الفصل الرابع

ملِك العَسل والدعاوى

في الضِّيَاع أحزاب وفيها نضال، وفي القرى تطاحُن وفيها اقتتال. القرية دويلة يتنازع زعماؤها نفوذًا أقرع، وسيطرة مُقعَدة، جارِّين خلفهم من العوامِّ أذنابًا أطول وأكثر ألوانًا من أذناب طيارات الصبيان، وإذا فتشت عن أسباب تشاحُنِهم وجدتَها أنت تافهةً، أما هم فيرونها نقطة استراتيجية جليلة القدر. ومتى حَمِيَتْ حرب القرية وطار غبارها امتدت إليها بد الأحلاف الخارجيين ودبوا لنارها بالحطب.

كانت «المشيخة» قطبًا تدور حوله رحى «الأيام» القروية، ينفق الرجل ثروة ضخمة ليخاطبه الناس بيا شيخ، أما اليوم فتقوم قيامتهم على المختارية وولاية الوقف، وعلى الناطور ومعلم المدرسة، وعلى رئاسة البلدية وعضويتها، وعلى المقابر والمشاع … إلخ. وإذا فرغوا من تلك الشئون الداخلية تألَّبَتْ أحزابهم حول المديرية والقائمَّقامية والنيابة.

ولي قائمقامية كسروان شخصٌ، فأطلق أحد القرويين الأسهم النارية إعلانًا لابتهاجه و«غرضه»، فسأله أحدهم: أتعرف القائمقام الجديد؟ فقال: لا، ولكني عملت ما عملت نكاية بابن عمي واستفزازًا لخصومي.

مَن تأمَّل القرية رآها صورة مصغَّرة للعالم الأكبر؛ طورًا يسفر احترابها عن جرحى، وأحيانًا عن قتلى، وفي الحالين عن قوى عسكرية تحتل الضيعة؛ فتأكل دجاجها، والمعلوف من غنمها، والعجول المسمنة من بقرها، ويفنى مالها الناطق والصامت.

أما ضيعتي التي أحدثك عنها فأكبر جناياتها جرح بلغ القيراطين طولًا في نصف قيراط عمقًا، لم يطلق فيها عيار ناري بقصد قتل أو إرهاب. ضيعة وديعة حربها عقلية أكثر منها بدنية وحشية. ضيفها مُقرًى،١ تلبي صوت الداعي في السَّرَّاء والضَّرَّاء. وكلمة «طيبة» بمعناها الأصلي، أصدق نعت لها.

رسمت لك صورة قرياقوس ضاهر، بطل حرب القرية العلماني — وهناك بطل إكليريكي سيأتي دوره — وفي نيتي الآن أن أعمل على إبرازها.

جلا عم قرياقوس عن «حنوش» المزرعة الساحلية؛ حيث قضى فتوَّته عريانًا يصطاد السرطان والسمك، فإذا جاء أيار نضى٢ عنه ثيابه لا للنوم كصاحبة٣ امرئ القيس، بل للعمل نهارًا أمام عين الشمس، وليلًا تحت ضوء القمر، لا يبقى على ذلك الجلد التمساحي المفلس٤ غير قميص يستر العورة، نسج على نول القرية، لا في أوروبا. ألا رحم الله نول أمي وأمك!
ورث قرياقوس عن أبيه عقارًا مساحته نصف هكتار، في المقياس الأوروبي، وكدنتان ونصف في عرفنا. قلت عقارًا، فما هذا العقار؟ صخور مصطفَّة كأنها جنود الدهر تستعرض لحرب الآباد٥ أشكال وأنواع، لو رآها الجاهليون، لعبدوها دون اللات والعزى.٦ هاجمها قرياقوس بمتنه الأزل وساعده المفتول، وعدَّته: مخل ومهدة٧ ومعول.
إذا صادف عنادًا من صخر ممتد الجذور، كبير الرأس، صرخ: يا مرين — أي يا مريم — هاتي اللغم والبرِّيمة.٨ وبعد ساعة يزأر مناديًا: بارود، بارود، ويردد النهر صدى الانفجار، وتنجلي المعركة عن أشلاء الصخور المبعثرة، ويقف قرياقوس شامتًا بخصمه، ضاحكًا لانتصاره، كأنه سيف الدولة إذ وصفه المتنبي بعد وقعة الحدث:
تمرُّ بك الأبطال كلمى هزيمة
ووجهك وضَّاح وثغرك باسم
وقبل أن يكسر تلك الصخور بالمهدة، ويضعها على الرجمة٩ يقعد على أحدها كقائد ربح المعركة، يلفُّ سيكارة من الضبوة١٠ — الظبية — المعلَّقة في زنَّاره، ويقدح فيشتعل الصوفان، ويملأ صدر قرياقوس العريض من رائحته الذكية، لا البرد يثني قرياقوس ولا الحر يخمد همته. سنديانة جبارة سيان عندها الهجير١١ والجليد. وجه أسدي وعينان تقدحان شررًا، وإن لم يفارق العمص١٢ موقهما. كان قويًّا جدًّا ولكنه — لحسن الحظ — جبان، وإلَّا كان أكل الناس.

