسيقية تستعدُّ لعزف إحدى الترانيم، ورأيتُ أن الصبي الذي كان يرفع الترومبون هو نفسه عامل الإسطبل الذي كان واقفًا في الفناء بينما كانت ميريام ماكالبن تصبُّ عليَّ وابل التوبيخ. ابتسمَ لي بعينيه حين بدأ في العزف، وبدا أن ابتسامته لم تكن لِتَذَكُّره إهانتي، ولكن كانت نابعة من سعادة تعذَّر كبْحُها، وكأن رؤيتي قد أيقظت لديه ذكرى شيءٍ مختلف كثيرًا عن ذلك المشهد؛ سعادة طبيعية.

أخذت الجوقة تغني: «هناك قوة، قوة، قوة، قوة، قوة في الدم.» كانت آلات الرق يُلوَّح بها فوق رءوس العازفين، وانتقلت عدوى البهجة والحيوية إلى المتفرجين، حتى إنَّ معظم الناس قد شرعوا في الغناء معهم بسخريةٍ مرحة. وتركنا أنفسنا لمشاركة الآخرين الغناء.

بعد ذلك بقليل انتهى القداس. كانت المتاجر بصدد إغلاق أبوابها، واتخذت كلٌّ منا طريقًا منفصلًا للعودة إلى منزلها. كان ثَمَّةَ طريق مختصر يمكنني أن أسلكه، وكان عبارة عن جسر مُشَاةٍ فوق النهر. وحينما شارفتُ على الوصول إلى نهايته، سمعتُ صوت ركضٍ شديد، أقربَ إلى صوت ارتطامٍ مكتوم، من خلفي، حتى إنَّ ألواح الجسر قد اهتزَّت تحت قدمي. استدرتُ جانبًا وظهري بمواجهة سور الجسر، وقد تملكني القليلُ من الخوف حرصتُ على ألا أظهره. لم يكن هناك أي أضواء بالقرب من الجسر وكانت الأجواء مظلمة للغاية آنذاك.

حين اقترب صاحبُ الصوت أدركتُ أنه عازف الترومبون مرتديًا زيَّه شديدَ السواد. كانت حقيبة الترومبون هي مصدر صوت الارتطام حيث كانت تصطدم بالسور.

قال لي لاهثًا: «لا عليكِ، إنه أنا. كنتُ أحاول فقط اللحاق بكِ.»

قلت: «كيف عرفتني؟»

«بإمكاني الرؤية قليلًا، وكنتُ أعرف أنكِ تسكنين في هذه الناحية، واستطعتُ أن أحدِّد أنه أنتِ من خلال مشيتك.»

تساءلتُ: «كيف؟» مع معظم الناس، كان مثل هذا الافتراض المسبق يجعلني في قمة الغضب بدرجة تعوقني عن التساؤل.

«لا أعلم، إنها مشيتك فحسب.»

•••

كان اسمه راسل كريك، كانت عائلته تنتمي إلى منظمة جيش الخلاص، فكان والده هو الواعظ سائق العربة، ووالدته واحدة من منشدي الترانيم. ونظرًا لأنه كان يعمل مع والده ومعتادًا على التعامل مع الخيول، وظَّفته لديها ميريام ماكالبن بمجرد أن ترك المدرسة، وكان ذلك بعد اجتيازه الصفَّ الثامن، وكان هذا الأمر شائعًا جدًّا بين الصبية في تلك السنين. فنظرًا لظروف الحرب، كان ثَمَّةَ العديد من الوظائف لشغلها بينما هم — وهو معهم — في انتظار أن يكبروا بحيث يلتحقوا بالجيش. وكان سيبلغ السن التي ستؤهِّله لذلك في سبتمبر.

لو كان راسل كريك قد أراد اصطحابي للخروج معه بالطريقة المعتادة، للذهاب إلى السينما أو للرقص، لما كانت هناك فرصة لقبول عرضه؛ فقد كانت أمي ستقول إنني ما زلتُ صغيرة جدًّا على ذلك. وعلى الأرجح أنها لم تكن لتشعر بضرورة أن تقول إنه عامل إسطبل ووالده ينقل الفحم وعائلته بأكملها كانت ترتدي ملابس جيش الخلاص ويُشَاهَدون في الشارع باستمرار. وكانت تلك الاعتبارات تعني شيئًا لي أنا أيضًا، إذا تعلَّق الأمر بالظهور معه علنًا باعتباره رفيقي. لقد كانت تعني شيئًا على الأقل حتى يلتحق بالجيش ويصبح حسنَ المظهر بحيث يكون من اللائق تقديمه إلى الآخرين. ولكني في الواقع لم أكن مضطرة للتفكير في أيٍّ من ذلك. فلم يكن باستطاعة راسل اصطحابي إلى السينما أو إحدى صالات الرقص؛ لأن دينه كان يمنعه هو نفسه من الذهاب إلى هناك. لقد كانت العلاقة التي نشأت بيننا تبدو سلسة، وشبه طبيعية، بالنسبة إلي؛ لأنها كانت في بعض جوانبها — وليس كلها — تشبه كثيرًا تلك العلاقة العادية المعترَف بها بالكاد ذات الطبيعة المؤقتة التي تنشأ بين الأولاد والفتيات في مثل سني، وليس سنه.

كنَّا نركبُ الدراجات لسببٍ ما، فلم يكن راسل يمتلك سيارة ولم يكن أمامه من سبيلٍ للحصول على واحدة، على الرغم من إجادته للقيادة؛ فقد كان يقود شاحنة إسطبل الخيول. لم يكن يأتي ليصطحبني من منزلي ولم أطلب منه ذلك مطلقًا، بل كنا نخرج من البلدة بالدراجات كلٌّ بمفرده بعد ظهيرة يوم الأحد ونلتقي دائمًا في نفس المكان، عند مدرسة تقع عند مفترق طرق على بُعد ميليْن أو ثلاثة أميال من البلدة. كان لجميع المدارس الريفية أسماء تُعرَف بها وليس أرقامًا رسمية تُنقَش على أبوابها، فلم تكن هناك أبدًا مدرسة اسمها إس رقم ٢، أو إس إس رقم ٥، بل كانت هناك مدرسة لامبس، ومدرسة بروسترز، ومدرسة ريد بريك ومدرسة ستون. وكانت المدرسة التي وقع عليها اختيارنا، والتي كانت معروفة لي مسبقًا، تُسمَّى مدرسة فلوينج ويل (النبع المتدفق)، وكانت تلك التسمية تُعزى إلى وجود نبع ضيق من الماء يتدفق باستمرار من إحدى المواسير في ركنٍ من أركان فِناء المدرسة.

كانت تحيط بذلك الفِناء، الذي كانت حشائشه تُجزُّ دائمًا حتى في الإجازات الصيفية، أشجار قيقب يانعة تلقي بظلال شبه سوداء. وفي أحد الأركان كان ثَمَّةَ كتلة من الحجر ينمو منها بعضُ الحشائش الطويلة، حيث كنَّا نخبئ دراجتينا.

