الكتاب السادس

الشعر

طبيعته – ونوعه – وفنونه

(١) تعريف الشعر العربي

قد يكون من الغريب أن نمضي من هذا الكتاب إلى حيث بلغنا ذاكرين الشعر ما شاء لنا البحث أن نذكره، دون أن نعرض لهذا الشعر في نفسه بتعريف أو بحث عن خصائصه ومميزاته، ولكنا نظن أنا لم نكن في حاجة إلى هذا النحو من البحث لندرس الشعر الجاهلي من حيث إنه صحيح أو غير صحيح؛ فالناس جميعًا يعرفون معنى الشعر، وهم جميعًا يعرفون الشعر العربي ويستظهرون منه نماذج مختلفة، فلسنا نحدثهم عما يجهلون حين نحدثهم عن الشعر الجاهلي والأموي والعباسي، وربما كان الغريب هو أن نحتاج لتعريف الشعر أو محاولة تعريفه.

على أنَّا مع ذلك محاولون تعريف الشعر، والشعر العربي خاصة؛ لا لأن الناس يجهلونه، بل لأن من الخير أن يتفق الباحثون عن التاريخ الأدبي على المعنى الذي يفهم من لفظ الشعر حين يذكره هؤلاء الباحثون. فالناس يختلفون في معنى الشعر اختلافًا غير قليل: فمنهم من يرى أن الشعر هو الكلام المنظوم في الوزن والقافية. ومنهم من يرى أن الشعر هو الكلام الذي يعتمد فيه صاحبه على الخيال، ويقصد فيه إلى هذا الجمال الفني الذي يخلب الألباب ويستهوي القلوب، لا يعنيه أن يكون هذا الكلام منظومًا في الوزن والقافية أو غير منظوم. ومنهم من يقف موقفًا وسطًا بين أولئك وهؤلاء، فلا يطلق لفظ الشعر إلا على الكلام المنظوم الذي يعتمد فيه صاحبه على الخيال ويقصد فيه إلى الجمال الفني؛ فهو لا يرى منظومات النحو والصرف شعرًا وإن نُظمت في الوزن والقافية. وهو لا يرى مقامات الهمذاني أو رسائل ابن العميد شعرًا، وإن لم تخل من اعتماد على الخيال وقصد إلى الجمال الفني. وهناك قوم يتحللون من بعض هذه القيود دون بعضها الآخر متأثرين في ذلك بتطور الشعر عند بعض الأمم الأجنبية؛ فهم يتحللون في القافية مثلًا ويكتفون بالوزن. وهم قد لا يتفقون فيما بينهم على مقدار التحلل من القافية؛ فمنهم من يريد إلغاءها، ومنهم من يريد الاكتفاء منها بالمقدار اليسير وربما لم يتفقوا في مقدار التزام الوزن نفسه؛ فمال بعضهم إلى التزام البحر الواحد في القصيدة الواحدة، ومال بعضهم الآخر إلى الافتنان في هذه البحور، فخلط بحرًا ببحر من البحور التي عرفها العروضيون، وربما أضاف إلى هذه البحور ما لم يكن للعروضيين به عهد من قبل.

وليس هذا الاختلاف مقصورًا على العصر الذي نحن فيه، بل هو طبيعي لازم للتطور الفني من حيث هو، وقد عرفه القدماء من العرب، وليس أوضح دلالة على هذا من هذه الفنون التي استحدثها العرب في حضارتهم في بغداد والأندلس وما بينهما من الأقطار الإسلامية العربية، فلم يكن العرب الجاهليون والأمويون يعرفون الموشحات ولا الأزجال ولا هذه الفنون المختلفة التي استحدثت من الشعر، والتي احتفظ بعضها باللغة العربية الفصحى واندفع بعضها في اللغة العامية المألوفة.

وسيظل هذا الاختلاف بين الشعراء في معنى الشعر من حيث لفظه وأغراضه قائمًا ما قام هؤلاء الشعراء أنفسهم، وما كانت لهم حياة خاصة غير خاضعة خضوعًا تامًّا للتقليد.

ومؤرخ الآداب مضطر بحكم صناعته أن يتبع هؤلاء الشعراء المنتجين في تطورهم وافتنانهم، وأن يسجل ما يستحدثون من فن رضي عن ذلك أو لم يرضَ.

والحق أن اختلاف الشعراء من العرب فيما يطلقون عليه لفظ الشعر مهما يكن عظيمًا فليس من العسير على مؤرخ الآداب أن يضبطه ويستخلص منه تعريفًا علميًّا للشعر العربي. فالعرب متفقون في جميع عصورهم على أن الشعر يجب أن يكون موزونًا مهما يكن الوزن الذي يقصد إليه الشاعر، لا يستطيع العربي أن يتصور الشعر إلا إذا كان لفظه مقيدًا بهذا المقياس العروضي، أو قل: بهذا المقياس الموسيقي الذي يلائم بين أبيات القصيدة، بل يلائم بين أجزاء البيت الواحد ملاءمة ما. والعرب متفقون أيضًا على أن الشعر لا يكون شعرًا حتى يُقيد بالقافية تقييدًا ما، فأما القدماء فكانوا يلتزمون القافية الواحدة والأرجوزة، ثم أخذ بعضهم يتحلل من هذه القافية في الرجز، ثم في القصيد، وافتنوا في ذلك افتنانًا كثيرًا كما افتنوا في الوزن نفسه افتنانًا كثيرًا. فلا بد إذن من أن يكون لفظ الشعر مقيدًا بالمقياس العروضي الموسيقي من ناحية، وبالقافية من ناحية أخرى. ولكن الشعراء والأدباء لا يكتفون عادة بهذا المقدار من التقييد اللفظي، وإنما يريدون أن تكون للشعر لغة خاصة مختارة اللفظ اختيارًا دقيقًا، يمنحه روعة وجزالة أحيانًا، ويمنحه رقة وعذوبة أحيانًا أخرى، ويعصمه على كل حال من الابتذال. فلا بد إذن من أن يقيد الشعر بقيد ثالث هو الجودة الفنية للفظ الذي يتألف منه.

