تذييل

ماذا نعرف حقًّا عن آثار الإنفاق الحكومي؟

تتمثَّل إحدى الأفكار الرئيسية لهذا الكتاب في أنه في ظلِّ اقتصادٍ يعاني الكسادَ العميق — حين تكون أسعارُ الفائدة التي يمكن للسلطات النقدية التحكُّمُ بها قريبةً من الصفر — نحتاج إلى زيادة الإنفاق الحكومي، لا إلى خفضه. فقد كانت موجةُ الإنفاق الفيدرالي هي ما تسبَّبَ في إنهاء الكساد الكبير، ونحن بحاجةٍ ماسة إلى شيء مماثِلٍ في يومنا هذا.

ولكن، كيف لنا أن نتيقَّنَ من أن زيادة الإنفاق الحكومي من شأنها أن تعزِّزَ النموَّ والعمالة؟ فكثيرٌ من السياسيين يعارِضون هذه الفكرةَ بشراسةٍ، ويُصِرُّون على أن الحكومة لا تستطيع أن تخلق فُرَصَ العمل، كما أن بعضَ الاقتصاديين أبْدَوا استعدادًا لتبنِّي الرأي نفسه؛ فهل تنحصر المسألةُ في اتِّبَاع مَن يَبْدُون منتمين لنفس قبيلة المرء السياسية؟

هذا لا ينبغي أن يكون؛ فالولاء القبلي لا ينبغي أن يؤثِّرَ على وجهةِ النظر إزاء الاقتصاد الكلي بأكثر ممَّا يؤثِّر على وجهة النظر إزاء نظرية التطوُّر أو التغيُّر المناخي مثلًا … رغم أن هذا قد يحدث للأسف.

على أي حال، ما أودُّ أن أشير إليه هنا هو أن قضيةَ كيفيةِ عمل الاقتصاد ينبغي تسويتُها على أساس الأدلة لا التحيُّزات المسبقة، وإحدى الفوائد القليلة لهذا الكساد هي طفرةُ الأبحاث الاقتصادية القائمة على الأدلة التي تتناوَلُ آثارَ التغيُّر في الإنفاق الحكومي؛ فما الذي تخبرنا به هذه الأدلة؟

قبل أن أتمكَّنَ من الإجابة على هذا السؤال، أودُّ أن أتحدَّثَ بإيجازٍ عن الشِّراك التي ينبغي لنا أن نتجنَّبَ الوقوعَ فيها.

مشكلة الارتباط

قد تظنون أن السبيلَ إلى تقييم آثار الإنفاق الحكومي على الاقتصاد هو أن ننظرَ ببساطةٍ إلى العلاقة بين مستويات الإنفاق والأشياء الأخرى، مثل النمو والعمالة، والحقيقة هي أنه حتى العالمون ببواطن الأمور قد يقعون أحيانًا في فخِّ الخلطِ بين الارتباط والسببية (انظر نقاشِ الديون والنمو في الفصل الثامن). ولكن اسمحوا لي أن أحاوِلَ أن أحرِّرَكم من فكرة فائدة هذا الإجراء، من خلال الحديث عن مسألةٍ ذاتِ صلةٍ؛ وهي: آثار معدلات الضرائب على الأداء الاقتصادي.

كما تعلمون بالتأكيد، فمن الأمور المسَلَّم بها لدى اليمين الأمريكي أن الضرائب المنخفضة هي مفتاح النجاح الاقتصادي، ولكن لنفترِضْ أننا ننظر إلى العلاقة بين الضرائب — تحديدًا نسبة الناتج المحلي الإجمالي المحصَّل في صورة ضرائب فيدرالية — والبطالة على مدى السنوات العشر الماضية؛ فسيكون ما نراه هو الآتي:

السنة نسبة الضرائب (٪) معدلات البطالة (٪)
٢٠٠٠ ٢٠٫٦ ٤
٢٠٠٣ ١٦٫٢ ٦
٢٠٠٧ ١٨٫٥ ٤٫٦
٢٠١٠ ١٥٫١ ٩٫٦

إذَنْ، فقد كانَتِ البطالةُ منخفضةً في سنوات ارتفاع الضرائب، والعكس صحيح. من الواضح إذَنْ أن وسيلةَ الحدِّ من البطالة هي رفع الضرائب!

حتى مَن يعارضون مِنَّا هوسَ الاستقطاعات الضريبية جُملةً وتفصيلًا لا يصدِّقون هذا الكلام. لماذا؟ لأن العلاقةَ الارتباطية المذكورة هنا زائفةٌ بالتأكيد؛ فعلى سبيل المثال، كانت نسبةُ البطالة منخفضةً نسبيًّا في عام ٢٠٠٧ لأن الاقتصاد كان لا يزال مدعومًا بطفرة الإسكان، وذلك المزيج المكوَّن من الاقتصاد القوي والمكاسب الرأسمالية الكبيرة أدَّى إلى زيادة الإيرادات الفيدرالية؛ ممَّا جعَلَ الضرائبَ تبدو مرتفعةً. وبحلول عام ٢٠١٠، كانت الطفرة قد تحوَّلَتْ إلى هبوطٍ، صاحَبَه هبوطٌ في الاقتصاد والإيرادات الضريبية على حدٍّ سواء؛ فقد كانت قياساتُ مستوياتِ الضرائب نتيجة لأمور أخرى، ولم تكن متغيِّرًا مستقلًّا يحرِّك الاقتصاد.