كان الطريقُ أمام فِناء المدرسة نظيفًا ومفترشًا بالحصى، إلا أن الطريق الجانبي، الذي كان يؤدي لأحد التلال، لم يكن يعدو أكثر من ممرٍّ ضيق في حقل، أو درب غير مُمهَّد. على أحد جانبيه كان ثَمَّةَ مرعًى مغطًّى بالزعرور البري والعرعر، وعلى الجانب الآخر مجموعة من أشجار البلوط والصنوبر يفصل بينها وبين ضفة الطريق حفرة. كان في هذه الحفرة مقلب نفاياتٍ؛ ليس مقلب النفايات الرسمي للمنطقة، وإنما مجرد مقلب نفاياتٍ غير رسمي صنعه أهل المنطقة. وكان هذا يثير اهتمامَ راسل، وفي كل مرة كنَّا نمر به كان لا بد أن نميل فوقه ونحملق في الحفرة لنرى إن كان به أي شيءٍ جديد أم لا. ولم يكن المقلب يحوي أيَّ جديدٍ قط؛ إذ كان في الغالب لم يُستخدَم لسنوات، ولكن كثيرًا ما كان يتمكَّن من الْتقاط شيءٍ لم يكن قد لاحظه من قبل.

«أترين؟ هذه شبكة رادياتور محرك في-٨.»

«أترين أسفل عجلة العربة؟ ذاكَ راديو قديم يعمل بالبطارية.»

كنتُ قد ارتدتُ من قبل هذا الطريق بضعَ مراتٍ بمفردي، ولم أرَ مقلب النفايات هناك ولو لمرة، ولكنني كنتُ أعرف أشياء أخرى. كنتُ أعرف أننا حين نجتاز هذا التل، سوف تختفي أشجار البلوط والصنوبر لتحلَّ محلها أشجارُ التنوب والطمراق والأرز، وكذلك المرعى الوعر، وكلُّ ما نراه، لفترة طويلة، سيكون نباتات سبخية على كلا الجانبين، مع وجودٍ بسيط لأشجار التوت البري الأحمر العالية التي لم يكن يستطيع أحدٌ الوصول إليها، وبعض الزهور القرمزية ذات الشكل الجميل التي لم أكن أدري اسمها؛ أظنُّ أنها كانت تُسمَّى حشيشة الغراب البرتقالية. وعلى فرعٍ من فروع شجرة الأرز علَّق أحدهم جمجمة حيوانٍ صغير، كان راسل ينتبه إليها، متسائلًا في كلِّ مرة نمرُّ عليها إنْ كانت جمجمة ابن مقرض، أم ابن عرس، أم مِنك.

كان يقول إنَّ ذلك على أي حال دليلٌ على أن ثَمَّةَ مَنِ ارتاد هذا الطريق قبلهما. وعلى الأرجح أنه كان ماشيًا، ومن غير المرجَّح أنه كان في سيارة؛ فقد كانت أشجار الأرز نامية على مقربة شديدة من بعضها، وكان الجسرُ الخشبي المار فوق الجدول الصغير عند أدنى مستوًى للمستنقع بدائيًّا؛ إذ كان مرنًا أسفل أقدامنا وبلا سور. وفيما وراء ذلك كانت الأرضُ ترتفع ببطء، واختفت الأرض الموحلة لتظهر في النهاية حقولٌ زراعية على كلا الجانبين يلمحها الناظِرُ عبر أشجار الزان الضخمة. كان ثَمَّةَ الكثير من تلك الأشجار الثقيلة، حتى إن ضوءها الرمادي الناعم بدا وقد أحدثَ تغييرًا فعليًّا في الهواء؛ إذ جعله باردًا وكأنكَ قد دخلت قاعة أو كنيسة عالية الجدران.

كان هذا الطريق ينتهي بعد أن امتدَّ لميلٍ ورُبع، مؤديًا إلى طريق مستقيم آخر مفروش بالحصباء. كنَّا نستدير ونعود أدراجنا من نفس الطريق.

كان بالكاد يُسمَع صوت أي طيور في حرارة منتصف النهار، ولم يكن يُرى أيٌّ منها، ولم يكن ثَمَّةَ الكثير من البعوض؛ نظرًا للجفاف الذي طالَ البِرَكَ في الأرض المنخفضة. ولكن كان ثَمَّةَ يعاسيب أعلى الجدول، وسربٌ من الفراشات المتناهية الصغر ذات اللون الأخضر الباهت حتى إنك لتظن حين تراها أنها ربما تكون مجرد انعكاسٍ لأوراق الشجر.

كان الشيءُ الوحيد الذي كان مسموعًا في كلِّ مرحلة من جولتنا هو صوت راسل الهادئ المُفعم بالسعادة. كان يتحدث عن عائلته؛ كان له أختان يكبرانه تركتا المنزل، وأختان تصغرانه، وأخٌ أصغر، وكانوا جميعًا موسيقيين؛ إذ كان كلٌّ منهم يعزف على آلة ما. كان الأخ الأصغر يُدعى جاكي، وكان يتعلَّم العزف على الترومبون ليتسلم الراية من راسل. وكانت الأختان الصغريان اللتان بقيتا بالمنزل تُدعيان مايفس وآني، وكانت أيونا وإيزابيل هما الشقيقتان الكُبْريان. كانت أيونا متزوجة من رجل يعمل في شركة هيدرو لخطوط الكهرباء، فيما كانت إيزابيل عاملة نظافة في أحد الفنادق الكبيرة. وكان له شقيقة أخرى، تُدعى إيدنا، تُوفِّيت إثر إصابتها بشلل الأطفال داخل رئة حديدية بعد معاناة استمرَّت ليومين فقط وهي في الثانية عشرة من عمرها. كانت الوحيدة بين أفراد الأسرة التي كان لها شعرٌ أشقر. وكان الأخ الأصغر جاكي على وشك الموت هو الآخر؛ إثر إصابته بتسمُّم الدم جراء الخطو على لوح به مسمار صدئ. وكان راسل نفسه يعاني من خشونة القدمين بسبب الخروج حافي القدمين في الصيف؛ فكان يستطيع السير على الحصى أو الأشواك أو الجُذامة دون أن تصيبه أيُّ جروح من أي نوع.

في الصف الثامن حدثت له طفرة مفاجئة في الطول؛ إذ وصلَ تقريبًا إلى نفس الطول الذي أصبح عليه الآن، وحصل على دور علي بابا في الأوبريت المدرسي، وكان ذلك لقدرته على الغناء، ولطول قامته أيضًا.

كان قد تعلَّم قيادة سيارة عمِّه حين كان عمُّه يأتي من مدينة بورت هورون. كان عمُّه يعمل في مجال السباكة، وكان يقايض سيارته بسيارةٍ جديدة كلَّ عامين. وكان يسمح لراسل بقيادة السيارة قبل أن يبلغ السن القانونية للحصول على رخصة القيادة بكثير. ولكن ميريام ماكالبن لم تكن لتَدعه يقود شاحنتها إلى أن حصل على الرخصة، فكان يقودها الآن بعربة نقل الخيول ومن دونها، إلى إلميرا، وهاميلتون، وقادها ذات مرة إلى بيتربورو. كانت قيادتها صعبة؛ لأن عربة نقل الخيول كان يمكن أن تنقلب. كانت ميريام تذهبُ معه في بعض الأحيان، ولكنها كانت تترك له مهمة القيادة.

كان صوته يتغيَّر حين كان يتحدث عن ميريام ماكالبن. فكان يصير متحفظًا ونصف هازئ ونصف مستمتع. كان يقول عنها إنها كانت شخصًا مخيفًا، ولكن لا بأسَ بها إنْ كان المرء يعرف كيف يتعامل معها. كانت تحبُّ الخيول أكثر من حُبِّها للناس. وكانت ستصبح متزوجة الآن لو كان لها أن تتزوج بحصان.

