الفصل السابع

دُنُوُّ الفراق

ومرت بنا الأيام على تلك الحال حتى أثر بي ما كنت فيه من حرارة الوجد وضيق الحال وظهرت آثار السقم على وجهي، فخافت عليَّ وسألتني أن أذهب فأستشفي بهواء وطني ولو كان فراقي حزنًا وغمًّا عليها، ثم أرسلت لي طبيبها فرآني وأشار عليَّ بمثل مشورتها، فعزمت على السفر وخرجت وإياها آخر يوم للوداع، فقضيناه في الحدائق والغابات بين حديث متقطع وزفرات متواصلة ودموع منسجمة حتى رجعنا مرجعًا لا أقدر أن أصفه، ثم رحلت وأنا ألتفت إلى ورائي كما خرج آدم من جنان النعيم. وسارت بي المركبة أيامًا حتى وصلت إلى منزل أبي، فقابلتني أمي مسرورة، وأخذت تعالجني وتلطف في خدمتي حتى عاد إليَّ رونق الصحة وزالت عن وجهي آثار السقام، فرحلت إلى سافوا طمعًا بزيادة الاستشفاء فيها، فكنت أزور أمي كل أسبوع فأجد بيتنا في حالة من الحاجة والعَوَز على أثر إنفاقي تزيد بها همومي وأكداري.

حتى إذا كان أول الشتاء وردني كتاب من غصن البان تشكو فيه من خوفها على صحة أبيها، وأنه آخذ في الانحطاط كل يوم عن أمسه وهو ما أوجب طول بقائها في باريز، ثم سألتني أن أذهب إلى حيث كنا في شامبيري وأنتظرها شهرًا توافيني في آخره من غير بد، فاستأذنت أمي بالسفر فأعطتني ما كان معها من مال التقتير والاقتصاد، فرحلت ماشيًا بهيئة صياد آكل وأنام في أحقر البيوت وأصغر المزارع حتى وصلت بعد أيام إلى شامبيري، وأقمت أنتظر قدوم حبيبتي وأنا أذكر كل يوم ما كان لي معها، وأزور كل مكان زرته وإياها، حتى إذا كنت يومًا على شاطئ البحر حيث ركبنا الزورق وجدت نوتيًّا مقبلًا يستوقفني وفي يده كتاب من صديقي فألقاه إليَّ وانصرف، فوجدته كبير الحجم ثقيل الحمل فعلمت أن فيه كتبًا كثيرة، وأن أحدها — ولا شك — يبشرني بقدوم من أهوى فانطلقت مسرعًا إلى المنزل الذي استأجرته، فأشعلت المصباح وفضضت غلاف الرسالة فكان أول ما وقع نظري عليه غلافًا محاطًا بالسواد وعليه خط الطبيب الذي أشار عليَّ بالسفر ومعه عدة أوراق تساقطت من يدي لارتجافها وأنا لا أجسر أن ألتقطها أو أقرأ حرفًا منها خوفًا أن يكون فيها الخبر الهائل الذي لا يقوى على حمله فؤادي، ولكني تجلدت أخيرًا وفضضت كتاب الطبيب وإذا فيه:

كن رجلًا، واصبر لحكم الله، ولا تنتظر أحدًا؛ لأن التي تنتظرها على الأرض قد سبقتك إلى السماء في صباح الخميس بعد أن كلفتني بأن أرسل إليك آخر كلماتها التي كتبتها بيدها قبل وفاتها إلى أن أوقف الموت يدها بعد تمام اسمك.

