الفصل التاسع

خوري مُسَرح

في القرى مآسٍ ومهازل تمثَّل كل حين، ولا تنصب لها أخشاب ولا تُرخَى ستائر. إنها تمثَّل في كل مكان: في البيت، في الكنيسة، وفي الحقل، أبطالها كأبطال الروايات والروائع وإن ظلَّت شهرتها محلية. إن حياة الخوري يوسف بطرس أبي إبراهيم، المشهور بالخوري مسرح، نسبة إلى قريته، مأساة ومهزلة في وقت معًا. تراه فتحس أنك أمام مهرِّج وممثل جدِّي في وقت واحد.

المعروف عنه أنه خوري بتول، عفيف طاهر الذيل، ومنهم من زعم أنه لم ينظر إلى امرأة قط، حتى امرأة أخيه التي كانت تقيم وإياه تحت سقف واحد. ولما أنس من نفسه ضعفًا بشريًّا، كما يسمِّي الغريزةَ رجالُ الدين، وخاف من نفسه الأمَّارة بالسوء، قعد الخوري وحده في بيته الذي ورثه عن أبيه؛ ابتعد عن أهله الأدْنَيْنِ خوفًا من أن يجرِّبه إبليس الملعون، ويعمل بشريعة موسى فيقيم سهوًا زرعًا لأخيه … انفرد خشية أن يتهمه الناس بما كان يتهم هو غيره من الكهنة المتبتلين، وكان إذا سُئِلَ عن سبب عزلته عن الناس سالت الآية الإنجيلية على لسانه: «الويل للعالم من الشكوك …» عُرف المحترم — كما قلنا — بنسبته إلى «مسرح» وهي قرية منعزلة هادئة مطمئنة، ولكن الهدوء فارقها حين حلَّت نعمة الروح القدس على هامة الخوري يوسف، تلك الهامة المستطيلة كالكوساية الهَرِمَة التي غفل البستاني عن قطافها.

يسمُّون الكهنوت عندنا «دعوة» من الله، ولكن المرجَّح أن الله بريء من كهنوت هذا الخوري وغيره من الكهنة، فكهنوته كهنوت خبز كجميع الكهنة إلَّا نفرًا قليلًا، وما كذب من قال عن أحد هؤلاء حين سيم كاهنًا: فتح دكان خوري. وقد صدق في الأكثرين؛ لأن لِلَابس هذا الثوب، بضاعة لا تبور، يرافق الإنسان قبل الولادة ويلحقه إلى القبر.

أراد الخوري يوسف أن يخلف عمَّه في الولاية على وقف العائلة، فتعلَّم العلوم الضرورية للكاهن، وزاد عليها ما استطاع تحصيله من علوم الصرف والنحو. أتقن العربية والسريانية، وكان ذا قريحة لا بأس بها ولسان طلق دفعه لتعلم «الشريعة» راجيًا أن يتولَّى يومًا كرسي القضاء اللبناني، كالخوري العقيقي، والفاخوري، ويوحنا حبيب، والخوري يوسف الشاعر. ولكن ما كان به من خفة عقل وغفلة حال دون ذلك، فقضى حياته متنقلًا بين عين كفاع ومسرح على فرس لا أصل لها. هي كديشة لا فرس، والخوري يؤكد أن فرسه التي سماها سعدى تيمُّنًا ببنت بيت كريم، ذات حسب ونسب. حجة المرحومة أمها معه، وهي مسلسلة حتى جدتها العليا النعامة، فرس ابن عباد، معارض المهلهل في قصيدته اللامية المشهورة، وهي صقلاوية نجمة الصبح.١ يُرد أصلها إلى كحيلة العجوز.٢
وحين ظهر كتاب نجيب بك الخوري في الخيل وفرسانها اشترى الخوري يوسف منه ثلاث نسخ، جلَّدها ثلاثتها ووضع واحدة في الخرج، وواحدة في العليَّة٣ — بيت الوقف — بعين كفاع، والثالثة في بيته الذي هو ملك خاص له بمسرح، وكان إذا حدَّثه أحد عن فرسه وأصلها وفصلها قرأ له الأفشين٤ … أطلعه على تلك الحجة المحفوظة بأنبوب نحاسي معلق في رقبة «سعدهْ»، وإلا فلماذا قالوا: حجَّتها برقبتها. وإذا دار حديث السعد النحس في عيال الخيل الكريمة، قام الخوري يوسف، وأخذ بيدك ليدلَّك على النياشين ويقول لك: سبحان الخالق! ما خصَّ الله حيوانًا بما خصَّ به الخيل الأصيلة؛ فكل مخلوقات الله ليس فيها هذا الدليل. فهذا نيشان السلطان وهو على شكل ريشة يدل على السعادة.