لم أكن أتحدث كثيرًا عن نفسي ولم أكن أنصت إليه بهذا الحد من الإمعان؛ فقد كان حديثه أشبه بحاجزٍ من المطر السلس الرقيق بيني وبين الأشجار، والضوء والظلال على الطريق، والجدول الذي يتدفق بانسياب، والفراشات، والجزء مني الذي كان يولي انتباهه إلى هذه الأشياء لو كنت بمفردي. كان الجزءُ الأكبر مني مختفيًا، مثلما كان الحال مع صديقاتي في ليالي السبت، ولكن التغيير الآن لم يكن متعمَّدًا وطوعيًّا إلى هذه الدرجة. لقد كنت شبه مُنَوَّمة مغناطيسيًّا، ليس فقط بفِعل وَقْعِ صوته، ولكن بفِعل منكبيه العريضين المتألقين في قميصٍ نظيفٍ قصير الأكمام، وعنقه الأسمر وذراعيه الممتلئتين. كان يغتسل بصابون لايفبوي — فقد كنت أعرف رائحته مثلما كان يعرفه الجميع — ولكن كان اغتساله بنفس مستوى اغتسال معظم الرجال في تلك الأيام؛ إذ كانوا لا يعبئون بالعرق الذي سيتراكم في المستقبل القريب. ومن ثَمَّ، كان بإمكاني أن أشمَّ تلك الرائحة أيضًا، وكذا رائحة الخيول، والألجمة، والحظائر، والتبن بنفس الدرجة المحدودة.

حينما لم أكن معه، كنت أحاول أن أتذكر؛ هل كان وسيمًا أم لا؟ كان جسده نحيلًا نوعًا ما، ولكن كان ممتلئ الوجه قليلًا، وكانت لشفتيه تقطيبة تُوحي بالتحكم والسيطرة. وكانت عيناه المتسعتان الزرقاوان الصافيتان تشي بشيءٍ أشبه بسذاجة متعنتة، واحترامٍ بريءٍ للنفس، وكلُّها أمور ربما لم أكن لأهتم بها كثيرًا في شخصٍ آخر.

قال: «إنني أصرُّ بأسناني ليلًا، ولم يُوقظني ذلك قط، ولكن ذلك يُوقِظ جاكي ويُشعله غضبًا؛ فيركلني ركلة تجعلني أتقلبُ في نومي، وهذا كفيلٌ بإنهاء هذا الأمر؛ لأنني أقوم بذلك فقط عندما أكون مستلقيًا على ظهري.»

قال: «هلا ركلتِني؟» ثم مدَّ يده في المسافة الفاصلة بيننا التي قاربت القدم أو نحو ذلك، وكان ضوءُ الشمس يغمرها، وأخذ يدي. قال إنه يشعر بالحرارة في الفراش مما يجعله ينفض كلَّ الأغطية عنه، وكان هذا يثير غضب جاكي أيضًا.

أردتُ أن أسأله إن كان يرتدي الجزء العلوي من بيجاماته أم الجزء السفلي فقط، أم كليهما، أم لا شيءَ على الإطلاق، ولكن الاحتمال الأخير جعلني أشعر بأنني ضعيفة جدًّا بحيث لا أقوى على فتح فمي. تشابكت أصابعنا معًا، من تلقاء نفسها، حتى تعرَّقت على نحوٍ جعلها تستسلم وتفترق بعضها عن بعض.

لم يسترعِ السببُ وراء تمشينا معًا، وأحسبه السببَ الوحيد بقدر ما استطعت فهمه، جُلَّ انتباهنا حتى دنونا من فناء المدرسة وعُدنا أدراجنا إلى البلدة كلٌّ بمفرده. كان يجذبني إلى الظِّلِّ ويطوِّقني بذراعيه ويبدأ في تقبيلي. وبعيدًا عن قارعة الطريق، كان يضمني إلى جذع شجرة ونتبادل القبلات باحتشام في البداية، ثم بمزيد من الحرارة، ويلتحم جسدانا معًا — بينما لا نزال واقفين — في عجلة متقلقلة. وبعد ذلك — كَمْ من الوقت؟ — بخمس أو عشر دقائق، كنَّا نفترق ونلتقط دراجاتنا ويودِّع كلٌّ منا الآخر. كان فمي يتحرَّق من شدة الاحتكاك ووجنتاي وذقني تُسحج من الشعيرات الخشنة القصيرة الخفية في وجهه. وكان ظهري يتألم من كثرة دفعه إلى جذع الشجرة، وكان الجزء الأمامي من جسدي يتوجع من ضغط جسده. كان لبطني، بالرغم من كونه مستويًا للغاية، القليل من المرونة وقابلية الانضغاط، ولكنني لاحظت أن بطنه لم يكن كذلك. كنت أظن أن الرجال لا بد أن تتسم بطونهم بالصلابة بل والبروز أيضًا، ولم يكن ذلك ليتضح جليًّا إلا عندما يحتضنك أحدهم بقوة.

يبدو غريبًا للغاية أنني لم أدرك ماهية هذا الضغط بالرغم من كَمِّ ما أعرفه. كانت لديَّ فكرة دقيقة نوعًا ما عن جسد الرجل، ولكن بطريقة ما أغفلت المعلومات المتعلقة بوجود ذلك التغيُّر في الحجم والحالة. يبدو أنني كنت أعتقد أن القضيب يكون في أقصى حجم له طوال الوقت، وفي شكله التقليدي، ولكن على الرغم من هذا يمكن أن يكون متدليًا داخل ساق البنطال، ولا يرتفع للضغط على جسد شخص آخر بهذه الطريقة. سمعتُ الكثير من الدعابات في هذا الشأن، ورأيتُ حيواناتٍ تتزاوج، ولكن بطريقة ما يمكن أن تظهر فجوات، حين يكون مصدر المعرفة غير رسمي.

•••

بين الحين والآخر كان يتحدَّث عن الرب، كانت نبرة صوته في مثل هذه الأوقات صارمة وواقعية، وكأن الرب ضابطٌ كبير، وكانت في بعض الأحيان ودودة، ولكنها في الغالب كانت تتسم بانعدام المرونة والجزع، بطريقة ذكورية. وحين وضعت الحرب أوزارها وترك الجيشَ (كان يقول بابتهاج: «إذا لم أُقتل») ظلَّت هناك أوامر الرب وجيشه ليذعن لها ويحسب لها حسابًا كبيرًا.

«سوف يتحتم عليَّ أن أفعل ما يريدني الرب أن أفعله.»

أثار ذلك دهشتي، فيا له من انقيادٍ وإذعانٍ رهيب ذلك الذي تطلبه الأمرُ منه لكي يكون بهذا القدر من الإيمان!

أو ما تطلَّبه الأمرُ منه — حين تتأمل الحربَ والجيشَ العادي — لكي يكون رجلًا فقط.

ربما خطر بباله مستقبله؛ لأننا لاحظنا على جذع شجرة من أشجار الزان — تلك الأشجار التي كان لحاؤها الرمادي مكانًا مثاليًّا للرسائل — وجهًا وتاريخًا منقوشين عليه. كان العام هو ١٩٠٩. ومنذ ذلك التاريخ فصاعدًا، أخذت الشجرة تنمو، ويتسع جذعها، ومن ثمَّ كانت ملامح الوجه قد اتسعت من الجانبين لتصبح عبارة عن بُقع أعرض من الوجه نفسه. أما بقية التاريخ، فقد مُحيَ تمامًا، وربما كانت أرقام العام على وشك أن تفقد وضوحها أيضًا عمَّا قريب.

