الفصل التاسع

وكان القدماء يظنون بهذا الكتاب الظنون، ويقولون فيه عَنْ علمٍ وعن غَيْر عِلْم، منهم مَنْ لَمْ يقرأه وإنما سمع عنه، ومنهم من قرأه ولم يفهم عن أبي العلاء فيه، منهم من أساء الظنَّ بالشيخ، فقضى في الكتاب بما اسْتَقَرَّ في نفسه من سوء الظن، ومنهم مَن أحسن الظنَّ بالشيخ فأحسن الظنَّ بالكتاب. فرأى بعْضُهُم أن الكتاب معارضة للقرآن، ورأى فيه لونًا من ألوان الكفر، ورأى بعضهم أن الكتاب تمجيد لله وثناء عليه، فرأى فيه لونًا من ألوان الدِّين والتقوى.

وأقبَلْتُ أنا على الشيخ وهو يملي هذا الكتاب، لا أَحْفِل برأي الناس فيه، وإنما أَحْفِل بما سَيَتْرُكُه في نفسي من أثر، وأَحْفِل بهذه النغمات التي يترنَّم بها الشيخ حين يَتَحَدَّثُ إِلى نفسه بما ألَّف من هذه الفصول حين تستأثر به الخلوة، فيُرَدِّد ما ألَّف، يجري به لسانُهُ لِيَسْمَعَه، وليحَقِّق أمستقيم هو أو مُعْوَجٌّ، وحين كان يملي هذا الذي ألَّفه على طلابه راضيًا عنه معجبًا به، ثم يملي عليهم تفسير ما وَقَعَ فيه من غريب.

وأشهد لقد تَصَوَّرْتُ الشيخ في حالين مختلفتين، كان في إحداهما فيلسوفًا مفكرًا، وفي الأخرى أستاذًا معلمًا. وكان في إحداهما ساخطًا على نفسه، مُصَغِّرًا لها، وكان في الأخرى راضيًا عن عِلْمه معجبًا به.

كان فيلسوفًا ساخطًا في الليل حين يخلو إلى نفسه، فتُضَافُ ظلمة الليل إلى ظلمة بَصَرِهِ، وإلى ظلمة يأسه وبأسه، ويتردد في هذه الظلمات المتكانفة المتراكبة ضوء ضئيل، ولكنه قوي عزيز، هو ضوء عَقْلِه وقلبه يَهْديه من ضلال، ويُرْشِده حين تَشْتَبِه عليه الطرق. يَهْديه إلى هذه المعاني الكثيرة المختلفة المختلطة التي حَفِظَهَا من عِلْم الأولين. وإذا هو يُمَيِّز منها ما يلائمه، ويَهْديه إلى هذه الألفاظ الكثيرة المختلفة التي حَفِظَها من لغة الأولين، وإذا هو يُمَيِّز منها ما يلائم معناه، ويَهْديه في طريقه الفنية، فإذا هو يصبُّ معناه في ألفاظه صبًّا، ثم يتناولها بالتقريب والترتيب، وبالحذف والزيادة، حتى تستقيم له فصلًا ممتعًا يسيرًا أو عسيرًا، منتهيًا إلى غايته التي أرادها له على كل حال. فإذا بَلَغَ من ذلك ما أراد أجرى هذا الفصل على لسانه، فسَمِعَتْهُ أذُنُه، وطابت عنه نفْسُه، واستأنف السير في طريقه يَلْتَمِسُ معنًى آخر وألفاظًا أخرى؛ ليُضِيف فصلًا إلى فصل، وغايةً إلى غاية، وما يزال كذلك حتى يَبْلُغ منه الجهد ويُدْرِكه الإعياء، ويَضُمُّه النوم في رِفْق بين ذراعيه. وما أرى إلا أنَّ نفْسه كانت تَعْمل نائمةً كما كانت تَعْمل مستيقظة؛ وما أرى إلا أن لسانه كان يدور في فَمِه ببعض الأسجاع، حتى إذا استيقظ وَجَدَ في ضميره آثار هذا الجهد النائم فادَّخَرَه إلى أن يأتي المساء.

وكان أستاذًا مُعَلِّمًا حين يُقْبِل عليه طلابه مع الضحى فيملي عليهم ما أعدَّ لهم من ليلته، فيبسمون ويَرْضَون ويَعْجَبُون، ويكتبون ويستفسرون ويستوضحون. ويملي عليهم الشيخ تفسير ما عَمِي عليهم من الألفاظ مكتفيًا بالبيان حينًا، مستشهدًا على ما يقول حينًا آخر. وما أرى إلا أنه كان يرضى عن نفسه حين كان يُفَسِّر، فيُرْضِي العقول، ويَشْفِي الصدور، ويُنَقِّع غلة طلاب المعرفة.

ولكن لِمَ ألَّف أبو العلاء كتاب الفصول والغايات؟ إنه هو يُنْبِئنا بهذا حين يقول: «عَلِمَ ربنا ما عَلِمَ أني أَلَّفْتُ الكلم، آملُ رضاه المسلم، وأتقي سَخَطَه المؤلِم، فهبْ لي ما أبلغ به رضاك، من الكلم والمعاني الغراب.»

وأبو العلاء صادق فيما يقول، فهو إنما ألَّف الكلم يبتغي بها رضا الله، ويتقي سخطه. كتابه إذن نوع من أنواع التقرب إلى الله، ولون من ألوان العبادة له، والإمعان في تسبيحه، والثناء عليه. ولكن أبا العلاء يعبد الله، ويتقرب إليه كما يريد هو ويختار، لا كما يريد الناس ويختارون. فهو يثني على الله ما في ذلك شك، وما أعرف أن أحدًا أثنى على الله كما أثنى عليه أبو العلاء، ولكنه يثني عليه ثناء الرجل الحر الذي جمع بين خصلتين متناقضتين؛ هو حُرٌّ فلا يمنعه شيء من أن يَتَحَدَّثَ إلى ربه حديث المؤمن به المطمئن إليه، يصارحه بما فهم، وبما لم يفهم، ويجاهره بما رضي، وبما لم يَرْضَ، ويُظْهِرُه على ما يَعْرِف وما يُنْكِر، في هدوء واطمئنان وثقة، وفي خوف وفزع، وهلع أيضًا. هو مؤمن بالله، ولكنه مؤمن بعقله أيضًا، فإيمانه بالله يدفعه إلى الحب والأمن، والثقة حينًا، ويدفعه إلى الخوف والإشفاق والقنوط حينًا آخر.

وإيمانه بالعقل يدفعه إلى الشكِّ والإنكار مرة، ويدفعه إلى الإيمان واليقين مرة أخرى، وهو إذَنْ مترددٌ في الفصول والغايات كما هو متردد في اللزوميَّات.

يقطع بشيئين: أحدهما: وجود الله وحكمته، والثاني: انقطاع الصلة بين الله والناس إلا من طريق العقل، ومن طريق العقل وحده. وإذَنْ فهو في حاجة إلى أن يفهم حكمة الله، وهو عاجز عن فهم هذه الحكمة، وإذن فهو غير مطمئن إلى النبوات، وهو محتاط إلى إعلان شكه في النبوات.

وأنت تقرأ هذا الجزء الذي نُشِرَ من الفصول والغايات، فترى أنه قد ذَكَرَ النبي فيه نيِّفًا وعشرين مرة، ولكنه لم يَذْكُره إلا عرضًا ليستشهد بكلمة قالها أو قِيلَتْ له، أو لِيَسْتَدِل بحديث من الأحاديث استدلالًا لُغويًّا ليس غير. وهو إذا ذَكَرَ النبي مجَّده، وصلَّى عليه، ولكنه لا يَزِيد على ذلك. وهو يُنْكِر في الفصول والغايات ما أَنْكَر في اللزوميَّات من أمْر الحج، ويُثْبت في الفصول والغايات ما أَثْبت في اللزوميَّات من وجوب الطاعة والتقوى، وإقامة الصلاة والبر بالفقراء، ورياضة النفس، وأَخْذها بما تَكْره من الشدائد.

وهنا تَعْرِض مسألة لا بدَّ من التفكير فيها؛ ما عسى أن تكون الصلة بين اللزوميَّات والفصول والغايات من ناحية الفلسفة العلائية أولًا، ومن ناحية الفنِّ اللفظي ثانيًا؟ فأما أنا فرأيي في ذلك صريح واضح لا لَبْس فيه ولا غموض، وهو أَنَّ أحد الكتابين صورة صادقة للآخر، صورة تُطابِق الأصل كل المطابقة، بحيث يَجِب أن يُفسر أحدهما بصاحبه، وأكبر الظنِّ أن الفصول والغايات هو الذي أَنْشَأَ اللزوميَّات من الناحية اللفظية على أقلِّ تقدير.