ويهرول الخوري حتى يشرف على قبو الفرس وبناتها، ويصيح بصوت جهوري، واقفًا على كل كلمة: رفُّول … يا رفُّول … هات سعده …

فيرد عليه رفول بصوت لا يفسَّر: الله لا يسعدك.

وتمشي سعده تنظر إلى الخوري نظرة فيها دلال وشوق، فما تكاد تصل حتى يتعلَّق بقربتها الطويلة ويضحك لها ضحكة أبوية. وتحمحم سعده فيصيح بها صيحة فيها غنج كثير: اسكتي «ولِيهْ».

ثم يدع العنق وينحدر ليريك نيشان الصدر، وهو عنوان الكسب والنعم. ثم يمعن في الانحناء حتى ينطوي كالخيزران، ويكاد يزحف تحت بطنها ليريك نيشان الحزام: وهو يزيد الخير في البيت. وينتصب أخيرًا بعض الشيء ليريك على الخواصر نيشان الشابور،٥ ويقال له: المهماز، وهو يدل على انتصار إذا اتجه إلى أعلى، ويدل على زيادة الغنى إذا اتجه نازلًا.

أما نياشين النحس فلم تمنح العزة الإلهية فرسه شيئًا منها ليدُلَّك عليها، ويختصر الكلام عنها بقوله: هل ترى على الفخذ شيئًا؟ تأمل جيدًا، فأسوأ النياشين نيشان الفخذ.

– الحمد لله. وألف شكر.

واطَّلَعَ في إحدى ليلاته السود على حكاية «البرَّاق» حصان النبي، الذي عرج وهو راكبه على السماء، فزعم أنه جد سعده الأعلى، وأن خضرة دياب بن غانم، بنت عم ستها.

هذه حكاية فرس الخوري يوسف. أما وقفيَّة مسرح فعقارات مِغلال في قرية عين كفاع، وولاية الخوري يوسف عليها خربت ضيعتين: عين كفاع ومسرح، كما قرأ وتقرأ خبر أحداث عين كفاع. أما أخبار مسرح فلا محل لها في قصتنا.

أذكر ولا أنسى يوم قال لي والدي: رُحْ تعلَّم عند خوري مسرح، هذا من أقاربنا، وهو من الملافنة. ورحت إلى عليَّة العلَّامة الملفان في عرف والدي؛ فأعطاني كتاب مغني المتعلم عن المعلم، لعلَّامة عصره المطران يوسف الدبس، صاحب تاريخ سوريا. وطاب لي التعلُّم عند خوري مسرح لخفَّة روحه وحرية فكره، فبضاعته غير بضاعة جدي الخوري حنا، المتزمِّت المتشدِّد.

وقرأنا معًا — أي أنا والخوري يوسف — مسألة عودة الضمير إلى متأخر لفظًا ورتبة، وكان المثل على ذلك: وكلَّم موسى ربه؛ فإذا بالخوري يفاجئني بقهقهة قرد عتيق، ويقول: صدَّقت يا ابن عمي؟ إياك أن تصدِّق. الله لا يكلِّم أحدًا. هذي خلطة من خلطات التوراة، ولو كان لي سلطان على الكتبة والفريسيين لمنعت قراءتها. فإن التوراة تدخل الشباب في التجارب … وتعلمهم ما لا يعرفون من قصص الزنا والسادومية.

