سكويدز العجوز وسبيلر الصغير

في أيام راحة البال عندما كانت الاحتياجات قليلة ومن السهل تلبيتها، وعندما كان شراب الروم الذي تُشتهَر به نيو إنجلاند صافيًا ورخيصًا، وعندما كان الجيل القديم لا يزال يرتدي السراويل القصيرة التي تصل إلى الركبة، ومعاطف أيام الاستعمار التي تشبه ذيولها ذيول الديك الرومي، مات بيلي الذي كان يعمل في بوابة تحصيل الرُّسوم على طريق هارتفورد وبروفيدنس. سكن بيلي أربعين سنة بعد الثورة في منزل الرُّسوم الصغير المنعزل بالقرب من الجسر الذي يعلو نهر كوينبو المضطرب، وطوال هذا الوقت لم يعْيَ بإجابة استدعاءات تحصيل الرسوم، لكنه في إحدى الليالي لم يُلبِّ الدعوة، ووجدوه جالسًا على كرسيِّه حاملًا الكتاب المقدس على ركبتيه، وقد صعدت روحه إلى المكان الذي كان يقرأ عنه في الكتاب المقدس.

بعد بضعة أيام أحضرت عربة الخيول الكبيرة شابًّا طويلًا عند منزل الرُّسوم في كوينبو ليحلَّ محل بيلي، وأَحضر هذا الشاب كل متعلقاته ملفوفة في صُرَّة من القماش. أخبر سائقُ عربة الخيول الشابَّ أن هذا هو موقع عمله الجديد لصالح شركة الطرق، وعندما رأى الشابَّ يحدِّق في اللوحة المجاورة للباب المسجَّل عليه الرسوم قال له: «اسمع أيها العجوز سكويدز، من الأفضل أن تكتب بعض الأرقام الجديدة؛ فالأرقام القديمة على وشك أن تنمحي.»

دعاه السائق بالعجوز سكويدز، وبعيدًا عن أن لقبًا كهذا لم يُسمَع مطلقًا في هذه البلدة من قبل، كان غريبًا أن يُدعَى هذا الشاب بالعجوز؛ ففي الواقع، كان عمره لا يزيد على اثنتين وعشرين سنة أو ثلاثٍ وعشرين سنة على ما يبدو، وعلى الرغم من أن بشرته مسفوعة من الشمس، فإنها مشدودة، وعلى الرغم من أن لحيته كانت شعثاء، وكل شعرة فيها متنافرة عن أختها، فإن الموسى لم يعرف طريقًا إليها قط؛ ولذلك كانت ناعمة. كان نحيفًا لكن مفاصله لم تكن بارزة، وكانت كتفاه العريضتان منحنيتين. لعلهم أطلقوا عليه العجوز بسبب طريقته المتأنية التي لا تنبع عن كسل بقدر ما هي طبيعته التي وُلد بها.

وعندما ابتعدت عربة الخيول، ظل سكويدز واقفًا يحدِّق مندهشًا في لوحة الرسوم ويشدُّ لحيته وهو شارد الذهن. كان على اللوحة بقايا كلمات فحسب؛ لأن الأمطار محت الدهان الذي كُتبت به الكلمات على نحوٍ فوضويٍّ مُربِك. لم يستطع فهم أي شيء من اللوحة؛ ولذا كان أول ما فعله هو أن خلع اللوحة وحملها معه إلى الكوخ الصغير. ودون أن يتفقد منزله الجديد، ألقى الصُّرَّة على السرير وبدأ يصلح ما أفسده الدهر في هذه اللوحة. إلا أن الزمن قد أثَّر عليها تأثيرًا لا يُمحى، وبينما كان سكويدز يضع اللوحة على ركبتيه سقطت من قبضته القوية وتهشَّمت إلى شظايا، كما لو أن التغيير السافر الذي طرأ عليها، بعدما ظلت أربعين سنة في مكانها عند الباب لم تمتد لها يد العبث، كان أكبر من احتمالها.

نظر سكويدز في أسًى إلى البقايا الملقاة تحت قدميه، ثم جمعها بعناية، ودفنها مُكرِمًا مثواها في صندوقٍ قديم. وطوال أسبوع ظل عاكفًا على صنع لوحةٍ جديدة. لم تتطلب اللوحة نفسها كل هذا الوقت، بل إن ما استغرق الوقتَ كان الكلام المكتوب عليها؛ فعلى الرغم من مهارة سكويدز في استخدام المطرقة والمنشار والمسامير، فقد كانت أصابعه لا تُجيد استخدام القلم وفرشاة الرسم. وهكذا أمضى ساعة تلو الأخرى يدرس بطاقة الرسوم المطبوعة التي أعطتها له الشركة كي يتمكن من نقل هذه الأرقام والحروف على اللوحة بطريقة يمكن قراءتها. وذات ليلة، راوده حلم عن طريقة صنع اللوحة، ومن تأثره بالحلم استيقظ مبتهجًا وأشعل شمعة، وجثا على ركبتيه لينقل الحلم إلى اللوحة. إلا أن أصابعه أَبتْ أن تستجيب للصورة الموجودة في مخيلته، فتنهد وعاد إلى الفراش.