أكبر الظنِّ أن أبا العلاء تصوَّر كتاب الفصول والغايات أولًا، فلما استقامت له طائفة من هذه الفصول خَطِرَ له أن يَنْظِمها، أو أن يَنْظِم شيئًا قريبًا منها، وأن يَلْتَزِم في الشعر مِثْل ما الْتَزَمَ في النثر أو بعضَ ما التَزَمَ في النثر.

وواضح جدًّا أن الشعر يُكَلِّف صاحبه من المشقة أكثر مما يُكَلِّفه النثر، ففي النثر حرية لا تستقيم للشاعر، يَسْتَطِيع الكاتب أن يلتزم هذه القيود أو تلك، فإذا ضاق بها أو سئمها تَحَوَّل عنها إلى الحرية إن شاء، وإلى قيود أخرى إن أراد، دون أن يفسد ذلك عليه نثره. ولكن الشاعر لا يستطيع أن يَمْنَح نفسه هذه الحرية في الشعر؛ لأنه لا يكاد يَعْدِل عن هذه القيود التي التزمها حتى يَضْطَرب نظام القصيدة، وإذا هو مضطر إلى أن يستأنف قصيدة أخرى يَصْطَنع فيها الحرية أو يَلْتزم ما شاء فيها من قَيْد.

ومهما يكن من شيء فإن الآراء الفلسفية التي صوَّرها أبو العلاء في اللزوميَّات هي بعينها الآراء الفلسفية التي صَوَّرها في الفصول والغايات؛ وإن قارئَ الكتابين يخرج من قراءته بصورة واحدة لأبي العلاء؛ هي صورة الرجل المؤمن بإله حكيم، المضطرب المتردد فيما عدا ذلك من الأمر.

ومهما يكن من شيء أيضًا فإن القيود الفنية التي فَرَضَها أبو العلاء على نفسه في اللزوميَّات قد فَرَضَها على نفسه في الفصول والغايات. ولعله أن يكون قد عذَّب نفسه في هذا الكتاب المنثور أكثَرَ مما عذبها في ذلك الديوان المنظوم. فقد افتنَّ في القيود التي فَرَضَها على نفسه في هذا الكتاب، وافتنَّ في تنويعها، والاستزادة منها حتى لم يكن مْصَدَرَ ضيق لنفسه فحسب، بل كان مَصْدَرَ ضيق لقارئيه وسامعيه أيضًا. كان مَصْدَرَ ضيق، وكان مَصْدَرَ إعجاب لا حدَّ له، فما أعرف أن أحدًا وعى اللغة العربية كما وعاها أبو العلاء، وما أعرف أن أحدًا راضَ اللغة العربية كما راضها أبو العلاء، وما أعرف أن أحدًا صرَّف هذه اللغة في أغراضه وحاجاته الفنية كما صَرَّفها أبو العلاء.

ليت آماله في الحياة استقامت له كما استقامت له اللغة العربية! وليت أَمَانيه انقادت له كما انقادت له ألفاظ هذه اللغة وأساليبها! إذن لكان أحسَنَ الناس حظًّا، وأبْعَدَهُم عن التشاؤم، وأشدَّهم إغراقًا في التفاؤل والرضا. ولكنَّ أبا العلاء حُرِمَ تحقيق الأماني، ورُدَّ عن إدراك الآمال، وعُزِّيَ عن هذا كله بهذه الألفاظ وهذه المعاني، يَعْبَث بها كما يَعْبَث الطفل بلُعَبِهِ، حتى يُدْركه الملل، وحتى يُدْرِك الملل قارئيه وسامعيه، وحتى تستحيل هذه التعزية همًّا ثقيلًا، وعناءً لا يُطَاقُ.

وأول ما الْتَزَمَ أبو العلاء في الفصول والغايات هذه الغاية التي يختم بها فصوله، فقد أراد — ويا لَعَبَث الأطفال الكبار! — أن يَخْتم كل فصل من فصوله بكلمة يَلْتَزم آخرها في جملة من الفصول وأراد — ويا لَعَبَث الأطفال الكبار! — أن يرتِّب هذه الكلمات على حروف المعجم كلها، فيَلْتَزِم الهمزة في بعض غاياته، حتى إذا بَلَغَ منها حاجته انتقل إلى الباء، ثم إلى التاء، ثم إلى الثاء حتى يَبْلغ آخر الحروف، والجزء الذي بين أيدينا ينتهي بالخاء.

وقد أراد — ويا لَعَبَث الأطفال الكبار! — أن تكون غايته ساكنة؛ لأنه يَقِفُ عندها في آخر الفصل، فلا بدَّ له من أن يستريح، ومن أن يُرِيح قارئه وسامعه. والسكون الذي هو علامة الوقف أدنى إلى الراحة، وأجدر أن ينتهي إليه المسافر بعد شِدَّة النشاط، وكثرة الحركة والاضطراب. وقد أراد — ويا لعبث الأطفال الكبار! — أن يكون هذا السكون مريحًا حقًّا، فاشترط أن يسبق الحرف الساكن بألف ساكنة، فهو يلتزم في الغاية حرفين، يتغير أحدهما بتغير حروف المعجم، ولا يتغير ثانيهما بحال من الأحوال، وهو هذه الألف الساكنة.

وهو من هذه الجهة يشقُّ على نفسه في الفصول والغايات أكثر مما يشق عليها في اللزوميَّات. وما رأيك في رجل يلتزم الألف في غايات الكتاب كله، وقد رَتَّبْت هذه الغايات على الحروف كلها، ونَظَّمْتُ كتابًا يقع في أربعة مجلدات ضخام؟ ولكن أبا العلاء لا يكتفي بهذين القيدين الثقيلين، وإنما يضيف إليهما قيودًا أخرى يُنَوِّعها، ويَفْتَنُّ في تنويعها، فقد لا يكتفي بالتزام الألف في غاياته، وإنما يلتزم قبلها حرفًا آخر في طائفة من الغايات، حتى إذا ضاق بهذا الحرف أو ضاق الحرف به تركه إلى حرفٍ غيره، فالتزمه وقتًا طويلًا أو قصيرًا.

هذه هي القيود التي فرضها أبو العلاء على نفسه في غاياته. ولكن أبا العلاء ينكر نفسه، ويَجْحَد فنَّه وبراعته إن اكتفى بهذه القيود. فلا بدَّ له من قيود أخرى يَفْرِضها على نفسه في الفصول نفسها. وأنت هنا ترى الأعاجيب، فأبو العلاء يلتزم السجع أحيانًا، ولكنه لا يسجع كغيره من الكتَّاب، وإنما يلتزم في السجع ما يلتزمه في قافية اللزوميَّات، فيَفْرض على نفسه حرفين، وقد يَفْرض على نفسه أكثر من حرفين، وهو قد يتجاوز هذا السجع الذي التزمه إلى نوعٍ آخر من القيد في الفصل نفسه. فإذا فرض على نفسه سجعات بعينها انتهى إلى الهمزة، واستأنف سجعات أخرى، ثم انتهى إلى الباء، ومضى كذلك حتى يتمَّ حروف المعجم قبل أن يبلغ الغاية.

وقد لا تُعْجبه هذه القيود كلها فيفرض على نفسه قيودًا أخرى يلتزمها لا في فصلٍ واحد، بل في فصول مختلفة، يجعل غايته الحاء أو الخاء، ويلتزم في الفصول من أمام هذه الغايات ومن ورائها حرفًا بعينه، بحيث يكون الالتزام مؤتلفًا ومختلفًا. التزام في الغايات والتزام في الفصول على تَبَاعُدِها وتَبَايُنها. وفصول أبي العلاء تَقْصُر وتَطُول، تَقْصُر حتى تَتَأَلَّف من جُمل، وتَطُول حتى تُصْبِح، وكأنها فصل طويل من كتاب.

وفصول أبي العلاء تستقل أحيانًا، ويَتْبَع بعضها بعضًا أحيانًا أخرى، تستقل فلا تكون بينها صلة، وترتبط فإذا طائفة منها تؤلف قصة واحدة، كلما انتهى جزء من القصة خُتِمَ الفصل بغاية، واستُؤنِفَ جزء آخر من القصة في فصل آخر ينتهي بغاية أخرى، ويُسْتَأنَفُ بعده جزء ثالث في فصل ثالث، وما يزال الأمر كذلك حتى تَتِمَّ القصة في عدد من الفصول والغايات كثير أو قليل.