قلت: وما هي السادومية؟

فقفز الخوري فوق سؤالي كما تقفز السيارة فوق خط الترام، وقال: أتعرف كيف فسَّر ذلك علماءُ الكنيسة؟ قالوا: كان الملاك يكلِّم موسى لا الله، وهذي خرطة أيضًا، ولكنها أصغر من هاتيك.

فقلت: لتصير مقبولة.

فصاح: لا مقبولة ولا شيء. لا تصدِّق يا مارون.

وفي المساء سألت جدِّي عن معنى كلمة «السادومية»، فاضطرب وقال: وممن سمعتها؟

فقلت: من خوري مسرح، ورويت له ما سمعت منه حرفًا حرفًا.

لم يقل لي جدي أين قرأتها؛ لأنها لفظة لا يقع عليها إلا الراسخون في علم اللاهوت، وأنَّى لمراهق مثلي أن تصل يده إلى خبايا كتاب اللاهوت الأدبي وما فيه من أخبار نظيفة … ثم اختصر جدي الحديث، ولم يزِد على قوله: إياك تروح صوبه بعد، أنا أعلمك وأبعتك بعد حين إلى أكبر مدرسة. وقام وهو يقول: زعزع الخوري إيمان الصبي، وعلَّمه ما لا يعلمه من أخبار الفسق والفجور والكفر. ماذا تنفع خوري مسرح بتوليته ومعرفته علم الشريعة إذا كان بلا إيمان ولا يقدِّر العواقب ويشكِّك الناس.

أما الخوري فهو لم يتعلِّم الحقوق ليتعيَّش بعلمه، بل ليدافع عن وقفيته التي أضاف إليها جميع أملاكه الخاصة، وجعل الجميع تحت سلطة البابا ليتخلَّص من البطرك الماروني وتسلطه عليه.

وعلى ذكر الحقوق نروي هنا عنه نادرة تدلُّ على قلة كياسته. قيل إنه كان مرة عند البطرك بولس مسعد المؤرخ اللبناني، مؤصل الأسر اللبنانية، فسأل البطرك الخوري يوسف عن حاله، وكيف هو وعلم الشريعة؟ فأجاب الخوري البطريرك: علم الشريعة هيِّن جدًّا. لا يصعب على غبطتك، إذا قصدت أن تتعلمه. فزأره البطريرك ثم صرفه من حضرته بلباقة وكياسة.

وظل خوري مسرح صديقًا للبطرك حنا الحاج طوال أيام رئاسته، وصادق بعده المطران يوسف بو نجم، داهية الموارنة الإكليريكيين. كان يعلِّق الخوري يوسف على تلك الصداقة آمالًا كبارًا … إلَّا أن أمله خاب إذ مات البطرك يوحنا، وفاز المطران إلياس الحويك بالبطركية، وبايعه أبو نحم وإن لم يَحُزْ ثلثي الأصوات؛ خوفًا من تدخل رومية الذي يجيزه لها المجمع اللبناني عند وقوع الخلاف على انتخاب البطريرك، وتعيين من تريد هي بطريركًا، وتلك مشكلة الموارنة الأبدية. نزاع دائم على الحقوق بين البابا أسقف رومية وبين البطريرك الماروني أسقف أنطاكية.

وظل أبو نجم يعطف على الخوري يوسف، ولا يدخن إلَّا التبغ الجبيلي المشهور بالكوراني، وهو مما تنتج أجوده أرضُ عين كفاع، وهذا بالطبع مفروض على الخوري لسيده المطران؛ ليحمي ظهره من الدسائس، ويكون في عونه على من يشاكسونه٦ وينصره ظالمًا أو مظلومًا.

كان إذا قصد بكركي يدخل من باب سري يؤدي إلى غرفة المطران بو نجم، لم يكن يعرج على البطرك إلياس إلَّا إذا وقعت العين على العين واضطر إلى ذلك. ففي كرسي بكركي مراقبون للوجوه والأعيان، ولكل وجيه أو إكليريكي متنفذ، مرجع في ذاك المقام، قد يزوره ولا يزور سواه من سادات الكرسي، والخوري يوسف كان من حزب المطران أبي نجم ولا يزور غيره.