لم تنقضِ سنوات حتى صار لقرياقوس بيت وقبو وبئر، بناها بما قلع من حجارة، ولم ينزل عن حقه في الآبار القديمة الموروثة؛ ليظل باب الخصام مفتوحًا … أجال قرياقوس يد العمارة في الأرض الموات التي أحياها، فأمست توتًا يربي عليه ثلاث علب من بزر القزِّ، ويقبض في كل موسم عشرات الدنانير.

غرس الأشجار المثمرة حول بيته، ولم يترك شبرًا واحدًا بورًا، فلم تكن تجد عند الضيعة مجتمعة ما تجده عنده من ثمار وفواكه. يبدأ بأكل التين من منتصف آيار، وينتهي في آخر كانون الثاني. من التين القزي، إلى السويدي، فالحِمْيري، فالبقراطي، فالبويضي، فالشتوي. وكذلك العنب المتعدِّد الأشكال، المختلف الطعوم، ما عدا الجوز واللوز، والمشمش والقراصيا، والخوخ والتفاح والإجاص … إلخ. إذا سمع قرياقوس بصنف أو نوع شمَّر١٣ ساعيًا إليه، وجاء به وغرسه حول بيته؛ فأمسى وعنده جنة فيها من كل فاكهة زوجان. كثيرًا ما كنَّا نغزو العم قرياقوس ونعود غانمين، ولكننا قلَّما كنا نَسلَم من سِبَاب تقذفنا به تلك الحنجرة، فيصل إلى آذان الناس وكأنه حجارة المقلاع.
ولم تقف همة قرياقوس عند بيته، بل حملته إلى عقار آخر في ضاحية الضيعة، فحرثه ونقبه وغرس فيه الأشجار المثمرة. كان في تلك القطعة نبع مطمور١٤ اسمه «عين صيُّوح»، فنبشه وسماه «العين الجديدة»، ثم طمَّه بعد حين؛ لأن الناس كانوا يردونه خفافًا ويصدرون عنه ثقالًا، يمدُّون أيديهم إلى العنب والتين والفواكه، وهذا ما يغيظ البطل.

واشرأب قرياقوس إلى سياسة القرية حين بات في بحبوحة. انغمس في تلك البورصة المدمرة؛ فجاءته النكبات من كل فج عميق، وقضى عمره يدَّعي ويُدعى عليه وهو يستعين بالدَّين على حل مشاكله …

ورأى أن النحل دخل بلا أكل، فجعل وُكْدَهُ فيه حتى أربى عدد مدينة النحل عنده على ثلاثمائة جرَّة؛ فكان العسل عنده قناطير في عام الإقبال، وقد أغنى كنائس البلاد عن شراء الشمع العسلي الأوروبي، وإن كان لم يتبرَّع لكنيسة بشمعة. وإذا سأله وكيل وقف ذلك، أجابه ساخرًا: مساكين أولاد الوقف، ناموا أمس بلا عشا! وقفي أكبر من وقفك. ويشير إلى بطنه.