وفي النهاية استسلم سكويدز، واكتفى بكتابة شيء من هذا القبيل على اللوحة:

رجل ١ سنت
حصان ٢ سنت
حيوان آخر اسألني

حصل على هذه الكلمات وهجائها بطريقة ماكرة من أحد المارة الغرباء حيث كتبها لسكويدز على لافتة، وعلَّق اللوحة الجديدة في المكان القديم، وكلما رأى أحدًا، إنسانًا كان أو حيوانًا، يقترب من البوابة كان يُخرج بطاقة تعريفة الرُّسوم في حالة لو سأله أي شخص عن التعريفة.

في أثناء مرور مدير الشركة في عربة الخيول ابتسم عندما رأى اللوحة، وطمأن سكويدز قائلًا إنه أبلى بلاءً حسنًا، ثم أخبر المدير رفاقه أن سكويدز غريب، لكنه أمين، وأثبت نزاهته لأحد رؤساء الشركة. فقال المدير: «إنه لا يُعرَف له اسمٌ سوى سكويدز، ونحن نظن أنه طفل شريد كان على متن إحدى سفن صيد الحيتان أُلقيَ على الشاطئ في نيو لندن، وتُرك ليعتني بنفسه. لكنه أمين.»

بيد أن سكويدز لم يكن راضيًا على الإطلاق، على الرغم من أن استحسان المدير قد أدخل إلى نفسه الطمأنينة. قال لنفسه وهو يحدِّق حزينًا في جهده الفاشل نسبيًّا: «في يوم من الأيام سأصنع لوحةً تستحق الثناء.»

بدا سكويدز سعيدًا بما يكفي في منزله المنعزل، وكوَّن صداقاتٍ قليلة؛ لأن المكان كان بعيدًا عن مزارع البلدة. وكان سائقو عربات الخيول يحبُّونه؛ لأنه يعطيهم دائمًا كوبًا من الحليب البارد؛ فقد كان لدى سكويدز بقرة، وكانت هي كل ما يملكه إلى جانب ملابسه.

ذات يوم قال له أحد السائقين: «اسمع يا سكويدز العجوز، منذ سنة أو أكثر وأنا أشرب بين الحين والآخر اللبن الذي تقدِّمه دون أن أعطيك مقابلًا. ما الذي يمكنني أن أُحضره لك إلى هارتفورد لأرد هذا الدين؟»

قال سكويدز: «يمكنك أن تُحضِر لي كتابًا للهجاء. إذا اشتريتَه وأحضرته فسأدفع لك تكلفته، أظن أنه لن يكلِّفك أكثر من دولار.»

وفي المرة التالية التي ارتحل فيها السائق سلَّم سكويدز كتاب هجاء ويبستر. لمعت عينا سكويدز الزرقاوان عندما تسلَّمه، ولم يقُل شيئًا باستثناء تعبيرات الشكر. وعندما ابتعدت العربة وأصبح سكويدز بمفرده فتح الكتاب عشوائيًّا ثم وقف أمام اللوحة وقال بنبرة ظافرة في صوته ولمعة انتصار في عينه: «بهذا أستطيع كتابة وتعليق لوحة تستحق الثناء.»

كان يستطيع تهجِّي كلمات مكونة من حرفين وثلاثة حروف، لكن حين يزيد العدد عن ذلك كان يجد نفسه غارقًا في صعوبات كثيرة في أغلب الأحيان. ثابر وكافح بشجاعة، وإن اعتراه بعض اليأس من قراءة الكلمات المكونة من مقطعين في كتاب الهجاء، فكان يقول: «هذه خ بالتأكيد، وهذه ب، ونطقهما خب. لكني لا أفهم بعدُ هذين الحرفين «از». هذا ا وهذه ز. لا بد أنهما از. إذن الكلمة هي خباز. من أي نوعٍ هذه الكلمة؟»

وهكذا هزمته كلمة خباز وأصبح يائسًا جدًّا. وذات ليلة، بينما كان راقدًا في فراشه، مفتوح العينين، يعتصر ذهنَه الشقاءُ الذي سببه له لغز كلمة خباز، راودته فكرةٌ نيِّرة؛ فنهض وأشعل شمعة، وأخرج من حقيبة الخيش عشرة بنسات نحاسية وضعها على الطاولة على نحوٍ واضح. ولم يكد يلمس الوسادة حتى غط في النوم.