لم يكن البطرك إلياس يستمرئ حديث الخوري مسرح، ويعتقد أنه خفيف العقل، وهو كذلك. كان يعرفه لأنه ابن حلتا، وحلتا ليست بعيدة عن مسرح. كان يعرف عقله وميوله، فقَلَّمَا كان يُسمع للخوري يوسف كلمة، والخوري يوسف كان غير هيِّن، يحب المعاكسة، فكان يقف دائمًا في صف المعارضة. فعندما حمي الشَّرُّ بين رستم باشا والإكليروس الماروني كان الخوري يوسف مع رستم ضد أحبار الطائفة، والخوري إلياس الحويك — البطرك إلياس — كان حامل العلم في تلك المعركة، يناصب رستم العداء بالنيابة عن سيده البطرك مسعد.

وأخيرًا راح رستم وبقيت بكركي … حزَّم الباشا حقائبه، وتوجه ليركب البحر فسبقه الخوري يوسف مسرح إلى ميناء بيروت، وبدون مبالاة بالموارنة نزل على عيني وعينك يا تاجر إلى الباخرة، التي تُقِلُّ رستم باشا إلى الآستانة ليودِّعه، وأنشده قصيدة حامية عرَّض فيها بخصوم الباشا من الإكليروس، ولم يَسلَم من لسانه أحد، لا بطرك ولا مطران. وجاء دور الانصراف، فرافق الباشا شاعره خوري مسرح إلى سلم الباخرة، وظل يشيعه بالفرنسية على الطريقة التركية: أوريفوار بار٧ مسرح. حتى ركب القارب.
وكتمها له المطران إلياس، الذي صار فيما بعد أظهر بطاركة الموارنة جسارة وعنادًا، ونسيت أم القاتل فجاء الخوري يهنئ البطرك إلياس، فغفر له وقبِل توبته على شرط أن يقلَّ من دعاويه على أهالي عين كفاع وأهالي مسرح، ويحب السلام … وأن يدع الامتياز الذي منحه إياه رستم باشا، أما هذا الامتياز فهو أن الخوري ادَّعى أمام الباشا أن وقف «سيدته» مهدد دائمًا بالاعتداء، وهو لا يستطيع دفع الرسوم المفروضة على مَنْ يدعي عليهم، فأعفاه وصار الخوري يقيم الدعوى على من يصبِّحه ويمسيه بنبرة … وأخيرًا صار يقيم الدعوى على نصف أهالي عين كفاع وثلاثة أرباع أهالي مسرح، فتراهم على طرقات محكمتي جونيه والبترون كعصافير العابور٨ في الربيع.
صعبت محبة السلام على الخوري، وطلب مهلة ليفكِّر بعاقبة ترك هذا الامتياز، وبعد مدة عاد إلى الكرسي ليقص على البطريرك حكايات الاعتداءات على وقف سيدته حين عمل بأمر صاحب الغبطة. فاستكثرها البطرك، ولكنه يعرف أن الخورين قِطُّ شر،٩ كما يقولون عندنا، فوسَّع صدره.
كانت في الخوري يوسف غفلة،١٠ وهو من الذين يُضحك عليهم ولا يشعرون، وقد عرف البطرك إلياس تلك الخلة فيه. وكانت ساعة رضا، فقعد غبطته للخوري مسرح يسمع حديثه. وكان البطرك من محبي النكتة ومجيديها، وهو يريدها إذا كانت لا تَمَسُّ الوقار البطريركي إلَّا قليلًا جدًّا. ففتح غبطته باب الحديث على مصراعيه، وقال للخوري يوسف وسأله بتهكم ناعم: كيف حال سيدتك اليوم يا خوري يوسف، إن شاء الله تكون راضية، وتعمل عجائب بالجملة …

فابتسم الحاضرون، وقال الخوري يوسف: يظهر يا سيدنا أنها صارت تأخذ ثأرها بيدها، ولم تبق لنا حاجة إلى الحكومة.