وقد ذَكَرَت القصة وما أكثرها فيمن بين أيدينا من الفصول والغايات، ما أكثرها وما أروعها، وما أشدَّ اختلافها وتَنَوُّعها! منها ما يَقْصر حتى يُؤدَّى في جُمل، ومنها ما يَطُول حتى يُؤدَّى في فصول، والخيال فيها رائع ومتواضع معًا، رائع لطرافته، ولغرابة الملائمة بينه وبين ما قصد إليه أبو العلاء من تمجيد الله، ومتواضع لأن أبا العلاء لا يبتكره، ولا يستأنفه استئنافًا، وإنما يَسْتَمِد عناصره من الشعر العربي القديم، ومن الأساطير العربية القديمة، ومن أخبار التاريخ، ومن أصول العلوم اللغوية وقواعدها. فكُلُّ ما صَوَّر الشعر العربي القديم مِنْ وصْفِ الصيد قَدْ سَلَكَه أبو العلاء في الفصول والغايات قصصًا جميلًا رائعًا، يدور حَول الوعظ والإرشاد، وحول تمجيد الله والثناء عليه.

وكثير مما صَوَّر أصحاب النحو والصرف من أصولهم وقواعدهم قد سَلَكَه أبو العلاء في كتابه قصصًا جميلًا رائعًا أو حوارًا بديعًا ممتعًا يدور حول تمجيد الله والثناء عليه، وقل مَثَّلَ ذلك في العروض والقافية، بل قُلْ مَثَّلَ ذلك في الموسيقى نفسها.

وليس تفسير أبي العلاء لفصوله وغاياته بأقَلَّ طرافة وغناء من الفصول والغايات نفسها. فما أكثر ما يشتمل هذا التفسير على كنوز لا تُقوَّم في تاريخ اللغة العربية وعلومها وآدابها، بل في تاريخ الحياة الفنية للمسلمين بنوع خاص. ولو أني ذهبت أُفَصِّل خصائص هذا الكتاب، وما يمكن أن يَسْتَكْشِف فيه الباحثون من حقائق التاريخ الأدبي العربي لما فَرَغْت من هذا الحديث، وما أشد حاجتي إلى أن أفرغ منه!

فلأَقِف عند طائفة من الفصول لا بدَّ من الوقوف عندها؛ لأنها تصور نفس أبي العلاء كما نَعْرفها من اللزوميَّات، ومن الحق عليَّ، ومن الحق لي أيضًا أن أُثْبِت هذا وأُسَجِّله، بل لعل بعض هذه الفصول يصوِّر لنا نفس أبي العلاء خيرًا مما صَوَّرَتْهَا اللزوميَّات.

وأول ما أثبته من ذلك هذا الفصل الذي يُؤَرِّخ لنا فيه أبو العلاء بدْء حياته الفلسفية، وأظنك توافقني على أن لهذا التاريخ خطره، فسترى أن أبا العلاء لم يجلب حياته الفلسفية من بغداد، وإنما بدأها وأقام عليها في المعرَّة دهرًا، ثم ارتحل إلى بغداد، وعاد إلى المعرَّة، وقد أتمها وأكملها بالعزلة. وما أكاد أشكُّ في أنه حين ارتحل إلى بغداد حمل معه طائفة من لزوميَّاته، ومن فصوله وغاياته.

فلنقرأ هذا الفصل قبل كل شيء: «مُنْكَراتي كمعارف الجِياد، وكعوب المُرَّان، فليت شعري هل أنا مع الخطأ مصيب، سهمي في المعصية معلَّى الأسهم، وفرسي في حلبتها لاحق أو الوجيه، وناقتي في مراحلها وجناء الجُمحيِّ، ونجمي في ليلها الفرقد، وأنا في مضالِّها رافع بن عميرة، وحُنيف الحناتم؟ فهل لي في الخير نصيب! رُبَّ عَجلٍ حدَث عن خجل. ألَا أَنْتَظِر غُراب الليل ينهض، وبازي الصبح يقع، وشرَقه تطَّلع من وراءِ الخباءِ! لكلِّ ثمر إدراك، وليس بكلِّ وادٍ أراكٌ. اصْبرْ إنَّ الصَّريف سَيَرُوبُ! إنَّ الله — وله عُلوُّ المكان — جعل الشَّرَّ غريزةً في الحيوان، فأبعدهُمْ من الشرور أقلُّهم حظًّا في المعقول. ألَا ترى الحجر الموضوعَ مرَّ به العاثر، فأدمى الإبهام، ولا ذَنْب للحجر لكن للواضع والعاثرين؟ يا خُدَعة لمن تخدعين؟ لو كُنْتِ امرأةً طَلَّقْتُكِ أَبْيَن طلاق، أو أَمَةً سرَّحْتُكِ سراح الكريم، أو ضائنةً عَبَطْتُكِ لأوَّلِ الطَّارقين! قد أخلقْتِ الجسد فما تريدين؟ اظْعَنِي عنه لا يَحْمَدك في الحامدين، وانزلي بالجدب أو الخصيب! ما زلتُ آمل الخير وأَرْقُبه حتى نَضَوْتُ كمَلا ثلاثين، كأنِّي ذَبَحْتُ بكلِّ عام حَملًا أبرق، بياضه الأيامُ وسواده لياليه. وهيهات! كأنني قَتَلْتُ بالسَّنة حيَّة عرماء! إِنَّ الزَّمن كثير الشُّرور. فلما تَقَضَّت الثلاثون وأنا كواضع مرجله على نار الحُباحب، عَلِمْتُ أن الخير منِّي غير قريب. الرَّجُل كلُّ الرَّجل من آتى الزكاة ورحم المسكين، وتبرَّع بما لا يَجِبُ عليه، وكره الحِنْث، وكفَّر عن اليمين. لولا خشيةُ المنقَلَب لكنت أحد الفائزين، يأْتيني الرِّزقُ ما سَعَتْ فيه القدم، ولا عرِق الجبين، وأُصيب من الطِّيب غير حسيب. إِدَّ إلى التقوى كما يئِدُّ البعير، وبُدَّ الكافر فإنه عند الله دحير، واتَّئد في أمرك فإن التُّؤْدة من ربِّ العالمين. وإذ كانت اللُّحى الشَّيب لا تكفَّ عن قبيح، فكن ثدًّا ما حَيِيتَ. واعلم أنَّ الجدث جُدُّ ليس موضعه من الكلأ بحميد. وحاسِبْ نفسك على ما أصَبْتَ فإِنك بالمحاسبة جدير، والخدُّ المتصعِّر سيوضع من الأرض في أخدود. فذُد الخطايا عنك كما تُذاد الزُّرق المترنَّمات؛ فإِنَّ ذيادها يسيرٌ، وأَردَّ على آمرك بغير الجميل، وزدْ عملك عن الخير إن وجدْتَ المزيد. وإياك وسُدًّا لا ضياء فيه، وشدَّ الحسنة وَثاق الطَّائر، ولا تأمننَّ أن تبينَ، وصِدْ أفعال الخير، فإنَّ صادَتها ليسوا بكثير. ومُتْ وإِناؤك من الصَّدقة ضديد، وطِدْ بناءَك على أُسٍّ، حسَنك معدود، وسيئك ليس بعديد. اُغدُ على ذكر الله، وأمسِ إليه، فنعم الصَّاحبُ والضَّجيع. وفدِّ ناهَيك عن المنكر مع المفدِّين، وقُدْ نَفْسَكَ إِلى الواجب ولو بجرير، وكِدْ مُعَاديك بأن تجتنب أفعال الكائدين. ودُلَّ السَّائل إِذا لم تُعط لتكون نِعْم الدَّليل، ودُم على ما قرَّبك من الأَبرار الطيِّبين، ودِنْ مَن فَعل خيرًا معك فإنَّك مدينٌ، وفي خالقك وَدَّ إن كنت من الوادِّين، وضَع الأيدي عند مَن ذمَّ وشَكَر، فإِنَّ الله رَزَقَ الشَّاكر والكنود، واعلم أنَّ الحياة أَخْبَرَتْ عن الموت كما دلَّ على الكلمة بالحروفِ هاج.»١

ولست أُفَسِّر غريب هذا الفصل فقد فَسَّرَه أبو العلاء في الفصول والغايات، فارجع إليه، ومن الخير أن تَفْعَل، بل لعلي لَمْ أَكْتُب هذا الحديث إلا لِأُرَغِّبَكَ في الإلمام بهذا السجن الذي يزار فيه الشيخ. ولست أفصِّل ما في هذا الفصل من خصال فنية مختلفة رائعة، فقد يَطُول ذلك، وقد لا يتسع له وقت المعُجِّل الذي يتهيأ لسفر قريب.

وإنما أقف عند ثلاثة أشياء سجلها أبو العلاء في هذا الفصل، ومن الخير أن تُسَجَّل في هذا الحديث للأسباب التي قد أَشَرْتُ إليها آنفًا.