قلت: «كان ذلك قبل الحرب العالمية الأولى، ربما يكون مَنْ نقشها في عداد الموتى الآن، وربما يكون قد لقيَ حتفه في تلك الحرب.»

ثم أضفتُ في عجالة: «أو يمكن أن يكون ميتًا بأي طريقة أخرى.»

أظنُّ أننا في ذلك اليوم كنا نشعر بالحرِّ الشديد في طريق عودتنا حتى إننا قد خلعنا أحذيتنا وجواربنا ونزلنا عن الألواح لكي نقف في مياه الجدول الصغير التي كانت ترتفع حتى مستوى الرُّكبة، وبلَّلنا أذرعنا ووجهينا بها.

قلتُ على نحوٍ مفاجئ لي: «أَتذكرُ تلك المرة التي ضُبِطتُ فيها وأنا أخرجُ من تحت شجرة التفاح؟»

«أجل.»

«لقد أخبرتُها أنني كنت أبحثُ عن سوار، ولكن لم يكن ذلك صحيحًا، لقد كنتُ هناك لسببٍ آخر.»

«أهذا صحيح؟»

في تلك اللحظة تمنَّيتُ لو لم أخُضْ في ذلك.

«لقد أردتُ أن أكون أسفل الشجرة الضخمة حين تكون مزهرة بالكامل وأنظرُ إليها من أسفل.»

فضحكَ وقال: «هذا مضحك، لقد أردتُ أن أفعل ذلك أيضًا، لم أفعله قط، ولكنني فكَّرتُ فيه.»

كنتُ مندهشة، ونوعًا ما لم أكن سعيدة بهذه الدرجة لأن أجد تلك الرغبة الملحة مشتركة بيننا. ولكن بالتأكيد لم أكن لأخبره لو لم أكن قد تمنَّيتُ أن يكون هذا شيئًا من شأنه أن يفهمه.

قال: «لتأتي إلى منزلنا لتناول العشاء.»

«أليسَ عليكَ أن تسأل والدتك إنْ كان ذلك مقبولًا؟»

«إنها لا تهتم.»

كانت والدتي ستهتم لو كانت قد علمت، ولكنها لم تكن تعلم؛ لأنني كذبتُ عليها وقلتُ إنني ذاهبة إلى منزل صديقتي كلارا. والآن، وقد صار على أبي أن يكون بالمسبك في الخامسة تمامًا — حتى في أيام الأحد نظرًا لكونه الحارس — وكانت والدتي كثيرًا ما تشعر بالتوعك، أصبح العشاءُ في منزلنا غير منتظم. حين كنتُ أنا مَنْ يتولى الطهي، كانت هناك أشياء أحبُّ إعدادها، منها شرائح الخبز والجبن التي يُصب فوقها الحليب والبيض المخفوق وتُخبز في الفرن. وكان من الوصفات الأخرى المخبوزة في الفرن أيضًا رغيفٌ من اللحم المُعلَّب المغطَّى بالسكر البُني، أو أكداس من شرائح البطاطس النيئة التي تُقلى حتى تصبح مقرمشة. حين كان شقيقي وشقيقتي يُتركَان وشأنهما، كانا يُعدَّان عشاءً مكونًا من أشياء مثل السردين على البسكويت المالح أو زبد الفول السوداني على رقائق البسكويت. كان يبدو أن تآكل العادات التقليدية في منزلنا كان يجعل تحايلي أسهل.

ربما لو كانت والدتي قد علمت، لوجدتْ طريقة لتقول لي بها إنني ما إنْ أدخل بيوتًا بعينها كنِدٍّ وصديق — وكان هذا صحيحًا حتى لو كانت بيوتًا غاية في الاحترام نوعًا ما — حتى أبرهِن على أن القيمة التي أضفيها على نفسي لم تكن عالية للغاية، ومن ثمَّ سيبدأ الآخرون في تقييمي على هذا الأساس. كنتُ سأجادلها، بالطبع، وعلى نحوٍ قوي لأنني أعلم أن ما تقوله صحيح فيما يتعلق بالحياة في تلك البلدة؛ فقد كنتُ على أي حال مَنْ يختلق أيَّ عذر الآن؛ لكيلا أمرُّ مع صديقاتي أمام الناصية التي كان راسل وعائلته يتمركزون عندها في ليالي السبت.

أحيانًا ما كنتُ أتطلَّع وكُلِّي أمَلٌ إلى الوقت الذي سيضع فيه راسل زيَّ الفرقة الموسيقية الكوميدي بعضَ الشيء ذا اللونين الأحمر والأزرق الداكنين جانبًا ويستبدل زيَّ الجيش الكاكي به. بدا وكأن التغيير قد يطال ما هو أكثر بكثير من الزي، وكأن هُوِيَّةً في حدِّ ذاتها سوف تنسلخ لتتألق محلها هُوِيَّة جديدة عَصيَّة على الهجوم والنقد بمجرد أن يرتدي زيَّ المقاتل.

•••

كانت عائلة كريك تعيش في شارع ضيِّق مائل يعادل طوله طول بناية، لا يبعد كثيرًا عن حظائر الخيل. لم يكن لديَّ أي سببٍ قط للسير عبر هذا الشارع من قبل. كانت البيوت قريبة من الرصيف وقريبة أحدها من الآخر، دون مساحة بينها لممراتٍ للسيارات أو أفنية جانبية. كان على الأشخاص الذين يملكون سيارات أن يوقفوا جزءًا منها على الرصيف والجزء الآخر على مساحات الحشائش التي كانت بمنزلة حدائق أمامية. كان منزل آل كريك الخشبي الكبير مطليًّا باللون الأصفر — كان راسل قد أخبرني أن أبحث عن المنزل الأصفر — ولكن كان الطلاء متقشرًا بفِعل الجو.

كان مثلَ الطلاءِ البُني الذي كان يومًا ما، بغير تفكيرٍ ورَوِية، يغطي الطوبَ الأحمر لمنزلنا الذي كنتُ أسكنه. ولم تكن الفوارق كبيرة بين عائلتينا حين يتعلق الأمر بالمال. في الواقع لم يكن ثَمَّةَ أي فارق كبير على الإطلاق.

كانت هناك فتاتان صغيرتان تجلسان على السلم الأمامي، ربما جَلَستا هناك حالَ نسيتُ وصفَ المنزل.

غير أنهما قفزتا دون أن تنطقا بكلمة واحدة، وهُرعتا إلى داخل المنزل كما لو كنتُ قطة بَرِّيَّة تطاردهما. وأُغلقَ الباب السلكي في وجهي بقوة، وتُرِكتُ وحدي أحملق عبر مدخل طويل خاوٍ. سمعتُ ضجيجًا خافتًا خلف المنزل، ربما كان يخصُّ الشخص الذي يُفترَض أن يأتي للترحيب بي. عندئذٍ جاء راسل بنفسه عبر درجات السلم وشعره داكن من أثر تبليل حديث، وأدخلني إلى المنزل.

قال: «إذن، قد وصلتِ إلى هنا بلا مشكلة!» وامتنعَ عن ملامستي.