وفي الصباح أعطى العملات النحاسية العشر للسائق، وطلب منه أن يقايضها في هارتفورد بحلوى النعناع المخطَّطة بالأحمر والأبيض. وعندما تسلَّم سكويدز الحلوى وضعها بعيدًا في طبق في خزانة الطعام، وانتظر الوقت المناسب الذي كان في عصر السبت التالي، في ذلك الوقت، وقبل ساعة من الغروب، بدأ يراقب الطريق المؤدي إلى المنحنى؛ لأنه علم أن في ذلك الوقت من كل سبت يأتي ولدٌ صغير يحمل بضائع ذات قيمة من مزرعة والده ليقدمها للكاهن في مسكنه من أجل عشاء الأحد، وهذا المسكن يبعد ميلًا وهو على الجانب الآخر من نهر كوينبو. وأخيرًا رأى سكويدز الفتى الذي كان يحمل على ذراعه سلة تبدو ثقيلة؛ فأخفى نفسه في منزل الرُّسوم بسبب خجله الناجم عن إحساسه بالخزي. وسرعان ما نادى الولدُ الواقف على البوابة على سكويدز ليخرج ويجعله يمر.

«مرحبًا، أنت إبينيزر! أليس كذلك؟ أأنت ذاهب إلى بيت الكاهن؟ لا بد أن هذه السلة ثقيلة، أعتقد أنك ترغب في أن تستريح قليلًا.»

رد الصبي: «إنها ثقيلة، تحتوي على ضلوع الخنزير.»

فقال سكويدز وهو يفتح عينيه متصنِّعًا الدهشة والتعاطف: «تعالَ واجلس. ربما أستطيع أن أعطيك شيئًا أفضل.»

وأدخل سكويدز إبينيزر المنزل وسأله وهو يحمل الحلوى المغرية للغاية أمام عينَي الولد قائلًا: «أتعرف ما هذا؟»

فقال الولد في ابتهاج: «إنه حلوى النعناع.»

«أنت تحبها. سأعطيك واحدة.» وهنا بدا سكويدز على وشك أن يعطي إبينيزر الحلوى، لكنه امتنع فجأةً قائلًا: «انتظر. يجب أن تكسبها. آه! هل تذهب إلى المدرسة؟»

«نعم، في الشتاء.»

«إلى أي مدًى وصلتَ؟»

«وصلتُ إلى الكسور، وإلى كتاب القراءة الثاني.»

«حقًّا! لا أصدق. أرني إذن.» هنا أخرج سكويدز كتاب ويبستر للهجاء من مكانه من تحت الوسادة، وفتحه قائلًا: «حسنًا. لنرَ. الآن انظر هنا، إذا استطعتَ أن تقرأ هذا العمود الموجود بالأسفل مباشرة فسوف تحصل على قطعتَي حلوى. أريد أن أعرف فقط قدر ما تعرف.»

فقال إبينيزر: «هذا سهل. لنقرأ بعض الأعمدة الأصعب.»

بدا سكويدز محتارًا قليلًا، وقال في النهاية: «لنجرِّب السهل أولًا. سيكون ربح الحلوى أسهل. ألا تظن ذلك؟» ووضع سن مطواته على كلمة خباز.

فقال إبينيزر: «هذه خباز.»

ردد سكويدز: «خباز!» وصوته يمتزج بلكنة غاية في الغرابة. «خباز. بالتأكيد إنها كذلك.» وهنا مشط سكويدز لحيته بالمطواة في شرود.

«إنها خباز بالطبع. حرف الألف في وسط الكلام لا يُنطق همزة. الأحمق فقط هو من لا يعرف ذلك. سأكتبها يا إبينيزر.»

ثم أخرج لوحًا وكتب على ناحيته البيضاء الناعمة بقلم فحم متهجيًا كلمة: «خ ب ا ز»، أمام عين إبينيزر المندهشتين.

فسأله الولد: «لماذا تكتبها يا سكويدز؟»

فأجاب سكويدز الماكر: «لماذا؟! آه، لأعرف كم عدد الكلمات التي قرأتها على نحو صحيح.»