وأول هذه الأشياء رأي أبي العلاء في أن الشر غريزة في الحيوان قد برئ منها الجماد، فالشر يدور مع الحياة وجودًا وعدمًا، وهو يَقْوَى كُلَّمَا قَوِيَ حظ الكائن من الحياة، ويَبْلُغ أقصاه حين يَبْلُغ حظ الكائن من الحياة غايته، فيَجْمَع الحسَّ والشعور، والإرادة والعقل. وهذه الفكرة هي التي فَصَّلْتُها في أول هذا الحديث، وهي شائعة في اللزوميَّات، وفي الفصول والغايات جميعًا. والمثل الذي ضَرَبَه أو العلاء في هذا الفصل لا يخلو من دلالة، فهذا عاثر قد عثر بحجر في طريقه، فدميت أصبعه، فأيهما المسئول عن هذا الشر؟ ليس هو الحجر من غير شك، ولكنه واضع الحجر في موضعه، هذا الذي جعله عُرْضة لأنْ يؤذي مَن قد يَمُرُّ فيعثر به، والعاثر نفسه؛ لأنه لم يَتَبَيَّن موضع قدمه، ولم يُقَدِّر لرجله موضعها قبل الخَطْو، كما يقول الشاعر القديم.

وما ينبغي أن تقف عند المعنى القريب لهذه الجملة من حديث أبي العلاء، فأبو العلاء أذكى وأعمق فلسفةً من أن يقف عند هذا المعنى في تفكيره، فكن أنت من الذكاء ونفاذ البصيرة بحيث تستطيع أن تسمو معه إلى ما أراد. وأكبر الظن أن هذه الصورة المادية رَمْز لصُوَر معنوية كثيرة، فما يكون في حياة الناس من شر يتصل بأجسامهم وأعمالهم، وإرادتهم، وسيرتهم بوجه عام، إنما ينحلُّ في حقيقة الأمر إلى نوعين من أنواع التبعة: أحدهما تبعة الذي هيَّأ أسباب هذا الشر، وجعلها في مواضعها من حياة الناس، بحيث يَعْثِرون بها، ويتورطون فيها. فلو لم تتهيأ هذه الأسباب لما عَثَرَ الناس ولا تورطوا، فهذه تبعة إيجابية هي تبعة خلْق العالم كما هو، وفيه ما فيه من أسباب الشر.

والنوع الثاني تبعة الناس الذين يَرَوْن أسباب الشر فلا يتجنبونها، ولا يعدلون بأنفسهم عنها، وإنما يُقْبلون عليها، ويُسْرعون إليها، فهذه تبعة سلبية. وأيسر ما يستخلص من تحقيق هاتين التبعتين أن الإنسان ليس مسئولًا كل السؤال عن سيئاته؛ لأنه لم يبتكر أسبابها، ولم يَخْلُق دواعيها، ولم يَنْصُب أشراكها في طريقه. ولكنه في الوقت نفسه ليس مُعْفًى كل الإعفاء من هذه السيئات؛ لأن له عقلًا يهديه في هذا الطريق، ويدله على مواضع هذه الأشراك، فمن الحق عليه أن يهتدي وهو ملوم إذا لم يفعل. وإذن فهو الجبر الملطف، إن صَحَّ هذا التعبير، الجبر الذي يَعْذُر الإنسان بعض العذر، ولكنه لا يعفيه من التبعات كلها.

الجبر الذي يبيح لأبي العلاء أن يلوم الناس على آثامهم، ويأمرهم بالخير، ويَفْرِض عليه أن يحتاط لنفسه فيصطنع الخير ما وَجَدَ إلى ذلك سبيلًا، ويَكُفُّ أذاه عن الأحياء ما وَسِعَه أن يَكُفَّ أذاه عنهم.

وهذا الرأي من آراء أبي العلاء شائع في اللزوميات شيوعًا شديدًا على تَفَاوُت في ذلك، فهو مرة يُسْرِف في الجبر، ومرة يقتصد فيه، وهو على كل حال يؤمن بمقدار منه يتيح له أن يطمع في العفو مهما تعظم السيئات إذا كانت التوبة النصوح. على أنه قد يسوء ظَنُّه، ويشتدًّ خَوْفُه، ويعْظُم يأسُه، فيكاد يَقْنَط من رَوْح الله قنوطًا.

هذا كله حين يفكر في نَفْسه، وفي الناس، وفي حياتهم العاملة، وفيما قد يصيبهم أو لا يصيبهم من التبعات. أما إذا فكَّر في الأمر تفكيرًا فلسفيًّا مطلقًا، فهو يمضي في الجبر إلى أبعد حدوده، ولعله يتجاوز الجبر إلى ما هو أعظم منه خطرًا؛ فلا يُنْكِر التكليف، ولا يُجَادِل في أن الثواب والعقاب عدل، وإنما ينكر البعث إنكارًا، ويصبح ماديًّا أبيقوريًّا بأوسع معاني هذه الكلمة، وأدقها في وقت واحد.

والشيء الثاني الذي أريد تسجيله من هذا الفصل هو رأي أبي العلاء في النفس، وهو رأي يثبته في اللزوميات كما يثبته هنا، وهو متصل بالرأي الذي صَوَّرْته آنفًا، فالحياة مصدر الشر؛ لأن النفْس مصدر الحياة، والجسم من غير النفْس جماد، لا يُحْسن ولا يُسِيء، وإنما يَبْدأ إحسانه وإساءته حين تَنْبَعِثُ منه النفس فيَحْيَا. وأبو العلاء يلوم نفسه ويزجرها، ويرى أنها تحاول أن تخدعه وتغشَّه، ويأبى عليها هذا الغش، وذلك الخداع، ويعلن إليها أنه لو استطاع فِرَاقَها لَفَعَل فطلَّقها كما تُطَلَّق الزوج، أو أَعْتَقَها كما تُعْتَق الأمة، أو ذَبَحَها كما تُذْبَح الشاة، وهو على كل حال يدعوها إلى فراقه، وإلى أن تَنْزِل بعد هذا الفراق حيث تشاء.

ورأي أبي العلاء هذا في النفس مُثْبَت في اللزوميَّات كما قَدَّمْتُ. واقرأ قوله:

أَعائبةٌ جسدي روحُهُ
وما زال يخدمُ حتى ونى
وقد كلَّفَتْهُ أَعاجيبَها
فطورًا فُرادى وطورًا ثِنا؟

والمهم هو أن نعرف مَن الذي يتحدث إلى نفس أبي العلاء بهذا الحديث، ليس هو جسم أبي العلاء من غير شك، فالجسم وحده جامد هامد لا يُرْسِل حديثًا، ولا يُرَجِّع صدًى. وليست هي نفس أبي العلاء من غير شك، فالنفس لا تَتَحَدَّث إلى نفسها بهذا الحديث، ولا تُنْذِر نفسها هذا النذير، ولا تأمر نفسها بفراق نفسها. وإذن فهو العقل الذي ينظر إلى النفس والجسم جميعًا، ويفكر فيهما، وفيما بينهما من صلة، ويمتاز منهما ويصرفهما إن استطاع تصريفهما فيما يريد. فالشخص الإنساني عند أبي العلاء مُثَلَّث لا مُزْدَوَج، جسم لا يُحْسِن ولا يُسِيء، وإنما هو خادم مسيَّر لسيده، أو قُلْ لسيدته، ونَفْس تسيء بطبعها ولا تُحْسِن إلا أن تُهْدَى فتهتدي، وعقلٌ يُحَاوِل أن يُدَبِّر أمر النفس والجسم جميعًا. وهذا التثليث في شخص الإنسان أبيقوريٌّ أيضًا، فأبيقور يصوِّر الفرد الإنساني، ويصوِّره بعده لوكريس على أنه جسم تَشِيع فيه نَفْس هي مصدر الحركة والشعور والحس، وهي مصدر الحياة، وعقْل مستقِر في الصدر هو الذي يأمر النفس فتَعْمَل، وينهاها فتَكُف.

ولكن الأبيقوريين لا يَرَوْن خلود النفس، ولا يَرَوْن خلود العقل، وإنما يَرَوْن أن الموت يَحُلُّ الجسم والنفس والعقل جميعًا، وأن مادة هذه الكائنات الثلاثة تَنْحَلُّ بعد الموت إلى أصولها، وتَسْتَأْنِف وجودها وتطوُّرها المادي على نحو ما كانت قبل وجود الفرد.

أما أبو العلاء فقد اضطرب في هذا أشد الاضطراب؛ لأنه قرأ فلسفة الفلاسفة الذين يَرَوْن خلود النفس، ولم يقوَ على جَحْدها كما جَحَدَها الأبيقوريون، وعَرَفَ الديانات السماوية، وفيها ما فيها مِنْ أَمْر البعث والنشور، فلم يَزِدْه هذا إلا اضطرابًا إلى اضطرابٍ. وإذا هو يُنْكِر البعث حينًا، ويُثْبِته حينًا، ويرى خلود النفس مرة، وفناءها مرة أخرى، ويَقْطَع من مذهب الأبيقوريين بفناء الجسم وتفرُّقه بعد الموت، وخضوعه لكل ما تَخْضَع له المادة من ألوان التطور والانتقال.