فإذا اتفق أدباء العرب وشعراؤهم على هذا المقدار انتقلوا إلى المعنى، فاتفقوا فيه على شيء واختلفوا في أشياء؛ فهم يتفقون على أن المعنى يجب أن يكون جيدًا شريفًا قيمًا. ولكن هذه كما ترى ألفاظ عامة غامضة ليس من اليسير الاتفاق على معناها الدقيق المحدود، ومن هنا لا يستطيع الأدباء أن يبرءوا من تحكيم الذوق الشخصي حين يريدون أن يقدروا جودة المعنى أو رداءته. وهم كذلك لا يستطيعون أن يبرءوا من تحكيم الذوق الشخصي حين يريدون أن يقدروا حظ اللفظ من الجزالة والروعة أو الرقة والعذوبة؛ لأن هذه الأشياء كلها إضافية تختلف باختلاف الأذواق الفردية والاجتماعية. ثم يختلف الأدباء بعد هذا في أن الشعر يجب أن يعتمد على الخيال أو على الحق، وفي مقدار اعتماده على الخيال أو اعتماده على الحق؛ فمنهم من يؤثر الشعر الذي لا حظ فيه للخيال ولا للاختراع، وإنما هو وصف للخيال صادق مطابق للحق الواقع. ومنهم من يؤثر الشعر الذي يسترسل صاحبه مع الخيال ويسرف في ذلك فيتورط في المبالغات وألوان الغلو، ومنهم من يأخذ بين هذا وذاك طريقًا وسطًا.

ثم هم بعد هذا كله يختلفون في مقياس الجمال الشعري: أهو اللفظ أم هو المعنى أم هما الأمران جميعًا؟ ولعل أحسن ما كُتب في ذلك في القرن الثالث ما قدمه ابن قتيبة بين يدي كتابه طبقات الشعراء حين قسم الشعر إلى ما حسن لفظه ومعناه، وما حسن لفظه دون معناه، وما حسن معناه دون لفظه، وما فسد لفظه ومعناه جميعًا وضرب لذلك الأمثال ولكن هذا التقسيم نفسه على ما يظهر فيه من الدقة المنطقية لا يجدي شيئًا؛ فإن الأدباء لا يستطيعون أن يتفقوا على هذا الحسن الذي يوصف به اللفظ والمعنى أحدهما أو كلاهما، وآية ذلك أن منهم من يرى هذه الأبيات جيدة اللفظ عادية المعنى،١ وهي:
ولما قضينا من منًى كل حاجة
ومسَّح بالأركان من هو ماسح
وشدت على حدب المطايا رحالنا
ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وسالت بأعناق المطي الأباطح
ومنهم من يراها جيدة المعنى، وربما آثرها لجودة معناها.٢ وقل مثل ذلك في كل شعر يحكم فيه الذوق؛ فإن حكم الناقد يختلف باختلاف ذوقه ومزاجه وذوق بيئته ومزاجها.

ومهما يكن من شيء فإن في الشعر جمالًا فنيًّا خالصًا يأتيه أحيانًا من قبل اللفظ وأحيانًا من قبل المعنى، وأحيانًا من قبلهما جميعًا. ومهما يختلف حظ الشعر من هذا الجمال، ومهما يختلف ذوق النقاد ورأيهم في هذا الجمال، فإن للشعر منه حظًّا ما يتفق الناس جميعًا إذا سلمت أذواقهم في إحساسه والشعور به. وإذا كان الشعراء والأدباء متفقين على أن الشعر يجب أن يتقيد لفظه بالوزن والقافية، فهم متفقون كذلك على أن الشعر يجب أن يكون له حظ ما من هذا الجمال الفني مهما يكن مصدره ومقداره.

وإذن فنحن نستطيع أن نُعرَّف الشعر آمنين بأنه الكلام المقيد بالوزن والقافية، والذي يُقصد به إلى الجمال الفني، فإذا اتفقنا على هذا المقدار فلندع الشعراء المنتجين والنقاد وما هم فيه من اختلاف في تقدير هذه القيود وتصوير هذا الجمال الفني، لا نعرض لذلك إلا في الدراسات التفصيلية التي نقف فيها عند شعر الشعراء ونقد النقاد.