قلَّما سلم جار لقرياقوس من تعدٍّ وعداوة، فهو لا يعرف حَدَّهُ فيقف عنده، والخصومة مع قرياقوس أدت إلى خيرٍ إن كان ما ستعلمه خيرًا. التجأ أحد ضاربيه إلى مدرسة إكليريكية هربًا من السجن، فحمته المدرسة والثوب الإكليريكي في ذلك الزمان، فصار كاهنًا، وهاجر ضارب آخر إلى أمريكا فأثرى، وعندما عاد من خطرته الأولى أهدى إلى قرياقوس موسى أميركانيًّا فقبله … ثم شمَّر إلى الغد إلى بعبدا يطلب تنفيذ الحكم. ولكن الوقت كان قد فات، فالأحكام كالبارود يمسي بلا مفعول إذا طال عليه الزمن.

•••

بيت قرياقوس شمالي الضيعة، في منبسط جعله قرياقوس جنة؛ كدَّس الحجارة في آخر عقاره، فقامت هناك رجمة عالية مشمخرة١٥ على كتف النهر، كأنها برج داود، وإن كانت لا تتضرع لأجلنا … وعلى جبهة تلك الرجمة كانت تقوم خيمة قرياقوس صيفًا كأنها إحدى قلاع الدردنيل. فُتِنَ قرياقوس بصدى النهر والكهوف، فكان تارة «يهد على الزير»١٦ بأعلى صوت تقذفه تلك الحنجرة، ثم يصطبر قليلًا حتى ينقطع الصدى، فيتهلل ويضحك ضحكة صامتة، وأحيانًا يتنخَّع ويتنخَّم ليسمع الصدى. وأبهج دقائق حياته حين يقف أمام خيمته منتصبًا، حتى إذا عوت الثعالب صرخ بها: وريعو١٧ فتصمت رهبةً وخوفًا ويتنعم قرياقوس برجع الصدى.

سواء عند قرياقوس، أغالبًا عاد إلى بيته أم مغلوبًا، فشعاره: الله يدبر، أنت تريد ربك ما يريد. وكثيرًا ما كان يعود محكومًا عليه، فينبطح على فراشه في الخيمة، ويهدُّ على الزناتي خليفة، فكان ينكي بذلك خصومه ويمسي هو الغالب وهم المغلوبين.

يا سعدى أنا أكره «دياب» وذكره
كما تكره «الخالة» ولاد رجالها
بهذا البيت كان قرياقوس يمطمط ويعطعط١٨ ويشد خاصة على لفظتي «دياب والخالة»، فتخرجان من فمه الواسع كالطحير والزحير لافتة السامع.
وعند قرياقوس سلاح نكاية الآخر، سلاح ظرباني،١٩ جل شأنك، يطلقه عند نهاية كل بيت طلقات مترليوزية، فتُضحك من تُضحك، وتُؤلم مَن تُؤلم من الأعداء العاجزين عن الرد على قلعة قرياقوس بمثل مدافعها الضخمة العيار، المُعَدَّة القذائف دائمًا … أقرُّ وأعترف أنني عاجز عن تصوير قرياقوس، ولكن الحوادث التي ستقرأ تجلو لك ما غمض من شخصيته الفذَّة، فانتظرني أو فدعني إن كنت لا تصطبر.

إذا كنت تعلم أن عمرو بن معديكرب كان يأكل جديًا، فقرياقوس كان يأكل تيسًا ولا يحس أنه أكل. إنه يأكل بلا مقدار، فكان عنده مطحنة لا معدة. خاطروه مرة على وزنتي بطيخ، عشرة أرطال راجحة، فأكل ذلك. وخاطروه مرة على ثلاث إقات حلاوة، فأكلها وربح ما خاطروه عليه، وأكل مرة رطل حنكليس مع بضعة عشر رغيفًا، وتحلَّى بعد هذه الوجبة بنحو أقة من العسل.

ومع كل ما عند قرياقوس من عسل كان يشتهي الحلو في كانون؛ لأنه لا يعف عن شيء، لم أرَ فَمَه غير متحرِّك، وأي فَمٍ فَمُ قرياقوس! أدركته في مطلع شيخوخته، وقد سقطت أضراسه وأنيابه وأسنانه، وتجعَّد وجهه، فكنت إذا رأيته آكلًا، تخالك أمام كير دهري؛ فهو ينهش ويلهث، فلا تسمع إلَّا فحيحًا وغطيطًا. وإذا دعاك إلى الطعام يومئ إليك إيماء؛ لأن فمه يظل محشوكًا.