ولم أكد أتم الرسالة حتى سقطتُ مغشيًّا عليَّ في مكاني، فلم أستفق إلا عند منتصف الليل ورسالة النعي بين يدي، فتركتها وتناولت رسائل غصن البان فإذا هي مخطوطة على هذا النسق، قالت في الرسالة الأولى:

عفوًا يا روفائيل، يا حبيب فؤادي، ويا أخي، واغفر لأختك طول غشها لك، أقول ذلك لأنني لم يكن لي أمل بأن أعود فأرى سافوا، ولأنني كنت عالمة بأن أيامي معدودة لا تنفسح لي إلى نيل هذه السعادة. ثم إني يوم قلت لك عند فراقنا الأخير: إلى الملتقى يا روفائيل. لم تفهم ما أقصد بهذه العبارة، ولم يفهمها إلا الله؛ لأنني كنت أقصد فيها ميعاد اللقاء في السماء حيث أنتظرك وأدعو لك. واعلم أيها الصبي أنني أوصيت طبيبي بأن يخدعك أيضًا، وأن يساعدني على رحيلك من باريز؛ لأنني أردت بل رأيت من الواجب عليَّ أن أكفيك شدة هذا الحزن عن قرب؛ إذ خشيت أن يقتطع قطعة من فؤادك أو من حياتك فتقصر أيامك بسببه، وزد على ذلك أنني لم أكن أريد أن تراني أموت بل أن يكون بيني وبينك حجاب من الأيام قبل الموت. آه يا روفائيل! إن الموت بارد جدًّا، وأنا أشعر به وأراه وأخاف لأجله من نفسي، والأمر لله. لقد كنت أحب أيها الصديق أن أترك في عينيك صورة آثار من جمالي الزائل تذكرني بها بعد موتي، أما الآن فقد قُضي الأمر فأقم في مكانك ولا ترحل إلى سافوا ولا تنتظرني في مكان، فإنه لا يمضي عليَّ يومان أو ثلاثة حتى لا يعود لي أثر في هذه الحياة الدنيا سوى روحي خافقة ترفرف على رأسك حيثما كنت. انتهى.

وكان على الرسالة آثار دموع جفت، فجعدت الورقة من تحتها. ومن بعدها رسالة أخرى مؤرخة في اليوم نفسه، وهي كما يأتي:

نصف الليل

إن صلواتك يا روفائيل قد أنزلت على قلبي بردًا وسلامًا، فقد ذكرت أمس الشجرة التي جلسنا عندها حيث رأيت جلال الله من خلال نفسك، فوجدت بهذه الذكرى تعزية وسلوة، ثم استدعيت كاهنًا شيخًا فكشفت له دخائل نفسي فعزاني كثيرًا، وأظهر لي نعمة الله وفضله وشدة كفران الإنسان لإحسانه عليه، وكيف لا يكون محسنًا وقد سمح لي بأن أحبك في هذه الحياة الدنيا ثم أكون ملاكك بعد الموت؟

ثم يتلوها رسالة أخرى مضطربة الحروف مشوشة الكتابة كأنها مخطوطة في الظلام، تقول فيها ما يأتي:

بعد منتصف الليل

أريد أن أقول لك كلمة بعد يا روفائيل؛ لأنني قد لا أقدر أن أقولها غدًا، فإذا متُّ لا تمت عليَّ حزنًا، فإني سأدعو لك الله في السماء ويكون دعائي مقبولًا متى تقربت من عرشه المجيد، وأحب بعدي من تشاء فإن الله سيرسل لك أختًا ثانية تكون رفيقة حياتك من بعدي وأكون أنا الشفيعة فيها، فلا تحسب بذلك أنك تسوءني فإن الغيرة ممنوعة في جنان الخلود، وقبيح بي أن أغار من سعادة تنالها، وقد كلفت طبيبي بأن يشرح لك ما لا يقوى قلمي الآن على بيانه، ويؤدي إليك قطعة من شعري فاقبلها منه تذكارًا، واسمح لي أن أنام قليلًا.

ثم رسالة أخرى لا تكاد تُقرأ لاختلال سطورها حاوية هذه العبارات:

أين أنت يا روفائيل، فإني قد شعرت بقوة قدرت بها أن أخرج من سريري، فقلت للمرأة الساهرة عليَّ بأنني أريد الخلوة، ثم تحاملت على نور المصباح أنتقل من كرسي إلى كرسي حتى بلغت إلى المكتبة حيث أكتب لك، ولكنني لا أرى شيئًا وكأن عينيَّ لا يحيطهما إلا ظلام فلا تبصران إلا نقطًا سوداء على القرطاس، ويلاه! لم أعد أقدر أن أكتب إلا هذه الكلمة. ثم خطت بعدها بحرف كبير في ذيل الرقعة هاتين الكلمتين: الوداع يا روفائيل.