فأنت ترى أن هذا التعريف لا يقصد إلى الإغراب، ولا يضع الشعر حيث يضعه الشعراء أنفسهم في هذه المكانة العالية التي لا يسمو إليها إلا من كان له من الخيال جناح قوي يستطيع أن يصعد به إلى حيث لا يستطيع الباحثون من العلماء أن يصعدوا. إنما هو تعريف يسير فيه تواضع واعتدال؛ ذلك لأنه يلتمس الشعر من حيث هو حقيقة واقعة تدرس وتستقرأ، لا من حيث هو مثل أعلى يسمو إليه الشاعر والناقد؛ وذلك لأن تاريخ الآداب مضطر إلى أن يتناول بحثه الشعراء مهما يختلف حظهم من الإجادة، ومهما تتفاوت طبقاتهم، فهو يعرض للشعراء النابغين، كما يقف عند الشعراء الخاملين، وكما يُعنَى بأوساط الشعراء، فيجب أن يكون تعريفه للشعر جامعًا لما ينتجه أولئك وهؤلاء.

(٢) موقف المعاصرين من الشعر العربي

ولكن رأي الناس في الشعر العربي مختلف باختلاف ميولهم وأهوائهم ونزعاتهم في الفن والعلم وغيرها من فروع الحياة، وأنت إذا نظرت إلى الذين يعنون بالشعر العربي رأيتهم يقفون منه مواقف ثلاثة: فبعضهم يرى أن الشعر العربي وحده هو الشعر، وأن الشعر الأجنبي لا يستطيع أن يعدله ولا أن يثبت له؛ وهؤلاء هم أنصار القديم والقدماء الذين لم يظهروا من آداب اللغات الأجنبية على شيء. وزعيم هؤلاء جميعًا فيما يظهر الجاحظ الذي كان يرى أن اليونان أصحاب فلسفة ومنطق، وأن الفرس أصحاب تقليد ونقل، وأن أهل الهند أصحاب حكمة وأخلاق، فأما البيان في الشعر والنثر فحظ العرب وحظهم وحدهم. ولو قد عرف الجاحظ شعر هوميروس وبندار وخطابة بركليس وديموستين لغير رأيه في ذلك تغييرًا. وشيوخ المدرسة القديمة الآن يذهبون مذهب الجاحظ، ويلقنون كلامه لتلاميذهم ويأخذونهم باستظهاره. وهم لا يعترفون لليونان والرومان والهند والفرس بحظ من بيان. وهم يضيفون إلى هذه الشعوب الأمم الحديثة كلها، وما نظن أنهم يعدلون بامرئ القيس «شكسبير» أو «راسين»، أو قل: إنهم يجهلون وجود شكسبير وراسين. ولو قد عرفوهما وعرفوا أمثالهما من الشعراء الأوروبيين المحدثين لما عدلوا بامرئ القيس شاعرًا من هؤلاء الشعراء، بل لما عدلوا بامرئ القيس هؤلاء الشعراء جميعًا؛ ذلك لأنهم لن يستطيعوا أن يفهموا هؤلاء الشعراء، ولا أن يذوقوا شعرهم أو يسيغوه، ففهم الشعر الأوروبي الحديث محتاج إلى ثقافة أوروبية متينة لم يظفر هؤلاء الشيوخ منها بقليل ولا كثير. وإذن فهم يرون وسيرون أبدًا أن الشعر العربي وحده هو الشعر، كما أنهم يرون وسيرون أبدًا أن اللغة العربية وحدها هي اللغة. ولعلك تعلم أن أول كلمة يسمعها الطالب الأزهري الذي هو عنصر المدرسة القديمة إنما هي قول الكفراوي: «الحمد لله الذي جعل لغة العرب أفصح اللغات.» والطالب الأزهري منذ ذلك اليوم يمضي في الاقتناع بأن اللغة العربية أفصح اللغات، وأن الآثار العربية أرقى الآثار، وأن ما تنتجه الأمم الأخرى قديمة كانت أو حديثة من الآداب إنما هي رطانة وعجمة لا تغني شيئًا ولا تمثل جمالًا. والذين يتاح لهم من هؤلاء الطلاب أن يتصلوا بالثقافة الحديثة اتصالًا ما يدهشون أول الأمر حين يرون أن قد كان لليونان والرومان شعراء وخطباء يعدلون شعراء العرب وخطباءهم ويتفوقون عليهم أحيانًا إن كانت للمقارنة بين أولئك وهؤلاء سبيل. وكما أن هؤلاء الشيوخ يقدمون اللغة العربية على اللغات الأجنبية كافة؛ لأن هذه اللغة العربية غنية ضخمة الثروة تدل على البعير والسيف والخمر والحية والداهية بمئات الألفاظ دون أن يقدروا مصدر هذه الثروة أو قيمتها، ودون أن يعرفوا حظ اللغات الأجنبية من أنواع أخرى من الثروة قد تكون أنفع وأجدى. فهم يقدمون الشعر العربي لأسباب كهذه الأسباب؛ لأنه يلتزم في القصيدة الواحدة قافية واحدة لا تتغير مهما يعظم حظ القصيدة من الطول، ولأنه كثير لا يحصى، ولأن العرب كلهم شعراء، يكفي — كما يقول الجاحظ — أن يصرف أحدهم هَمَّهُ إلى مذهب الكلام فإذا الألفاظ والمعاني تواتيه أرسالًا، وتنثال عليه انثيالًا. وهم يمضون في ألوان من هذا الكلام دون أن يقدروا قيمة هذه الأسباب وحظها من الصحة والبطلان، ودون أن يتعرفوا قيمة الشعر الأجنبي وحظه من خصائص ومزايا أخرى قد تكون أقوم من هذه المزايا والخصائص وأبقى أثرًا.