واشتهى قرياقوس أكلة حلو في بحر السنة الثانية من الحرب الأولى (سنة ١٤)، فجاء إلى صاحبه جناديوس يسأله أكلة تين يسند بها قلبه الهابط، كما عبَّر. أفزعت كلمة «الأكلة» عمي جناديوس؛ لأن قرياقوس يأكل رطل تين على الريق، فأطرق عمي كعادته في الخطوب الجليلة … أما زوجة عمي وهي أسرع من السنونو إلى قول لا، فأجابت ساخطة: من أين التين يا قرياقوس؟! أمس أكلنا آخر نتفة.٢٠

فصاح قرياقوس، وهو يكاد ينشقُّ من الغيظ: من عينيكِ، يقبر عيونك تينك … قال هذا وانصرف مغاضبًا.

وتَدلَّى التين القزي كالأكواز الفيروزية، فشرع قرياقوس يصبِّح التينة ويمسيها، ويناديها متضرعًا: عجلي يا مباركة، أنتِ خير من أوادم الضيعة …

وانفرجت أزمة الحلو عند قرياقوس حين أقبل الصيف بتينه الأبيض، ومرَّ يومًا جناديوس عائدًا من «شحواطا»٢١ وعلى ظهره سل من تينها الذهبي المعسل، فدعاه قرياقوس وألحَّ جدًّا ليطعمه قرص عسل «خوريَّة»: يا جناديوس، مثل الشمس عند الغياب، الحبيس٢٢ يشتهيها.
عَرَّجَ جناديوس فإذا به أمام معجن عسل فيه نحو عشرة أرطال، وإلى جانبه صينية — طبق — خبز، فلما صلَّب٢٣ جناديوس وتناول أول لقمة حتى قال له قرياقوس: كُلْ يا جناديوس، رصَّ يا ديك الحطب!٢٤ كُلْ حتى تنفزر.٢٥ أم القاتل تنسى يا جناديوس …

فلمَّ جناديوس شباكه وانصرف، وشيَّعه قرياقوس بضحكة لولبية، وظل يقول له: ارجع كُلْ. وجناديوس منهزم يلعن صباح قرياقوس، وقرياقوس يهدُّ على الزير:

وما زال الحصان يشيل بسرجو
عرب جساس مني هاربينا

هذه إحدى قصصه مع عمي جناديوس، أما قصته معي فهي من لون آخر. كنت منذ الصغر — كما أنا اليوم — مولعًا بالعصي والقضبان، وكنت أتردد على قرياقوس يغريني به شكله الغريب وحركاته، ويلذ لي حديثه. وكان قرياقوس أكولًا كما عرفت، يحب كل شيء وخصوصًا البيض المقلي مبردًا باللبن مع ورق البصل، ولا دجاج عند قرياقوس؛ لأن غارات الثعالب على بيته المنفرد لا تنقطع.

جئته يومًا وفي يدي قضيب زعرور مُحرَّق، فقال لي: هذا قضيب يا مارون؟ قضبان عمك قرياقوس قضبان … في كل قضيب ألف نقطة ونقطة، ولا نقطة مثل نقطة.

قال هذا ومعوله يشقُّ صدر الأرض شقًّا، فهيَّجني وأغراني، فتعلَّقت بذيل قميصه الخلفاني أترجاه وأستعطفه. فصرخ بي: ابعد، توقَّ حالك، ثم انطلق عيار خفيف من قلعته المحروسة، فتراجعت مذعورًا، فضحك والتفت إليَّ، وقال: قضيب من هذا الشكل يلزم لتنقيطه عشر بيضات، وقنينة زيت، وسماق ناعم مثل الكحل، وتين مطبوخ، وبصل وتوم، وعب تتن من تتنات بومارون، وكلما كثرت الأشكال، وتبحبحت الكمية، كان القضيب أحلى. فهمت يا عيني؟

– تسلم عينك. نعم فهمت.