وقد فَكَّر أبو العلاء في هذا كله، وفي غير هذا كله من الأمور الفلسفية منذ عهد الشباب، ولم يَبْلُغ الثلاثين حتى كان رأيه في أمر سيرته على الأقل قد استقر.

وهذا هو الشيء الثالث الذي أريد تسجيله من هذا الفصل، والذي أراه عظيم الخطر جدًّا في تاريخ الحياة الفلسفية لأبي العلاء. ويكفي أن تقرأ هذه القطعة لترى أن أبا العلاء لم يَبْلُغ الثلاثين حتى غَيَّر حياته التي كان يُشَارِك الناس فيها، واستأنف حياة جديدة هي التي أَنْتَجَتْ لنا اللزوميَّات والفصول والغايات:

ما زلت آمل الخير وأَرْقُبُه حتى نَضَوْتُ كمَلا ثلاثين، كأني ذبحت بكل عام حَملًا أبرق، بياضه الأيام، وسواده لياليه. وهيهات! كأنني قَتَلْتُ بالسنة حية عرماء! إن الزمن كثير الشرور. فلما تقضَّت الثلاثون وأنا كواضع مرجله على نار الحُباحب، علمتُ أن الخير مني غير قريب!

ثم يمضي أبو العلاء بعد ذلك في ألوان من الوعظ إن صوَّرْتَ شيئًا فإنما تُصَوِّر أخصَّ ما أَخَذَ نفسه به من خصال الخير.

فلندع هذا الفصل، وإن كنت أودُّ إطالة الوقوف عنده لننتقل إلى فصل آخر ليس أقل منه خطرًا.

فاقرأ هذا الفصل:
أنا كسير الجناح، فمتى نَهَضْتُ أَنهضْتُ، ولو صلحت للبِذلة لكنت السعيد، ولكن حال الجريرُ دون البرير، إنما أنا حيٌّ كالميت أو ميت كالحي! وما اعتزلْتُ إلا بَعْد ما جدَدْتُ وهزلَتُ، فوجدتُنِي لا أنفُذ في جِدٍّ ولا هزلٍ، ولا أُخصِب في التسريح ولا الأذْل، فعليَّ بالصبر، لا بدَّ للمبهمة من انفراجٍ!٢

فأبو العلاء يُعَلِّلُ لنا في هذا الفصل إيثاره للعزلة بعد أن علل في الفصل الذي فرغنا من الحديث عنه إيثاره للحياة الفلسفية. وهو في ذلك الفصل ينبئنا بأنه ظلَّ ثلاثين سنة يأمل الخير ويرقبه، ويعاني مع ذلك ألوان الشدة والسهول، يَعُدُّ في هذا الانتظار أعوامه، بل أيامه ولياليه، فلما بَلَغَ الثلاثين ولم يبلغ الخير استيأس منه، واستأنف حياة جديدة.

وهو في هذا الفصل ينبئنا بأنه كسير الجناح، لا يستطيع أن ينهض وحده، وإنما هو مستطيع بغيره، كما قال في غير هذا الموضع، ولو استطاع بنفسه لكان سعيدًا. وفقْدُ بصره هو الذي اضطره إلى هذا العجز، وهو ينبئنا بأنه قد شارك الناس في جَدِّهم وهَزْلهم، فرأى أنه لا ينفذ في جَدٍّ ولا في هَزْل. وليس فقْد بصَرِه وحْده هو الذي أعجزه عن أن ينفذ في الجد والهزل، فقد جدَّ قبْله بشار وهَزَلَ. وإنما أعجزه عن ذلك فقْدُ بصره، وأعجزته عن ذلك طبيعته التي كانت إِنسية الولادة، وحشية الغريزة، وأعجزته عن ذلك فلسفته التي اضْطُرَّ إليها، بعد أن ارْتَقَبَ الخير ثلاثين عامًا فلم يظفر به. وإذَنْ فلم يكن له بدٌّ من أن يُتِمَّ حياته الفلسفية الجديدة بهذه العزلة التي ينقطع بها عن الناس، وعما يكونون فيه من هزل وجد. والعزلة شاقة عسيرة الاحتمال، فليسْتَعِنْ عليها بالصبر، فلا بدَّ للمبهمة من أن تنفرج حين يأتي الموت، فيريحه ويريح منه!

وما أعرف أروع من هذين الفصلين في تصوير الناحية الإنسانية من شخص أبي العلاء، على أن الصبر لم يكن هيِّنًا عليه دائمًا، وإنما كان يعوذه أحيانًا، فيكاد يخرج عن طوره لولا فضل من قوة الإرادة، وحزْم الأمر، وضبْط النفس. فاقرأ هذا الفصل الذي يصوِّر ضِيقه بالعزلة، ويأسه مما كان قدِّر أنه قَدْ يظفر به فيها من الأمن، وراحة الضمير، والعزاء عن تركه بغداد.

فإذا هو لا يظفر من هذا كله بشيء، وإذا هو يندم على ترك العراق بعد أن انقطعت الأسباب بينه وبين العراق، كالراهب يفرض على نفسه لزوم الدير، ثم يتبين له بعد فوات الوقت أنه قد حاول ما لا يطيق فيندم حين لا يغني الندم عنه شيئًا.

وقد كان أبو العلاء يرى ترْك العراق ولزوم بيْته لونًا من ألوان الطاعة والبر، والتواضع، والإعراض عن غرور النفس، وكذب الشهرة والصيت. فلما تمَّ له من ذلك ما أراد رأى أنه قد حرم خيرًا لا تطيب عنه نفسه، فما عسى أن يكون هذا الخير؟ ليس خيْرًا ماديًّا، فلم يكن أبو العلاء ناعم البال في العراق، ولا مُسْتَمْتِعًا بَطَيِّبات الحياة، وإنما هو خيْر عقلي، هو هذه الحياة العلمية الفلسفية التي كان يحياها بين إخوانه وأصفيائه من العلماء والأدباء والمفكرين: «لا عُتيبة بقي ولا قُتيبة، كم فتًى من هُذيل، يُضْرب بالذيل، كان العُذيق والجُذيل، غودر برملٍ أو رُميلٍ، ما خلَّفه النضر بن شميلٍ، خيْر مِن خلَفِ أبي مُليلٍ، والفرخ أبي العُديل. عيْلًا عيلًا! قد وَرِثَ كَعْب جعيلًا، وتَرَكَ عِتْر قيْلًا، وسار في توبة رثاءُ ليلى، ثم أَضْحَوْا بالترب هيْلًا، لم يصيدوا جُميَّلًا. طويت المنازل عن العراق كأنني في الطاعة، وأظن ذاك بعض المعصية، وأحسبني لو وُفِّقْتُ لَانْقَلَبْتُ عائدًا على أدراج!»٣
وقد يبلغ الضيق بأبي العلاء أقصاه، وينتهي الحرج به إلى أبعد آماده، فيفكر في أن يصوم عن الطعام والشراب حتى يدركه الموت، ولكنَّه خائف دائمًا، خائف مما بعد الموت، فهو مضطر إلى أن يصبر، وإلى أن يحتمل، يؤثِر ذلك على أن يسرع إلى الموت، فيَلقى مِن ورائه ما يَكْرَهُ. فاقرأ أَوَّلَ هذا الفصل:
لو أمنت التبعة لجاز أن أُمسك عن الطعام والشراب حتى أَخْلُصَ مِنْ ضنْك الحياة، ولكن أَرْهَبُ غوائل السَّبيل!٤

هو إذَنْ في الفصول والغايات كما هو في اللزوميَّات؛ يائس من الخير لنفسه وللناس، مضطر إلى الفلسفة والعزلة، يأخذ بذلك نفسه؛ لأنه يَقْدِر عليها، ولا يأخذ بذلك الناس؛ لأنه لا يَقْدِر عليهم، فهو ينصح لهم حين يأمرهم باصطناع الخير، واجتناب الشر، وإيثار العافية ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا. والآلام الكبار التي يشكو منها أبو العلاء في اللزوميَّات وفي الفصول والغايات، والتي دعته إلى هذه الفلسفة، وإلى هذه السيرة العنيفة الشاقة قليلةٌ إِنْ أردنا إحصاءها، ولكن آثارها ونتائجها لا تحصى؛ فأبو العلاء يشكو فقْدَ بصَرِهِ، وفقْدَ أبويه، واضطرارَه إلى تَرْك بغداد. وكل ما يكون في حياته مِنْ أَلَم يَمَسُّ شخصه إنما يتصل بهذه الألوان من الحرمان، فُرضت عليه فكوَّنَتْ له هذا المزاج الحادَّ، يحسُّ كُلَّ شيء كأدق ما يكون الحس، ويَشْعُر بكل شيء كأقوى ما يكون الشعور المُظْلِم الذي لا يكاد يتصل بشيء حتى يُسْبغ عليه ظُلْمَته القاتمة مهما يَكُنْ مُشْرقًا مضيئًا.