هؤلاء فريق. وفريق آخر يغلون في ازدراء الشعر العربي خاصة والأدب العربي عامة غلو الشيوخ في إيثاره وإكباره. وهؤلاء هم المتطرفون من أنصار الجديد، هم الذين فتنتهم الحضارة الحديثة، وما استحدثت من أدب وفن فلم يعرفوا غيرها ولم يقيموا للأدب العربي وزنًا. هؤلاء لا يتحدثون عن الأدب القديم أو ما يشبه هذا الأدب القديم إلا في سخرية وازدراء وفي سخط وازورار أحيانًا. وهم يذهبون حين يقرضون الشعر أو يكتبون النثر مذاهب غريبة شاذة لا صلة بينها وبين قديم الأدب العربي. هم يزدرون الوزن والقافية، وهم يزدرون النحو والصرف، وهم يزدرون أصول اللغة نفسها، وهم يبتدعون أساليب ومناهج في نظم الكلام، لا يطمئن لها المنطق العربي ولا ترتاح إليها الأذن العربية. وأنت تستطيع أن تحدثهم عن شعراء العرب وخطبائهم وكتابهم وما ظفروا به من الإجادة والإتقان الفني فسيعرضون عنك إعراضًا، وسيمضون فيما هم فيه من ابتداع يعتمد في أكثر الأحيان على الغرور وشيء من الغفلة غير قليل. وكما أن الشيوخ معذورون حين يجحدون الآداب الأجنبية لأنهم يجهلونها، فهؤلاء المسرفون في التجديد معذورون؛ لأنهم يجهلون الأدب العربي جهلًا تامًّا ولا يستطيعون أن يذوقوه ولا أن يسيغوه. أولئك نشَّأهم الأزهر ودار العلوم فانقطعت الصلة بينهم وبين الحديث. وهؤلاء نشَّأتهم المدارس الأجنبية الخالصة فانقطعت الصلة بينهم وبين القديم.

وهنا يجب أن ننصف فنقول: إن مصر وإن كثر حظها من أنصار القديم المسرفين في عصرنا لمكان الأزهر ودار العلوم، فحظها من المسرفين في التجديد قليل أو هو غير موجود؛ ذلك لأن المصريين على كلفهم بالتجديد واستعدادهم للتطور محتفظون بشخصيتهم الاجتماعية والسياسية، حريصون عليها أشد الحرص، قد عبثت بهم الخطوب منذ أكثر من عشرين قرنًا، ولكنهم ظلوا على ذلك مصريين محتفظين بهذه المصرية. ومعنى هذا أن في كل فرد من أفراد المصريين — مهما يكن مزاجه وطبيعته — حظًّا من الميل إلى القديم والاستمساك به؛ فهو يتطور ويثور أحيانًا، ولكنه على ذلك كله متصل بقديمه مستمسك بأسباب هذا القديم. فلن تجد في المصريين من يمقت القديم العربي المقت كله؛ أو يزدري الأدب العربي، أو يميل إلى التفريط في أصول اللغة وما ألف الناس من فنون الكلام. فمن المصريين إذن ومن طائفة من أدباء الشرق العربي يتكون الفريق الثالث الذي يقف في الشعر العربي خاصة والأدب العربي عامة موقف القصد والإنصاف والاعتدال.

هؤلاء لا يزدرون الأدب العربي القديم، ولكنهم لا يكتفون به، وإنما يقبلونه على أنه قد أدى ما كان ينبغي أن يؤدي في عصوره المختلفة، ويريدون مع ذلك أن يكون لهم أدب ملائم للعصر الذي يعيشون فيه. هم لا يزدرون الفرزدق وجريرًا، ولا يسخرون من ابن الرومي والمتنبي، بل يعجبون بهم ويدرسونهم في عناية وتحقيق، ويتخذونهم أحيانًا نماذج لجيد الشعر العربي وقيمه. ولكنهم لا يتخذونهم مُثلًا عليا لما ينبغي أن يكون عليه الشعر العربي في هذا الأيام. هم معتدلون؛ لأن الله قد عصمهم من الجهل الذي يضطر أصحابه إلى الغلو والتعصب، هم درسوا الأدب القديم فذاقوه وأساغوه، ودرسوا الأدب الأجنبي فذاقوه وأساغوه، واقتنعوا أن الأديب العربي قادر على أن يرقى بأدبه إلى حيث يجعله مرآة صادقة لهذه الحياة الحديثة دون أن يفسده أو يغير من أصوله الجوهرية شيئًا. هؤلاء يقدرون الشعر العربي القديم قدره؛ لأنهم لا يضعون مقياسًا مطلقًا يقيسون به جيد الشعر ورديئه، وإنما يلحظون في هذا ما يكون بين الشعر وبين العصر الذي قيل فيه من صلة. وهم يَرَوْنَ أن الشعر العربي قد أرضى العرب وقضى لهم حاجاتهم المختلفة في عصور رقيهم الأدبي والفني، فمثل عواطفهم وأهواءهم، وصور حياتهم الفردية والاجتماعية تصويرًا قويًّا صادقًا لم يظفر ببعضه في التاريخ. وليس عيبًا على الشعر العربي القديم أن لا يمثل عواطفنا نحن ولا أهواءنا؛ فإن أصحابه لم يقولوه ليمثل عواطفنا نحن وأهواءنا. وأنت تستطيع أن تأخذ بهذا العيب نفسه شعر هوميروس وبندار وشكسبير، إنما كل ما يُطلب إلى الشعر الجيد أن يكون فيه حظ من الجمال الفني، يحسه المعتدلون من الناس جميعًا حين يستطيعون أن يذوقوه ويسيغوه مهما تختلف العصور والبيئات، وأنت واجد هذا الحظ من الجمال عند هوميروس وشكسبير وعند فرجيل متى استطعت أن تقرأ هؤلاء الشعراء وتسيغ شعرهم. ونحن نزعم — ونظننا موفقين — أن هذا الحظ من الجمال الفني قوي عند الشعراء المجيدين من العرب، يحسه ويلذه الناس جميعًا متى استطاعوا أن يقرءوه ويفهموه؛ أي متى أعدوا له أنفسهم بالثقافة الملائمة له. فأما أن فيه ألوانًا من الصور والمعاني ينفر منها الذوق الحديث ولا تلائم ميول الفرنج وما ألفوا من عادة شعرية، فذلك شيء لا شك فيه. ولكنك تجد عند نوابغ الشعراء من الفرنجة ألوانًا من الصور والمعاني ينفر منها الذوق العربي ولا تلائم ما ألف العرب من عادة شعرية. بل أنت واجد عند هوميروس وبندار وفرجيل ألوانًا من الصور والمعاني لا يطمئن إليها الذوق الأوروبي الحديث الآن على شدة ما بين هذا الذوق وبين الأدب اليوناني واللاتيني من الاتصال.

