رؤيا ننجال

ترتيلة مسرحية في خمسة مشاهد

١

(ننجال، ملكة أور، في حجرة نومها. تصحو من كابوس خانق وتدور حول نفسها كالمجنونة. بعد قليل تفتح النوافذ المطلَّة على المدينة السومرية النائمة في أحضان إله القمر الشاحب ننَّا أو تنهار.)

ننجال (مذعورة مضطربةَ الشَّعر والأنفاس والثياب) :
ماذا جرى لي؟
ماذا جرى لأمي ومدينتي أور؟
وهذا الذي رأيتُه الآن، هل يُمكن أن يكون حقيقة؟
هل دُمِّر ملكي وخربت مدينتي وضاع شعبي المسكين؟
آه! مذعورةً أصحو من نومي الآن!
والرؤيا سلبَتْني الأنفاس وحرمَتني الأحلام!
زلزال ينفضني، نارٌ تشتعل في ثيابي وقصري وكنوزي.
بروق ورعود وجيوش السحب السوداء.
إعصارٌ يقتلع الشجر والبشر والمعابد والبيوت! حياتُ الوادي وعقاربُ الجبل وجراد الصحراء،
راحت تُطاردني من طريقٍ إلى طريق.
وأنا أصرخ وأستغيث، أبكي وأولول:
آه يا مليكتي ننجال!
آه يا مدينتي أور!
كيف حدث هذا كله؟
كيف أمكَن أن يحدث؟
(تستريح على أريكة وتلتقط أنفاسَها، تنهض بعد قليل متجهةً إلى مرآةٍ مثبَّتة على الحائط وتتأمل وجهها.)
أهذه هي ننجال ملكة أور؟
أهي التي وضَع إنليل على رأسها التاج وسلمها الصولجانَ ونظر إليها بعين الرضا وقال:
لتخرج من فمِك أوامرُ العدالة؟
الوجه ورقة خريف صفراء،
والعين حفرةٌ غائرة،
والجبين شعلة مطفَأة،
والجسد الناصع كالجدول،
غطَّته الأتربة وملأَته أخاديد!
لا، لا، ليست هي ننجال! ليست هي ننجال!
ما أنا إلا قصبة هشة تَذْروها الأعاصير،
ما أنا إلا مركب واهنٌ في ماء آسنٍ،
هجره الصياد وتخلَّت عنه الريح!
(تتجه إلى النافذة وتفتحها وتُطِل منها.)
وأنت يا مدينتي،
هل ما زلت سيدةَ المدن وسيدة الأقدار؟
والإعصار الذي هبَّ عليك الآن،
هل أبقى على بيت أو معبد أو إنسان؟
سمعته وهو يَهْدر كالطوفان،
والرعود تُزمجر كطبول الغزاة المتوحشين،
والبروق مشاعل تقذفها الشياطين؛
لتُضيء طريق البرابرة القادمين.
لكني أنظر في الليل ولا أرى،
هل أنطفأ الحريق؟
أمد أذني كحيوان أعمى،
هل سكن الرعد والبرق إلى حين؟
وأنت يا إلهي ومليكي وزوجي،
أنت يا نانا الحبيب!
أرفع عينَي إليك فأراك كعهدك؛
تبتسم كالحكيم العجوز أو الطفل الرضيع!
هل تسخر مني ومن رؤياي،
أم تنعي أور وملكة أور؟
آه! اختلطت العلامات والإشارات!
سكتت الآلهة وطُوِيت ألواح الأقدار!
لكن ما زال الرعد يُدوي في أذني،
ما زال الطوفان يسيلُ،
وللإعصار هدير.
(تترك النافذة وتتوسط الحجرة وهى تصرخ):
يا حراس! أنتم يا خدَمي وعبيدي؟
من رأى منكم ما رأيت؟
من سمع ما سمعت؟
تعالَوا إلي.
احموني منها واحموا أور،
لا أحد يتحرك، لا أحد يُجيب!
هل مات جميع الحراس؟
هل غرقوا في الطوفان؟
(تذهب إلى الباب وتفتحه وتُخاطب حارسًا لا نراه):
أنت، أنت!
إنه نائم، الجميع نائمون،
والكارثة تقع على رأسي ورأس أور!
أنت، أنت! (نسمع صوت الحارس.)
– مولاتي؟! ماذا أيقظك من النوم الآن؟
– الرؤيا يا غبي! الكارثة التي تزحف علينا!
– رؤيا؟ كارثة؟ أية كارثة يا مولاتي؟
– يفرك عينَيه ويتثاءب.
حين تنام عيون الحراس،
ماذا يمنع الكوارثَ الزاحفة على الأبواب؟!
ماذا يمنعُها من تدمير البيوت وإهلاك النفوس والنباتات والحيوان؟!
أصرخ فيه صائحة: ألم تسمع الرعود؟
ألم ترَ البروق؟
ألم تشعر بالإعصار والطوفان،
والجراد الذي هبط علينا من الصحاري والجبال؟
– الجراد؟ والإعصار والطوفان؟
البروق والرعود؟
ماذا تقولين يا مولاتي؟
ماذا تقولين؟
– أقول ما ينبغي أن يُفزعك أيها الحارس النوام.
– باقي الحراس كذلك نائمون!
– والقصر ينهار وتتناثر أحجاره؟
– القصر بخير يا مولاتي.
مدَّد جسده وتغطَّى بالليل والسماء.
– والليل يلدُ الكوارث يا غبي!
والسماء تُرسل النُّذرَ والعلامات.
وملِكتُكم تصرخ وأنتم نيام.
– نامي أيتها الملكة،
ولْيحرُسْك ويحرسنا إنليل!
ننجال : شعرتُ بالحنين إلى مربيتي، ذهبتُ إلى حجرة نومها الملحَقة بجَناحي. ها هي ذي نائمة في فراشها، ووجهها الطيب الحبيب يشع منه الرضا والأمان، كأنها مستسلمة لرعاية إلهها الخاص. ناجيتُها هامسةً وأنا أتأمَّل قسماتِه الهادئة: حتى أنتِ يا مربيتي ومرضعتي الحنون! حتى أنتِ لا تُفزعكِ رؤياي ولا تقفين إلى جواري؟ أنتِ يا مرفئي ومينائي. على أيِّ شاطئ ترسو سفينتي التائهة إن لم ترسُ على شاطئك؟!
– أغلقتُ الباب ورجعت إلى حجرتي.
رجعت وكلي دمعٌ وبكاء،
لا أحد يُشاطرني ألمي!
لا أحد يرى رؤياي!
هل يُمكن أن تكذب؟
هل يُمكن أن تخدعني العلامات؟
وبكائي في الليل ودمعي،
رجفةُ جسدي كالشجرة في فكِّ الإعصار!
رعشة قلبي كالطير الواقع في شبكة صياد؟
والألم الحارق بذراعي وأعضائي،
وأنا أتشبث بالدفة والمجداف!
لا لا لا، لم تكن مجردَ رؤيا،
حوَّمَت تهاويلها في قفص الرأس،
ولا مجردَ حلم،
