الفصل السادس

بَين الطَّبيبِ والكاهِنْ

هو ذا قرياقوس المصعوق١ منبطحًا على فراشه، في زاوية بيته الشمالية، كأنه الجاموس، والقرية بأمها وأبيها، محشورة٢ في ذلك الوكر؛ جاءت لترى الجبار، وقد أصابه رشاش من الصاعقة، فاستدار كقرد جرير.٣
سمَّى العرب أحدهم مضرِّط٤ الحجارة، فماذا ترانا نسمي نحن بطل «الصيران»٥ وقد شقَّق الصخور تلك البقيعة وفتَّتها، وقال لها: كوني جنة، فإذا هي كالتي وُعِدَ بها المتقون، فيها من كل فاكهة أزواج.
شرارة سماوية تكاد لا تدرَك فتت في عضده، وفككت سلسلة عزيمته الفولاذية، وألقته كومة في فراشه؛ تارة يرتجف كوريقة صفراء يداعبها نسيم الخريف ولا تدري متى تطيح، وأحيانًا يهمد، فيقال: فارق. يغمض عينيه فتخاله أسلم الروح، ثم يحملق فتحسبه بالعًا شيئًا، وقد وقف في مجرى تلك الأسطوانة. صَبَغَتْهُ النازلةُ فزكَّت لونه وأسكتت حنجرته الصاخبة، فما تبين بحرف. الناس واجمون حوله، من وقوف خلف الزحام وخنس،٦ أعينهم جميعًا عالقة بمشهد مفزع. مشهد تمثل له الأتقياء بقول النبي داود: «تأديبًا أدبني الرب وإلى الموت لم يسلمني.»

أما الشامتون، فكانوا يقولون فيما بينهم: الله طويل الروح، شديد العقاب. أما الكلمة المشهورة التي تدور على كل لسان في مثل هذه الحال: «الله يجرِّب خائفيه.» فما خطرت على بال أحد …

إذا احتدمت نوبة الألم، تعالى صراخ ذلك الجسم الممسوس٧ بقضيب غضب الطبيعة، وأجفل الناس وانداحت الدائرة حوله، ثم يسكت، فيعلو لغط٨ الناس، وتختلط الأصوات، فتخال ذلك البيت سوق الخضر في مطلع النهار. هنا عجوز تقرع صدرها قرعًا دقيقًا معجلًا، وتسرُّ إلى أقرب النساء إليها: يا عضرا نَجِّينَا، ما أبشعها آخرة! وهناك كاعب٩ ترتجف، وتغطي وجهها إذ يعجُّ١٠ قرياقوس ويخور.
وكان مؤتمر طبي فأشار فريقٌ بالكيِّ، وأثنى آخرون على العلق،١١ ورأى بعضهم أن يُدعى الطبيب، وألحَّ بعضهم الآخر في طلب الخوري ليصلي على ذلك البيت «المسكون»،١٢ فيطرد الأبالسة التي جمعها «المغاربة»،١٣ وعجزوا عن طردها، فاستوطنت ذلك البيت وعششت فيه وفرَّخت.
أما زوجة الرجل، فكانت بينهم وكأنها ليست منهم، سادرة كأنه لا يعنيها شيء من ذلك المشهد. ترى زوجها يتقلَّص ويتمدَّد كأم أربع وأربعين متى أدنيت منها النار، وهي لا تدري مع أية صرخة تذهب روحه. إنها أول ساعة ترى فيها الناس ببيتها، وكأنه وكر نمل. هذا يدقُّ رأسه بالغربال المعلق في الوتد، وتلك بالمنخل، وهذه ببرنيَّة الدهن، وتلك تعثر بالمعجن، وهاتيك يصطدم رأسها بقطرميز العسل فيترجح … حتى إن أحدهم أسقط الرف؛ فتكسَّرت بضعة صحون ودورق١٤ قرياقوس المشهور.
كل ما في بيت الفلاح اللباني من ماعون١٥ يقع تحت نظرك؛ ففي الجدران أوتاد وطاقات وخزائن تعي أشياءه ومعداته، من المعول والفأس، إلى القدوم والإزميل، والمنجل والمنشار. وفي بيوت كثيرة تجد التبَّان وأطباق القز١٦ والنول ودولاب السدى١٧ والمسلكة١٨ والمغازل.١٩ أما قرياقوس فليس في بيته شيء من هذه الأشياء الأخيرة، فما تقوم به البقر يعمله هو، والنحل يحوك له ويغزل، ورُبَّ ساعٍ لقاعد. كانت تسوء حالته كلما تقدَّم الليل فتشتدُّ أوجاعه، ويتعالى شخيره ونخيره؛ فتخاله ينازع ثم تزول تلك الحالة، فتحلُّ محلها أخرى أشدُّ وأكرب، وأخيرًا أعيت زوجته، فهبطت وتكوَّمت عند قدميه، حائرة كأنها في دنيا غير الدنيا، تسمع ولا تعي. تخالها مصغية إلى المتحدثين، وهي لا تدرك شخوصهم. حتى إذا تصوَّرت زوجها يموت، انتفضت انتفاضة العصفور بَلَّلَهُ القطر، وتنبَّهت لحظة لتعود إلى بحرانها.