وخلاصة القول أن لكل شعر جيد ناحيتين مختلفتين؛ فهو من ناحية مظهر من مظاهر الجمال الفني المطلق، وهو من هذه الناحية موجه إلى الناس جميعًا، مؤثر في الناس جميعًا، ولكن بشرط أن يُعَدُّو لفهمه وتذوقه. وهو من ناحية أخرى مرآة تمثل في قوة أو ضعف شخصية الشاعر وبيئته وعصره، وهو من هذه الناحية متصل بزمانه ومكانه. ولو قد خلا الشعر من إحدى هاتين الخاصتين لما كانت له قيمة حقيقية. فهو بخاصته الأولى مظهر — كما قلنا — من مظاهر الجمال الذي تطمح إليه الإنسانية كلها، وهو بهذا صلة قوية بين الشعوب والأجناس مهما تختلف عصورها وبيئاتها. وهو من الناحية الأخرى مصدر من أصدق مصادر التاريخ إذا عرفنا كيف نقرؤه ونفهمه ونخضعه لمناهج البحث العلمي؛ فهو يصور لنا حياة الأفراد والجماعات في أزمنتها وأمكنتها المختلفة، وهو بهذا يمكننا من الموازنة والمقارنة واستخلاص ما يجمع بين الناس من صلة وما يفصل بينهم من فروق. وليس من شك في أننا نجد هاتين الخاصتين قويتين في الشعر العربي الأموي والعباسي والأندلسي بنوع خاص؛ نجد فيه هذا الجمال الفني المشترك، ونجد فيه هذا التمثيل الصادق للعصر الذي قيل فيه.

فازدراء الشعر العربي القديم غلوٌّ لا يلائم الباحثين عن العلم وحقائقه، وهو في الوقت نفسه ليس أقل إمعانًا في الإسراف والخطل من ازدراء الشعر الأجنبي.

(٣) نوع الشعر العربي

ولكن الخصومة بين أنصار القديم والجديد حول الشعر العربي لا تقف عند هذا الحد، وإنما تتجاوزه إلى شيء آخر. فقد ظهر أنصار الجديد على الشعر الأجنبي قديمه وحديثه، وعرفوا أن هذا الشعر — على أنه غني في نفسه خصب في لفظه ومعناه — كثير الأنواع متباين الفنون، له من ذلك حظ ليس للشعر العربي مثله. وكيف لا؟! وقد رأوا عند اليونان والرومان والفرنج شعرًا يُسمى الشعر القصصي، وآخر يُسمى الشعر التمثيلي. ورأوا لكل نوع من هذه الأنواع خصائص ومميزات وحظوظًا من الجمال مختلفة، ورأوا أن صنوف هذا الشعر الأجنبي متنوعة، واختلاف المذاهب فيه قد استطاع أن يمثل حياة أصحابه من وجوه كثيرة، واستطاع في الوقت نفسه أن يعرض على الناس مظاهر الجمال الفني المطلق مختلفة متنوعة. والتمسوا ذلك من الشعر العربي فلم يجدوه ولم يجدوا شيئًا يقرب منه، فوصفوه بالنقص والضعف، ووصفوا أصحابه بالقصور، واندفعوا في افتتانهم بالشعر الأجنبي وازدرائهم للشعر العربي حتى أحفظوا أنصار القديم وغاظوهم؛ فهب هؤلاء يذودون عن شعرهم العربي، ولكنهم لم يسلكوا في هذا الدفاع طريقًا سواء، وإنما التوت بهم السبل، فخلطوا وأفسدوا الأمر على أنفسهم وعلى الشعر العربي. ذلك أنهم زعموا أن الشعر العربي كالشعر الأجنبي منوع مختلف المذاهب، فيه القصص وفيه الغناء وفيه التمثيل، ولِمَ لا؟ أليس قد زعم لهم أنصار الجديد أن الشعر القصصي فيه ذكر للحروب والمحن وما يُبلي الأبطال فيها من بلاء؟ وهل الحماسة العربية شيء غير هذا؟ ففيها ذكر للحروب والمحن وبلاء الأبطال فيها. وأي شيء تجده في هذا الشعر الذي قيل في حرب البسوس أو في حرب داحس والغبراء، أو في حرب الفجار أو في حرب بعاث، أو في المغازي والفتوح، أو في الفتن الإسلامية؟ ولِمَ لا يكون مهلهل كأخيل؟ ولم لا يكون عنترة كأخيل؟ ولم لا يكون امرؤ القيس كأوليس؟ ولم لا يكون أبطال الحماسة العربية كأبطال الإلياذة والأوديسة والإنيادة؟