وسرت في طريق البيت، وقرياقوس يناديني: خذه يبص مثل قشرة الحية. وجئته بما طلب فتغدَّى أحسن غداء، ثم مسَّد على بطنه، وقال لي: اغدُ عليَّ خذ القضيب.

فعبست وأجهشت بالبكاء، ولكني خفت الفضيحة فتجلَّدت وحبست دمعتي، وحان موعد العشاء السرِّي فلم تجد أمي بيضًا لتعشِّينا، فاستعارت من عند الجيران وسكتت.

وكانت عينها عليَّ في الصباح، فرأتني غاديًا أهملج٢٦ في طريق بيت قرياقوس، فاستنطقني عند رجعتي من عنده فاعترفت، فأشرفت على قرياقوس وهو ينقب أرضه وصاحب به: القرود تاخدك يا قرياقوس! كبير قد الجمل، تضحك على ولد صغير؟ ليتك تشتهي البيض! اطلب حتى نعطيك.

– أهلًا وسهلًا بأم مارون. يشهد عليَّ ربي ما قصدي الضحك على الصبي. ضاعت ولقيناها يا أم مارون، ما صار شيء إلا صار مثله، يفرجها الله، العسل قريب. يا ويل الذي عنده وما عند جاره.

وعادت أمي تطبطب٢٧ وسترت هذه الهفوة عليَّ، ونجوت من قتلة مشبعة، كما كان يتهددني أبي عند كل زلة، وما كان أكثر زلَّاتي.
لم يسترح قرياقوس في تلك الجنة التي أبدعها، فلجَّ الخصام بينه وبين جاره فتضاربا، وتلت تلك المضاربة إشاعة قامت لها الضيعة، وقعدت: طرَّحت٢٨ أم فارس، طرَّحها قرياقوس.

وجاء الآغا على رأس فصيلته يهزُّ الكرباج، يتهدد ويتوعَّد، سوف يعمل ويسوِّي … وقرياقوس ساكت لا يزيد على قوله: الحق يحق … الله موجود.

إذا سمعت كلام قرياقوس ظننته رجلًا تقيًّا مفكرًا، مع أنه لا يحس إلَّا الساعة التي هو فيها، كان قليل الاتصال بالناس، لا يؤاسي ولا يسلي ولا يتوجع، كما قال بشَّار. وعاقبوه على هذه القطيعة، فلم يدفنوا ابنه الذي مات جوعًا في زمن الحرب، فاستأجر مَن دفنه ودفع الأربعة بشالك أجرة نقل ودفن، أما التابوت فلم يعد في الحساب، فتابوت الإنسان ثيابه إن كان بقي عليه ثياب.

وجرى استنطاق قرياقوس في جو مكهرب، فريق يسانده وفريق يضغط عليه، ولكنه كان رابط الجأش، لا يزيد على قوله جوابًا على كل سؤال: ما عندي علم ولا خبر.

نصب له الآغا فخاخًا فلم يقع فيها، فصاح الآغا محنقًا: فَلَقْتنا٢٩ يا قرياقوس، أنت ملاك، أنت قديس، الله يرزقني شفاعتك — وقرع صدره كالمتعبد — ثم قال: هذا تحقيق، هذا طق حنك!

فقال قرياقوس: يدك وما تعطيك يا آغا، هات كل ما عندك. لا تخلِّ من جهدك، إياك تقصِّر …

فانتفض الآغا، ورمى بالقلم، فكبَّ المرملة وقلب الدواة، واستوى على قدميه صارخًا: تتهددني يا قرياقوس! أنا ابن حكومة، تعارضني في مأموريتي؟!

– مرحبًا بك يا آغا. افتكر مثلما تريد. يا بحر ما يهزك ريح. الحبس للرجال يا فارس.

فصخب الآغا وعربد وكاد يخرج من ثيابه؛ ساءه ترك اللقب، أكثر مما ساءه الازدراء، فصاح: أنت رجل؟ أنت وحش دب!

– الكرامة لثوبك يا فارس.

فأرغى الآغا وأزبد، ولوَّح بكرباجه، فقال قرياقوس: لا تعرِّض نفسك، إن مددت يدك أكسرها من الكوع.

وظل الآغا يتبختر ويتنمر منتظرًا هبوب الزوبعة من الكيس.