وانتظرتْ مدة كما قالوا لها، وإذ لم ينطفئ السراج عادت وولدها راجية أن تبلغ البيت وترى زوجها أحسن حالًا، فإذا بآلامه وأوجاعه تزداد وتشتدُّ.

ودعي الخوري فلبَّى. صلى بحرارة، وبارك بشدة، ونضح المريض وزوايا بيته الأربع بالماء المبارك، لم يَدَعْ مكانًا حتى أمطره وابلًا، وانتظر حلول البركة على البيت وساكنيه، فما ازدادت الحالة إلَّا سوءًا، فعاد من حيث جاء وهو يقول لشمَّاسه: وأيش تعمل صلاتك يا خوري في عش المغاربة٢٠ ووكر الشياطين؟ إن بخور مغارة دانيال٢١ غلب بخور الكنيسة.

فصاح الشماس: آمين. فضحك الخوري وقال: أيش قلت يا سمعان؟

قلت: آمين. حسبتك تصلي يا معلمي.

•••

ليلة سوداء ما مرَّ مثلها على رأس أم يوسف، رأتها أطول من الصوم كله، بل من العمر. النذر لم يُقبَل وصلاة الخوري ما نفعت. لا شبه أمل إلَّا بالسراج … وخفَّت إلى الهيكل لترى إذا كان انطفأ، فرأت لسان لهبه يلعب ويتراقص على حيطان الكنيسة، فعادت مستبشرة؛ لأن الله قبل نذرها.

وأخيرًا نعس الناس وملُّوا المشهد؛ فانسلوا واحدًا خلف واحد، إلا ابن أخي زوجها. وهوَّمت٢٢ أم يوسف فحنت رأسها ضاربة صدرها بذقنها. أبصرت في نومها أن زوجها يعود إلى حنوش، وهي وولداه يوسف ويوسفية يسيرون وراءه في طريق قلق المجاز. طريق كأنها فوق «شير العاصي»٢٣ ولكنها ليست هي، وإذا بها تهوي من ذلك العلو الشاهق، فتتذكر مصرع سليمان كنعان، والعهد به قريب.
واستيقظت مذعورة فإذا بامرأة نَصَفٍ٢٤ جالسة حدَّها، تهزُّها لتوقظها، وتقول لها: تصبَّري واعتبري يا مرينة، الله يطوِّل لنا الحبل، ولكنه أخيرًا يضرب بقساوة. من قال لك يا أختي إن الله راعي بقر؟ لا تصدقي. ربنا يحاسب على كل شيء. متى صلى زوجت ومتى صام؟ قولي لي متى انقطع يومًا واحدًا عن الزَّفَر في الصوم كله؟ لا فرق عنده بين الجمعة والخميس. أحلف وضميري مرتاح — ومدت صوتها بالألف مدًّا طويلًا — أني ما نظرتك عيني راكعًا يا قرياقوس، يقعد في الكنيسة مثلما يقعد في «الصيران».٢٥ هل بشَّر٢٦ مرة في حياته؟ يدق جرس الكنيسة، وكأنه جرس المعزى، لا يحس قرياقوس ولا يطس! كل الناس تكشف رأسها وتركع وتبشِّر في الحقول، وابن عمك يتمالغ٢٧ ويضحك. حديثه كله أكل هوا. أكل وشرب وﺿ… وهدُّ على الزير. هذي ضربة من الله يا أم يوسف. انذري لمار روحانا يتحنن عليك. الدورة عليكِ وحدكِ يا مستورة. خذي حذرك يا بنت الحلال.
فنهضت أم يوسف وأيقظت ابنها الأشل، فقعد يتمطى بدون وعي، ثم ارتمى على مخدته. فأسرعت إليه تلك الهركولة٢٨ الواعظة، وجذبت اللحاف عنه بعنف وصاحت به: قُمْ يا كلب. قم اسهر مع أمك. أبوك مضروب على قلبه، وأنت منبطح على فراشك مثل عدل التبن٢٩ … قم يا كديش، ما أبشع قرياقوس وخلائفه! تقبر ذقن والدك.
فانخنس٣٠ يوسف هنيهة، ثم تحامل على نفسه متأففًا، وتناول القنديل المضاء وقارورة الزيت، وسراجًا خزفيًّا، بينما كانت أمه تشيل فسطانها المخملي الأحمر من صندوقها، هو فسطان العرس نذرته لشفيع القرية.