أليس قد زعم لهم أنصار الجديد أن في الشعر الأجنبي غناء يصف عواطف النفس وأهواءها، ويمثل حياة الفرد تمثيلًا قويًّا؟ والغزل العربي، أي شيء هو؟ أليس شعرًا يغني فيه الشاعر حبه وألمه ولذته، ويصور فيه عواطفه وأهواءه؟ والرثاء العربي، أي شيء هو؟ وقل مثل ذلك في المدح والهجاء. فإن زعمت أن اليونان كانوا يغنون شعرهم فقد كان العرب يغنون شعرهم أيضًا، أليس قد سُمي الأعشى صنَّاجة العرب؟ ومن الذي يجهل مكان الغناء والصلة بينه وبين الشعر أيام بني أمية وبني العباس؟ ونحن مدينون لذلك بكتاب «الأغاني».

أليس قد زعم لهم أنصار الجديد أن في الشعر الأجنبي تمثيلًا يعتمد على الحوار؟ ومن الذي يستطيع أن يجحد أن في الشعر العربي حوارًا بين العاشقين وبين المتخاصمين، وأي شعرٍ شعر امرئ القيس حين يدخل على صاحبته فتأبى عليه ويلح عليها؟ ومن الذي يستطيع أن يجحد أن كثرة الشعر الذي يشتمل عليه ديوان ابن أبي ربيعة إنما هي حوار وتمثيل؟

وإذن فليس للشعر الأجنبي على الشعر العربي فضل؛ ففي هذا الشعر العربي القصص، وفيه الغناء، وفيه التمثيل. وعلى هذا مضى شيوخ المدرسة القديمة في دفاعهم عن الشعر العربي، فأفسدوا الأمر — كما قلنا — على أنفسهم وعلى الشعر؛ ذلك لأن الشعر العربي ليس فيه قصص وليس فيه تمثيل. فالشعر القصصي، كما يعرفه أصحاب هذا الفن من القدماء والمحدثين، لا يعتمد على ذكر الأبطال والحروب ليس غير، وإنما هو يعتمد على ذلك، ويعتمد على أشياء أخرى منها اللفظي ومنها المعنوي؛ فهو في لفظه طويل مسرف في الطول تبلغ القصيدة من قصائده آلافًا من الأبيات، وهو في لفظه مقيد بألوان من الوزن والموسيقى، وهو مقيد في الأداء نفسه بقيود معينة ليس هنا موضع تفصيلها. وهو في معناه يذكر الحروب والمحن وبلاء الأبطال فيها، ولكنه يذكر الآلهة أيضًا ويستوحيهم ما يريد أن يقول. ثم هو في معناه اجتماعي يفني شخصية الشاعر إفناء تامًّا أو كالتام في الجماعة التي يصفها من جهة، والجماعة التي ينشدها من جهة أخرى، وليس في هذا الشعر العربي شيء من هذا.

والشعر التمثيلي لا يعتمد على الحوار ليس غير، وإنما يعتمد على حوار لا يعرفه الشعر العربي، على حوار بين اثنين أو أكثر، لا يرد فيه لفظ قال أو قلت أو أجاب أو أجبت، وإنما هو حوار بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. ثم هو يعتمد مع الحوار على العمل والحركة، بمعنى أن المتحاورين لا يقتصرون على الحديث، وإنما يذهبون ويأتون من الأعمال ما يأتي الناس في حياتهم العادية؛ فهو تصحبه حياة عاملة ملؤها الحركة والنشاط. وهو يعتمد في الوقت نفسه عند القدماء بنوع خاص على الغناء والرقص والموسيقى. وأين هذا كله من هذا الحوار اليسير الذي نجده في الشعر العربي قديمه وحديثه؟ ذلك، ولم أذكر خصالًا فنية أخرى للتمثيل لا حاجة الآن إلى ذكرها.

فأنت ترى أن شيوخ المدرسة القديمة يخلطون ويفسدون الأمر حين يرون أن في الشعر العربي قصصًا أو تمثيلًا، والحق أن الشعر العربي غناء كله، فيه مميزات الشعر الغنائي؛ فهو شخصي بمعنى أنه يمثل قبل كل شيء نفسية الفرد وما يتصل بها من عاطفة وهوى وميل. هو كذلك في النسيب، وهو كذلك في الحماسة والفخر، وهو كذلك في الوصف والمدح والرثاء والهجاء، وهو في أول أمره معتمد على الموسيقى. ليس من شك في أنه كان يغنى غناء، ثم استقل عن الموسيقى شيئًا فشيئًا وقلَّ فيه تأثير الغناء حتى أصبح يُنشد إنشادًا. والإنشاد شيء بين القراءة وبين الغناء، هو في الشعر كالترتيل في القرآن.