فقال البطرك: عال عال. إذن أراحتك من النطِّ١١ على شط البحر وارتاحت سعده، وخلصت من لسانات الناس.

وأراد الخوري يوسف أن يستلم حديث الحمراء الأصيلة ونياشينها، فقال له البطرك: هات أخبار سيدتك أولًا. ماذا عملت عجائب طازة؟

فقال الخوري بلا مقدمة: هجم عليَّ ساسين روحانا، وأمسك بلحيتي عندما قلت له: رد عنزاتك عن توت السيدة يا ملعون. وأخذ يسب دين ذقني، ثم راح يقص قضبان التوت ويرميها على الأرض للعنزة، فافتكرت أن أشتكيه للباشا. وعشَّيت الحمرا على نية السفر إلى بعبدا، ولكن ما صبح إلا فتح. جاء الخبر أن عنزة ساسين تشركلت١٢ في الليل وماتت وأكل لحمها مع جيرانه.

فضحك البطرك، وقال: بالرزق ولا بصحابه.

فقال الخوري: وأخيرًا يا سيدنا وصل موسى عجائبها إلى ذقون الناس: سركيس الكريدي، الذي كان يربط١٣ لي عادة بالمسروب — أظن أن غبطتك ما نسيت المسروب، ذلك المحل القفر الوعر والمغاور المرعبة، فقد كنتَ تقطعه ماشيًا إذا كنت لم تنسَ — هناك ربط لي الكريدي، وأخذ الخرج عن ضهر الفرس وضربني كم عصا، هذا ما وقع بالحرم يا سيدنا.

– وأين ضربك؟

– على كعب ظهري …

فقال جناد أحد شمامسة غبطته: الذي يضربك يربح غفران سنة كاملة.

وضحك الخوري اسطفان الدويهي، وقال: رأسك مكرَّس لا قفاك يا خوري يوسف.

فكتم البطرك ضحكته تحت رفرافي حاجبيه، وقال: رفُّول أخوك، ما كان معك لما ضربك الكريدي؟

فقال الخوري: رفول الهبيل! اسمع ما قال للكريدي: اضربه يا سركيس، ولكن لا توجعه كثيرًا حتى يتربَّى ويتعلم كيف يجوِّعني.

فقال البطرك: يا ويلاه يا حالاه! وآخر عجيبة يا خوري يوسف.

– طلع ابن حنا يعقوب على توتة السيدة في الحليوية،١٤ وما أخذ منها ورقتين حتى سقط ميتًا على كعبها.

فعقد البطرك جفونه، واستفزته كلمة الخوري، فقال له: المسيح، يا خوري يوسف، افتدى الناس بدمه، وأمه التي تسميها سيدتك تقتل زلمي بورقة توت في أيام تشرين؟ هذه ضبعة لا سيدة، يقلع لك ولسيدتك، قم برَّه. أي اخرج.

وترك البطرك قاعة السهرة، وقال للخوري وهو ذاهب: صلِّ يا خوري يوسف حتى يهديك الله، ويستريح أهالي عين كفاع ومسرح من شرِّك، أقلقتهم وأنت وحدك، واليوم صارت معك سيدتك تسند لها حتى تحمِّل لك. أنت لو شبَّعت أخاك رفول لردَّ عنك الناس، وما كلَّفت السيدة. أنا أعرف رفول، رفول عملاق، يقاوم طابور عسكر.

وذهب البطرك إلى جناحه في بكركي، وبقي الكهنة والشمامسة يتنادرون على الخوري. يمجدون فرسه الحمراء الأصيلة ويبجِّلون تتنه الطيِّب، وظلوا يلفون السكاير ويعبئون الغلايين؛ حتى كادت ضبوته تفرغ، فأمسك.