وركعت في صحن الكنيسة تصلي سائلة مار روحانا شفاء زوجها، وبعد صلاة قصيرة أضاءت السراج الخزفي، ووضعت قربة قارورة الزيت.

وأخيرًا دُعِيَ الطبيب …

مع الشمس دخل لطف الله بيت قرياقوس، من الباب الشرقي. لا حيَّا الله ولا سلَّم، أخرج ساعته «الليبية»٣١ من زناره، وقال مشيرًا إلى ساعته المفتوحة: تصوري يا مرين، بعشر دقائق وصلت من معاد إلى عين كفاع،٣٢ ثم فتح طبقتها الثانية، وأخذ يدوِّرها بمفتاحها وهو يلهث.
حكيمنا البلدي أشقر البشرة، أنمش.٣٣ طويل القامة، صغير الرأس، متهدِّل٣٤ الشاربين الأشقرين، يلبس غنبازًا من الحرير المصبوغ، ويؤثِر دائمًا اللون الأسود ليشهد به عند الاضطرار مأتم من يطبِّبهم، ويمشي خلفهم مشية ثعلب لافونتين٣٥ … إذا حلَّ ببيت فهو لا يفارقه ما لم يفارقه المريض. لا يلتجئ إلى صيدلي، فهو الطبيب والصيدلي، وقد ذكر لي أنه قام مقام الخوري أكثر من مرة …
وفي ثنايا زناره الكشميري أسبيرين وكينا ومسهلات، من أي نوع شئت، ونباتات يلمُّها من هنا وهناك، «ويعمِّدها» مسميًا إياها أسماء طبية، كما وردت في «الأقرابذين»،٣٦ وحفظها عن ظهر قلبه، وكثيرًا ما يحدِّثك عنها ببراعة؛ فتخال أنك بحضرة أبقراط وجالينوس والشيخ ابن سينا.
الدكتور لطف الله حاضر البديهة، يسمِّي لك ورقة قرَّاص وخبيزة٣٧ باسم طويل ينتهي غالبًا بالسين أو النون تكبيرًا لفهمه، وتعظيمًا لعلمه، أما جيوب قبائه٣٨ — وهو يلبس قباء حقًّا — المهدلة، ففيها كتب خطيَّة ورِثَها عن جده … وفي أكياسه الداخلية آلات الجراحة: كسكين رقيق الشفرتين، يفصد به ويشطب، وميزان حرارة عتيق زئبقه مقطع، ومسمار صنعه عند الحداد يكوي به، وملقط شعر، ومحقنة وسط يستعملها لحقن الأذن، ويولجها في باب البدن، إذا اقتضت الحال …
وسأل عن مكان يفرغ فيه حمولته، فدلَّته أم يوسف على «يوك»٣٩ وضع فيها أشياءه.

وتوافد المفتقدون والمسلِّمون على الأفندي، وطال التسليم والزوجة تنتظر التسلُّم. تنتظر الساعة التي يمد فيها لطف الله يده المباركة إلى زوجها فيشفى، ولطف الله متشاغل بالسؤال عن صحة الجميع. يطمئنهم فردًا فردًا على صحته الغالية، وإلى المرضى الذين تركهم تحت رحمة الله.