وهكذا تعلَّم سكويدز عشر كلمات أو اثنتي عشرة كلمة، وتلقَّى الولد قطعتين من الحلوى، وأبرم معه اتفاقًا يقضي بأنه إن جاء عصر كل سبت وأثبت لسكويدز أنه يستطيع قراءة الكلمات التي يُريها له في كتاب ويبستر للهجاء قراءة صحيحة، فسوف يحصل على قطعتين من الحلوى أو أكثر.

وبهذه الطريقة تعلم سكويدز كل ما هو مكتوب في كتاب الهجاء، على يد صبي تلقى الرشوة ولم يعرف أنه معلِّم، وبدأ يحضِّر لعمل لوحة رُسوم جديدة أراد أن يكتب عليها تعريفة الأسعار بطريقة جديرة بالثناء.

لكن حدث شيء جعل اللوحة الجديدة والثناء الذي ستجلبه له يبدوان أمرَيْن لا طائل كبيرًا من ورائهما؛ فذات مساء في شهر مارس بينما كانت العاصفة تضرب بقوة في الخارج كان سكويدز جالسًا وكتاب الهجاء على الطاولة بين شمعتين، ولوح الكتابة على ركبتيه يحاول بصعوبة بالغة كتابة كلمة ماشية كي يتمرَّن على كتابتها بطريقة صحيحة وفنية قدر الإمكان على لوحة الرُّسوم.

فجأة توقف سكويدز عن العمل وأنصت؛ هناك قرع على الباب بالتأكيد. لم يكن الصوت ناتجًا عن ضرب فروع شجرة البلوط للسقف. وهكذا حمل شمعة وفتح الباب، إلا أن الرياح القوية أطفأتها هي والشمعة الموجودة على الطاولة، لكن سكويدز كان قد رأى امرأة واقفة على عتبة الباب، ومد يده وسحبها للداخل. طلب منها الصبر حتى يشعل الشمعة من جديد، لكن قبل أن يتمكن من فعل ذلك سمع خطوتها المترنِّحة، وعلم أنها سقطت.

عندما نجح سكويدز أخيرًا في توصيل الشرارة للفتيل بأصابع مرتعشة وأشعل الشمعة رأى أن المرأة قد وقعت على الأرض. كان وجهها الذي سقط عليه شعرها يعلوه الشحوب وكان الشعر متلبدًا بفعل المطر، أما عيناها نصف المفتوحتَين اللتَين تحدقان بلا وعي فبدتا له مثل أعين الموتى، في حين استند رأسها على الباب بعد أن سقطت للخلف. قرَّب سكويدز الشمعة إلى شفتيها المنفرجتين ورأى أنها ليست ميتة بل مغشيٌّ عليها، وقبل أن يعطيها العلاجات البسيطة الموجودة عنده استعادت وعيها نسبيًّا. نهضت في ضعف، وترنحت حتى وصلت للكرسي، ثم رأى سكويدز لأول مرة أمرًا أذهله أكثر من هيئتها وهي مغشيٌّ عليها؛ لقد رأى بين ذراعيها وجه رضيع نائم تعلوه السكينة.

شربتْ كوبًا من الماء، وانطلق سكويدز يحضر لها قدحًا من الشاي، وجعله قوي التأثير، فما لبثت أن احتسته حتى انتعشت كثيرًا.

قال وهو يلقي بمزيد من الحطب في المدفأة: «أنتِ مبتلة للغاية.» وحثها على الاقتراب من النار. أطاعته المرأة بنوع من اللامبالاة جعلته يعتقد أنها لا يهمها ما إذا كانت مبتلة أو جافة.

وعلى الرغم من أن سكويدز لم يلمس جسد رضيع ناعمًا من قبل قط، فقد أخذ هذا الرضيعَ برفق من بين ذراعيها اللتين لم تقاوما، ووضعه على وسادته. لم يبتلَّ الطفل من المطر، وغطَّاه سكويدز بعناية بلحافٍ واضعًا طرفه أسفل الوسادة. لم يستيقظ الطفل من لمسة سكويدز غير المعتادة، وعندما نظر إلى الطفل الصغير النائم على وسادته ويديه الممتلئتين الراقدتين بجوار خديه، أقسم على ألا يدع الطفل وأمه يغادران المنزل تلك الليلة.

راقبته المرأة وأبدتْ أولى علامات الاهتمام وقالت ببطء: «أنت طيب، طيب جدًّا.»