تقلَّب كالطفل الصريع في تابوت القلب!
لقد ظللت أيامًا طويلة أتوقع يوم العاصفة ذاك!
يوم العاصفة المقدَّر لي،
وفي الليل وأنا في فراشي،
وعندما حُرِمت الأحلامَ وحُرِمت النسيان،
وحطَّ على كاهلي الخوفُ من دمار العاصفة والطوفان!
عرَفتُ أنْ لا مهرب من يوم العاصفة ذاك،
وأن البكاء المُرَّ لم يُقدَّر على وحدي،
أن البكاء المرَّ قد قُدِّر لبلادي.
صرخت فيه قائلة: عُد يا يوم العاصفة!
عد إلى صحرائك!
ارفع يدك عنى يا يوم الهلاك!
ارفع يدك يا يوم الهلاكِ المقدَّر لي ولبلادي!
بسَطتُ جَناحي كالطير،
وكالطير طرتُ فوق مدينتي.
توقفْ أيها الإعصار!
تراجعْ أيها الطوفان!
رُحت أبحث عن شعبي؛
عُد أيها القطيع المشرَّد في الجبال والوديان!
عُد لتحميَ أسوار مدينتك!
ورأيت ويا لهول ما رأيت:
تحولَت أبواب المدينة ومَداخلها إلى طين،
الحقول والمروج العظيمة تراكمَ فوقها التراب!
عادت أشجارها ملعونةً إلى الغابات!
بدَت كحقل متفحم بعد الحريق.
مصايد الأسماك أصبحَت بِرَكًا ومستنقَعات،
البساتين المروية جفَّت من العسل والخمر!
القصور المشيدة تحولت إلى خراب!
رجع آجُرُّها الطيني إلى حالته الأولى في الماء،
وفي المواضع التي كانت تُقام فيها الشعائر والطقوس،
راحت الثعالب التي تأوي الخرائبَ تهزُّ ذيولها!
وعلى الضِّفاف التي كانت تُجَر فيها القوارب،
لم تنبت سوى الأعشابِ الضارة والأشجار الباكية!
وفي السهول لم ينبت سوى قصبِ الدموع!
ولم تسعَ إلا الديدان وعقارب الجبل والحيات.
وبدلًا من المياه العذبة،
جرَت المياه المُرة.
امتلأت طرق المدينة باللصوص.
ومن الجبال البعيدة انحدَر البرابرةُ الوحوش؛
سرَقوا الزوجة من زوجها والبنتَ من أمها!
ذبحوا الطفل الرضيع والجَدَّ العجوز!
والمجاعة فتكت بالجميع.
وأنا التي كنت ملكةً على الجهات الأربع،
همتُ على وجهي في الدروب التي ملأَتها الجثث،
حاولت أن أستعيدَ قطيعي الذي طاردَته الذئاب!
وعندما رأيت أن يومَ العاصفة المقدَّرَ ذاك،
يوم العاصفة العاتية المحتوم قد كُتِب على شعبي وعليَّ،
رجَعتُ إلى خرائب قصري!
وعندما انزويتُ في الركن المظلم سمعتُ من ينادي:
توجَّهي إلى مجمع الآلهة الكبار.
اذهبي إلى إنليل القوي المقطَّب الجبين!
أجبتُ وكلِّي دمع وبكاء:
كيف وقد كُسِر جَناحاي؟
كيف وقد قدروا يوم العاصفة ذاك؟
قال الصوت: لا تيئسي يا ننجال!
إلى مجمع الآلهة قبل أن يصدر القرار!
وذهبت على جَناح الرؤيا إلى هناك؛
كانوا في مجمع المقدس يشربون ويأكلون ويتناقشون،
وعندما رأوني أشار إليهم آنو الجليل؛
آنو سيد الآلهة رفع يده فخيَّم السكوت.
ركعتُ أمامهم وبكيت
رفعت يدَي الفارغتَين من النذور والقرابين:
أيها الآلهة العظام،
تريَّثوا قبل أن تُصدِروا القرار!
انتظروا بحق الأرملة واليتيم والضعيف والرضيع!
ألمح العلامات في كل مكان.
ألقى رسلَ الدمار على كل الوجوه وفي كل الأركان.
لكن ترجوكم ننجال التي سلَّمتموها الحكمَ والصولجان،
ترجوكم باسم الورقة في الشجرة والسنبلة في الحقل،
باسم المحراث وباسم المنجل والفأس،
باسم المكيال وباسم الميزان،
باسم المرضعة وباسم الطفل الراقد في الحجر،
باسم البيت وباسم الكوخ ولوح الآجُر
باسم العبد والسيد، والكاتب والكاهن،
باسم البناء وباسم الصياد
لا تصدروا القرار! لا تصدروا القرار!
سكبت دمعي أمام «آنو»!
نعيت حالي أمام «إنليل».
قالت لهما دموعي وزفراتي:
ألا يجوز لأور ألا تُدمَّر؟
ألا يجوز أن تنجوَ مدينتي من الدمار؟
ألا يجوز لأهلها ألا يُذبَحوا؟
أيتها الآلهة العظام! يا من في أيديكم ألواحُ القدَرِ المحتوم!
ألا يُمكن أن تُراجعوا المكتوب؟
ألا يمكن أن تُغيروا الخُطة وتُعدلوا المسار؟
وأنت يا إنليل! يا قائد قواد القوة والجبروت!
ألا يُمكن أن تُبعد عينك عني؛
عين الموت؟
هل يمكن ألا تنطق بالكلمة ضدي؛
كلمة الموت؟
لكن «آنو» لم يُحرك إصبَعًا في يده ولا قدمه،
وإنليل المقطب الجبين لم ينظر إليَّ،
لم تَبدُ على شفته بسمةٌ ولا كلمة.
لم يقل آنو: نعم! فليكُن ما تُريدين!
لم ينطق إنليل: «يسرُّني ذلك».
أيتها الآلهة! هل صمَّمتم على القرار؟
هل أطلقتم العاصفةَ وأمرتم أن يزحفَ الطوفان؟
والبرابرة أيضًا؟ هل أمَرتم أن يهبطوا علينا كالجراد؟
ماذا أفعل؟
الآلهة صامتون، والعاصفة في الطريق.
إليَّ يا شعبي المسكين!
انتظر! لا تمُت من الرعب واليأس!
لا تُشرَّد في كل سبيل،
انتظِر يا شعبي المسكين!
أيتها الأبقار والثيران، والخيل والحَمير،
أيتها المحاريث والفئوس، والرَّحى والأنوال،
أيها الآجُرُّ في الجدرانِ والأعمدةِ والسقوف،
أيتها المراكب والمجاذيف والعرَبات،
أيتها الأشجار الباكية على الغدران،
والقصبات الدامعة على الشُّطآن،
انتظروا ملكتَكم ننجال!
انتظروا!
انتظروا،