تعجَّبت مريم من إبطاء الحكيم، واستغرب الحكيم عمى قلب مريم وقلة ذوقها … كيف لم تفهم أنه تعب جدًّا، ويجب أن يرطِّب بلعومه٤٠ الجاف! فهو أصحل٤١ مستريحًا، فكيف به وقد تدحرج في نزلة معاد، وتعلَّق بأذيال عقبة عين كفاع؟ أما أفهمها بالقلم العريض، فور وصوله، أنه قطع بعشر دقائق مسافة ما بين معاد وعين كفاع؟! وهذا ما تعجز عنه البغال، وحضر خبير بأحوال لطف الله، فما كاد يقول للمرأة: اسقيه … حتى ابتدرها لطف الله قائلًا: عندك سبيرتو لنطهِّر يدنا؟ هاتي قنينة العرق، العرقي يغني عن السبيرتو.

فقال الرجل: والنبيذ مليح. فقال لطف الله: أيوه، الكحول كلها مطهِّرة.

طبيبنا دوار قلَّما تجده في بيته، وقَلَّمَا تراه صاحيًا. يفرض نفسه ضيفًا على مَن شاء ومتى شاء، ومن يتبرَّم به، فلأمه الويل؛ هو زجَّال مقلٌّ،٤٢ ولكنه يقول قولًا محكمًا يسير به من لا يسير مشمرًا٤٣ … هو يجيد قول «الجفا» — أي الهجو — كل الإجادة، وله فيه «ردَّات» مشهورة، أي «أبيات عائرة»٤٤ كأبيات جرير.

ضيف خفيف الروح غير ثقيل. تكاليفك عليه لا تعادل نوادره ومضحكاته. اسقه ودعه، فيتكلم وحده كالفونغراف. ويزيد عليه أنه يرفع الأسطوانة ويضع غيرها كما تروم …

وجاء العرق فصبَّ قليلًا في راحته وفرك يديه، ثم شرب ما استطاع زاعمًا أنه يقتل بذلك الميكروبات التي تتهدَّده، وأخيرًا اقترب من قرياقوس مستعينًا بالحاضرين على تقليبه ذات اليمين وذات الشمال. جسَّ نبضه، وتسمَّع على دقَّات قلبه، ووزن حرارته، ثم وضع نظارتيه فوق أرنبة٤٥ أنفه، وقلَّب شفته السفلى قليلًا إذ اطَّلع على الميزان، ثم عبس ونفخ فهبط قلب الزوجة. وسُئِلَ عن حالة المريض فهزَّ كتفيه، وأجاب: العلم عند الله. الحالة صعبة جدًّا، ولكن … ليس عند الله أمر عسير.

وأخذ الناس ينفردون به واحدًا واحدًا، وهو يظهر اليأس من مريضه لهذا ويؤكد سلامته لذاك، وهكذا كان يفعل دائمًا. يقول للناس أقوالًا متناقضة حتى إذا شفي المريض أو مات كان بينهم مَنْ يقول: قال لطف الله كذا.

وحانت ساعة تركيب الدواء، فذوَّب قليلًا من الأسبيرين وأشياء سمَّاها بأحسن الأسماء، وأغربها وأضخمها، وأفاض في الثناء على نفعها وخصوصًا إذا مازجها العرق، فوضع في العلاج بعض نقاط وفي بطنه ربع القنينة …

ولمح أم يوسف تنقي العدس، فأدرك أنه سيتغدَّى مجدَّرة،٤٦ فلجأ إلى سلطانه الطبي، وأمر مريم بذبح دجاجة حالًا.

– اسلقيها جيدًا لنعطي قرياقوس منها ما يُعرقه، عجِّلي يا أم يوسف، الضربة لمن سبق. والتفت إلى مَن حوله، وقال: رطل أسبيرين لا يعرِّق قرياقوس.

وعند الظهر سقى المريض من مرقة الدجاجة، وأكل هو لحمها … وسأله أحدهم: كيف يأكل لحمًا يوم خميس الأسرار؟٤٧ فأجاب: اليوم أكل سيدنا يسوع المسيح خروف الفصح مع تلاميذه … سبحان مقسم الأرزاق. لصهرنا قرياقوس أربعا أيوب،٤٨ ولي أنا دجاجة خميس الأسرار، وخروف الفصح إن عشنا … الحياة ساعات. متى جاءت ساعتي أروح فيها … للقرد.