لم يكن السيد والسيدة كريك يرتديان زيَّهما الخاص بمنظمة جيش الخلاص في المنزل. لستُ أدري لِمَ ظننت أنهما كانا سيفعلان ذلك! أقبلَ الأبُ بعد ذلك نظيفًا متأنقًا برأسٍ أصلع لامع — وهو الذي كان وعظه المتجول دائمًا ما يميل إلى الشراسة والسخط حتى حين كان يتمسك بالأمل في الرحمة والخلاص، وكانت تعبيراته حين كان يجلس منحنيًا على عربة الفحم دائمًا ما كانت تميل إلى السخط والغضب — ورحَّب بي كما لو كان سعيدًا بالفعل لرؤيتي في منزله. كانت الأم طويلة القامة، مثل راسل، ضخمة الجثة ومسطحة الجبهة، وذات شعر أشيب تَمَّ قَصُّه حتى كان يصل لمستوى أذنيها فقط. اضطرَّ راسل لأن يخبرها باسمي مرتين، عبر الضجيج الذي كانت تحدثه أثناء هرسها للبطاطس، قبل أن يتمكَّن من لفت انتباهها كي تستدير إلينا. مسحت يدها على مريلتها وكأنها تفكر في مصافحتي، ولكنها لم تفعل، وقالت إنها سعيدة للقائي. كان صوتها حين كانت تنشد الترانيم في الشارع عميقًا وعذبًا، إلا أنها حين تحدثت الآن حوَّله الخجل والحرج إلى صوتٍ حادٍّ أجش كصوت صبي في سن المراهقة.

كان والد راسل متأهبًا للقيام بعمل ليس من اختصاصه. سألني إنْ كان لديَّ أي خبرة مع دجاج البانتام، فأجبتُ بالنفي، فقال إنه كان يظن أنني ربما يكون لديَّ خبرة بها لكوني قد نشأتُ في مزرعة.

قال: «إنَّ الدجاج هوايتي. تعالَي لِتُلقي نظرة!»

عاودت الفتاتان الظهور وكانتا تتسكَّعان على مقربةٍ من المدخل. كانتا على وشك أن تتبعا والدهما وراسل وإياي إلى داخل الفناء الخلفي، لولا أن والدتهما نادتهما.

«آني ومايفس! لتبقيا هنا وتضعا الصحون على الطاولة.»

كان ديك البانتام يُدعى الملك جورج.

قال السيد كريك: «هذه دعابة؛ لأن جورج هو اسمي.»

كانت الدجاجات مُسمَّاة على اسم ماي ويست، وتاجبوت آني، وديزي ماي وشخصياتٍ أخرى من الأفلام السينمائية، أو القصص الهزلية المُصوَّرة، أو الفلكلور الشعبي. وقد أدهشني هذا؛ نظرًا لحقيقة أن الأفلام كانت من محظورات هذه العائلة، وأن السينما كانت تُرى في عظات السبت على أنها مكانٌ بغيض على نحوٍ خاص. وكنت أظن أن القصص الهزلية من ضمن المحظورات أيضًا. ربما كان مستساغًا أن تُطلق مثل هذه الأسماء على دجاجاتٍ تافهة. أو لعلَّ عائلة كريك لم تكن دومًا منتمية إلى منظمة جيش الخلاص.

قلت: «كيف لكم أن تميِّزوا بعضها عن بعض؟» لم تكن بديهتي حاضرة معي تمامًا، وإلا لرأيتُ أن كلًّا منها كانت لها علامة تميِّزها، ولها نمطها الخاص من الريش الأحمر والبُني والبُني الضارب إلى البرتقالي والذهبي.

ظهر شقيقُ راسل من مكانٍ ما، وكان يضحك ضحكةً مكبوتة.

قال الأب: «أوه، هل تريدين أن تعرفي؟» وبدأ في تحديد كل واحدة منها لي، ولكن الدجاج كان يهيج بسبب الانتباه الموجَّه إليه، وتبعثر في أرجاء الفناء حتى لا نستطيع الإمساك بها. كان الديك جريئًا وأخذ ينقر في حذائي.

قال والد راسل: «لا تنزعجي، إنه يستعرض نفسه لا أكثر.»

كان سؤالي الأحمق التالي هو: «هل يضع هذا الدجاج بيضًا؟»

«أوه، أجل، أجل، ولكنها واقعة لا تحدث كثيرًا. إنها حتى لا تضع ما يكفي لمائدتنا؛ إنها سلالة من سلالات الزينة، ذاك هو تعريفها؛ سلالة زينة.»

قال راسل لشقيقه من وراء ظهري: «سأضربك بشدة.»

على العشاء، أومأ الأبُ لراسل برأسه لتلاوة صلاة مباركة الطعام، وفعلَ راسل ذلك. كانت صلوات المباركة هنا تُتلى بتَأَنٍّ وتُؤلَّف في حينها لتلائم المناسبة، وكانت بعيدة تمامًا عن الصلاة التي اعتدنا أن نتمتم بها على مائدتنا في المنزل حين كنَّا نتناول الطعام معًا كأسرة؛ «بارِك لنا يا رب طعامنا هذا ليفيد أجسادنا، وباركنا لنكون في خدمتك.» كان راسل يتحدَّث ببطء وثِقَة، وذكر اسم كلِّ مَنْ كانوا على المائدة، وفيهم أنا داعيًا أن يجعلني الرب موضع ترحيب. وخطرت لي تلك الفكرة المرعبة من أن الحرب ربما لا تغيره تمامًا، وأنه حين ينتهي منها قد يعود إلى الجيش الآخر ويرتدي زيَّه القديم، وأنه ربما قد تكون لديه موهبة وتعطُّش للوعظ العام.

لم تكن ثَمَّةَ أطباق من الخبز والزبد، فقد كنت تضع شريحتك على المشمع أو على جانب طبقك الكبير، وتمسح طبقك بقطعة من الخبز قبل أن تُوضَع عليه الفطيرة.

ظهر الديك عند المدخل، ولكن السيد كريك أمره بأن يبتعد، ما دفع مايفس وآني إلى الضحك ثم كتم فميهما.

قال راسل: «اجعلا الطعام يقف في حلقكما لتأخذا درسًا قاسيًا.»

كانت السيدة كريك تتجنب النطق باسمي — فكانت تقول لراسل في همسٍ فظٍّ: «مرِّر لها الطماطم» — ولكن بدا ذلك نابعًا من الخجل الشديد، وليس سوءَ نية. استمرَّ السيد كريك في إظهار إحساسٍ ثابت لا يتزعزع بأننا في مناسبة اجتماعية، سائلًا إياي عن صحة والدتي، وعن عدد ساعات عمل أبي في المسبك، وعن رأيه في العمل هناك، وهل وجده مختلفًا عن أن يكون مدير نفسه؟ كان أسلوبُ حديثه معي أقربَ إلى أسلوب معلِّم أو صاحب متجر، أو حتى رجل مِهَنِي في البلدة، من أن يكون أسلوب رجلٍ يعمل على عربة فحم. وفيما يبدو أنه كان يسلِّم يقينًا بأن عائلتينا كانتا على قدم المساواة وعلى معرفة وطيدة إحداها بالأخرى. وكان ذلك قريبًا من الصواب، فيما يتعلَّق بنقطة المساواة، وكان صحيحًا أيضًا أن والدي كان على معرفة وطيدة بالجميع تقريبًا. غير أن ذلك أثار لديَّ شعورًا بالضيق والحرج، بل وبقليل من الخزي؛ لخداعي لهذه العائلة ولعائلتي؛ لقد كنتُ على هذه المائدة وأنا أخفي حقيقة أمري.