وكان كل ما ردَّ به سكويدز هو: «الصغير ملامحه جميلة لطيفة.» وأخبرته المرأة قصة غير مترابطة وطويلة تفيد بأنها فاتتها عربة الخيول وضلَّت الطريق، وتوسلت إليه أن يدعها تستريح حتى وصول العربة التالية؛ فحثها سكويدز على الاستراحة، ووضع أمامها اللبن والخبز. ثم ذهب إلى السندرة الصغيرة من باب مراعاة حاجة المرأة إلى تجفيف ملابسها تمامًا. استرق السمع وهو يعد لنفسه فرشًا ارتجاليًّا، لكن الجو كان هادئًا بالأسفل، وعندما اطمأن أن المرأة الغريبة مستريحة خلد إلى النوم.

في الصباح، طرق سكويدز الباب، ولم يجد ردًّا. فقال لنفسه: «إنها متعبة، لأدعها تنام.»

لكن لم يصدر صوت من الداخل بعد فترة. عندها جازف سكويدز وطرق الباب مرةً أخرى، ولما لم يحصل على جوابٍ فتَحَ الباب، فوجد الغرفة خالية.

قال سكويدز مستنتجًا: «لقد غادرتْ قبل أن أصحو بوقتٍ طويل.» وانطلق يعدُّ الفطور.

وفجأة سمع ما جعله يتوقف ويقف في ذهولٍ تام. لم يتحرك إلا بعد أن سمع الصوت ثانيةً.

«ما! ما!» جاء الصوت مرة أخرى، فرفع اللحاف برفق والْتقتْ عيناه بعينَيِ الطفل.

رفع الطفل يديه، وضحك، وقفز فوق الوسادة وأسفلها.

قال: «مو! مو!»

قال سكويدز: «مو! مو! ماذا يعني ذلك؟ إنه يريد اللبن.»

وفي لحظة سخَّن سكويدز قدحًا من اللبن، وقال في نفسه: «أظن أنه سيحبه حلوًا.» ولذلك وضع ملعقة ممتلئة من السكر. ثم أطعم سكويدز الطفل الصغير ملعقةً ملعقة، كما لو كان أمًّا حنونًا، حتى أبعد الطفلُ أخيرًا الملعقة بيديه الصغيرتين الممتلئتين، ومدَّها متعلقًا في لحية سكويدز الطويلة والناعمة بقبضة رقيقة وقوية، ثم خبأ وجهه ثم نظر لأعلى لعينيه وضحك ولَغَا.

قال سكويدز: «يبدو كما لو كان يعرفني. أعتقد أن هذا العفريت الصغير الجميل يظن أنه يعرفني.» وسالت دمعتان من عينَي سكويدز على خد الطفل، فرفع الطفل يده ممازحًا، ومسح بعض الدموع وهو يتحسَّس بشرة سكويدز الخشنة وهو يلعب في سعادة. ووجَّه سكويدز وجهه للأسفل ناظرًا للطفل، وأخذ يهدهده ويتحدث إليه برقَّةِ غريزة الأبوَّة التي استيقظت داخله. وفي النهاية استرخت يدا الصغير، وأغمض جفنيه، وغطَّ في النوم، ووقف سكويدز يراقبه لفترة لم يعرف كم امتدت.

وهكذا أصبح لسكويدز رفيق. لم يعلم مطلقًا لماذا تركته أمه هنا، إن كانت أمه فعلًا، أو أين ذهبت. ومع مرور الأيام أصبح الخوف يُداخِله من أن تأتي ذات يوم وتطالب بالطفل. لكنها لم تأتِ. ولم يعد سكويدز يفكر في لوحة تعريفات الرُّسوم الجديدة إلا عندما يضعها أمام الطفل كطاولة يجمع عليها الألعاب الرائعة التي نحَتَها له بمطواته. واكتشف سكويدز في وقتٍ مبكر أن الطفل يحب العجلات أكثر من أي شيءٍ آخر؛ حيث أظهر مهارة في ترتيبها بعد أن نحتَها له.

ذات يوم وجد سكويدز الصغيرَ يحدِّق متعجبًا في كتاب ويبستر للهجاء، ورغم خوفه من يديه الصغيرتَين الفوضويتَين، فقد ربط دفتَي الكتاب بالحبال بإحكام وسمح له باللعب به. أطلق على الطفل اسم سبيلر الصغير، ولم ينادِه بأي اسمٍ آخر. حاول الصغير جاهدًا نطق اسم سكويدز، لكنه لم يستطع إلا قول «ثيد»، فأصبح سكويدز يحب هذا الاسم الذي ينطقه الصغير أكثر من أي صوتٍ آخر.

كان سكويدز يقول للطفل عندما أصبح كبيرًا على نحو يتيح له الفهم: «يومًا ما سنحاول جاهدَين فهم هذا الكتاب، وسوف نتقنه، أليس كذلك يا سيدي؟» وكان الطفل الصغير يقول: «بلى، سنفعل يا ثيد.»