وعند العصر صحا لطف الله من سكرته، فاقترب من قرياقوس يتحسس رأسه وصدره ويديه، فإذا بجلده لا يزال يابسًا، لم يرطبه الأسبيرين ومرقة الدجاجة، فشطبه …

ودعا عديل المريض الدكتور لطف الله إلى العشاء فتعشَّى عنده وسكر. ثم جاء قرب نصف الليل للكشف على المريض فإذا به كما تركه. قلَّ شيء من تململه وتقلُّبه ولكنه لم ينطق. فانتصب لطف الله عند رأسه، ثم انثنى فوقه قليلًا واضعًا راحتيه على ركبتيه، وصاح صياحًا راعبًا بينا هو ينتصب رويدًا رويدًا: يا قرياقوس، قل لي أيش بك يا عمي؟

فكان الجواب: اعه.

فالتفت لطف الله إلى الحاضرين، وقال: بان الفرج، قرياقوس يسمع ولكن لسانه مربوط وتهيأ لصرخة أعظم من الأولى وصاح: رأسك بيوجعك؟

فكان الجواب: ام ام.

فأسرع لطف الله إلى مستودع عقاقيره وآلاته الطبية، فتعثَّر بذيل غنبازه الطويل ووقع، فأقالوه من عثرته، وعاد إلى مريضه يعذبه. أطلق على رأسه العلق فتعلَّقت تلك الدويبات بصدغيه، وأذنيه، وأنفه، وذقنه؛ فكان مشهد مؤثر يضحك الثكلى.

فقال أحدهم: كثَّرت العلق يا أفندي، فأجابه: قرياقوس يتحمَّل. كل ما في عين ماريحنا وبركة اليمُّونة٤٩ من علق لا يكفي هذا الضبع، لا يمتص قيراطًا من أربعة وعشرين من دم قرياقوس.

•••

نام لطف الله وشعاره: لا تهتموا بما للغد، وإذا به يرى عند قرياقوس شاة سمينة اسمها «حمامة» تحلب رطلًا كل يوم، كان قرياقوس يدللها ويشاطرها زاده، تتبعه إلى الحقل وتعرف مواعيد أكله فتحضر بلا دعوة، وإذا لم تجئ يناديها باسمها فتهرول. كان قَرَمُ٥٠ لطف الله إلى اللحم شديدًا، فمنذ خمسين يومًا لم يَذُقْهُ.

وقف الحكيم سحرة قبالة مريضه مُظهِرًا الحيرة والارتباك والأسف، وأخيرًا قال: يا أم يوسف، ما تركنا واسطة إلا عملناها وكلها ما نفعت، عجزنا يا أختي مرين عن تعريق زوجك، والعرق ضروري في مثل حالة قرياقوس. الحرارة هابطة جدًّا يا مرين. شطبناه، وعلقنا له العلق واللزقات من جميع الأنواع: بزر كتان، بزر خردل، نخالة … ما بقي قدامنا إلَّا واسطة واحدة. أمس قبل النوم راجعت الكتب كلها، ما غمضت لي عين. وحق مار شربل يا بنت عمي، إن كنت نصرانية تصدقي، والله ثُمَّ والله، ما نمت أبدًا. اسألي أختك دورتيا.

وحنت دورتيا رأسها مصدقة، وهمَّت أن تتكلَّم، فقال لطف الله: لا بد من لفِّ زوجك بجلد غنم سخن مدة ثمان وأربعين ساعة.

فقالت مريم: يوسف، البس ثيابك.

فصاح الحكيم، وقد أدرك ما تريد: قلت لكِ جلد غنم سخن.

فقال يوسف، الكامل الرجولة، التام المروءة: اذبحوا الغنمة.

فصرخ لطف الله: عشت يا نخي.٥١
لم تعجب المرأة هذه النخوة الحمَّارية … ولكن أخيرًا قضي الأمر، ولُفَّ قرياقوس بجلد حمامة، وارتمى لطف الله بشحم ولحم كهُدَّاب الدمقس المفتَّل٥٢ … وكانت السكرة الكبرى ليلة عيد الفصح،٥٣ وكان قرياقوس خروفه.

واستيقظت أم يوسف تبحث عن الطبيب، فلم تقف له على أثر … أما الصيدلية فموجودة.