(تهبُّ على قدمَيها واقفة وتجري مسرعة من الباب.)

٢

(الوقت قبل الفجر بقليل وننجال حافية القدمَين مهوَّشة الشعر زائغة الملامح والعيون، متعثرةٌ بلا دليل على دروب أور.)

ننجال : أسرعتُ إلى الطريق والرؤيا وحش يُطاردني، نير يعصب عينَي ويُمسك بخناقي. كان الغسَق الأصفر الجافُّ كالوردة الذابلة تمدُّ خدودها وعنقها إلى الندى والشعاع. والبيوت والأبراج والأشجار غاصت في النوم ولم ترفع غِطاءها الأسود البليل. كل شيء ساكنٌ حولي. لكن السكوت وحش مريب، رحِمٌ أو قبر يُمكن أن تخرج منه مُسوخ ومسوخ، هل خدعَتني الرؤيا؟ هل كانت جنينًا انتفضَ في جوفي ولم يشعر بمخاضه سِواي؟ أم أشباحًا رقصَت واضطربَت وتصايحَت في تابوت الرأس المتعَب؟ إنني أتسمَّع؛ لا صوت. أتطلَّع للسماء؛ لا بُرود ولا جَذْوة نار، بل سُحب شاحبة تسبح فوق وجه القمر الشاحب، وجه إلهي «ننا» وإله أور. وهذه قدمي العارية تطأ الأرض الباردة ولا تغرق في السيول. إذن فما زال القُضاة الأعلَون صامتين؛ هل نطقوا بالحكم وبقي على إنليل الجبارِ أن يقوم بالتنفيذ! من يدري يا ننجال! ربما كان الشرطي الآلهة الأكبر يُعِد الأسلحة ويُجهز الجيوش ويصفُّ مواكب الأفاعي والعقارب والتنانين قبل أن يضرب ضربتَه. آه! أم تُراني أهْذي من أرَقي وبكائي طول الليل على نفسي وعلى أور؟ أفَقتُ على صوتٍ خلَّصني من شبكة أسئلتي، من عُقدة مشنقة جدَلَتها أفكاري السوداء. كان صوتًا ممتدًّا في الليل كمركب بعيد يتقاذفه الموجُ ويتشبَّث بالدفَّة والمجداف المكسور، كطائرٍ بحريٍّ تُحاصره العاصفة، وتلطمه هامات الموج الهادر، ويفتش في لهفة عن مرفأٍ أو سفين. لم يكن صوتَ غضبٍ ولا احتجاج، لم يتردَّد فيه صدى قوةٍ ولا اندفاع. كان عجوزًا كحيوان معمَّر يزحف بنفسه إلى مكانٍ يموت فيه، مرهقًا لا أثر فيه لرغبة أو أمل. وسرعان ما وقع بصري على صاحبه العجوز المرهَق مثلِه. كانت امرأةً مثقَلة بحمل السنين والأحزان، وثوبها المسدَل على الجسد الضامر المتخشِّب يشفُّ على الضوء الشحيح عن نخلةٍ عجفاء. وامتد الصوت كحبلٍ ملويٍّ يجهد كي يلتفَّ على:
الصوت (تردده ننجال نفسُها) :
يا مَن تتحلَّين بإكليل من حجر اللازَوَرْد أو الياقوت،
زُيِّن بالأوراق والفواكه والزهور الذهبية،
لا تضَعي الإكليلَ على صدرك؛
فعاصفة إنليل على وشك الهبوب.
ننجال : خُيِّل إليَّ أنها تُكلمني، شعرتُ أنها تتَّهمني. تسللَت يدي دون وعيٍ إلى صدري. حمدًا لك يا إنليل! لم يكن الإكليل على صدري، لقد خرجت من قصري عاريةً من تاجي وزينتي، مَن يراني يظنني خادمةً مهملة في بيت كبير أو أمير، أمَةً في معبد آنو أو ننا أو إنليل. تلوَّى الصوت وزحف نحوي.
يا مَن تقود عربتَك المطهَّمة بأربعة حَمير،
وتجد لتصل بحمولتك إلى بيتك القريب،
اهرب واترك العربة والحمير؛
فعاصفة إنليل على وشك الهبوب!
يا من ترعى قطيعك من البقر والأغنام،
وتسوقه إلى الحظيرة ليهنأَ بالقصب والأعشاب،
ويستريحَ تحت ظلِّها من لَفْح الشمس وتعب النهار،
اترك القطيع وابحث عن مأوًى تختبئ فيه؛
فقد أوشكت عاصفة إنليل على الهبوب.
ننجال : كانت حبالُ الصوت تتلوى كالأفاعي السوداء، وتدور في دوائرَ كدوامات مؤبدة تُطبِق عليَّ. خرجتُ من مخبَئي وواجهتُ العجوز وأنا أهتف بصيحة لم تُخفِ الفرحة بصدق رؤياي: أيتها العجوز! أيتها العجوز! إذن فقد رأيتِ رؤياي؛ إذن فلم تكن رؤيايَ وحدي، لم تُدوِّ الرعود ولا زمجرَت العاصفة في سمعي أنا وحدي، أيتها العجوز، لكنها لم تحفل بي.
استمرَّت تقول كأنها لم ترَ أحدًا ولم تسمع شيئًا:
يا من خرجت لتوِّك من رحم الأم،
واستقبلت الهواء في أور بالصراخ والعويل،
للموت أتيت يا ولدي، وإليه تعود!
للعبودية أتيت بعد أن صارت الحرية الوحيدة في أور أن ترجع للأمِّ الأرض قبل أن تُلوَّث بالآثام وتوضَع في القيود! ولتُسرِع يا ولدي قبل أن تبدأ عاصفة إنليل.
ننجال : هممتُ أن أصرخ فلم تتفتَّح بوابة الرعب لينطلق لساني. حاولتُ أقول إن الآلهة نفسَها قدَّرت ألا يُولَد طفل بلا إثم أو خطيئة. لكنها لم تتوقف عن ضرب الوتر المشدود:
الصوت :
إلى أين تنظر وماذا تنتظر؟
وراءك ظلامٌ وأمامك ظلام،
وعندما تبلغ عمر الشباب وتجتاز عتبةَ الحياة،
ستجد في انتظارك الجوع والذلَّ والغدر والإحباط!
انجُ بنفسك يا ولدي قبل أن ينفخ إنليل في الأبواق،
قبل أن يَهدِر الإعصارُ ويزحف الطوفان.
ننجال : تقدمتُ من العجوز حتى كادت أنفي تُلامس أنفها المجعَّد كالبلحة الجافة. قلتُ لها في همسٍ كالفحيح: رأيتِ الرؤيا مثلي، أليس كذلك؟ قالت وهي تُحول عينَيها عني: ورآها الألوفُ بعد الألوف، ثم استمرت في نشيدها تقول:
يا من تحتالون على الفقراء وتظلمون الأرملةَ واليتيم،
يامن تبخَسون الكيلَ وتغشُّون الميزان،
وتسرقون الأرض وتنسون أنها قبر السارق والمسروق،
ألم ترَوا إنليل يمتطي صهواتِ العواصف والرياح؟
ألم تسمعوا صوته المزمجر في الجبال والسهول والبِطاح؟
ننجال : أسرعتُ أقول قبل أن تختفيَ من أمامي: أنا سمعته ورأيته أيتها العجوز، أنا وأنت قد سمعناه ورأيناه، والآلهة التي قرَّرت المصير في لوح القدَر المقدور، قد نطقت بالحكم ولم يبقَ سوى التنفيذ.
تعالَي أيتها العجوز، تعالَي ومعكِ الأبناء والبنات والسادة والعبيد.