ولكن بدا لي بعد ذلك أني أنا وراسل كنا نخفي حقيقة أمرنا على أي مائدة عشاءٍ عائلية، كنَّا نُضطر للجلوس عليها وكأننا لا نهتم بشيءٍ سوى الطعام وأي حديث يُثار أيًّا ما كان، وبينما كنا في الواقع لا نفعل شيئًا سوى الانتظار، حيث لم تكن احتياجاتنا الأساسية لتُلبى هنا، وكان اهتمامنا الأوحد هو أن يكون كلٌّ منا في قرب الآخر.

لم يخطر ببالي قط أن رفيقين شابين في موقفنا كانا في موقعهما الطبيعي، وأننا قد دخلنا المرحلة الأولى من حياة سوف تجعلنا، عمَّا قريب، أبًا وأمًّا. ربما كان والدا راسل يعلمان هذا، وربما يكون قد هالهما ذلك سرًّا، ولكنهما كانا إما يرجوان خيرًا وإما كانا مذعنيْن لراسل. فقد كان راسل مركز قوة في الأسرة، ولم يكونا يملكان زمامه. وكان راسل يعلم ذلك، إن كان قادرًا في تلك اللحظة على الذهاب بتفكيره إلى هذا الحد، فقد كان بالكاد ينظر إليَّ، ولكن حين فعل، كانت نظرة هادئة رصينة، ترسمُ ادعاءً بامتلاكه لي، وقد أصابتني ورجعَ صداها وكأنني طبلة.

كنا في أواخر الصيف آنذاك، وكانت فتراتُ المساء قصيرة. كان المصباحُ مضاءً في المطبخ حين كنا نغسل الصحون، كان وعاء تنظيف الصحون موضوعًا على الطاولة، بينما كان الماء يُسخَّن على الموقد، وكانت تلك هي نفس الطريقة المتَّبعة حين أغسل الصحون في منزلنا. كانت الأم تغسل الصحون، بينما كنا أنا والشقيقتان نجفِّفها. قالت والدة راسل بعض العبارات، ربما على أثر شعورها بالارتياح لانتهاء الوجبة وأنني كنتُ سأتركهم عمَّا قريب.

«دائمًا ما يتطلب الأمر صحونًا أكثر مما تظنين لإعداد وجبة.»

«لا تشغلي نفسك بالقدور، سوف أضعُها على الموقد.»

«يبدو أننا على وشك الانتهاء الآن.»

كانت تلك العبارة الأخيرة تبدو في وقْعها نوعًا من الشكر الذي لم تعرف كيف تُعبِّر عنه.

لم تجرؤ مايفس وآني على الضحك لقربهما الشديد مني ومن والدتهما. وحين اعترض بعضنا طريق البعض عند لوح تصفية الصحون، قالتا لي في صوتٍ خفيض: «معذرة.»

أقبل راسل بعد الانتهاء من مساعدة والده في وضع دجاج البانتام في حظيرته، وقال: «أعتقدُ أنه قد حان الوقت لتوصيلك إلى المنزل»، وكأن توصيلي إلى المنزل كان مجرد مهمة ليلية أخرى، بدلًا من أوَّل تمشيةٍ مترقبة لنا في الظلام معًا؛ فقد كان التفكير في تلك التمشية يتنامى في صمتٍ وترقُّبٍ شديدَين، من جانبي، طوال عملية تجفيف الصحون، بل وحول ذلك إلى تقليدٍ نسائيٍّ ارتبط على نحوٍ غامضٍ بما هو قادم.

•••

لم تكن الأجواءُ مظلمة جدًّا كما تمنَّيت؛ فلكي أصل إلى المنزل، كان لزامًا علينا المرور بالبلدة من الشرق إلى الغرب، وكانت الأنظار سترقبنا على نحوٍ شبه مؤكَّد.

ولكن لم يكن ذلك هو الطريق الذي كنا سنسلكه؛ ففي نهاية هذا الشارع القصير وضعَ راسل يده على ظهري، بضغطٍ سريع وعملي ليدفعني ليس في اتجاه المنزل، ولكن في اتجاه إسطبل خيول ميريام ماكالبن.

استدرتُ لأرى ما إذا كان أحدٌ يتتبَّعنا.

«ماذا لو كان شقيقكَ أو شقيقتاك يتتبَّعوننا؟»

فقال: «لن يفعلوا، وإلا قتلتهم.»

كان الإسطبلُ مطليًّا باللون الأحمر، وكان اللون ناصعًا في الظلام الخفيف. كانت أبواب الإسطبل في الطابق السفلي بالخلف. وعلى أبواب الإسطبل العلوية، والتي كانت مواجهة للشارع، رُسِمَ حصانان أبيضان يتبختران. كان هناك ممر من الحجارة والتراب مبنيًّا للصعود إلى تلك الأبواب، وكان ذلك هو الطريق الذي كانت شحنات التبن تُنقَل عبره. وفي أحد هذه الأبواب العلوية الكبيرة كان هناك بابٌ بالحجم العادي، مثبَّتٌ بإحكامٍ بحيث لا تراه إلا بالكاد، وعليه صورة لحافرٍ وجزءٍ من الساقين الخلفيتين لحصان. كان البابُ موصدًا، ولكن راسل كان معه المفتاح.

جذبني إلى الداخل وراءه، وما إنْ أغلق الباب خلفنا حتى صِرنا فيما كان في البداية ظلامًا دامسًا. كان كلُّ ما حولنا، ويكاد يخنقنا، هو رائحة التبن الجديد لذلك الصيف. اقتادني راسل من يدي بثقةٍ شديدةٍ كما لو كان يرى كلَّ شيءٍ وسط هذا الظلام. كانت يده أكثر حرارةً من يدي.

بعد لحظةٍ استطعت أن أرى شيئًا بنفسي، كانت حِزَم التبن موضوعة بعضها فوق بعضٍ مثل قوالب طوبٍ عملاقة. كنا فيما يشبه العِلِّيَّة التي تُطل على الإسطبل. حينها استطعتُ أن أشم رائحة خيول قوية، وكذا رائحة تبن، وأن أسمع على نحوٍ منتظمٍ صوتَ جرجرة أقدام ومضغٍ بصوتٍ طاحن، وصوتَ اصطدامٍ خفيفٍ داخل المرابط. كانت معظم الخيول تخرج إلى المرعى طوال الليل في هذا الوقت من العام، ولكن هذه الخيول كانت على الأرجح من القيمة بحيث لا تُترَك بالخارج في الظلام.

وضعَ راسل يدي على درجة سُلَّمٍ كان يمكننا من خلاله الصعود إلى قمة حزم التبن.