عاشا على هذا النحو، يومًا بعد يوم، فكان سبيلر الصغير راضيًا، وكانت سعادة سكويدز تجليًا لبهجة لم يكن لديه أي تصور عنها. وبعد فترة، عندما أصبح الصغير أكبر، كان سكويدز يُجلسه على ركبتيه، وبالاستعانة بكتاب ويبستر للهجاء وبلوحٍ جديد مشترًى من هارتفورد كانا يقومان بمهامهما.

«هذا أول حروف الهجاء يا سيدي. لنرَ كيف نكتبه. خطٌّ للأسفل، ثم خط آخر للأسفل، ثم خط بالعرض، وهكذا أصبح لدينا أول حروف الهجاء.» كان سبيلر الصغير يرسم الخطوط بأصابعه المترددة ويقول: «هذا أول حروف الهجاء يا ثيد.» ويضحك سكويدز ويقول: «سيصبح عندنا لوحة رُسوم، وبهذه الطريقة ستكون جديرة بالثناء بلا شك.»

ذات يوم تهجَّى سكويدز كلمة حصان على اللوح، وأخذ سبيلر الصغير القلم الرصاص ورسم حصانًا برأسٍ وجسمٍ مستطيلَين وأرجلٍ شديدة التعرُّج وقال: «لا، هذا حصان يا ثيد.»

فضحك سكويدز، وأخذ قلم الفحم وجعل سبيلر الصغير يتهجى حصان بهذه الطريقة على اللوح بالطبشورة. ثم علق اللوحة على الحائط الموجود فوق المدفأة، وكلما جاء أحدٌ كان يشير بفخر إلى اللوحة ويقول: «انظروا كيف يتهجى سبيلر الصغير كلمة حصان. إنه طفلٌ لطيف!»

ولم تمضِ شهور كثيرة حتى وجد سكويدز أنه يتبادل الأدوار مع الطفل، فقد أصبح المُعلِّم طالبًا والطالبُ معلمًا؛ ولذلك أرسل سكويدز إلى هارتفورد واشترى كتاب المطالعة الأول وكتاب الحساب، ووجدا بهجةً كبيرة في التفكير في ألغاز هذين الكتابين وحلِّها.

وذات يوم قال سكويدز: «سبيلر الصغير، أنتَ جيد في تعلُّم الهجاء، لكنك بارع جدًّا في تعلم الحساب، وذلك يفوق قدراتي على تعليمك؛ بعد ذلك ستقوم بالحساب والهجاء نيابةً عني.»

كان سكويدز يدرك بلا شك أن الطفل موهوب في الرياضيات والميكانيكا على الرغم من أنه لم يستطع التعبير عن ذلك إلا بقول: «إنه بارع جدًّا في الحساب وماهر جدًّا في استخدام المطواة.»

وذات صباح عندما كان سكويدز يفتح بوابة الرُّسوم ليعبر أحدُ المسافرين، توقف وحدَّق في المنزل على نحوٍ أدهش المسافر الذي خشي أن يكون سكويدز قد فقد عقله، أو احتسى كمية كبيرة من شراب الروم الذي تُشتهَر به نيو إنجلاند، لكنه سمعه يقول بلهجةٍ منتصرة: «انظر إلى هذا المنظر. إنها تستحق الثناء أخيرًا.» وأشار إلى لوحة الرُّسوم الجديدة المدهونة بعناية والمكتوبة بهجاءٍ دقيق. ثم اندفع نحو المنزل وأحضر الولد.

قال سكويدز: «هذا هو الولد الذي صنعها، دون علمي، وعلَّقها دون علمي. أليست جديرة بالثناء؟ إنه سبيلر الصغير.»

وعندما كبر سبيلر الصغير، بنى بمساعدة سكويدز بوابة رُسومٍ رائعةً تُفتَح وتُغلَق تلقائيًّا بلمسة رافعة، وذاع صيتُها، لدرجة أن المدير جاء وتعجَّب أيضًا وأثنى على الفتى الصغير قائلًا: «هذا الولد عبقري يا سكويدز بالتأكيد.»

كان سكويدز يراقب سبيلر الصغير، خفية، كدارسٍ شغوف باللوحات الفنية، وفي كثير من المرات كان ينهض ليلًا من فراشه بهدوء، ويشعل شمعة، ويلقي نظرة انبهار على وجه الصبي النائم.