فالشعر العربي الذي نعرفه إذن شعر غنائي خالص، ولكن هذا لا يغض منه ولا يضع من قدره ولا يُقدم عليه الشعر الأجنبي؛ فليس يُقاس الشعر بأنه اشتمل أو لم يشتمل على هذا النوع أو ذاك، وإنما يقاس بأنه أجاد أو لم يُجد النوع الذي اشتمل عليه. وقد قدمنا أن الشعر العربي قد أجاد تأدية ما كان ينبغي أن يؤدى من حاجات العرب الفنية في عصوره التي قيل فيها. على أن أنصار الجديد أنفسهم لا يبرءون من بعض الاضطراب، فهم يطلقون قضيتهم إطلاقًا في غير تحفظ ولا احتياط؛ ذلك أن الذي نعلمه علم يقين هو أن هذه الأنواع الثلاثة من الشعر إنما وجدت قبل كل شيء عند اليونان ووجدت متعاقبة لا مصطحبة؛ بمعنى أنها كانت أطوارًا للحياة الشعرية اليونانية جاء بعضها إثر بعض، فكان الشعر القصصي طورًا من الحياة الأدبية ملائمًا لحياة اليونان في سذاجتهم أثناء القرن العاشر والتاسع قبل المسيح، وكان الشعر الغنائي طورًا من أطوار الحياة الأدبية ملائمًا لرقي الشخصية الفردية عند اليونان وللتطور الاجتماعي والسياسي الذي ظهر في القرن السابع والسادس قبل المسيح، وكان الشعر التمثيلي أثرًا من آثار الحياة الديمقراطية والرقي العقلي الفلسفي اللذين ظهرا في القرن الخامس قبل المسيح. ومن غريب الأمر أن هذه الأنواع لم تكد تستصحب عند اليونان؛ فقد ضعف القصص حين قوي الغناء، وضعف الغناء حين قوي التمثيل. ونحن نجد هذه الأنواع عند أمم أخرى غير الأمة اليونانية بين القدماء والمحدثين، ولكنها قد وجدت عند هذه الأمم تقليدًا لليونان. فليس من شك في أن فرجيل قد قلد هوميروس، وهوراس قلد بندار. وليس من شك في أن الممثلين من الرومان كتيرانس وبلوت قد قلدوا الممثلين من اليونان. وليس من شك أيضًا في أن المحدثين من الأوروبيين، ولا سيما الفرنسيون، قد قلدوا اليونان والرومان فيما استحدثوا من قصص وغناء وتمثيل؛ فآثار الرومان ظاهرة عند كورني وبوالو، وآثار اليونان ظاهرة عند راسين، وآثار أولئك وهؤلاء ظاهرة عند موليير وفولتير وغيرها من أصحاب القصص والغناء والتمثيل. وإذا كانت نشأة هذه الأنواع تقليدية عند هذه الأمم القديمة والحديثة، متأثرة باليونان وحياتهم الأدبية، فالأمر لا يرجع فيها إلى طبيعة الشعر ولا طبيعة الأجناس التي قرضت هذا الشعر، وإنما يرجع إلى أن هذه الأمم قد عرفت آداب اليونان، فقلدتها أول الأمر، ثم كونت لنفسها فيها شخصية قوية بعد ذلك. فأما الأمم التي لا تعرف هذه الحياة اليونانية والأدبية فلم تقلدها، ومن هذه الأمم أمم آرية تشارك اليونان في جنسها وطبيعتها كقدماء الفرس والهنود والأوروبيين في القرون الوسطى. ومنها أمم أجنبية عن هذا الجنس الآري كالأمة العربية. وعندنا أن العرب لو عرفوا آداب اليونان لقلدوها، ألا ترى أنهم عرفوا فلسفة اليونان فقلدوها وكونوا لأنفسهم في الفلسفة شخصية قوية؟ ثم ألا ترى أنهم أخذوا يعرفون الآن الأدب الحديث فأخذوا يقلدونه، وظهر عندهم فن التمثيل، وأخذ شعرهم الغنائي يتطور تطورًا ملائمًا للشعر الغنائي الأوروبي؟

فالأمر إذن ليس أمر قصور الشعر العربي أو قوته، وإنما هو أن العرب لم يعرفوا نوعًا من الأدب فلم يقلدوه، وعرفت الأمم الأخرى هذا النوع فقلدته وتفوقت فيه.

ومهما يكن من شيء فالشعر العربي القديم الذي يدرسه تاريخ الأدب ليس من القصص، ولا من التمثيل في شيء، وإنما هو غناء ليس غير.

(٤) فنون الشعر

وشيوخ المدرسة القديمة لا يبرءون من الخلط أيضًا حين يذكرون فنون الشعر العربي ولا سيما في العصر الجاهلي؛ فهم يعتمدون في ذكر هذه الفنون على طائفة من التقسيم أظهرها ما اشتمل عليه ديوان الحماسة لأبي تمام. وهم من هذه الناحية يضيفون إلى العصر الجاهلي فنونًا لعله لم يعرفها إلا لمحًا. ولسنا نريد أن نطيل في هذا الموضوع الذي لا نراه في حقيقة الأمر خليقًا بالإطالة، إنما نقول كما يقول الذين يدرسون الأدب العربي عادة: إن للشعر فنونًا مختلفة، منها الوصف والمدح والرثاء والغزل والفخر والحماسة. والقدماء يزيدون في هذه الفنون وينقصون منها، ويردون بعضها إلى بعض؛ فهم يردون الرثاء إلى مدح الميت، وهم يردون العتاب إلى الهجاء، وهم يشطرون الغزل شطرين غزل مؤنث وغزل مذكر، إلى غير هذا من الكلام الكثير الذي لا غناء فيه.