وكان الخوري يعتقد من كل عقله أن عجائب سيدته شملت حتى التراب الذي حول بيته وكنا نطري له البطاطا والبندورة والمقتي — القثاء — التي تنتجها حاكورته.١٥ كان يتخيَّل رأس البطاطا نصف إقَّة، ورأس البندورة إقة، والمقتاية أربعة أشبار، فأخذنا رأس بندورة من مكار ميفوقي،١٦ وغافلنا الخوري بعدما وضعناه في عب غرسة البندورة، وصحنا به: وهذي عجيبة يا خوري يوسف، تعال تفرَّج.

وهرع الخوري وهو يصفِّق بيديه على ركبتيه، ويقول: من لا يؤمن بعد اليوم بقدرة سيدتي!

ومن أضاحيكه التي لا يسعها مجلد ضخم أنه كان يقدِّس يومًا … وقطعت فرسه رسنها، وخاف أن ترعى الخضار الذي حول الحارة، فخرج من الكابلا تاركًا الكأس والقربان على المذبح، وشرع يركض خلف الحمرا وعليه ثياب التقديس …

تصوَّر كاهنًا عليه حلة القداس وهو يركض خلف بهيمة، ولا يتذكر أنه ترك الذبيحة الإلهية؛ ليخلص عشبة من فَمِ فرسه، وما حسب أن الهر قد يدخل ويأكل جسد الرب …

فالخوري يوسف على ما فيه من هنات غير هيِّنات، كان يظن نفسه نابغة عصره لا يعجبه أحد، ولا شك أن القارئ يتوق إلى صورة له كاملة، تامة الخطوط والألوان، وها نحن نرسم له بعض نواحٍ من تلك الصورة، كما كنا نراه في مباذله.

•••

الخوري طويل طويل، مديد القامة، منتصبها كعمود التلغراف. إذا وقف أمام بيته في عين كفاع خلته جذع سروة حد مقبرة. أبيض الوجه، قصير اللحية، عيناه مستديرتان كأنهما ثُقبتا بالخرَّبر، ابتسامته فيها حلاوة البلاهة. يداه تتدليان كأنهما معلقتان، فإذا مشى تنوسان كالمراوح. قاووقه١٧ طربوش مغربي، ملفوفة عليه شملة سوداء ذهب لونها من طول ما نُصِبَتْ على ذلك الشراع. كانت تهتز الحارة إذا تثاءب ويسمع صوته في الوطا، وإذا سعل يملأ وجهك رشاشًا، وإذا تمخط في منديله القذر فهناك سيمفونية عجيبة.

على غنبازه بقع متعددة الأشكال والألوان، وعلى صدره يتدلى بند حريري لمعته الأوساخ، يربط في آخر آخره ساعة ليبية يتدلى مفتاحها بخيط غليظ على زناره.

وذاك الغنباز الدهري غير مزرَّر، وهو ذو بردين١٨ ينطبقان على قدٍّ كغصن البان، وحين يشد زناره يبدو خصره زنبوريًّا.

كان الكهنة الموارنة القدماء يحذفون شرابة الطربوش، أما الخوري يوسف الشاذ فأبقاها، حتى أنه لم يكن يُعرف وهو على ظهر فرسه، أخوري هو أم أنه من المغاربة الدجالين الذين ينادون على ما في خرجهم من أدوية: دوا للعين، دوا لوجع الضهر، دوا لوجع البطن. معنا لكل شيء دوا.

أما حفافي ذلك الطربوش المغربي فتصلح للزراعة لكثرة الوسخ الذي عقَّد عليه، فلو زرعت الفجل في ذلك الهلال الخصيب لغرز فيه ونما، ومع كل هذه القذارة كان الخوري مترفِّضًا، ما رأيناه يأكل أو يشرب عند أحد.