وكان في القرية المناوحة لمعاد دجال بلدي آخر ولكنه لا يشرب، متين الأخلاق، رصين، حر الضمير. دعي فجاء وعلم ما فعله زميله بقرياقوس، فأبى أن يمد إليه يده، وعاد إلى بيته غير مأجور ولا مشكور.

وكان صباح العيد مشئومًا، ساءت حالة قرياقوس، فدعي الخوري ليهيئه لتلك الرحلة الطويلة، ممهِّدًا أمامه الطريق، فرشَّ ماءً مباركًا وابتدأ البروتوكول.

قال الخوري: السلام لهذا البيت.

فأجاب الشمَّاس: ولجميع ساكنيه، ثم قال بصوت خافت: ما عدا قرياقوس.

– الرب معكم.

– ومع روحك أيضًا.

– نسألك يا ربنا يسوع أن تُدخِل في هذا البيت السعادة الأبدية عند دخول حقارتنا، وأن تدنو منه النعمة الإلهية والفرح النقي، والمحبة المثمرة والشفاء الدائم، ونطلب منك أن تهرِّب منه الشياطين وتحضره ملائكة السلام، وأن تبعد عنه كل خصومة خبيثة، آمين.

فضحك سمعان، وغمز بعضهم، فقال له الخوري: قل آمين يا شماس.

فانتبه سمعان، وقال: آمين آمين آمين.

فأضحك الحاضرين رغم تخشُّعهم لكلام الله.

ووضع الكاهن يده على قرياقوس، وقال: بسم الأب والابن والروح والقدس، الإله الواحد، آمين.

فحدَّق سمعان إلى ابن عمه قرياقوس، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: باقٍ مطرحه. ما «انطرد».

وقال الكاهن: لتنطف عنك قوة الشيطان كلها بوضع يدنا، وبدعاء جميع القديسين والملائكة ورؤساء الملائكة والآباء والأنبياء والرسل والشهداء والمعترفين وكافة القديسين، آمين.

فقال سمعان بصوت لا يسمعه الكاهن الشيخ: ولو جاء الله بذاته قرياقوس يظل قرياقوس.

وأخذ الكاهن يغمس إبهامه بزيت المسحة المقدس،٥٤ ويدهن بشكل صليب الأعضاء المعينة، أي: العينين والأذنين والأنف والفم واليدين والرجلين، ويستغفر لقرياقوس، عند دهن كل عضو من هذه الأعضاء، عَمَّا أخطأ به بهذه الحواس إلى أن قال أخيرًا: بهذه المسحة المقدسة وبرحمة الله الغزيرة الرأفة يغفر لك الرب كل ما أخطأت به بالمشي، وبباقي الحواس الأخرى، آمين.
ورأى سمعان أن الخوري يقلُّ من الزيت، فما تمالك أن قال جهارًا: حط يا معلمي حط، كتَّر، كب. زنجار دهري من أيام المعمودية، صدي لو نقعته بخابية «ميرون»٥٥ لا يتحلحل ولا ينظف.

فعبس الكاهن، وأتمَّ صلاته قائلًا: فاهتمَّ إذن يا مخلصنا بنعمة روحك القدوس، واشفِ أوجاع هذا المريض، وضمِّد جراحاته، واغفر له خطاياه، وأنقذه من أوجاع العقل والجسم، ورد إليه برحمتك صحته وعافيته ظاهرًا وباطنًا، حتى إذا ارتدَّ بمعونتك إلى صحته يعود إلى خدمتك الروحية.

وبينما كانت الزوجة والولدان يبكون كان سمعان واقفًا للنكتة بالمرصاد، وهو واثق أن ابن عمه لا يموت ولا يرتد …

واستراح الكاهن بعد المرحلة الأولى، وقال للزوجة: لا تحزني ولا تقطعي الرجا، المسحة تنفع جسديًّا وروحيًّا. كثيرون مسحناهم وصحوا.

فقبَّلت مريم يد الكاهن الصالح شاكرة طالبة دعاءه وصلاته، وخرج على أن يعود بعد الفطور، فيعين قرياقوس على الرحيل بسلام. ولكن السلامة بانت في قرياقوس عند الظهر فنطق بعد ذلك الصمت. أفاق كمن استيقظ من حلم مزعج لا يذكر شيئًا ممَّا وقع له. يفكر فيخال المدى خمسة أعوام لا بضعة أيام.