وقد يكون من الخير أن نعرف تاريخ هذه الفنون وكيف نشأت عند العرب؛ ولكن اليقين في هذا موقوف على ما نحن بسبيله من إثبات الشعر الجاهلي أو رفضه. وليس من شك الآن في أن الجاهليين قد وصفوا ومدحوا وهجوا ورثوا. وليس من شك أيضًا في أنهم قد ألمُّوا بذكر النساء، ولكننا نرجح أن فن الغزل لم يتم عندهم، وإنما تم وقوي في الإسلام أيام بني أمية. كما أنه في هذا العصر ظل مقصورًا على النساء، فلما كان العصر البغدادي تناول الغلمان فأسرف. وقد تطورت هذه الفنون كلها تطورًا ملائمًا للحياة العربية العامة والخاصة، ولكن درس هذا التطور ليس مما يعنينا الآن.

(٥) بحور الشعر

وهذه مسألة لا نعرض لها إلا لندل على ما فيها من العسر، وعلى أنها شديدة الحاجة إلى أن يُعنَى بها الباحثون. فالقدماء والمحدثون يضطربون حين يريدون أن يتبينوا نشأة الشعر العربي، ولست أدري لم يأبون إلا أن يحددوا لهذه النشأة نظامًا ومقياسًا. على أن القدماء أقرب إلى القصد من أنصار القديم؛ فهم قد أراحوا أنفسهم، وزعموا أن العرب توهمت أعاريض نظمت عليها الشعر، ثم أخذوا يعدون بحور الشعر ويحصون أعاريضه وضروبه وقوافيه. أما المحدثون فقد أرادوا أن يتجنبوا هذا الغموض؛ فاندفع بعضهم في الخيال حتى زعم أن الشعر العربي إنما اشتقت أوزانه من حركات الإبل حين تقطع الصحراء في ضروب مختلفة من السير، واجتهدوا في أن يقاربوا بين أوزان الشعر وبين حركات الإبل المادية. وظاهر أن هذا كله خيال وافتراض لا سبيل إلى تحقيقه.

والشيء الذي يظهر أن لا سبيل إلى الشك فيه هو أن وزن الشعر العربي كوزن غيره من الشعر، إنما هو أثر من آثار الموسيقى والغناء. فالشعر في أول أمره غناء، ومن ذكر الغناء فقد ذكر اللحن والنغم والتقطيع، أو قل بعبارة موجزة: فقد ذكر الوزن. والواقع أنَّا لا نعرف في تاريخ الأمم القديمة أن الشعر والموسيقى قد نشآ مستقلين، وإنما نشآ معًا ونميا معًا أيضًا. ثم استقل الشعر عن الموسيقى فأخذ يُنشد ويُقرأ. وظلت الموسيقى محتاجة إلى الشعر في الغناء مستقلة عنه في الإيقاع الخالص، أو قل: ظل الغناء نقطة الاتصال بين هذين الفنين. وفي هذا العصر الحديث وحده أخذت الموسيقى تستغني عن الشعر استغناء تامًّا، وتتخذ النثر أحيانًا موضوعًا لألحانها. وأخذنا نشهد في الملاعب الموسيقية الفرنسية قصصًا تمثيلية منثورة غير منظومة. وأخذنا نجد أيضًا قطعًا موسيقية منفصلة منثورة غير منظومة. ولم نشهد في لغتنا العربية إلى الآن فيما يظهر غناء يعتمد على النثر دون الشعر، وإنما الغناء العربي كله يعتمد على الشعر مهما يكن نوع النظم الذي يلجأ إليه. إنما المسألة التي تستحق أن تُدرس وأن يُزال عنها الحجاب هي تاريخ الأوزان العروضية التي أحصاها العلماء: كيف نشأت، ومتى نشأت؟ وهل عرف الجاهليون هذه الأوزان التي أحصاها الخليل والأخفش؟ أو هل عرفوا بعضها واستحدث الإسلاميون بعضها الآخر؟ وما الأوزان التي عرفها الجاهليون؟ وما الأوزان التي استحدثها المسلمون؟ وأي أوزان الجاهليين أسبق إلى الظهور؟ وهل ظهرت هذه الأوزان منفصلة أم هل تطور بعضها إلى بعض؟ وأيها تطور عن الآخر؟ وما الأسباب الفنية الاضطرارية أو الاختيارية التي حملت المسلمين أن يستحدثوا من الأوزان؟ كل هذه مسائل خليقة أن تدرس، وأن يزال عنها الحجاب، ولكن ذلك ليس بالشيء اليسير الآن على أقل تقدير، فلنكتف بعرضها ولننتظر.

١  ممن يرون هذا الرأي عبد القاهر الجرجاني وقد بسطه في كتابه «أسرار البلاغة» صفحة ١٥، وكذلك أبو هلال في «الصناعتين» صفحة ٤٢ وابن قتيبة في «طبقات الشعراء».
٢  الكثير من رواة الأدب يرويها على أنها جيدة المعنى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