وحاول أرسانيوس مختار القرية استعطاف الآغا، فصاح قرياقوس: اتركه يا أرسانيوس. بتدين٣٠ قريبة، وبعبدا أقرب، وجبيل على ضربة حجر. أنا سابقك لجبيل يا فارس.

فعوى الآغا كالذئب: كلب، كتِّفوه.

وجدَّ الجد، فلعبت الفلوس دورها، فانفك كتاف قرياقوس لقاء خمسة عشر ريالًا مجيديًّا قبضها الآغا نقدًا.

وعاد وجنوده إلى جبيل بعدما وعد أخصام قرياقوس «بملحوظات» محلية، تحرق دين قرياقوس من تسع وتسعين جهة … وتهتك حريمه، ولو شهد عليه واحد فقط أخذه مكتفًا إلى جبيل، وربطه في ذنب الحصان، ولكن …

كانت مقاومة قرياقوس في كل أزمة كمقاومة زهرة اللوز لعواصف شباط، تأخذ منها كل شيء إلَّا الجرثومة، لم يكن قرياقوس زهرة بل شوكة، لا يدري متى ترفع رأسها لتدمي.

أرضى الآغا الخصوم، أما قرياقوس فلم يرضَ. ها هو يبلُّ وجهه ويديه بقليل من الماء، ويلبس ثياب «الشريعة»:٣١ سكربينة صنع الزوق، وطربوشًا مغربيًّا ذؤابته — شُرَّابته — مائة درهم، مشدودة عليها «وربة» من الحرير الشامي، وصديرية مخمل مزرَّرة يغلف بها ذلك الصدر البعيري، وفوقها كبران مفتَّك — مطرَّز — وزنار من الكشمير مقلم، وشروال صوف أسود مطرز على الفخذين والساقين بالبريم الحريري، خاطه قرياقوس يوم عرسه الأول.٣٢

وبينما كان يلبس ثياب «الشريعة» كانت زوجته تغسل السطل، وهو يحثها مناديًا: عجِّلي يا أم يوسف، تحرَّكي يا حرمة، ثم يخاطب نفسه بصوت مسموع: الهدية مفتاح الباب.

ثم يعود إلى مخاطبة زوجته: لا تنهمِّي يا مرين، أنا قرياقوس أنا! وحق القربان الطاهر، وحق مار روحانا إن بقي الآغا في جبيل أحش شواربي.

ومشى قرياقوس يهدف٣٣ كالجمل الهائج، وفي يمينه سطل العسل، وفي كتفه اليسرى يعلِّق جرابًا فيه زاده. راقبه خصومه ليعرفوا كيف يتوجَّه، ولمَّا اختفى عند الصليب تأكدوا أنه ذاهب إلى جبيل، وفيما هو يصعد في عقبة شامات٣٤ سأله رجل مُجِدٌّ في سيره: من هنا الطريق إلى عين كفاع؟

– نعم، خط مقوم، انظر، عين كفاع قبالتك، وجهك والدرب. قال له كل هذا وهو يفكِّر في مصيره، وما تقتضيه الدعوى.

وما ابتعد الرجل عنه مقدار رمية حجر حتى استوقفه قائلًا: يا عم، مَن تقصد من عين كفاع؟

– الخوري يوسف مسرح.

– بالبيت، حظك طيِّب.

وتوجَّه كل منهما في سبيله: قرياقوس يزحف ليبلغ جبيل مع الغروب، وتفتح له هديته الباب كما زعم، والرسول ليؤدي الرسالة في حينها. الرسول يغني العتابا والميجانا، وقرياقوس يشكو إلى نفسه خفة كيسه. لم يبقَ لديه غير ثلاثمائة قرش والموسم بعيد. الدعوى كبيرة، جناية يحتاج النفوذ في مضيقها إلى ألوف، ومن أين له الألوف؟ واشتدَّت عليه وطأة ذلك الحلم الواعي، فصاح: القرش الأبيض لليوم الأسود، بالمال ولا بالرجال، بيني وبينهم إسطنبول.