تعالَوا نقرَأْ ما في اللوح ونفهم الأسباب؛ قالوا …
الصوت :
يا مَن تتأمل النجوم وتكتب على لوح من طين،
قصة أور التي دمرها الإعصار وداس عليها التنين،
وساقها البرابرة مغلولة إلى بوابة الذل المهين،
اترك اللوح والمسامير والإزميلَ والطين؛
فعاصفة إنليل على وشك الهبوب!
عاصفة إنليل على وشك الهبوب.
ننجال : صرختُ محاوِلةً أن أوقفها، فارتدَّ إليَّ الصوت وغاب الشبح المتثاقل في الظلام.
ناديتُ عليه أن ينتظر، سألته أن يدلَّني على الفاسدين والمغرورين، والمتكبرين والظالمين، ولصوص الأرض والأرملة واليتيم. دعوتُ أن يضع يده في يدي، أن نرفع مع الألوف والألوف ميزان العدل، ونُقيم بيت الحق في البلاد، أن نقفَ بوجه الإعصار ونبنيَ السور أمام الطوفان. لكن الوتر المشدود انسحب كما ينسحب الثعبان الخائف في جوف الليل، الليل المطعون بسهم الفجر الطالع في الأفق المغبرِّ الشاسع، الأفق المنذِر بالخطر الداهم والويل القادم. وقفتُ وحيدة على طريقٍ موحش في مدينة آيلة للسقوط. مَن يتأملني لا يعرف أني الملكة في القصر العالي، أتأمَّل حالي في غبَش الفجر فأُنكر أني الملكة راعيةُ العدل وحامية السور! أني فوَّضني إنليل وسلمَني التاج ووضع بكفي الميزان. وأنا واقفة وحدي أنتظر الغضب القادم مع إنليل. والصوت الذي سمعته من العجوز يلتفُّ حول رقبتي ويرن في صدرٍ خاوٍ كالقصر المهجور. وقبل أن أُردد السؤال القديم: ماذا أفعل؟ سمعتُ الصوت الآخر يسقط كالصاعقة أو الجمر المتقدِ بنار اليأس عليَّ، كأنَّ صاحبه يتقدم على صداه. أدركتُ من النظرة الأولى أن صوته هو عينُه التي تُضيء له في الظلام. أخذ يُطلقه من فمه كالشرر المتطاير ثم يُلقي قدمَيه وجسده الضئيل في أثَرِه. واقتربتُ منه وحرَّكت يدي أمام وجهه. حدَّقتُ في الوجه المحفور المجدور، في العينَين الغائرتين كقبرَين صغيرين. لم يشعر بأنَّ أحدًا اقترب منه أو تحرك أمامه. وانهمرَت الشرارات المتَّقدة كعيون القطط المتربصة في ركنٍ من أركان الليل:
أنت الذي وهبتني العناء المتجدد على الدوام!
دخلت البيت وروحي مثقلة بالأحزان،
خرجتُ إلى الطرقات وقلبي مفعم بالآلام.
ننجال : تقدمتُ منه وتأملت وجهه الجامد كوجهِ التمثال. قلت وأنا أنظر في عينَيه المطفأتَين وقسماته الميتة: تتهمني ولا أعرف مَن أنت. بحقِّ إلهك إلا أجبتَني وعرَّفتَني بنفسك!
الصوت :
أنا الحكيم، لم أُقيَّد مع السفهاء؟
أنا الذكي لم أعْدُ مع الجهال؟
الطعام وفيرٌ وفي كل مكان، لكن طعامي الجوع!
في اليوم الذي قُسِمت فيه الأنصِبةُ على الناس،
كان نصيبي هو العناء!
ننجال : أمسكتُ يده شأنَ من يُريد أن يُساعد شحاذًا أعمى على عبور الطريق.
أطبقَت يدُه على يدي فشعرتُ بالدفء يسري في دمائي. تشجَّعت وسألته: من هذا الذي سبَّب لك العناء؟ سَمِّه لتقتصَّ منه العدالة، صِفْه لأُحضِرَه لقضاة العدل. قطَّب جبينه ورفع وجهه إلى السماء قبل أن يفتح فمه الحجري ويُطلِق منه طير السر الغامض.
الصوت :
الرجل المخاتِل غطَّاني بالريح الجنوبية،
حول كلمتي الصادقة لأكذوبة،
خان العهد وسلَّط قوات الشر عليَّ!
وتآمر — وهو المخدوع الخادع — هو والأوغاد عليَّ
فلم يُحبط راعِيَّ العادلُ عملَه.
قلت له بعد أن عبَرنا الطريق وصرنا وحدنا: نطَقتَ ولكن لم تقل شيئًا؛ ألا تُسمِّي الاسم؟ ألا تصفُ الآثم؟
الصوت :
أقف في حضرتك وكَلِمتي أنين،
أريد أن أتكلم إليك،
لكن كلامي بكاءٌ ونُواح.
ننجال : ضغطت على يده وأسررتُ إليه: أنا أيضًا كلمتي أنين، أنا مثلك أبكي وأنوح! لكن بعد قليل يشعُّ النهار على البلاد، بعد قليل تنقطع الشكوى وتجفُّ الدموع.
الصوت :
إن كان النهار يُشرِف على البلاد فنهاري مظلِم!
إن كان الحظ يبتسم لغيري فقد اختارني للدموع!
وأنت يا من تُضجِرك شَكاتي وتُحول وجهك عن جروحي،
إن كان الجرح النازف في روحي قد خفي عليك،
فانظر ما فعل المرض بجسمي،
والمس إن شئتَ قُروحي!
ننجال : إلهك سيُخفف عنك.
الصوت : بل أهملني وتخلَّى عني!
ننجال : أمُّك تدعو لك.
الصوت : بل تندب حظِّي منذ وُلِدت!
ننجال : مدينتك ستثأرُ لك.
الصوت : وهل ثأرَت لنفسها حتى تثأرَ لي؟! انظري حولك إن كنتِ قادرة على فتح عينَيك. انظري حولك لترَيِ الظلم الذي أعمى عينَي.
ننجال : والظلَمة، مَن هم؟
الصوت : ألوفٌ وألوف وألوف.
ننجال : أين أجدُهم؟
الصوت : سيري في الطُّرقات، امضي للأسواق، اذهبي للحقل والمعبد والمتجر والحان، ادخلي البيوت وانفُذي في الصدور؛ ألوفٌ وألوف وألوف.
وتسألين عن الظلَمة والمظلومين؟ افتحي عينَيك، سِيري في الطرقات، امضي للأسواق.
ننجال :
نفضَ يده في غضبٍ من يدي، واقتحم ستائر الظلام والضباب وهو يصيح:
تقول مدينتُك ستثأر لك،
ومتى يا أور ثأرت لنفسك،
والظلَمة يا أور ألوفٌ فوق ألوف؟!
سيري في الطرقات، سيري في الطرقات.
وامضي للأسواق، امضي للأسواق.

٣

(ننجال مستندة بظهرها إلى جدار معبد إنليل. آثار التعب على جسدها المهدود، ووجهِها المنهوك، وقدمَيها المعفرتَين بالتراب، وقت الغروب.)