أما بيته فأقذر من طربوشه وأذنيه، ترتيبه غريب عجيب، الشروال الوسخ ملقى فوق الغفارة وبدلة التقديس،١٩ والصرماية حد الطابية،٢٠ وزناره فوق البطرشيل،٢١ وكأس التقديس٢٢ في قرطل الملاعق، وعلبة البرشان فوق جديلة التُّوم. العفن والعنكبوت والصراصير والزبالة تؤلِّف في ذلك البيت كوكتيلًا عجيبًا، صوف فراشه منكوت، وقطن لحافه يجن جنونه ويتطاير من ذلك الكيس كلما هبَّ الهواء. ما رآه أحد يغسل رأسه أو وجهه، بل كان ما هنالك أنه كان يبل أصابع يديه بجرن الصفوة٢٣ وهو مار إلى الكنيسة ليقدِّس. كان يقدِّس في كنيسة مار روحانا، ولكن وعظة الخوري حنا صادق حملته على تكريس٢٤ القبو والتقديس فيه … والخبر سيأتيك.
ما غسل وجهه ورأسه غسلًا كاملًا إلا يوم سافر بالسلامة إلى رومية ومعه صكوكه الملوَّثة بالزيت وأقذار أصابعه. ذهب ليشكو البطرك إلياس، وهناك في المجمع الشرقي٢٥ نشر تلك الصكوك القذرة على مكتب نيافة الكردينال، وراح يقص عليه فصول رواية عجائب سيدته؛ حتى قال له الكردينال مري دلفال: لماذا تتعب قلبك بسرد هذه الأخبار؟ فالسيدة مثبتة، وكل عام يخلع عليها الفاتيكان لقب قداسة جديد … فوق لقب الحَبَل بلا دنس.

فأجاب الخوري وهو واثق بكل كلمة يقولها: سيدتي غير سيدات العالم.

وعندما طالت إقامته في الفاتيكان رأى حلمًا، فحمله على كفه، وهرع إلى كردينال المجمع الشرقي يقصه عليه: يا سيدنا في هذه الليلة زارتني سيدتي وأمرتني بالرجوع إلى لبنان.

فقاطعه الكردينال قائلًا: هذا عجيب! سيدة تجيء إلى الفاتيكان بالليل. كيف دخلت؟!

فقال الخوري مسرح بالعربية: هذا أضرب من البطرك إلياس!

ثم حدَّق إلى الكردينال ليقول له: دخلت مثلما دخل الملاك عليها ليبشِّرها.

فأدرك الكاردينال ما يعني الخوري، وقال له: الأمور تطول مدتها في الفاتيكان.

فنبر الخوري بالكردينال، وقال: لا أقدر أن أبقى أكثر ممَّا بقيت. هي أمرتني بالرجوع ولا مردَّ لأمرها، سأعود غدًا.

فقال له الكردينال: إذن خذ أوراقك معك، وقدِّمها للقاصد٢٦ في بلادك، وهو يفحص دعواك ويكتب إلينا.

فقهقه الخوري قائلًا: قدَّمتها من زمان، ولو كان عمل لي شيئًا ما كنت تعذَّبت ولا جيت.

– كان الأحسن ألا تتعذب يا أبتِ المحترم؛ فالدعاوى في رومية لا تنتهي …

فقال الخوري للكردينال بوقاحة: يظهر أنك شرقي.

فضحك الكردينال، وقال: ولو لم أكن من الشرق لم أحسن تأجيل الأمور وتطويل مدتها.

•••

وعاد الخوري يوسف من رومية، وكم ضحكنا عندما رأيناه «يلولح بين التوت»٢٧ ببرنيطته المخملية … عاد إلى وكره ليعيش على خبز القمح السلموني، الذي كان يشكره جدًّا ويحمده، ويقول عنه إنه مثل اللحم، وعلى الجبن واللبن والكشك المجبول مع البصل، فهو يكتفي بما ذكرت ويسميه طبخًا جاهزًا؛ ولذلك لم يرَ أحد الدخان صاعدًا من بيته. قلت بيته ولم أقل مطبخه؛ لأن ليس للقدر في ذلك البيت مكان تسند إليه كعبها.

ليس في بيته قدح أو كباية، فهناك إبريق بلا رقبة، بلبلته مقرومة. فإذا ما زرته شتاء، وهو يقتني أجود أنواع الخمور، فكَّ طاسة كأس التقديس من شمعدانها، وأغرقها في الخابية بإصبعيه المسمَّدين وسقاك على ذكر المسيح مدامة … وفي الصيف يسقيك من ماء بئره البارد بطاسته الفضية المزرقَّة.