وهوت يده اتفاقًا إلى وسطه، فانتفض جزعًا وصرخ: وأين الكمر!٥٦ فجاءته به زوجته، فجسَّ الدنانير وتزنَّر شاكيًا آلام الجراح التي شغله فيها لطف الله، أكثر من شهر.

وظلَّ أهل القرية يتناقشون في شفاء قرياقوس. عَزَاهُ فريق إلى طب لطف الله العجيب الغريب، أما الأكثرون فعزوه إلى سرِّ المسحة المقدَّس … والله أعلم!

١  أصابته الصاعقة.
٢  محبوسة في مكان ضيق.
٣  قرد ورد ذكره في شعر جرير.
٤  أطلق العرب هذا اللقب على عمرو بن هند ملك الحيرة لهيبته؛ أي إن الحجارة كانت تخافه.
٥  اسم مكان.
٦  الناس حوله وقوف ومنقبضون.
٧  الملامس، المحتك.
٨  أصوات مبهمة لا تُفهم.
٩  فتاة ناهد الصدر.
١٠  تصويت الجمل.
١١  دود مائي يمص الدم ويستعمل للفصاد.
١٢  يسكنه شياطين.
١٣  السحرة الذين يحترفون التطبيب.
١٤  إبريق كبير له عروتان ولا بلبلة له «فارسية».
١٥  ما ينتفع به في البيت من فأس أو قِدر وما إليها.
١٦  أطباق يربى عليها دود القز، والتبَّان مستودع عرف البقر.
١٧  أداة حل فيالج الحرير «الشرانق».
١٨  أداة حل فيالج الحرير «الشرانق».
١٩  أداة حل فيالج الحرير «الشرانق».
٢٠  مقر السحرة.
٢١  أحد أنبياء التوراة يقال إن نبوءاته تفيد في تفسير الأحلام.
٢٢  ظهر عليها النعاس.
٢٣  اسم صخرة عالية.
٢٤  متوسطة العمر.
٢٥  اسم مكان.
٢٦  صلى صلاة الظهر.
٢٧  يمزح.
٢٨  عجوز متهدمة، وأيضًا الحسنة الجسم والخُلق والمشية، أو الضخمة الأوراك المرتجة الأرداف، والمشي أيضًا ضرب من المشي فيه اختيال وبطء.
٢٩  كيس التبن، وهو كبير.
٣٠  انقبض.
٣١  ساعة قديمة لها باب يفتح ويغلق.
٣٢  بلدتان في لبنان، تبعد الأولى عن الثانية زهاء نصف ساعة مشيًا أو أكثر.
٣٣  فيه نمش، وهو نقط بيضاء وسود في الجلد.
٣٤  شارباه متراخيان غير معقوفين.
٣٥  مشية المتظاهر بالحزن، كثعلب إحدى أساطير الشاعر الفرنسي لافونتين.
٣٦  كتاب طب قديم.
٣٧  نوع من العشب.
٣٨  ردائه.
٣٩  خزانة في الحائط من غير باب.
٤٠  حلقه.
٤١  أبح الصوت.
٤٢  شاعر زجل قليل النظم.
٤٣  مسرعًا.
٤٤  فيها عيب أو ما يُستحيا منه.
٤٥  طرف الأنف.
٤٦  طبيخ من العدس والزيت والبصل.
٤٧  يقع في أسبوع الآلام، دعي هكذا لكثرة الأسرار التي يُحتفل بها فيه: تبريك الزيوت المقدسة، العشاء السري، وغسل الأرجل.
٤٨  نبي اشتهر بصبره على المصائب، وأربعا أيوب يقع في أسبوع الآلام ويذكر فيه أيوب.
٤٩  اسم مكان واسم بحيرة صغيرة في لبنان.
٥٠  شدة الشهية.
٥١  صاحب النخوة والمروءة.
٥٢  أطراف الحرير المفتول.
٥٣  عيد القيامة عند النصارى.
٥٤  زيت مقدس يمسح به المحتضر.
٥٥  زيت يكرسه البطريق، ويستعمل في الأسرار المسيحية.
٥٦  زنار أجوف يوضع فيه النقد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١