ننجال : تعبتُ من السير في الأسواق والطرقات؛ طُفت الحقول وعبَرت الأنهار ووقفت أمام الأسوار والبوابات، وقادتني قدَماي إلى المقابر والجبَّانات.
في كل مكان كنتُ أقول لنفسي:
أور، يا مدينتي أور،
لا أمَّ لي؛ أنت أمي،
لا أبَ لي؛ أنت أبي،
أهذه هي أنت يا أور؟
شعبي يذرف الدموع،
يُلقي بنفسه في الرُّغام،
ينام كإناء مهشَّم،
وأنت تتكفَّئين على وجهك وتبكين!
أهذه هي أنت يا أور؟
عندما كنتُ في طريقي إلى قصر «الإنسيِّ» الحاكم رأيتهم من بعيد يدورون ويدورون. سمعتُ أصوات السياط وهي تلسع الظهور، ورأيت أجسادَ العُراة المشدودةَ بالحبال وهي تدور. وقبل أن أتبيَّن ملامحهم تردَّد في أذني أغنية تقول:
دوري أيتها الطاحونة دوري،
العبيد حول حجر الرحى يبكون،
الزُّراع خلف المحراث يبكون،
الرُّعاة على مزامير القصب يبكون،
دوري أيتها الطاحونة دوري.
اتجهتُ إلى المشرِف على العمال وسألت: مَن هؤلاء؟
– أنتِ ترَينهم ولا يرَون.
– ما معنى هذا؟
– هم عميان؛ قبض جنودُ الإنسي عليهم.
– ليُعامَلوا كالحيوانات؟
– لِيَرووا الأرض فيخضرَّ الحقل ويزدهر البستان.
– أرض الإنسي؟
– بالطبع؛ فهو السيد والكل عبيد.
– مَن أمرَ بهذا؟
– ما شأنُكِ أنت بهذا أو بسواه؟
لولا أنك مبصِرة لربطتُك معهم في النِّير! هيا ابتعدي عن هذا السوط.
وفرقعَ السوط يشوي الجلود التي راحت تلمع بسيول العرق وتتأجَّج بلهيب الشرار. وانسابت الأغنية تُرجِّع الشكوى والأنين:
دوري أيتها الطاحونة دوري،
دوري أيتها الطاحونة دوري.
آه يا أور! مَن أمر بجلد الأعمى كالحيوان؟ من جعل الإنسان يُهان؟ مشيتُ أجرُّ ساقَيَّ إلى الحقل الكبير، لم أكن في حاجةٍ إلى سؤال أحد؛ فالحزن يُقابلني في عيون الإنسان والحيوان، والحزن يكشف ما تطويه قلوبُ الحكام والنبلاء والأغنياء والأعيان: استولى على الأرض وجعلها ملكه الخاص.
– ثيران الآلهة تحرث حقوله،
وحقوله هي أجود أرض الآلهة.
– موظفو القصر يأخذون أموال الفقراء،
ينهبون حَميرهم وشياههم وبيوتهم وبساتينهم،
وإذا اشترَوها منهم اضطرُّوهم لبيعها بأبخس الأثمان!
– القصر ينتفخ ويزداد ثراءً،
وأكواخ القصب تزداد فقرًا وجوعًا!
– انظري! هذا هو قصر «الإيشاكو»١
وهذا قصر حريم «الإيشاكو»،
وهذه قصور أطفاله،
وهذه قصور حُجَّابه وحرَّاسه وموظَّفيه.
– هل نظرتِ في الناحية الأخرى إلى الخرائب والقبور؟
نعم نعم؛ هذه هي دُور الفقراء!
تنحني على الأرض وتُعانق التراب.
تتوارى من الخجل وتتماسك كالأيتام،
الأيتام الذين يبكون في الظلام.
– هل تعلمين أنهم فرَضوا الضرائب على كل شيء،
وأن جُباة الضرائب والرسوم في كل مكان؟
– عندما تزوجتُ امرأتي دفعتُ الضريبة،
وعندما طلقتها ضاعَفوا الضريبة،
– إذا أحضرنا الأغنامَ لجزِّها في ساحة القصر،
طالبَنا المشرفُ على الأغنام بالضريبة،
والضريبة تُسدَّد بشيقل من الفِضة،
وهو أغلى من ثمن الرأس من الأغنام!
وإذا ذهبنا للمعبد وقدمناها للسدَنة والكهَّان،
مدُّوا أيديَهم وطالبونا بالضريبة على القُربان.
– هل تعلمين ما يحدث لجارتي الآن؟
– وهل تعلمين أنت من هذا المكان؟
– بل قرأه في لوح القدَر المسطور.
– لوح القدر المسطور بيد إنليل.
رب الحكمة والعدل وحامي أور.
– والراعي المسئول عن الأرملة الثَّكلى،
عن كل يتيم وضعيفٍ وفقير.
– بالطبع. هذا يعرفه كلُّ صغير وكبير.
– ها ها! يبدو أن المسكينة ليست من أور!
– ولماذا؛ ماذا حدث لأور؟
– ما عادت أور هي أور.
انقلب الحال وصارت ألواحُ القدر المسطور،
يكتبها الإنسي مع الكاهن ويُنفذها الحارس والشرطي المأجور!
– هذا كفر، تجديف، كيف جرؤتَ على هذا؟!
– أنا لا أتجرأ؛ كيف تُواتي الفقراءَ الجُرأة؟
ولساني ينطق عما شاهدَت العين.
– شاهدت العين؟ وأين؟
– في الجبَّانة فجر اليوم.
أسرعت إلى الطريق الضيق المؤدي إلى الجبَّانة، كان الصمت يحتويني في ردائه الناعم المخيف مع كل خطوة، والأشواك تنغرز في قدمَي كلما لاحت الشواهدُ والأضرحة والمزارات، وأشجار الصَّنَوبر والنخيل الثابتة في أماكنها كالحراس السُّود، أو تماثيل الآلهة تحت وهج الشمس المحرِقة. تناهَت إليَّ أصواتُ كلامٍ وبكاء وصياح ولَغطٍ شديد. ولم يكن من الصعب أن أهتديَ إلى مصدر الأصوات المضطربة، وأن أرى أمامي جنازة صغيرة وقف أصحابها عند قبر مفتوح، وجلست النساء والأطفال برءوسهم المسنَدةِ على أيديهم، والنشيج المتقطع ينفجر كشلال مفاجئ بين الحين والحين. اقتربتُ من الجمع المحتشد، بينما وقع بصري على جثمان الميت الممدَّد أمام فتحة القبر في كفنٍ مغبر فقير. رفعَت الأرملة رأسها عندما لمحت ظلِّي يفترش الأرض، ثم أطرقَت صامتة. قلتُ: هذا زوجك، مات اليوم. قالت صبيَّة واسعةُ العينَين: هو أبي، مات من الجوع والإعياء. رفعَت المرأة رأسها وحدَّقَت في وجهي بعينَين مطفأتَين: بل أنا التي مِتُّ مع الأيتام. سألتُها: ماذا تعنين؟ نظرَت إليَّ وأدركتُ من صمتها أنها تقول: وماذا تملكينَ أنت لي؟ تلفتُّ حولي فوقع بصري على حشد من الرجال، تعرفت مِن بينهم على كاتب يحمل في يده لوحًا من طين، وشُرطيٍّ تتدلى من حزامه عصًا معدِنية ثقيلة يُطل من مقبضها رأسُ ثور حادِّ القرنَين. نظروا جميعًا إليَّ، كان من الواضح أنهم فوجِئوا بحضوري وهيئتي، وربما لمَحوا على وجهي آثارَ مجد قديم. قال رجل غليظُ الوجه واليد: نحن لا نعترضُ على دفنه، لكن الأوامر والقوانين.
– الأوامر والقوانين؟
– نعَم نعم، لا بد من دفع الضريبة.
صرخَت الأرملة: وهل تأخَّرنا؟ هذا كل ما نملك.
قال الرجل ذو الوجه الغليظ: لا يكفي، لا يكفي!
سألت الرجل: ولهذا أرسلتم مَن يُفتشون البيت؟
قال الرجل والأرملة في وقت واحد: إن وجدوا شيئًا فيه.
سألَت مرة أخرى: ويبقى الميت هكذا؟
أسرع موظفٌ آخر نحيل الوجه واليدين بصورة ملحوظة: الأوامر والقوانين. تدخلَت الأرملة ورن صوتُها كجرس خافت معلق في رقبة شاة عجوز: هل تعلمين ماذا فعلوا؟ لم نكَد نضع الميتَ على الأرض، ولم تكد شِفاهُنا تختم الضراعة لآلهة العالم السفلي أن لا تُضِر به شياطين «الجالا» بالسياط ولا تُمرغه في الوحل والتراب، حتى ظهروا كجيش من الغزاة المتوحشين انقضُّوا علينا وعلى الميت، منَعونا من وضعِه في هذا القبر الذي كلَّفَنا مئونة شهور.
قلتُ: ومَن هؤلاء؟ من أرسلهم؟
ردت الأرملةُ ساخرة: تقولين مَن؟ كأنكِ غريبة عن أور!
قلت أُداري خطئي: هم جُباة الضرائب والرسوم؟
قالت الأرملة وهي تُشير بسبَّابتها إليهم واحدًا بعد واحد: بل حشدٌ من الذئاب يُسمُّونهم الموظفين والمحصِّلين والمرابين والمتطفِّلين.
لو كان لدموعي ثمنٌ لتقاضَوا عليها الرسوم! لو دموع أطفالي وحسراتهم تُباع لأسرعوا بدسِّها في الجيوب والأكياس! ومع ذلك نهَبوا ما معنا من الخبز والنبيذ، بعد أن حضَروا للبيت مساءً وزوجي يحتضر وسلَبونا المخزون من الغلَّة والجِعَة والشعير.
قلتُ وأنا أُقلب عيني فيهم: وما زالوا ينظرون ما يتمخَّض عنه البحثُ والتفتيش.
قالت الأرملة قبل أن يُذكِّرها أحدهم بالأوامر والقوانين:
ويظل المسكين،
هكذا حتى يرجعوا خائبين!
ضحك أحدهم وكشَّر عن نابه: لا هو من أهل الأرض ولا العالم السفلي!
مرَّت أصابعي مسرعة على ذراعي وأذني وصدري. وفي لمح البرق كنتُ أناولهم قطعة من الحلى الذهبية لم أعرف حتى الآن ماذا كان النقش المرسوم عليها. تكالَبوا على اليد التي وضعتها فيها وصاحوا كالخنازير وأنا أُعطيهم ظهري وأُسرع على الطريق: ذهب! ذهبٌ من مقبرة الملكة ننجال!
ننجال :
آه يا أور!
هل أنت مدينة أور؟
والذين أقسَموا القسَم أمامك يا ملكة أور!
لماذا خانوا العهودَ ونكثوا الوعود؟
لِمَ قلَبوا ميزان العدل،
وهدَموا الناموس؟
كان المعبد والقصر والحقل والبستان ملكًا للآلهة،
والآلهة عندما خلقت الإنسان من الدم والطين،
طبعَت صورتها عليه وقالت:
لم تُخلَق إلا لتخدم الآلهة وتعبدها؛
فلماذا جاء «الإنسي» ووضع الآلهة والبشرَ في خدمته؟
لماذا استحوذ المشرف على الحقول على محاصيل الحقول؟
واستأثرَ ناظر الحظائر بالماشية والقطعان؟
ونهب رئيس الشرطة حق الأرملة واليتيم؟
وانتشر الزبانية من حدود البلاد إلى البحر الأعلى؟
ومن البحر الأعلى إلى حدود البلاد؟
آه يا أور!
لماذا أكل الجميعُ لحمَ الجميع؟
واستعبد الجميعُ الجميعَ؟
وأنت يا ننجال، يا ملكة أور،
يا من وكلك «إنليل» عنه لإقامة العدل في البلاد لماذا سقط مِن يدك الميزان؟
وفي التراب وقع السيفُ والتاج والصولجان؟
لماذا صدَّقتِهم وتركتِهم يحكون لك القصص والأساطير:
الحاكم والوزير، والقائد والناظر، والمشرف على الحقول والمصايد والبساتين؟
وبقيتِ بقصرك حتى باع الأبُ أولادَه،
وسلم الرجل أفراد عائلته للدائنين،
وصار الرعاة سجَّانين والرعيةُ مساجين!
ماذا أقول للطفل حين ينظر في عينَي وتقول دموعه:
وُلِدت في أور وليتني ما وُلدت في أور!
وبعد أن كنتُ أعاقب المذنبين والمجرمين والأشرار،
وآمر برجم السارق والمجرم اللئيم،
وأُرضي قلب إنليل بالسكائب والأضاحي والقرابين؛
أصبحتُ أطوف شوارع أور فلا يعرفني العبد ولا الأمير!
أُكلِّم الناس فيحسبونني خادمة أو بَغيًّا في معبد إنليل!
هل يُرضيك ما حدث لأور يا إنليل؟
هل هذا هو غضبك على أور وملكة أور؟
كثرت علاماتُ الشؤم في كل مكان،
فسِّرها يا إنليل.
قل كلمتَك، تكلَّم!
يا من أستند من التعب على حائط محرابك،
ساعدني، ساعد أور!
إني أتضرع لك:
ارفع غضبك،
أوقف إعصارك،
وافعل بي ما شئت؛
فأنا خادمة لك.
دمِّرني أو أهلِكني،
لكن لا تُهلك أور.
لكن لا تُهلك أور!