همسَ لي قائلًا: «أتريدينني أن أصعد قبلك أم بعدك؟»

لِمَ الهمس؟ هل كنا سنزعج الخيول؟ أم يبدو من الطبيعي دائمًا أن نتهامس في الظلام؟ أو حين يداهمُ الضعفُ ساقيكَ، ولكن يوجد ألمٌ وإصرار في جزءٍ آخر من جسدك؟

عندئذٍ حدث شيءٌ ما، اعتقدتُ للحظة أنه كان انفجارًا، أو ضربة بَرْق، أو حتى زلزالًا. بدا لي أن الإسطبل بأكمله اهتزَّ حين ملأه الضوء. بالطبع لم يسبق لي الوجود بالقرب من موقع انفجار، أو على مقربةٍ من مكانٍ ضربه البرق، ولم أشعر بهزَّةٍ واحدةٍ لزلزال. سمعتُ طلقات رصاص، ولكنها كانت دائمًا بالخارج وعلى مسافةٍ بعيدةٍ مني. لم يسبق لي أن سمعت صوت إطلاقِ نارٍ بالداخل تحت سقفٍ عالٍ.

كان ذلك هو ما كنتُ أسمعه الآن. كانت ميريام ماكالبن تطلق نيران بندقيتها، مُصوِّبة إياها داخل مخزن التبن، ثم فجأةُ أضاءت كل أنوار الإسطبل. هاجت الخيول، وراحت تصهل وتقذف نفسها في الهواء، وتركل جوانب مرابطها، ولكن ظلَّ بإمكاني سماعُ صوت صياح ميريام.

«أعلمُ أنك هنا. أعلمُ أنك هنا.»

همسَ راسل في أذني قائلًا: «عودي إلى المنزل.» ودارَ بي نحو الباب.

قال في غضب، أو على الأقل في إلحاحٍ أشبه بالغضب: «عودي إلى المنزل»، وكأنني كلبة تتبعه، أو واحدة من شقيقتيه الصغيرتين، التي ليسَ لها الحقُّ في الوجود هنا.

ربما كان يقول ذلك في همسٍ أيضًا، وربما لا؛ ففي وسط الضجيج الذي كانت تُحدثه الخيول وميريام معًا، لم يكن ذلك ليهُم. ودفعني دفعةً واحدةً قويةً وقاسية، ثم أدار وجهه نحو الإسطبل وأخذ يصيح: «لا تطلقي النار، إنه أنا … مهلًا يا ميريام، إنه أنا.»

«أعلمُ أنك هناك …»

«إنه أنا. أنا راس.» وركض نحو مقدمة مخزن التبن.

«مَنْ هناك؟ راس؟ أهذا أنت؟ راس؟»

لا بد أنه كان هناك سُلَّم مؤدٍّ إلى الإسطبل؛ إذ سمعتْ صوتَ راسل وهو ينزل عبره. بدا في صوته جريئًا ولكن مهتزًا، وكأنه لم يكن واثقًا كثيرًا من أن ميريام لن تبدأ في إطلاق النار مجددًا.

«إنه أنا. أنا قادمٌ في الطريق العلوي.»

قالت ميريام في غير تصديق: «لقد سمعتُ صوتَ أحدهم.»

«أعرفُ. كان أنا. لقد جئتُ فقط لألقيَ نظرة على لو، لأرى كيف حال ساقها.»

«أكان هذا أنت؟»

«أجل. لقد قلتُ لكِ ذلك.»

«لقد كنتُ في مخزن التبن بالأعلى.»

«لقد دخلتُ من الباب العلوي.»

بدا صوته الآن وقد صار أكثر سيطرة، فقد كان قادرًا على أن يطرح سؤالًا.

«منذ متى وأنتِ هنا؟»

«لقد دخلتُ لتوي، كنتُ في المنزل وفجأةً خُيِّل لي أن ثَمَّةَ خطبًا ما في الإسطبل.»

«علامَ كنتِ تطلقين النار؟ كان من الممكن أن تقتليني.»

«أردتُ أن ألقيَ الرعبَ في قلب أيِّ شخصٍ قد يكون هنا.»

«كان بإمكانكِ أن تنتظري، كان يمكن أن تصرخي أولًا، كان من الممكن أن تقتليني.»

«لم يخطر ببالي أنه أنت.»

حينئذٍ صاحت ميريام ماكالبن مرةً أخرى، وكأنها قد ضبطت متطفلًا جديدًا.

«كان يمكن أن أقتلك. أوه، راس. لم أفكر في ذلك قط. كان من الممكن أن أصيبك.»

قال راسل: «لا عليكِ، اهدئي. كان من الممكن أن تقتليني ولكنكِ لم تفعلي.»

«كان من الممكن أن تكون مصابًا الآن وبيدي أنا.»

«لكنكِ لم تفعلي.»

«ولكن ماذا لو كنتُ قد فعلت؟ رباه، رباه، ماذا لو فعلت؟»

كانت تبكي وتقول شيئًا على غرار ذلك مرارًا وتكرارًا، ولكن بصوتٍ مكتوم، وكأن شيئًا قد حُشِرَ في فمها.

أو كأنها كانت تُحتضَن أو تُدفَع بفعل شيءٍ أو شخصٍ ما، ربما أراحها وهدَّأها.

كان صوتُ راسل، المفعم بالسيطرة والبراعة، هو مصدر التهدئة لها.

«لا بأس. أجل. لا بأس يا حبيبتي. لا بأس.»

كان هذا هو آخر شيءٍ سمعته. يا لها من كلمةٍ غريبةٍ يخاطب بها ميريام ماكالبن، «حبيبتي»، نفس الكلمة التي اعتاد أن يخاطبني بها أثناء نوبات تقبيلنا. كانت كلمة عادية وشائعة بما يكفي، ولكنها كانت تبدو لي حينئذٍ كشيءٍ عذبٍ كالعسل أستطيع أن ألعقه. لِمَ يقولها الآن بينما لم أكن بالقرب منه؟ وبنفس الطريقة، نفس الطريقة.

كانت شفتاه تنطقها عبر شعر ميريام ماكالبن وفي أذنها.

كنتُ واقفةً بجوار الباب. كنتُ أخشى أن يكون صوتُ فَتْحه مسموعًا بالأسفل على الرغم من الضوضاء التي كانت لا تزال صادرةً عن الخيول. وإلا أكن لم أفهم بحقٍّ أن وجودي هنا أصبح غير مرغوبٍ وأن دوري قد انتهى. كان عليَّ أن أخرج الآن، لم أكن أعبأ بما لو سمعا، ولكني لا أعتقد أنهما قد سمعاني. فأغلقتُ الباب، ثم ركضتُ عبر الممر ومنه إلى الشارع. كنتُ سأواصل الركض، ولكني أدركتُ أن أحد الأشخاص قد يراني ويتساءل عن الأمر، كان عليَّ أن أكتفيَ بالسير بأقصى سرعة. كان من الصعب أن أتوقف ولو للحظة، حتى أعبرَ الطريق السريع الذي كان أيضًا الطريق الرئيسي للبلدة.

•••

لم أرَ راسل مجددًا بعد ذلك؛ فقد الْتحقَ بالجيش. لم يُقتَل في الحرب، ولا أعتقدُ أنه قد استمرَّ في منظمة جيش الخلاص. وفي الصيف الذي تلا كلَّ تلك الأحداث رأيتُ زوجته؛ فتاةً كنتُ أعرفها بالشكل فقط في المدرسة الثانوية، كانت تسبقني بعامَيْن، وتركت المدرسة لتعمل في مصنع الألبان. كانت مع السيدة كريك وكانت في شهور الحمل الأخيرة، كانا يتفحصان صندوقًا به بضائع متنوعة ذات أسعارٍ مخفضةٍ خارج متجر ستيدمان في عصر أحد الأيام. بدت مغتمة وعادية؛ ربما كان ذلك من تأثير الحمل، رغم أني كنتُ أراها عادية بما يكفي قبل ذلك، أو على الأقل متواضعة الجمال وخجولة. كانت لا تزال تبدو خجولة، وإن بدت متواضعة الجمال بالكاد، كان جسدها يبدو غريبًا ولكنه مدهش ومبهر. وسَرَتْ في جسدي رعشة من الحسد الجنسي والاشتياق لدى رؤيتها والتفكير في الطريقة التي وصلت بها إلى ما هي عليه. هذا الخضوع، هذا الاحتياج.