قد تظن أن هذا الخوري قليل الإيمان غير تقي، ولكن لا؛ فإيمانه قوي ولكن على ذوقه. لا يعتقد بالتهاويل ولا بما ينصبه رجال الدين من مفازع٢٨ حول قدسياتهم.

عند النصارى لا يجوز إلَّا لمن يأذنه الأسقف أو الخوري أن يمس كأس التقديس، فقصد يومًا واحد من عندنا الخوري يوسف، والتمس منه الإذن بإمساك الكأس، فأجابه الخوري على الفور: أمسكه.

فقال ذلك الرجل: أعطني الإذن أولًا.

فقهقه الخوري وقال: أعطيتك، أمسكه، هذا هو …

وجاءته مرة امرأة واضعة جديدًا، وسألته أن يدخلها إلى الكنيسة. ولدخول الواضعة حديثًا إلى الكنيسة، رتبة٢٩ صلوات غير قصيرة، تبتدئ عند خد باب الهيكل الخارجي، وتنتهي في صحنه أمام المذبح، فقال لها: روحي ادخلي.

فاستغربت المرأة ذلك، ولم يعجبها هذا الدخول، فقال لها الخوري: يا أم إلياس، إذا كنت نجسة لأنك وضعت ونزفت فالخوري لا يقدر أن يطهرك بما يثرثره لك؛ طهِّري قلبك أولًا وما تطلبينه من طهارة فوق ذلك يأتيك من عند الله لا من عندنا.

هذي غرائب وعجائب خوري مسرح، وإذا فاتني منها شيء في هذا الفصل فستأتيك بعدئذٍ أشياء من أشيائه في سياق الكلام.

أما أشهر مزاياه فهي أنه برِّيٌّ غير داجن، لا يزور ولا يُزار، ما خالَلَ وصادَق غير قرياقوس، ولعلَّ ذلك ناتج عن تطيُّر. كان الخوري يتشاءم، وكان يقول عن صبيٍّ كريه الطلعة: هذا شيطان أزرعه يفرِّخ.

وبيت الخوري على دربٍ عام، والناس تَمُرُّ من قدامه أفواجًا، فكان يصرخ كلما استبشع واحدًا، ويصفق على فخِذيه ويصيح: يا الله! أشكال وألوان خلائقك يا آدم!

١  نوع من أصايل الخيل.
٢  نوع من أصايل الخيل.
٣  طبقة علوية في مسكن.
٤  الشهادة أو البراءة.
٥  من علامات أصايل الخيل.
٦  المشاكسة: المخالفة.
٧  أي: أب.
٨  أي مارًّا ومجتازًا من غير وقوف ولا إقامة.
٩  يحب الشر؛ أي المماحكة والمشاجرة.
١٠  غباء، قلة ذكاء.
١١  الفر والقفز.
١٢  الشركلة: التفاف حبل العنق بالأرجل والرقبة.
١٣  يتربص، يقطع الطريق.
١٤  اسم محلة.
١٥  قطعة من الأرض تحكر لزرع الأشجار قريبة من الدور والمنازل.
١٦  نسبة إلى ميفوق في بلاد جبيل تشتهر بزراعة الخضار.
١٧  غطاء الرأس للكاهن.
١٨  البرد: طرف الثوب.
١٩  من الثياب الطقسية سبق شرحها.
٢٠  من الثياب الطقسية سبق شرحها.
٢١  من الثياب الطقسية سبق شرحها.
٢٢  من الثياب الطقسية سبق شرحها.
٢٣  جرن يُوْضَعُ فيه الرماد والماء، ويستعمل ماؤه لغسل الثياب.
٢٤  البركة.
٢٥  مجمع روماني يهتم بالكنائس الشرقية الكاثوليكية.
٢٦  المندوب البابوي.
٢٧  يلوح متحركًا.
٢٨  فزاعات تنصب بين الزروع لإخافة العصافير.
٢٩  مجموعة صلوات وقراءات وأناشيد دينية مرتبة لإقامة احتفال طقسي معين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١