٤

(في معبد إنليل. ننجال تقف باكية مشعَثة الشعر في المحراب المقدس أمام تمثالٍ ضخم للإله إنليل.)

ننجال :
كلِّمني يا إنليل،
يا مَن كلمتك مقدسية،
وكلامُك لا يتبدَّل،
رُدَّ على أسئلتي الحيرى؛
هل تذكر يوم وضعتَ على رأسي التاج وسلمتَني الصولجان،
وائتمنتَني على القوانين المقدسة،
وكشفت عن أمرك الذي هو كلمة قلبك؟
بكلمتك فاضت الأنهار بالماء،
ووضع سمَكُ البحر بيضه في أدغال القصب،
وبنَت طيور السماء أعشاشها على الأرض الفسيحة،
وجادت الغيوم السائرة بمائها،
ونمت الأعشاب والنباتات في السهول،
وازدهر القمح الوفير في المراعي والحقول.
يومها قلتَ «لأور» وأنت تُباركها:
أيتها المدينة الموفورة الزاد،
أيتها المدينة العميقة المياه،
الراسخة كالثور القويِّ الثابت،
أنت يا منصَّة خير البلاد،
خضراء أنتِ كالجبل،
وارفة الظِّلال كالغابة،
ليرتفع اسمُكِ إلى قلب السماء!
وليعلُ مقامك فوق الأقطار!
ليبحِرْ في أعيادك السمن واللبن!
ولتجلب مخازنُك السعادةَ والأفراح!
هذا ما قلت يا إنليل،
يوم اتخذتَ أور مسكنًا لك،
وباركتَ أسرابها وقطعانها،
وبيوتها ومعابدها،
وجعلتَها بلدك المقدس المختار،
فلماذا تأخذ كلمتك وتتركنا للصمت؟
لماذا جفَّت الأنهار،
وذبلت المراعي والحقول،
وهجرت سماءَنا الغيومُ والأطيار؟
كلمني يا إنليل،
أيها الراعي المبجَّل الجليل!
ويوم وضعت في يدي الميزان،
وقلت لي يا ننجال:
كوني راعيةَ الأرملة واليتيم،
كوني مأوى الضعفاء وملاذَ الفقراء،
اطردي الأشرار والسيئين،
آويتُ في حضني الفقير واليتيم،
واسيتُ الأرملة والمسكين،
نصبت الميزان، وأوقفت أمامي الصالحين والطالحين،
وبجانبي وقفت الإلهة «نيدابا» إلهة الكتابة والحساب،
تنقش الأعمال وتُسجلها على ألواح الطين،
ويشهد عليها «خاي» مع شهود عديدين.
سلمت القوي للضعيف،
وعينت المكان الذي يَهلِك فيه الطغاة،
نفذت إلى قلوب الأشرار،
وعاقبت من سلك سبيل العدوان،
من تخطى الحدود ونقض العهود،
أدبت من اغتصبَت يدُه ما لا يملك،
من نظر نظرة الرضا إلى مواطن السوء،
من بدَّل الوزن الصغير بالوزن الكبير،
والكيلَ الصغير بالكيل الكبير،
من أكلَ ما ليس له ولم يقل أكلتَه،
ومن شرب ما حرم عليه ولم يقل شربته.
منعت رجال السلطة من أن يقترفوا إثمًا،
في حق يتيم أو أرملة أو مسكين،
حرمت على تابع الملكة أن يقبض على الرجل الأعمى ليرويَ حلْقه بالمياه ثم يحرمه من الطعام،
ويحرم حماره من الماء،
فرضت على السارق أن يرجم بحجارة كتب عليها قصدَه الشرير،
وأمرتَ أن تُعلق الممتلكات المسروقة على البوابة العظيمة،
يستدلُّ عليها مالكُها الشرعي ويستردُّها،
والمرأة التي تخون رجلها والرجل الذي يخون امرأته،
كانت أسنانُهما تُهشَّم بآجُر محروق،
وكان هذا الآجُرُّ الذي كُتب عليه ذنبهما يُعَلق على البوابة العظيمة.
أمرتَ يا إنليل ونفذتُ أوامرك؛
لم أسمح للجائر والظالم والخوان،
أن يقف أمامك،
لم أسمح للمتكبِّر والمتسلط والغدار،
أن يُفلت من شبكتك،
وفاضَ الخيرُ والرخاء على أور،
واعتز الإنسان بالخير والصدق،
والاستقامة والأمانة،
والرأفة والعدل والإحسان.
لكنك حوَّلتَ وجهك عنا يا إنليل،
سكتَّ وقطَّبت جبينك كما تُقطبه الآن،
وأجزتَ أن يُفلت الظالم الشرير من شبكتك،
ويضع أور وساكني أور في جوفه:
فالمشرِف على العمال يستغلُّهم في أعماله،
والموكل بالملاحين يغتصبُ السفن لنفسه،
ورئيس الرعاة يسلبهم الحميرَ والماشية والأغنام،
وكاهن المعبد يستحوذ على الأضاحي والسكائب والقرابين،
ورئيس الشرطة يتقاضى الفضة حتى على ترديد الأنفاس،
وجباة الضرائب المنتشرون من البحر إلى أقاصي البلاد؛
يُحصِّلون الرسوم والأقوات حتى من الأموات!
وأنا التي تعرف قلبَ الأرملة واليتيم،
وتَنشُد العدالة لأفقر الفقراء،
أنا التي تعرف ظلم الإنسان للإنسان،
أسألك يا إنليل وأسأل نفسي:
ماذا شوَّه هذا الإنسان؟
ماذا حوَّله ذئبًا يفترس أخاه،
كلبًا مسعورًا يغرز فيه نابه؟
ماذا يجعله يتلذَّذ بالغدر وسوء النية؟
يرتكب الذنب الفادح ويُبرر ذنبه؟
يظلم باسم العدل، ويضطهد لأجل الحرية؟
أتقول بأني قصَّرت؟
أتقول لزمت القصرَ ونمت؟
لا لا لا. أنا ما قصَّرت،
أنا يا إنليل عجزت!
قالوا أور بخير، صدَّقت.
حتى امتدت ألسِنةُ النار إلى عتَبة قصري حرَقَت بابي وثيابي،
فأفَقتُ،
لكن بعد فوات الوقت!
بعد فوات الوقت!
قل يا إنليل، تكلم!
لا تتركني في هذا الصمت.
يا راعيَ الضعفاء وحامي الفقراء،
يا مَن تسلَّمنا العدالة من يدك،
كما تلقينا النور من الشمس،
هل آنَ لنا أن نتخبط في الليل؟
هل هبطَت في هذا الليل شريعة الظلام؟
قل كلمتَك، تكلم.
من يرفع يدَه غيرك؛
كي يوقف مرتكِبَ الإثم،
ومنتهِكَ الحُرمة؟
قل كلمتَك تكلم.
يا من تُمسك لوح القدر،
وتنفذ عينُك من حجب الغد،
هل قررت قرارك أن تهلك أور؟
هل صممت ولم يبقَ سوى نطق الحكم؟
الأمر بيدك، ولك ما شئت!
عاقبني، بدِّد ملكي،
أهلكني إن أحببت،
لكن لا تُهلك أور!
لكن لا تُهلك أور!
هل يُرضيك أن يهجم علينا البرابرة ذَوُو اللِّحى الطويلة والقلوبِ القاسية من الجبال الشمالية ويُغطوا أرضنا كالجراد؟ إن كان يُرضيك أن يسوقني «سرجون» جديد مغلولةَ العنق إلى بوابة إنليل، إن كان يُرضيك أن أُقتادَ من خشبة تُطوق رقبتي إلى البوابة العظيمة لأُلعَن وأُضرَب بالسوط ويبصق عليَّ كلُّ الذين أعبر بهم في طريقي إلى الأَسْر أو الموت، فهل يُرضيك أن يجريَ هذا لأور وشعب أور؟ هل يُرضيك أن تخرب مدينتي وتُهدَّم أسوارها ويُيتَّم أطفالها ويغسل البرابرة أسلحتهم بدماء أبنائها وبناتها؟ هل يُرضيك أن تُقتلَع أسس بيوتنا وجذور أشجارنا ونُحرَم من بذورنا، هل يرضيك أن تُؤخَذ الزوجة من زوجها، ويُذبَح الرضيع على حجر أمه ومرضعته؟
يا إنليل تكلم!
قل كلمتك! تكلم!
هل هذا هو إعصارك،
رعدك، برقك، والطوفان؟
هل صدقَت رؤياي وحطَّ علينا الهول؟
أرجوك تكلم!
قل يا ننجال،
بل هي وهم.
أو هي أضغاثُ الأحلام.
يا إنليل تكلم،
لا تتركني في هذا الصمت.
حوِّل وجهك عني،
انزِع ملكي،
أو عاقبني بالموت،
لكن لا تسكُت عني،
لا تتركني في هذا الصمت،
لا تتركني في هذا الصمت!