وذات يوم جاء إلى بوابة رُسوم نهر كوينبو بعض الرجال، ودقُّوا أوتادًا، وحفروا حفرًا، وشيدوا سدًّا عظيمًا على النهر على مسافة نصف ميل. ثم شيَّدوا مبنًى أكبر من أي شيء قد رآه سبيلر الصغير، ووضعوا داخله آلاتٍ عجيبةً، وأقاموا عجلةً ضخمة خارج البناء. بدا سبيلر الصغير مشدوهًا وهو يشاهدهم يوميًّا، وجعل الرجال يعاملونه باحترامٍ كبير؛ لأنه في وقتٍ حرجٍ وهم يشيدون العجلة بدا كأن خطأً قد حدث، فسمعوا صوتًا صغيرًا يصيح فيهم آمرًا: «أَرْخوا الحبال سريعًا.» ففعلوا ذلك، واستقرت العجلة في مكانها على نحوٍ صحيح. تساءل الرجال كيف استطاع ولد صغير يقف بعيدًا على صخرة أن يصيح بهذه اللهجة الآمرة التي جعلتهم يثقون به؟! لكنهم قالوا: «مِنَ المؤكد أنه يمتلك الفطنة.»

عندما بدأت العجلة الكبيرة تدور وبدأت الآلات في المصنع تصدر هديرًا مخيفًا كان حماس وبهجة سبيلر الصغير أكبر من أن يسعهما جسمه الصغير. قضى ساعات كثيرة في المصنع يراقب الآلات وهي تنسج خيوط الصوف محولةً إياها إلى قماش.

وبعد فترة لاحظ سكويدز أن سبيلر الصغير صامت، ويحلم وهو شارد الذهن، فأصبح منزعجًا. واستنتج أن «ضجيج المصنع المقيت هو ما يشوش رأس الصغير»، وحث الولد على تقليل زياراته إلى هناك، لكن سبيلر الصغير كان يذهب إلى هناك كعادته. وفي النهاية رأى سكويدز الولد يشغل نفسه نهارًا وليلًا بالمطواة وغيرها من الأدوات الموجودة، وكان مسرورًا بعمل الصبي رغم أنه لم يفهم ماهية الشيء الغريب الذي كان يشيده سبيلر الصغير. بدا الولد منهمكًا في عمله، وكان عندما يتناول الطعام تكون عيناه الكبيرتان الحالمتان مثبتتَين على طبقِهِ في شرود، لكنه كان ينام نومًا عميقًا، ولم يكن سكويدز منزعجًا كثيرًا.

فكَّر سكويدز: «إنه يخطط لأمرٍ ما في داخله.» وعندما رأى سبيلر الصغيرَ يقطع قطع الخشب ويشكِّلها ويبْرُدها بطاقةٍ وحماسٍ شديدين، أصبح متأكدًا من نجاح الشيء الذي يصنعه أيًّا كان.

وذات يوم قال سبيلر الصغير وهو يضع يده على الشيء الذي صنعه: «ها هو قد اكتمل، وهو على ما يُرام. إنه أفضل مما لديهم في المصنع، بيد أنه خشب فحسب.»

سأله سكويدز: «ما هذا يا سبيلر الصغير؟»

«إنه آلة نسيج.»

«أنت صنعتَها. جزء منك في هذا الشيء يا سبيلر الصغير، إنها جديرة بالثناء أكثر من لوحة الرُّسوم أو البوابة.»

ثم ذهب سكويدز في فرح وأحضر مشرف المصنع. وعندما جاء الرجل قال: «انظر، هذه صُنع سبيلر الصغير. جزء منه فيها، إنها جديرة بالثناء.»

نظر المشرف ببعض الاهتمام إلى النموذج رغبةً في إرضاء الصبي وسكويدز أكثر من أي سبب آخر. وقال سكويدز: «أرِه كيف يعمل.»

ففعل سبيلر الصغير ذلك. كان النموذج بدائيًّا وسيئ التصميم، لكن ما لبث الولد أن شرح طريقة عمله حتى أصبح المشرف مهتمًّا، ولمسه بنفسه وعدَّله، وظهر الكثير من قطرات العرق على جبينه؛ من فرط اهتمامه. وقال في النهاية: «هذا سيُحدِث ثورةً في مصانع الصوف. هذا الشيء مصمَّم بطريقةٍ خاطئة، لكن الفكرة موجودة. من أين حصلت على الفكرة يا سكويدز؟»

فقال سكويدز متعجبًا: «أنا! أنا! ليس أنا. إنه من صنع سبيلر الصغير. لقد عكف على تصميمه منذ بناء المصنع. أليس جديرًا بالثناء؟»

فابتسم المشرف قائلًا: «الثناء!» وسأله: «ماذا تريد مقابل ذلك؟»

قال سبيلر الصغير: «أريد أن أرى آلة مثلها وهي تُصَنَّع ويجري تشغيلها في المصنع.»