ولما فرغت من هذه القراءة الهائلة سقطت الرسائل من يدي وجلست أشهق بالبكاء، وإذا بي أرى رسالة أخرى مخطوطة بخط أبيها الشيخ فتناولتها وإذا بها ما يأتي:

لقد ماتت من تحب بين يديَّ بعد أن كتبت لك وداعها الأخير ببضع ساعات، وبوفاتها فقدت ابنتي فكن أنت ابني ما بقي لي من أيام هذه الحياة. أكتب لك الآن وأنا أراها ممددةً على سريرها كأنها نائمة والتبسم مطبوع على شفتيها كأنها ماتت وهي تفكر فيك، ولا أذكر أنني رأيت عليها مثل هذا الجمال قبل اليوم، فاعلم أنني أحببتك لأجلها فأحبني أنت كذلك. ا.ﻫ.

أما أنا فلم أكد أصدق أنها ماتت؛ لأنني وجدت من الصعب على طبع الإنسان أن يصدق بهذا الفراق بينه وبين من يحب ولو كان حولي من شواهد موتها كل تلك الرسائل، بل كنت أرى صورتها وتقاطيعها ورنة صوتها وحلاوة ألفاظها وجمال وجهها حاضرة كلها لديَّ حتى كأنها لم تفارقني، وحتى كان مماتها حياة وغيابها حضور لديَّ، ولعل ذلك التصور نعمة من الله يضعها بين الشك واليقين فلا يخلص اليقين إلى القلب إلا بعد برهة كما لا يصل صوت الفأس البعيدة إلى الأذن إلا بعد وقوعها على جذع الشجرة بثوانٍ، وهي مدة كافية لأن تصون القلب من هول تلك الصدمة، فلا يزال صاحبه يتصور وجود من فقد كما تتصور العين قرص الشمس بعد مغيبها إذا طال تحديقها فيها، وكأن الله أشفق عليَّ من وقع هذا الخطب على فؤادي فزاد ذاكرتي تصورًا لها حتى صرت أحسبها حاضرة ولا أصدق أنها ماتت وأنني لم أعد أراها.

ولم أزل كذلك حتى انطفأ المصباح بين يديَّ، فاحتملت تلك الرسائل وأنا أقبِّلها، ثم أخذت بندقيتي ووثبت من الغرفة وهِمْت على وجهي بين تلك الجبال تحت ظلام الليل الدامس وعصف الرياح الشديدة والهدير المتواصل من أمواج البحيرة التي كانت مهد غرامنا ومنشأ صبوتنا وحافظ تذكارنا، وأنا في كل ساعة يَخال لي أنني أسمعها تناديني باسمي فأقف وألتفت، ثم أضحك على نفسي وأنصرف وشر البلية ما يضحك، ولو لم يدركني أحد أصدقائي ويرجعني من بين تلك الصخور لبقيت هائمًا على وجهي إلى ما شاء الله.

وقد مرَّ عليَّ من تاريخ هذه الحادثة إلى الآن عشر سنين وأنا لا أزال أذكرها كأنها بنت أمسها، ولا تكاد تمر بي سنة حتى أزور تلك الأماكن وأقف على شاطئ تلك البحيرة، وأذكر ما كان لي فيها من مواقف صبابة وغرام تعيد لي ماضي حياتي ممزوجًا بماضي حياتها فأحسب أنها لا تزال حية لأن حياتنا كانت واحدة، فلا تنصرف أفكاري إليها حتى أصادفها كما كانت، وكذلك التذكار عمر ثانٍ.

أتت من بني الدنيا التي خيرُ ما بها
يكون له الحظ التعيس المعجلُ
بدت وردةً فيها فكانت كوردة
تفتح في رَأَد الضحى ثم تذبلُ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