٥

(فجر أزرقُ جاف، في الأفق لمعانٌ ينبئ عن وهجِ نهار شديد القيظ. ننجال تقف تحت «البوابة العظيمة» في أطراف أور. تستند إلى جدار وتُحدِّث نفسها بينما تظهر أشباح رجال ونساء وصِبية وأطفال يَفِدون إلى الساحة من كل جانب دون أن تشعر بهم.)

ننجال :
آه يا ننجال!
في صدركِ تتصارع نفسان؛
واحدة تدعوك: اذهبي للبعيد البعيد،
هناك خلف الأفق ووراء الحدود،
ولا تُفكري يا ننجال أبدًا أن تعودي!
والأخرى تهتف بك: بل تبقَين يا ننجال في أور،
تبقين لتواجهي الشر المستطير،
وتقضي على سارق الأرملة واليتيم والضعيف والفقير،
والظالم والكاذب والنمام والمغرور!
آه يا ننجال!
تحت قدمَيك يمتدُّ طريقان،
تضطرب وتتعثر تحتهما خطوتان:
تريد إحداهما أن تأخذَكِ إلى أعدائك،
في «أوما» أو «أكد» أو «عيلام»،
وهناك تصرخين أمام عرش الملوك القساة:
ساعدوني فقد عجزت عن حكم البلاد،
سقط الميزان من يدي وفي الدم والوحل والتراب،
مرَّغه السَّفِلة والجهَلة والأنذال والأوغاد!
آه يا ننجال!
في حلقك يحتبس ويتقابل صوتان؛
أحدهما يعول وينوح: سقطت أور!
سقطت أور ولا أمل هناك ولا نور!
والآخر يُنذِر ويُحذر ويقول: لا، لم تسقط أور.
ولن تسقط أور،
لن يُهدَم هذا السور،
ولن تُقتلَع من الأرض جذور.
آه يا ننجال!
عندما حضرت إلى هذه الساحة كان الليل قد بدأ يُغطي أور بستاره الكئيب. خُيِّل إليك أن الرؤيا تأخذك إلى الماضي وتطوق حاضرك المختنق، ثم تطير بك على جَناحَي نسرٍ أسود إلى الغد المجهول. ورأيتِ نفسَك في الماضي عندما كان موكبك يبدأ من هذه البوابة العظيمة، لِيَعبر الساحة تحت الأقواس المزينة بالرياحين وباقات الزهور، ووسط الهتافات والدعوات بالنصر والبِشر والرخاء ليمرَّ بشوارع وبيوت أور. كان مهرجان الاحتفال يبعث الأرضَ والخصب هو مهرجانَ مُلكي المتجدِّد وعدالتي الساهرة بالليل والنهار. وتذكرت الميزان المنصوب في الساحة، وجثث الأشرار المشنوقين على الأسوار والأعمدة والأشجار، والكتَبة المشغولين بوَسْمِ ذنوبهم على جباههم، وتدليةِ مسروقاتهم وآثار جرائمهم وبقايا أسلحتهم من أقواس البوابة وأركانها، ثم تذكرت خاتمة الحفل وذروته في معبد إنليل، وأنا أحمل الشاة السمينة والحمَل الوديع على صدري وأُقدِّمه لكبير الكهَنة والحُجَّاب ليُسرع بتقديمه مع السكائب والقرابين. كانت الرءوس السُّود تُطرِق رهبةً أمام الميزان، والقلوب تخشع إجلالًا للناموس، والسيئون والأشرار يرتجفون لمرأى التاج والصولجان.
آه يا ننجال!
وماذا رأيت اليوم وأنت تقطعين ميادينَ وطرقاتِ أور؟ ماذا قلتِ للتائهين الذين وجدتِهم في هذه الساحة من جائعين وضائعين وعاجزين: يا أبنائي، لِمَ تسيرون في الليل الأعمى كأنكم لا تُبصرون؟!
– اسألي أور؛ فقد ضيعتنا أور!
– يا أرباب الحِرَف، لماذا تقفون هنا ولا تعملون؟
– أصبحَت حرفتنا الوحيدة هي التسولَ في الطريق!
– هل يتسول من يُتقن عمله؟
– لا يتسول إلا مَن يتقن عمله؛ ما دامت صَنعتُه لا تملأ جوفه، ما دام الإنسيُّ والشرطي والمشرف والناظر والنبيل والكبير يسرقون، ما دام الإتقان يجرُّ عليه الحسد والهوان.
– وممن تتسوَّلون والكل جائعٌ وفقير؟
– ممن أجاعَنا وأفقرَنا!
– من تقصدون؟
– قد يتعطف علينا موكبُ الإنسي العابر ببعض الفضلات، قد يُلقي الكهَنة من فوق جدار المعبد بنُفايات القربان، وأخيرًا …
– أخيرًا؟
– قد يأتي الحلُّ على أيديهم!
– أيدي مَن؟
ويُقهقه العاطلون والمتسكعون والعجَزة المكتئبون والمشلولون والمجدورون والمجذومون الذين يتجولون في الساحة أو ينتظرون.
ويقول واحدٌ منهم: ألم تعرفي بعد؟
– ألم تسمعي؟
– ألم تشعري؟
– ماذا أعرف أو أسمع؟ وبماذا أشعر؟
وتعلو ضحكاتُهم وهم يسعلون ويبصقون: البرابرة قادمون!
البرابرة قادمون!
وتدور الفكرة في رأسي وتدور. يُوشك أن يخرج من حلقي الصوتُ الصارخ ويقول: أنا ننجال ملكتُكم، وملكة أور، ضائعة وسط الساحات،
وتائهةٌ بين الدُّور،
وأدور أدور أدور؛
كأني قطعة صلصال،
في يد فخار مخمور،
من يحضر ثوبي الملكي،
وسيفي المشهور؟
من يضع التاج على رأسٍ
أثقلَه الحزن،
فسقطَ كالطير الهالك،
في شبكة قدر مستور!
قدرٌ يُنذر بالويل القادم،
والخطر الداهم كالديجور!
يا أبناءَ أور وبناتِ أور! ها أنا أتقدَّمكم إلى البوابة العظيمة. أجلس على كرسيِّ الملك وأضع التاجَ على رأسي، أجلس منتظرةً وفي يدي مفتاح المدينة؛ هل هم قادمون؟ نعم. لا بد أنهم قادمون؛ من الجبال الشمالية كالجراد زاحفون. وعندما تبدو جيوشهم من بعيد وهي تُثير سحب الغبار والدمار الزاحف على أور، سأقول في نفسي كما تقولون: آه! إنهم قادمون، إنهم قادمون. ربما يكون حضورهم هو أحدَ الحلول.
وتمر أمامك المرأة المثقَلة بحمل السنين والأحزان كأنها نخلة عجفاء، ويتمدَّد صوتها القاتم ويتلوَّى كحبل يلتفُّ عليك:
يا من تضَعين التاج على رأسك،
وفي يدَيك السيف والصولجان،
اخلعي التاج والمجد والشارة والوسام،
واهدمي خيمة الملك والأبهة والسلطان؛
فالبرابرة على وشك الوصول،
