دمياط في عهد الحملة الفرنسية

وظلَّت الحال على هذا إلى أن أتت الحملة الفرنسية إلى مصر، وقد أثبت علماؤها في أبحاثهم أن دمياط كانت ثاني مدينة في القُطر المصري بعد القاهرة، فقد قاموا بإحصاء السكان في مدن القطر الهامة، وتبين لهم أن عدد السكان بالقاهرة ٢٦٣٠٠٠ نسمة وأن عدد سكان دمياط ٣٠٠٠٠؛ وكانت رشيد هي الثالثة وعدد سكانها ١٣٠٠٠، أما الإسكندرية فكان عدد سكانها ٨٠٠٠ نسمة فقط؛ ولهذا عُني الفرنسيون بدمياط عنايةً خاصة؛ فأرسلوا إليها بعد الاستيلاء على القاهرة فرقة من الجيش الفرنسي في أوائل أغسطس سنة ١٧٩٨، وعين الجنرال Vial حاكمًا على مدينتي المنصورة ودمياط.

غير أن سكان هاتين المديريتين لم يخضعوا للفرنسيين، بل قاوموهم مقاومة عنيفة، وقاموا بثوراتٍ خطيرة أقضَّت مضاجع الفرنسيين وأتعبتهم، وكانت دمياط وقرى بحيرة المنزلة مقرَّ تلك الثورات، وكان بطلُها ومُحرِّكها حسن طوبار زعيم إقليم المنزلة.

وقد حاول فيال حاكم دمياط أن يستميله إليه بكل الوسائل ولكنه لم يُفلح، وفي الوقت الذى كان حسن طوبار يقود فيه ثورات المنزلة ويحشد أساطيله بالبحيرة لمهاجمة الفرنسيين قامت الثورة في دمياط نفسها في أوائل سبتمبر سنة ١٧٩٨، واشترك فيها أسطول حسن طوبار الذى تحرَّك في بحيرة المنزلة حتى وصل إلى غيط النصارى شرقي دمياط، وتقدَّم الأهلون ورجال الأسطول — وكانوا جميعًا مُسلَّحين بالبنادق والرماح — نحو دمياط، وقتلوا الحراس الفرنسيين؛ فتقدَّم فيال بقواته لمقاتلتهم، ففرَّ بعضهم وركبوا السفن عائدين، واتجه فريقٌ آخر إلى قرية الشعراء المجاورة لدمياط، واتخذوها معسكرًا لهم، وفي نفس الوقت ثار أهالي عزبة البرج بحاميتهم الفرنسية وقتلوا رجالها، واستطاع فيال أن يقتحم قرية الشعراء، ودخلها بجنده فنهبوها وأضرموا فيها النار، ولما سمع أهالي عزبة البرج أن الفرنسيين نجحوا في إخماد ثورة دمياط تركوا قريتهم ورحلوا بأُسراتهم في السفن إلى سواحل سوريا.

figure
خريطة دمياط كما رسمها علماء الحملة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.

وتقدَّم الفرنسيون بعد هذا إلى المدن والقرى القريبة من دمياط كميت الخولي والضاهرية والزرقة، فأخمدوا ثوراتها ونهبوها نهبًا تامًّا. وقد كتب الجنرال لوجييه في يومياته يصف المساوئ التي ارتكبها الجنرال فيال عند انتقامه من ميت الخولي والقُرى المجاورة، قال: «في اليوم الذي عاد فيه الجنود إلى دمياط بعد هذا النهب، كانت مدينة دمياط أشبه بسوق أو مولد، باع فيه الجنود الفرنسيون إلى الأروام ما نالته أيديهم من النهب والسلب، فكانوا يعرضون المواشي والطيور والثيران والبقر والخيول والحمير والغنم والدجاج والأوز … وكثيرًا من قطع الذهب والفضة التي كانت حليًّا للنساء.»

وأرسل نابليون الجنرال دوجا للإشراف على منطقة بحيرة المنزلة، كما أرسل إلى دمياط بعض السفن المسلحة مددًا للقوة المعسكِرة هناك، على أن مركز الفرنسيين ظلَّ مزعزَعًا في هذه المنطقة، يؤيد هذا قول الجنرال لوجييه في يومياته:

لم تتحسَّن الحالة كثيرًا عما كانت عليه حينما جاء الجنرال دوجا لأول مرة إلى دمياط، والسلطة الفرنسية ما زالت منكورة في معظم جهات الدلتا التابعة لهذه المديرية، وفي دمياط نفسها التي تعتبر من أعظم بلاد القطر المصري، لا يأمن الجندي الفرنسي على حياته إذا هو ذهب إلى حي الوطنيين، والحامية الفرنسية مقصاة في حي الأروام.

علم نابليون من تقرير قواده أن منطقة دمياط لن تخضع للفرنسيين إلا إذا قضى علی نفوذ حسن طوبار المعسكِر في المنزلة، والمسيطر على بُحيرتها بأساطيله ورجاله؛ فأرسل قائدًا آخر من قواده يسمى أندريوسي Andreossi ليشرف على إخضاع هذه المنطقة، واتصل هذا القائد بقواد الحاميات الفرنسية المقيمة بدمياط وحولها، ووضع الخطة للاستيلاء على المنزلة معقل حسن طوبار. وقد استطاع الفرنسيون الدخول إلى المدينة حقًّا في أوائل أكتوبر، ولكن بعد أن خرج منها كل أهليها، ولم يتركوا بها إلا الشيوخ والنساء، وقد فرَّ حسن طوبار إلى غزة، وبقي بها إلى أن عاد به نابليون إلى مصر بعد فشل حملته على سوريا، وأقام في بلدته ملتزمًا السكينة والهدوء؛ فقد احتفظ الفرنسيون بابنه رهينة عندهم في القاهرة، ليتأكدوا من ولائه وهدوئه. وقد مات طوبار في سنة ١٨٠٠، فنشرت جريدة الحملة الرسمية «کورييه دلجبت» خبر وفاته.

وقد عُني الفرنسيون بعد إخضاع هذه الثورات بتحصين منطقة دمياط فأنشئوا قلعة بعزبة البرج، وقلعتين على مدخل البوغاز شرقًا وغربًا، وقد أقاموا هذه القلاع جميعًا على أنقاض الأبراج والقلاع القديمة التي يبدو أنها كانت قد تهدَّمت وتشعَّث بنيانها في العصر العثماني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١