وتذكَّر الرجل الذي التقى به فصرخ: ها، ها. بان الفرج، وعنَّ له في ذلك الوادي — وادي حبالين٣٥ — أن يهد علي الزير بما يناسب المقام، فصرخ:
ألا يا خال خليها على الله
ولا مستعجلًا يبلغ مناه
اصبر يا قرياقوس، هذا مكتوب المطران بو نجم لخوري مسرح، يحرس دين لحيتك ولحيته يا خوري يوسف. شدوا يا كلاب العرب، أنا قرياقوس أنا! الليلة ننام عند يزبك القويق في جبيل، ثم خَفَّضَ صوته وقال: وبكره نكون في «المنصف».٣٦ نتدَّين من الخواجه ملحم المال اللازم، خير كثير. غلة سنة توفي الدين.

ثم هرول لا يلوي على شيء، كأن أحدًا يسوقه بسوط.

•••

وقصد الآغا قلعة جبيل، مقر المدير؛ ليقصَّ على عزتلو أفندم حضرتلري حكاية جناية عين كفاع. قصَّها بصيغة خطابية مفخمة، قال فيها «يا افندم» سبعين مرة وأكثر، والمدير صابر عليه. وأخيرًا قال له بسخر لاذع: وأين قرياقوس؟!

فقال الآغا: مريض يا افندم، كفله أحد أوادم الضيعة وخلَّينا سبيله.

فهدر قرياقوس في مطبخ المدير، وهو يفرغ سطل العسل: بين الأيادي قرياقوس، يا سيضنا — يا سيدنا — صحتي مثل العجل. خرَّاط٣٧ كبير الآغا يا بيك، الفلوس تعمل العجائب يا مولانا. برطلناه بخمسة عشر «ريال مجيدي» …

وانجلت المعركة عن فصل الآغا إلى جونيه، وعودة قرياقوس إلى البيت بشفاعة سيادة المطران، وسعادة سطل العسل؛ وقديمًا قالوا: لله جنود من العسل.

١  القِرَى: تقديم الطعام للضيف.
٢  خلع.
٣  إشارة إلى رواية وردت في معلقة الشاعر.
٤  فيه فلوس كجلد السمك.
٥  جمع أبد، أي: الحرب التي لا تنتهي؛ إشارة إلى بقاء الصخور على مرِّ الزمان.
٦  من أصنام العرب في الجاهلية.
٧  مطرقة ضخمة لتحطيم الصخور.
٨  آلة لثقب الصخور، والبريِّمة لتنظيف الثقب.
٩  ركمة حجارة.
١٠  كيس التبغ.
١١  شدة الحر.
١٢  العمص تحريف عمش، وهو سيلان الدموع لضعف في العين. والموق: مجرى الدمع من العين.
١٣  شمَّر ثيابه استعدادًا للعمل.
١٤  غائر تحت الأرض.
١٥  مرتفعة عالية.
١٦  يغني أشعار المهلهل.
١٧  نداء للكلاب يخيف الثعالب.
١٨  العطعطة: اختلاط الصوت.
١٩  الظربان حيوان بحجم الهر، إذا هُوْجِمَ بعث من مؤخرته رائحة كريهة ترغم العدو على الفرار، إشارة إلى أن قرياقوس كان يطرح على خصومه الأقذار.
٢٠  كمية قليلة.
٢١  مكان في مسقط رأس المؤلف.
٢٢  الناسك المتعبد.
٢٣  رسم إشارة الصليب على وجهه وصدره.
٢٤  لقب قروي للسخر.
٢٥  تنشق.
٢٦  الهملجة هي المشية السهلة بسرعة.
٢٧  تحكي همسًا بين شفتيها.
٢٨  أجهضت.
٢٩  بالغت في إزعاجنا.
٣٠  بيت الدين: بلدة لبنانية في الشوف، وكانت آنذاك مركزًا للقضاء، وكذلك كانت بعبدا في المتن، وجبيل في كسروان.
٣١  الثياب التي يرتديها ليذهب إلى المحكمة ويشارع خصومه.
٣٢  إشارة إلى أنه تزوَّج مرتين.
٣٣  مشى مسرعًا كالجمل.
٣٤  مكان في لبنان.
٣٥  بلدة في لبنان.
٣٦  بلدة في لبنان.
٣٧  كذَّاب، والخرَّاط الذي يخرط العود ويثقفه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١