البرابرة على وشك الوصول!
يا من تقود عربتك المطهَّمة بأربعة حمير،
وتجدُّ لتصل بحمولتك إلى بيتك القريب،
ابحث عن جدار تأوي إليه واترك العربة والحمير؛
فالبرابرة في الطريق، وهم على وشك الوصول!
يا من تقف على عتبة الحياة وتنظر للبعيد البعيد،
فترى الظلام وراءك وأمامك،
ولا شيء غير الحاضر المنكود والغد الموءود،
تعال إلى البوابة العظيمة؛
لتكون في استقبال المواكب والحشود؛
فالبرابرة — كما سمعت — على وشك الوصول!
والبرابرة — كما علمت — هم أحد الحلول!
آه يا ننجال!
لكن النفس الأخرى تقفز في الصدر كوحشٍ مسعور. تَثبُت وتتحدَّى وتثور، والقدَم الأخرى تقف وتتصلَّب كالحجر الراسخ في فتحة نفَق مهجور.
والصوت الآخر يرتفع ويزعق، يُنذر ويُحذر، يشكو ويقول:
أيتها الملكة التي هُدِّمت مدينتها، كيف تقدرين الآن على البقاء؟
أيتها المرأة التي هلَكَت بلادها، كيف أبقى عليكِ قلبُك؟
بعد أن هُدمت مدينتك، كيف تقدرين على البقاء؟
وبعد أن دُمِّر بيتك، كيف أبقى عليك قلبك؟
ذَوو الرءوس السود تحوَّل غناؤهم إلى بكاء،
حقولهم وبساتينهم صارت أرضًا جرداء،
مدينتك التي كانت مدينةَ الخير والصلاح أصبحَت خرائب!
بيتك الذي كان بيتَ العدل سُلِّم للمغول!
كيف أبقى عليكِ قلبُك؟
كيف تقدرين على البقاء؟
الخادم لم يُعِد لك الآنيةَ المقدسة،
عندما حلَّت أعيادك لم يحتفلوا بالأعياد على طريقك الذي أُعِد للمواكب والعربات تنمو الأشواك،
وتشكو العجوز المثقلة بالأحزان ويئنُّ الأعمى المتجدد العناء.
آه! كيف أبقى عليك قلبك،
كيف تقدرين الآن على البقاء؟
ننجال يا مَليكتي، مدينتك تنتحبُ بين يدَي أمها،
كطفل يتيم في شارع خرِب، تبحث عنك أور،
والبيت الصالح المشيَّد بالآجُرِّ يمدُّ يده إليك،
كرجلُ فقد كل شيء وهو يقول:
إلى أين تتركينني، كيف أبقى عليك قلبك؟
غادرتِ البيت يا مليكتي، غادرت المدينة،
خرجتِ إلى الساحات والطرقات ككاهنٍ طردَه إلهه،
وراح يمشي تائهًا في العراء،
كيف طاوعَكِ قلبُك أن تقفي عند البوابة العظيمة وتُخاصمي المدينة؟
كيف تقدرين على الجلوس هناك في انتظار البرابرة القادمين؟
هل يُرضيكِ أن تُذبَح الأرملة واليتيم والضعيف والفقير؟
هل يرضيكِ أن يخطفوا الزوجة من زوجها والابنة من أبيها؟
ننجال أيتها الأم والمليكة،
عودي كثورٍ لإسطبلك،
كشاةٍ لحظيرتك،
كطفل صغير لحجرة نومك.
أيتها العذراء، عودي إلى بيتك!
يا راعية العدل، عودي إلى بيتك وارفعي الميزان.
وفجأة يا ننجال وأنت غارقةٌ في رؤياك،
فجأة وأنت تنتظرين البرابرة وزحفَ الإعصار والطوفان،
فجأةً يُجلجِل صوتٌ صارخ كأنه صوت إلهك إنليل:
طارِدي السيئين والأشرار!
طهِّري أور من اللصوص والأوغاد! عودي أيتها الشاردة إلى قصرك!
عودي أيتها العذراء إلى بيتك!
ورأيتُ جموعًا تتزاحم مقتربة كالأمواج الهادرة. وعندما اقتربَت من البوابة العظيمة لمحتُ على رأسها وجهًا أعرفه. كان هو وجهَ مرضعتي ومربيتي العجوز. أعرف هذا الوجه الطيب الحبيب، بل أوشك في همي وحزني ألا أعرف سواه أو أثق بسواه. لكن ماذا تحمل في يدها المرتفعة فوق زحام الحشود كالعلَم الخفَّاق؟ كان في يدها السيفُ والتاج والصولجان. تلمع في وهج الشمس الساطعة كأنها شموسٌ وكواكبُ صغيرة. وتَردَّد الصياح الحاد ودوَّى كالرعود.
ننجال! عودي إلى مدينتك،
مليكتي! عودي إلى أور،
إن كان اللصوص والأوغاد في كل مكان،
إن كان هذا هو غضب إنليل،
ونذيره بالسيل الماحق والطوفان،
فها هو صوت إنليل راعي العدل والأمانة والأمان،
يرتفع من قلب اليتيم الفقير والعامل والزارع والكاتب المهان!
يعلو في أذنيك ويعلو ويصيح:
عودي يا ننجال!
عودي يا ننجال!
باسمِ الحقل وباسم السنبلة الخضراء،
باسم المحراث وباسم المركب والمجداف،
باسم الأشجار وباسم الأسوار،
باسم الماضين وباسم الآتين،
عودي يا ننجال إلى أور، ورُدِّي أور إلى أور،
خذيها من فكِّ الأفعى والتنين،
وأعطيها للطفل الضاحكِ للمستقبل،
ولكل شريف وأمين عودي يا ننجال!
ها هو سيفك، تاجُك،
مُدِّي يدك ليضع الشعب الحكمة فيها والميزان!
عودي يا ننجال إلى أور،
قولي معنا: لن تسقط أور!
لا لا لا، لن تسقط أور!
قمت مذعورة من مكاني كأني حيوان ضُرِب على رأسه أو قُطع لسانه بسيف المفاجأة. زاغت عينايَ ولم أفهم شيئًا مما يدور حولي، وانحسرَت ظلماتُ الرؤيا شيئًا فشيئًا وتسللَت أشعة الضوء إلى صدري ورأسي وعينَي، ففتحتُهما على الطوفان الهادر من حولي، والإعصار المدوِّي في سمعي.
وامتدت يدايَ إلى يد مربيتي لتستقبل الحب ومعه التاج والسيف والصولجان والميزان. وقبل أن ينفتح فمي ويخرج منه الصوتُ الغاضب كالإعصار شعرت بجسدي محمولًا فوق الطوفان.
شكرًا يا إنليل! هذا هو إعصارك والطوفان. ولا بد أنني قد نطقت وصِحت وصرخت؛ إذ راح الصوت يهدر ويزمجر ويزحف مع الموكب الزاحف على أور:
لا لا لا، لن تسقط أور!
أبدًا لن تسقط أور!
لن تسقط أور!
١  الإيشاكو والإنسي كلمتان سومريتان تعنيان الواليَ أو الحاكم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