وليس كتاب الفصول والغايات أنينًا وشَكَاةً على هذا النحو الذي رَأَيْتَهُ فيما رَوَيْتُ لك من الفصول، وإن كان من العسير أن تَجِدَ في كتاب الفصول والغايات فصلًا لا شكاة فيه ولا حزن، فقدْ كان أبو العلاء كله شكاة وحزنًا! ولكن أبو العلاء يخرج أحيانًا عن حُزْن نفْسه ومَلَلِها إلى جمال الفنِّ الخالص وروعته. يأخذ في القصة فَتُعْجِبُه فيمضي في تصويرها، ولعله يجد في هذا التصوير تسلية وعزاء، فيبسط ويطيل، ويأخذ في التفسير بعد ذلك فيُعْجِبُه العِلْم ويروقه، فيُطْنِب فيه ويُطِيل، ويُظْهِرُنا — كما قُلْتُ — على كنوز لا تُحْصَى كهذا التفسير الذي عَرَضَ فيه لِأَضْرُب الغناء، فَفَسَّرَها لنا تفسيرًا واضحًا جليًّا، أرجو أن يَعْنِي به أصحاب الموسيقى والغناء، فسيجدون فيه حلًّا لرموز الأغاني.٥
وما أكثر ما يُطْرِفنا به أبو العلاء في تفسيره مما يَمَسُّ تاريخ العَرُوض، وتاريخ ما يَعْرف الجاهليون، وما لَمْ يَعْرفوا من أوزان الشعر. وقد تَغْلبه الطبيعة الفنية على نفسه، فإذا هو يَتَكَلَّف الوعظ تَكَلُّفًا، يَتَّخِذُه وسيلة إلى عَرْضِ ما يريد أن يَعْرِضه من الصور. وربما كان من الظريف أن تقرأ هذا الفصل الغريب الذي أسجله لغرابته؛ ولأنه يوشك أن يكون لغزًا، وأمثاله في الفصول والغايات كثير، فاقْرَأْه وسلِّ نفسك عما أراد به أبو العلاء:

عجبتُ وفي القُدْرَة عَجَب، فوحِّدِ الله فيمن وحَّد، لدابَّة لا رِجْلَ لَها ولا يَدَ، إذا غَفُل عن الجسد مَنْ كان له يَتَعهَّد، نَشَأَتْ من الإهاب، فإذا ظفِرَ بها البائس جَعَلَهَا بَيْن ظُفْرَيْه، فأسمعَ أُذُنَه لها صوتًا، أُفِّ لها عقيرةً وأفِّ له طالبَ ثأر! إنَّ الله لَصَفُوح وهَّاب.

لو تركها البائس لنشأ لها أخواتٌ، فكَثُرْن كثرة النبات، فَأَوْقَعْن البَشرة في التهاب.

سبحان خالقِ النَّسَمة، الباكيةِ والمبتسمة. ما تقول غبراءُ مُترنِّمة، هي بالتسبيح مُهَينِمة، تَسْتَتِر في الأوقات الشَّبِمة، وتَبْرُزُ أوان الغَتَمة، القَسِمةُ بها موسَّمة، تُنفذها بمولمة، أحدَّ من غروب السَّلمة، تُوقِظ المؤمنَ إلى الحسنات الجمَّة، والكافرَ لغير مكرُمة، أمجوسيَّة هي أم مُسْلمة، أمَّا القراءَة فَزَمْزَمَة، ليست عن الدَّم بُملجَمة، بل من الأمم المتقدِّمة، لا تَرى اجتناب النَّشِمة، وتَقْنع بفصيد السَّنِمة، قَيْنةٌ غير مُعلَّمة، تُجِيبُها ألفُ رَنِمة، لا يَفْهَمُ عنهن الفهَمة، لو جاءت كلُّ واحدة بكلمة، أُوفِينَ على نظام النَّظَمة، تَقَعُ على الخادر بالأجمة، بين القصَرة والجمجمة، إِنها لمتهجِّمة، كأنها في القَصب تراسل القُصَّاب.٦

فواضح جدًّا أن الناحية الفنية هي التي غَلَبَتْ أبا العلاء على هذه الفصول، وإن استطاع أن يَجْعَلَ بينها وبين الحكمة والموعظة سببًا.

وهناك فنٌّ يُكْثِر منه أبو العلاء في الفصول والغايات كما أكثر منه في اللزوميَّات، وهو الملاءمة بين أسماء النجوم والكواكب، وأسماء الناس والحيوان، والعبثُ بهذه الملاءمة في شيء من السخرية بالناس وما سمُّوا، وبالأوهام وما خَيَّلَتْ لأصحابها. وهو في ذلك يذهب المذهب الذي أشرنا إليه أثناء الحديث عن بعض قصائد اللزوميات مذهب لوكريس في إنكار أوهام الناس، والعبث بما يكون بين الألفاظ من تشابه يَضْرَبُهُ مثلًا لِمَا يكون بين الصور مِن تَشَابُه، وربما كان بعض هذا الفصل مُغْنيًا في الدلالة على هذا الفن الذي يَسْتَغِلُّه أبو العلاء، فَيَسْتَخْرِج منه كثيرًا مِن الحِكَم والمواعظ، وكثيرًا من روائع الفنِّ أيضًا.

قال أبو العلاء:
هل مازنُ وهوازن القبيلتان في مُلْك الله إلا كمازنِ النملة، والهوازنِ من الطير النافرة؟ وكذلك كلاب بن ربيعة، وكلب بن وبْرة، إنما هما كلب مفرد، وكلاب مستنبِحة. وقضاعة بن مالك كالدَّابَّة الخارجة من خُضارة، وقريش كذاك، وفرقد السماوة كفرقد السماء، والجرْباء ذات النجوم بمنزلة الناقة الجرباء.٧

وفي أثناء هذا اللعب الفني الكثير بالألفاظ والمعاني على اختلافها وتَبَايُنِهَا يلقى أبو العلاء هنا أو هناك هذا الفصل أو ذاك، فَيَضْطَرُّكَ إلى أن تَقِفَ حائرًا مبهوتًا، تسأل ماذا أراد، وإِلَامَ قَصَدَ، وفيم فَكَّرَ. ولا تَكَادُ تُطِيلُ النظر في هذا الفصل أو ذاك حتى تستكشف أن أبا العلاء قد عَرَضَ لمشكلة من أشد المشكلات الفلسفية خطرًا، فأَمْضَى فيها رأيَه الذي خَطِرَ له في اللحظة التي كان يكتب فيها، وأمضاه مسرعًا لَبِقًا كأنما يَسْتَرِقُه منك استراقًا، أو كأنما يَسْتَرِق طَرِيقَه إلى نفسك، فَيُلْقِي فيها هذا الرأي الخطير مُسْرِعًا، ثم يَمْضي في طريقه فيستأنف فصلًا من هذه الفصول المألوفة التي يُكْثِر فيها العبث اللفظي، والمعاني القريبة.

ولأَضْرِبْ لذلك مثلًا هذا الفصل الذي تقرأه فَتَبْتَسِمُ وقَدْ تَضْحَكُ، ولكنك لا تكاد تمضي في قراءته حتى يأخذك شيء من الدهش، يَعْظُمُ قليلًا قليلًا، فإذا فَرَغْتَ من قراءة الفصل وَقَفْتَ حائرًا مبهوتًا، ثم لا تكاد تُفَكِّر حتى ترى أنك بإزاء مشكلة من أخطر المشكلات. فاقرأ هذا الفصل أوَّلًا:
يقدر ربنا أن يَجْعَل الإنسان يَنْظُر بِقَدَمِه، ويَسْمَع الأصوات بيده، وتكون بَنَانُه مجاريَ دَمْعِه، ويَجِدُ الطعم بِأُذُنِه، ويشمُّ الروائح بمنكبه، ويمشي إلى الغَرَض على هامته، وأن يَقْرِنَ بين النِّير وسنِير، حتى يُرَيا كفرسي رهان، ويُنزل الوَعِلَ الرَّعِل من النيق، ومجاوره السوذنيق، حتى يُشدَّ فيه الغَرَضَ، وتُكرب عليه الأرض، وذلك من القدرة يَسِيرٌ. سبحانك ملك الملوك، عظيم العظماء!٨