«هل ستدعُني أصنعها؟»

فقال سبيلر الصغير متوسلًا: «آه، ليتك تصنعها.»

«اكتب ذلك، وأعِدُك بتجهيز هذا المصنع بها، بل آلاف المصانع الأخرى.»

بدا سكويدز وسبيلر الصغير مندهشَين من هذا المجد غير المتوقع.

قال سكويدز وهو ينظر للولد نظرة إكبار: «سيضع ما صنعته في مئات من المصانع يا سبيلر الصغير.»

وحدث ما قاله المشرف؛ فقد أخذ فكرة سبيلر الصغير وتعامل معها على النحو الصحيح، وصنع الآلات، وحصل على براءات الاختراع؛ ومن ثم أحدث ثورة في مصانع الصوف التي بدأت تظهر في ذلك الوقت في جميع أنحاء شرق نيو إنجلاند، ونظرًا لأنه كان قد اكتشف كذلك منجم ذهب على ضفاف نهر كوينبو فقد أصاب ثراءً واسعًا.

ولكن سكويدز وسبيلر الصغير كانا قانعَين؛ فكانا يصعدان إلى المصنع ويشاهدان الآلة الجديدة وهي تنسج أمتارًا كثيرة من القماش، وكانت البهجة تغمر سبيلر الصغير ويشعر سكويدز بالانبهار ويقول: «هذا أنت يا سبيلر الصغير. هذا من صنعك. إنها ليست الآلة؛ إنها خشب وحديد فحسب.»

بعد فترة بدأ ذهن سبيلر الصغير يشرد من جديد، وقضى ساعات كثيرة في مراقبة نقل الطاقة من ساقية الماء إلى الآلات، فقال سكويدز: «إنه يفكِّر في صنع شيءٍ آخر.» لكنه التزم الصمت.

وذات يوم سمع سكويدز شخصًا آتيًا على الطريق؛ فذهب وفتح البوابة، فوجد أربعة رجال أو خمسة يحملون شيئًا ما برفق ووجوههم يعلوها حزنٌ شديد. لم يحاولوا عبور البوابة، بل دخلوا منزل سكويدز الصغير ووضعوا الحمل على السرير. ثم رأى سكويدز وجه سبيلر الصغير الشاحب، وخطًّا أحمر صغيرًا يشق طريقه بقوة على خده الأبيض قادمًا من جبهته، ووجد عينَيه مغمضتَين، ويديه متدليتين في ارتخاء. وقف سكويدز بلا حراك، ثم التفت إلى الرجال وقال بصوتٍ هادئ رابط الجأش مُخفيًا عينيه:

«هل كان يُعدِّلها؟»

فقال أحدهم: «كان يُعدِّلها ونسيَ نفسه واقترب أكثر من اللازم من أعمدة الدوران وهي …»

«نعم، نعم. كان يعدلها.» هكذا تحدث سكويدز بطريقة ميكانيكية ودون أن تبدو أي علامة على الفهم في عينيه، ثم اتجه فجأةً نحو السرير بقوة. لقد فتح سبيلر الصغير عينيه، ورأى سكويدز وعَرَفه.

وقال: «ثيد.»

مال عليه سكويدز لكنه لم يستطع أن يتكلم.

همس قائلًا: «ثيد، لن أعدِّلها أبدًا.»

حول عينيه في اشتياق إلى النموذج القديم الموجود في الغرفة، ثم نظر إلى سكويدز متوسلًا؛ ففهم حارس البوابة رغباته، وقرَّب النموذج القديم إلى السرير، ثم وضع سبيلر الصغير يده عليه، ومدَّ يده الأخرى حتى استقرت راحتها برفق على وجه سكويدز، ونظر لأعلى نظرة سلامٍ مع ابتسامةٍ خافتةٍ خاطفة، ثم انطفأ البريق في عينيه إلى الأبد.

رأى الرجال ما حدث وغادروا بهدوء تاركين سكويدز بمفرده مع سبيلر الصغير.

وفيما بعد، كان سكويدز يجلس بجوار النموذج القديم، يتحدث إليه برفق، ويشغل أجزاءه الميكانيكية في حب ويقول: «سبيلر الصغير هناك. إنه في مئات من المصانع، يمكنكم أن تسمعوه، لكنني عندما أنظر إلى هذا النموذج أستطيع أن أراه أيضًا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