في فترةٍ ما بعد أن عادَ راسل من الحرب، اشتغل بالنجارة، ومن خلال هذا العمل أصبح مقاولًا؛ حيث كان يُشيِّد بيوتًا للتقسيمات الفرعية الدائمة التزايد حول تورونتو. تأكدتُ من هذا لأنه ظهرَ في حفلٍ للخريجين القُدامى في المدرسة الثانوية، وقد ظهرت عليه مظاهر الثراء الشديد، وراح يمزح بشأن عدم أحقيته في الوجود في هذا الحفل لكونه لم يلتحق بالمدرسة الثانوية قط. وقد وصلتني تلك الأخبار من كلارا التي كانت على اتصالٍ بي.

قالت كلارا إنَّ زوجته أصبح شعرها أصفرَ الآن، وبدينة نوعًا ما، وكانت ترتدي فستانًا صيفيًّا خفيفًا عاريَ الظهر. كانت هناك كعكة من الشعر الأشقر بارزة من فتحةٍ في قمة قبعتها الشمسية. لم تتحدث كلارا إليهما؛ ومن ثَمَّ لم تكن على يقينٍ مما إذا كانت تلك هي نفس الزوجة أم زوجة جديدة.

على الأرجح أنها لم تكن نفس الزوجة، وإن كان من المُحتمَل أن تكون هي نفسها. تحدثتُ أنا وكلارا عن كيف أن حفلات الخريجين القُدامى أحيانًا ما تُظهِر إلى أيِّ مدًى عصفت الحياة بهؤلاء الذين كانوا يعيشون في رغدٍ أو قلَّلت من شأنهم نوعًا ما، وإلى أي مدًى ازدهر هؤلاء الذين كانوا على الهامش، وكانوا ينحنون ذلًّا ويطلبون الصفح. وربما يكون هذا هو ما حدث مع الفتاة التي رأيتها أمام متجر ستيدمان.

ظلَّت ميريام ماكالبن بإسطبل الخيول إلى أن احترق. لا أعرفُ ما السبب، لعله نفس السبب المعتاد؛ التبن الرطب والاشتعال التلقائي. تمَّ إنقاذ جميع الخيول، إلا أن إصابةً لحقت بميريام، وبعد ذلك عاشت على معاشٍ للإعاقة.

•••

كان كلُّ شيءٍ طبيعيًّا حين عدتُ إلى المنزل في ذلك المساء، كان هذا في الصيف الذي تعلَّم فيه شقيقي وشقيقتي لعبة سوليتير، وكانا يلعبانها في كل فرصةٍ تُتاح لهما. كانا يجلسان في تلك اللحظة عند طرفَي طاولة غرفة الطعام، وكانا في عمر التاسعة والعاشرة، ولكنْ فيهما وقارُ ورصانةُ رفيقيْن كبيريْن، وكانت أوراق اللعب منشورة أمامهما. كانت أمي قد أَوَتْ بالفعل إلى فراشها، كانت تمضي ساعاتٍ عديدةً في الفراش، ولكن لم يكن يبدو أنها تنام مثل الآخرين؛ إذ كانت تغفو فقط لفتراتٍ قصيرةٍ من النهار والليل، وربما كانت تنهض لاحتساء بعض الشاي أو لترتيب أحد الأدراج. كانت حياتها قد توقفت عن الارتباط الشديد بحياة الأسرة.

نادت من الفراش لتسألني إن كنت قد حظيتُ بعشاءٍ لطيفٍ في منزل كلارا، وماذا تناولت كتحلية.

قلت: «بودنج الكاسترد.»

ظننتُ أنني لو قلت أيَّ جزءٍ من الحقيقة، أي لو قلت «فطيرة»، لفضحت نفسي على الفور. لم تكن هي تعبأ بذلك؛ كان كلُّ ما تريده أن تحظى ببعض الحديث، ولكن لم أستطِع أن أوفِّر لها ذلك؛ فطويتُ اللحاف جيدًا حول قدميها، بناءً على طلبها، ونزلتُ إلى الطابق السفلي، ودخلتُ إلى غرفة المعيشة، حيث جلستُ على المقعد المنخفض الذي بلا مسندٍ أمام خزانة الكتب وأخرجتُ كتابًا. جلستُ هناك أُمعن النظر في الكلمات المطبوعة في الضوء الخافت الذي كان لا يزال قادمًا من النافذة التي كانت بجواري، إلى أن اضطُررتُ للنهوض وإضاءة المصباح. وحتى حينها لم أعبأ بالجلوس في كرسي عادي لكي أستريح، بل ظللتُ جالسة في انحناءٍ على المقعد الذي بلا مسند، أملأ عقلي بجملةٍ تلو الأخرى، مرددةً إياها في رأسي بقوةٍ فقط كي لا أُضطر للتفكير فيما حدث.

لا أعرفُ أيَّ كتابٍ كان ذلك الذي الْتقطته، فقد قرأتُها جميعًا من قبل، كلُّ الروايات التي كانت في خزانة الكتب تلك، ولم يكن ثَمَّةَ الكثير منها؛ «الشمس هي هلاكي»، «ذهب مع الريح»، «الرداء»، «نم في سلام»، «ولدي، ولدي»، «مرتفعات ويذرنج»، «آخر أيام بومبي». لم تكن المجموعة تعكس أيَّ ذوقٍ معين، وفي الواقع غالبًا ما كان والداي لا يستطيعان تحديد كيف وجد أي كتابٍ طريقه إلى هناك؛ بالشراء، أم بالاستعارة، أم أنَّ شخصًا ما قد تركه.

ولكن لا بد أنه كان يعني شيئًا في هذا المنعطف من حياتي أن ألتقطَ كتابًا. فعلى مدار السنوات التالية كانت الكتب هي مكمن عشَّاقي الذين كانوا رجالًا وليس صبية، وكانوا رابطي الجأش وساخرين، مع لمحةٍ من الشراسة، ومخزونٍ من الكآبة والأسى. لم يكن من بينهم إدجار لينتون، ولا أشلي ويلكز؛ فلم يكن أيٌّ منهما يصلح للمرافقة أو رقيقًا.

لم يكن ذلك يعني أنني قد هجرتُ العاطفة؛ فقد كانت العاطفة، العاطفة الصادقة، حتى العاطفة الجامحة، هي ضالتي التي كنتُ أبحث عنها. كنتُ أبحث عن الحاجة والخضوع، ولم أستثنِ شكلًا بعينه من أشكال القسوة والوحشية، ولكن لا وجود للحيرة، أو الخداع، أو أيِّ نوعٍ متدنٍّ من المفاجأة أو الإذلال. قلتُ في نفسي إن عليَّ الانتظار وسوف يأتيني كل ما أستحق عندما أنضج.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