أترى إلى هذا الإنسان الذي صوره أبو العلاء بخياله هذا الغريب ناظرًا بقدميه، ماشيًا على رأسه، سامعًا بيديه، باكيًا بأصابعه، ذائقًا بأذنيه؟! أترى إلى هذين الجبلين قد استقرَّ أحدهما في الشام، والآخر في نَجْد، وقد جَمَعَ بينهما في قرَن فهما يَسْتَبِقَان؟ أترى إلى الوحش التي أَلِفَتْ أعالي الجبال، وقد تغير إِلْفها، فاطمأنت في السهول المنخفضة؟ أترى على الجملة إلى هذه المفارقات التي تكثر في الفصول والغايات كثرة تُثِير الدهش حقًّا؟ ماذا أراد بها أبو العلاء؟ أما ظاهر هذا الفصل فواضح لا غموض فيه، فأبو العلاء ينبئنا بأن قدرة الله شاملة، تَسَعُ كل شيء ممكن في رأي العقل، وأن هذا العالَم كما هو ليس إلا صورة ممكنة من صور أخرى ممكنة أيضًا، وأَن الذي أوجد هذه الصورة الممكنة قادر على أن يوجد غيرها من الصور. وهذا كما ترى لَوْن من ألوان التمجيد لله، والإشادة بقدرته الشاملة. ولكن أَمِنَ الحقِّ أن أبا العلاء لَمْ يَقْصِد إلا إلى هذا؟ أَمِنَ الحقِّ أننا نستطيع أن نكتفي منه بظاهر القول، وهو الذي يقول:

لا تقيِّد عليَّ لفظي فإِني
مثلُ غيري تكلُّمي بالمجاز

وهو الذي ينبئنا في غير موضع، وفي غير كتاب بأنه يؤثر الرمز، ويصطنع الألغاز، ولا يكره التحرُّز بالتقيَّة. وإذَنْ فماذا أراد بهذا الفصل وأمثاله، وماذا أراد بهذه المفارقات التي بثها فيما تَرَكَ مِن شِعر ونثر؟

أما أنا فما أشكُّ في أن أبا العلاء قد قَصَدَ بهذا الفصل خاصةً إلى رأي من أشد الآراء الفلسفية الأبيقورية خطرًا، وهو إنكار العلة الغائية، وإثبات أن العالم كما هو لم يُخْلق لغاية معينة من هذه الغايات التي نعرفها نحن، ونزعم أن الأشياء قد خُلِقت لتحقيقها.

وقد صَوَّر أبيقور وصَوَّر لوكريس من بعده هذا الرأي تصويرًا قويًّا رائعًا، فليس من الحق عند الأبيقوريين أن العين خُلِقَتْ ليُبْصِر بها الناس، ثم ليحققوا بهذا الإبصار ما تَعَوَّدوا أن يحققوا من أغراضهم ومآربهم، وليس من الحق أن القدمين قد خُلِقَتَا ليمشي عليهما الناس، وإنما أبصر الناس بالأعين؛ لأنها وُجِدَتْ كذلك، ومشى الناس على الأقدام؛ لأنها وُجِدَتْ كذلك. أو قل كما يقول لوكريس أن الأعضاء قد أَوْجَدَتْ غاياتها، ولم تُوجَدْ هي لتحقيق هذه الغايات. وإذَنْ فمِن الكبرياء المسرفة أن يظن الإنسان أنه قد اهتدى إلى أسرار الكون، ومن الكبرياء المسرفة أيضًا أن يظن الإنسان أنه الغاية من وجود العالَم، وأن الطبيعة قد خُلِقَتْ له، وسُخِّرَتْ لمنافعه وأغراضه. والحق على الإنسان أن يَقْتَصد ويتواضع في حياته العقلية والعملية أيضًا، في حياته العقلية فلا يزعم أنه قد عَرَفَ الحقائق كُلَّها، واستكشف الأسرار كلَّها، ولا يزعم أن بارئ هذا الكون قد فكَّر كما يُفَكِّر الإنسان، وقدَّر كما يُقَدِّر الإنسان، وأنشأ الأشياء لأغراض يسيرة ضئيلة كهذه الأغراض التي يتصورها الإنسان.

وفي حياته العملية فلا يغلو في إِكبار نفسه وفي انتحال ما يَنْتَحِل لها من السلطان على الكائنات، ولا يزعم أنه خُلِقَ ليسُود الطبيعة، فيجب أن تَسْتَذِلَّ له الطبيعة كلما أراد لها إِذلالًا.

وليس الذي يعنيني أن يكون هذا الرأي الذي يراه الأبيقوريون ملائمًا أو غير ملائم لأصول الديانات السماوية، وإنما الذي يعنيني هو أن أبا العلاء قد أخذ بهذا الرأي الأبيقوري كما أخذ بغيره من آراء أبيقور. فإذا كانت قدرة الله تستطيع أن تُوجِد العالَم على غيْر صُورَتِه التي نَعْرِفها، وأن تَضَع مَلَكَة الإبصار في القدمين، ومَلَكَة الشمِّ في المنكبين، ومَلَكَة السمع في اليدين، ومَلَكَة الذوق في الأذنين، وتستطيع أن تَجْعَلَ سهول الأرض وجبالها في غير الأماكن التي قُسِمَتْ لها، وأن تُقِرَّ في السهل ما أَلِفَ الجبل، وفي الجبل ما أَلِفَ السهل، فلماذا اختارت قدرة الله هذه الصورة الواقعة دون غيرها من الصور الممكنة؟

أما أبو العلاء فجوابه يسيرٌ لا غبار عليه، وهو يوافق الأبيقوريين من ناحية، ويخالفهم من ناحية أخرى. جوابه يسيرٌ، وهو أن لله حكمة لا يفهمها الإنسان، ولا يستطيع العقل أن يَبْلُغَ كُنْهَهَا.

وإذَنْ؛ فكُلُّ ما يصل الإنسان إليه من التحليل والتعليل في أقضية العقل، وكل ما يصل الإنسان إليه من الغرور والتسلط على الأحياء والأشياء باطل لا أَصْلَ له. ليس من حقِّ الإنسان أن يأكل الشاة؛ لأنها لَمْ تُخْلق لِيَأْكلها، ولا أن يَشْرَب اللبن؛ لأنه لَمْ يُخْلَق لِيَشْرَبه، ولا أن يَخْتَلِس ضَرْب النحل؛ لأن النحل لَمْ تَجْمَع ضَرْبَها له، وإنما جَمَعَتْه لِأَنْفُسها. وقصيدة أبي العلاء في اللزوميَّات صريحة واضحة في هذا كله:

غَدَوْتَ مريضَ العقل والدين فالقني
لتسمعَ أنباءَ الأمورِ الصحائحِ

فأبو العلاء هنا مُوَافِق ومُخَالِف للأبيقوريين، يوافقهم في إنكار العلة الغائيَّة، ويخالفهم في اعترافه بحكمة الله هذه التي لا يَفْهَمُها العقل. فالأبيقوريون — كما هو معروف — مادِّيُّون لا يعترفون بقدرة الإله على شيء من الخلق.

وأبو العلاء ليس مؤمنًا بالله — كما قلنا — غير مرة فحَسْب، ولكنَّه شديد الحرص على تنزيهه. يَبْلُغ به حِرْصه على هذا التنزيه أن يُشَارك المعتزلة في الارتفاع بالله عن الصفات فيقول:
لا أعلم كيف أُعبِّر عن صفات الله، وكلام الناس عاةٌ واصطلاح! وإِنْ فَعَلْتُ ذلك خشيتُ التشبيه، وأَشْرَكْتُ الضعَفة العاجزين مع القويِّ القادر في بعض المقال، إذَا قُلْتُ فِعْل الأول وفِعْل النعمان. وهيهات! ما أَبْعَد بَيْن الفعلين! لولا اجتهاد الناطق لفَضَّلْت السكوت، كيف يوصف بشيء خالق الصفات؟٩
ومع أنه يُنْكِر الصفات كالمعتزلة، ويُنْكِرها لنفس الأسباب التي حملت المعتزلة على إنكارها، وهي خشية التشبيه، وأن خالق الصفات لا يُمْكن أن يُوصَف بها، فهو يخالف المعتزلة أشد الخلاف في أهم أصل مِنْ أُصُولِهِمْ الأولى، وهو تخليد صاحب الكبيرة في النار. فأبو العلاء يُثْبِتُ العفو، ويُثْبِتُه في غير تحفظ ولا اقتصاد. فاسمع له كيف يُصَوِّر ما يمكن أن يُقْتَرَف من الذنوب، وما يمكن أن يَمْحُو هذه الذنوب من عفو الله في كلام رائع لا يَنْقُصُه من الشعر إلا الوزن:
لا آيس من رحمة الله، ولو نَظَمْتُ ذنوبًا مثل الجبال سودًا كأنهن بنات جَمير، ووَضَعْتُهُنَّ في عنقي الضعيفة كما يُنظم صغار اللؤلؤ فيما طال من العقود، ولو سَفَكْتُ دَمَ الأبرار حتى أستنَّ فيه كاستنان الحوت في مُعْظَم البحر، وثوباي من النجيع كالشقيقتين، والتربة منه مثل الصَرَبة، لَرَجَوْتُ المغفرة إن أَدْرَكَنِي وقتٌ للتوبة قصير، ما لم يحُلِ الغصصُ دون القصص، والجريضُ دون التعريض. ولو بَنَيْتُ بيتًا من الجرائم أسود كبيت الشَّعَر يلحق بأعنان السَّماء، ويستقلُّ عمودُه كاستقلال عمود الوَضَح، وتمتدُّ أطنابه في السهل والجبل كامتداد حبال الشمس، لَهَدَمَهُ عَفْو الله حتى لا يُوجد له ظلٌّ من غير لَبَاث!١٠

وأين يَقَعُ مِنْ هذا الجد الرائع هذا الشِّعْر العابث لأبي نواس حين يقول في ظرفه المعروف:

فقلْ لمن يدَّعي في العلم فلسفةً
حَفِظْتَ شيئًا وغَابَتْ عنك أشياءُ
لا تَحْظُر العفو إن كُنْتَ امرءًا فطِنًا
فإنَّ حَظْرَكَهُ بالدين إِزراءُ
ولا بدَّ من أن أصوِّر لك تَرَدُّدَ أبي العلاء بإِزاء البعث في كتاب الفصول والغايات كما تَرَدَّدَ بإِزائه في اللزوميَّات. فهو في هذا الفصل القصير يقطع بوجود الأرواح متعاليةً عند ربها بعد أن تبلى الأجسام في القبور، ولكنَّه لا يَعْرِفُ أمُنعَّمة هي أم مُعَذَّبة، فيقول: «الديار خالية، والأجساد في الحُفَر بالية، والأرواح عند ربِّنا متعالية، لا يُعلم أنعيم هي فيه أم عذاب.»١١
ومِنْ قِبَل هذا صَوَّرَ شَكَّه في البعث تصويرًا رائعًا مؤلمًا، فَذَكَرَ أنه يرى الموتى فيما يرى النائم فَيَسْمَعُ منهم، ويتحدث إليهم، ويكاد يُصَدِّق ما يَسْمَع لولا أنه يَتَّهِم خواطر الأحلام بالكذب، وذلك حيث يقول:
سبحانك مؤبِّدَ الآباد، هل للمنية نسبٌ إِلى الرُّقاد؟ لا أتخيَّل إذا انْتَبَهْت أحدًا من الأموات، وإذا هَجَعت لقيني قريبُ عهْد بالمنية، ومَن قد فُقِد منذ أزمان، أسألهم فيجيبون، وأحاورهم فيتكلمون، كأنهم بحبل الحياة متعلقون. لو صدق الرُّقاد لَسَكَنْت إِلى ما يُخبِر عن سكَّان القبور، ولكن الهجعة كثيرة الكذاب!١٢
وما أُحِبُّ أن أدع حديث البعث دون أن أَرْوِي هذا الفصل المؤثر الممتع الذي يَذْكر فيه أباه فيصلي عليه، ويُهْدِي إليه التحية، ويُعْلِن اليأس من لقائه. ولكن لماذا يعلن هذا اليأس؟ ألأنه يائس من البعث جملة؟ أم لأنه واثق بأن أباه يستمتع بنعيم الله، ومشفق من أن تَضْطَرَّه سيئات أعماله إلى الجحيم؟ قال أبو العلاء:
أدعوك وعملي سيئٌ لِيَحْسُنَ، وقلبي مظلم لكي يُنِير، وقد عَدَلْتُ عن المحجَّة إلى بُنَيَّات الطريق. وأنت العدل ومِنْ عَدْلِك أخاف! يا من سبَّح له زُرْقة الأفق، وزُرْقة الماءِ، وحُمْرة الفجر، وحُمْرة شفق الغروب، وإن كان الدمع يطفئُ غَضَبَكَ فَهَبْ لي عينين كأنهما غمامتا شَتيٍّ تبِلَّان الصباحَ والمساء، واجعلني في الدنيا منك وجِلًا لأفوز في الآخرة بالأمان، وارزقني في خوفك برَّ والِدَيَّ وقد فاد، برُّه إهداءُ الدعوة له بالغدوِّ والآصال، فاهدِ اللهمَّ له تحية أبقى من عُروة الجدْب، وأذكى مِنْ وَرْد الرَّبيع، وأحسنَ مِن بَوَارِق الغمام، تُسْفر لها ظُلْمة الجدَث، ويخضرُّ أغبر السَّفاة، ويأرج ثرى الأرض، تحيةَ رجل للُقيا ليس بِرَاج!١٣

وبَعْدُ، فهل أراد أبو العلاء إلى معارضة القرآن في الفصول والغايات كما ظن بعض القدماء؟ نَعَم ولا. نعم إِنْ فَهِمْنا من المعارضة مُجَرَّد التأثر، ومحاولة المحاكاة، إن فَهِمْنَا من المعارضة أن أبا العلاء قد نَظَرَ إلى القرآن على أنه مَثَلٌ أعلى في الفنِّ الأدبي فتأثره وجدَّ في تقليده، كما يتأثر كل أديب ما يُعْجَب به من الْمُثُل الفنية العليا.

ذلك شيء لا شك فيه، فأيسر النظر في كتاب الفصول والغايات يُشْعِرُك بأن أبا العلاء حاول أن يُقَلِّد قِصَار السور وطِوَالها. وليس المهم أنه وُفِّقَ في هذا التقليد أو لَمْ يُوَفَّقْ، بل الْمُحَقَّق أن التوفيق لَمْ يُقَدَّر له كما لَمْ يُقَدَّر لغيره، بل الْمُحَقَّق أنه لَمْ يَظْفَر إلا بِمِثل سَجْع الكهان، ولكن المهم أن هذه المحاولة ظاهرة ملموسة في الكتاب، وهي لا تضير الشيخ، ولا تُلْزِمُه إثمًا ولا حُوبًا.

وأنا لا أَفْهم مِن المعارَضة الاستجابة للتحدي، ومحاولة الإتيان بسورة أو سُوَر مثل سُوَر القرآن، فهذا خَاطِرٌ ما أَحْسَبُهُ خَطَرَ لأبي العلاءِ، فقد كان أشدَّ تواضعًا مِن أن تَبْلُغ به الكبرياء إلى هذا الحدِّ، وقد كان أَعْقَلَ مِن أن يُطَاوِلَ ما لا سبيل إلى مُطَاوَلَته، وقد كان أَحْرَصَ على الاحتياط والتحفظ من أن يُعَرِّض نفسه لمثل هذا الخطر العظيم.

أرأيت إلى كتاب الفصول والغايات كيف يُشْبِه اللزوميَّات من كل ناحية، ولا يخالفها إلا من ناحية واحدة، وهو أنه منثور، وديوان اللزوميَّات منظوم؟ الموضوعات واحدة، والمذاهب الفلسفية واحدة، وطريقة عَرْضِها مُفَرَّقَة مُخْتَلِطَة طريقة واحدة، واضطراب الشيخ فيها وتَرَدُّدُه بين متناقِضاتها هو بعينه الذي نلحظه في الكتابين، والتقيد بهذه القيود العسيرة الثقيلة هو بعينه الذي نَلْحَظه في الكتابين أيضًا.

الفصول والغايات لا يناقض اللزوميَّات في شيء، وحَسْبُك أنَّ بَعْضَه يناقِض بعضًا، كما أن بعض اللزوميَّات يناقِض بعضًا. ليس بين الكتابين تَنَاقُض، ولكن أحدهما مُتَمِّم لصاحبه، ومفسِّر لما غمض فيه. وإذا كُنْتُ آسَفُ لشيء فإنما آسَفُ؛ لأن هذا الكتاب قد ذَهَبَ عنَّا أَكْثَرُهُ، ولَمْ يَبْقَ لنا إلا أَقَلُّه، ومع ذلك ففي هذا الجزء الذي بقي منه غَناء عظيم.

وما أشدَّ حاجتنا إلى أن يُدْرَس هذا الجزء دَرسًا مُفَصَّلًا دقيقًا، ومَنْ يدري! لَعَلِّي أَفْرُغ لذلك، أو يَفْرُغَ له غيري من الباحثين ذات يوم!

هوامش

(١) الفصول والغايات صفحة ٢٧٩.
(٢) الفصول والغايات صفحة ٢٩٧.
(٣) الفصول والغايات صفحة ٣٠٨.
(٤) الفصول والغايات صفحة ٣٦٠.
(٥) الفصول والغايات صفحة ٨٨.
(٦) الفصول والغايات صفحة ٧٠.
(٧) الفصول والغايات صفحة ٤.
(٨) الفصول والغايات صفحة ٣١
(٩) الفصول والغايات صفحة ٨٨.
(١٠) الفصول والغايات صفحة ١٧٩.
(١١) الفصول والغايات صفحة ٨٠.
(١٢) الفصول والغايات صفحة ٨٠.
(١٣) الفصول والغايات صفحة ٢٥٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١