وطالما لاحقَتْ مشكلاتٌ مشابهةٌ أيَّ محاولةٍ لاستخدام الارتباطات التاريخية لتقييم آثارِ الإنفاق الحكومي؛ فلو كان الاقتصاد عِلمًا قابلًا للاختبار المعملي، لَاستطعنا حلَّ هذه المشكلة عن طريق إجراء تجارب مقارَنة، ولكنه ليس قابلًا للاختبار. يقدِّم علمُ الاقتصاد القياسي — وهو فرعٌ متخصِّصٌ من علم الإحصاء من المفترض أن يساعدنا في التعامُل مع مثل هذه الحالات — مجموعةً متنوِّعةً من أساليب «التعرُّف» على العلاقات السببية الحقيقية. لكن في الحقيقة حتى خبراء الاقتصاد نادرًا ما يقتنعون بتحليلات الاقتصاد القياسي المعقَّدة، وخاصةً إذا كانَتِ القضيةُ موضع النقاش مشحونةً بالأبعاد السياسية إلى هذا الحدِّ؛ فما الذي يمكننا فعله إذَنْ؟

كان الحلُّ في دراسات الآونة الأخيرة هو البحث عن «التجارب الطبيعية» — أي المواقف التي يمكننا أن نتأكَّدَ فيها تمامًا من أن التغييراتِ التي تطرأ على الإنفاق الحكومي لم تأتِ استجابةً للتطوُّرات الاقتصادية، ولا هي مدفوعة بقوًى تعمل على تحريك الاقتصاد عبر قنوات أخرى أيضًا. من أين تأتي مثل هذه التجارب الطبيعية؟ للأسف، تأتي هذه التجارب أساسًا من الكوارث، مثل الحروب أو التهديد بالحرب، والأزمات المالية التي تجبر الحكوماتِ على خفض الإنفاق بصرفِ النظر عن حالة الاقتصاد.

الكوارث والحروب والنقود

كما ذكرتُ آنفًا، منذ بداية الأزمة حدثَتْ طفرةٌ في الأبحاث المعنِيَّة بآثار السياسة المالية على الإنتاج والعمالة. هذا المتن البحثي آخِذٌ في النمو بسرعةٍ، كما أن الكثيرَ منه مفرط التخصُّص، ممَّا لا يسمح لي بتلخيصه هنا، ولكنني سأعرض بعضَ أبرز نقاطه.

أولًا: نظَرَ روبرت هول، من جامعة ستانفورد، إلى آثارِ التغيُّرات الكبيرة في مشتريات الحكومة في الولايات المتحدة، والتي كانَتْ معتمدةً بالكامل على الحروب، وتحديدًا الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية. يقارِنُ الشكلُ التالي التغيُّراتِ في الإنفاق العسكري الأمريكي بالتغيُّرات في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي — قياسًا على نسبةِ كلٍّ منهما من الناتج المحلي الإجمالي للعام السابق — في الفترة من ١٩٢٩ وحتى ١٩٦٢ (لم تحدث تغيُّراتٌ كبيرة بعدها). تمثِّل كلُّ نقطةٍ سنةً واحدةً، وقد عرَّفتُ النقاطَ المقابلةَ للسنوات التي شهدَتْ حشدًا كبيرًا خلال الحرب العالمية الثانية، وكذلك تلك التي شهدَتِ التسريحَ الواسع النطاق الذي تلا الحربَ مباشَرةً؛ فمن الواضح أن نقلاتٍ كبيرةً حدثَتْ في السنوات التي لم تشهد أحداثًا تتعلَّقُ بالإنفاق العسكري، لا سيما الركود الذي امتدَّ من ١٩٢٩ وحتى ١٩٣٣، والتعافي الذي امتدَّ من ١٩٣٣ إلى ١٩٣٦. لكنَّ كلَّ سنة شهدَتْ زيادةً كبيرةً في الإنفاق، شهدَتْ أيضًا نموًّا قويًّا، وكان العام الذي شهد انخفاضًا في الإنفاق العسكري عقب الحرب العالمية الثانية عامًا من التراجُع الحادِّ في الإنتاج.

يشير هذا بوضوحٍ إلى أن زيادةَ الإنفاق الحكومي تُفضِي بالفعل إلى النموِّ، ومن ثَمَّ إلى فرص العمل. أمَّا السؤال التالي فهو: ما الأثر المقابل لكلِّ دولارٍ من الإنفاق؟ إن البياناتِ الأمريكيةَ المتعلِّقة بالإنفاق العسكري مخيبةٌ للآمال قليلًا في هذا الصدد؛ حيث تشير إلى أن كلَّ دولارٍ يُنفَق، يقابله حوالي ٠٫٥٠ دولار من النمو، ولكن إذا كنتَ على درايةٍ بالتاريخ في أوقات الحرب، فستدرك أنَّ هذا قد لا يكون دليلًا صائبًا يرشدنا إلى ما يمكن أن يَحدث الآن إذا قُمْنا بزيادة الإنفاق. فعلى أي حال، أثناءَ الحرب العالمية الثانية قُمِعَ إنفاقُ القطاع الخاص بشكلٍ متعمدٍ، من خلال نظام الحصص وفرض قيود على أعمال الإنشاء الخاصة. وأثناء الحرب الكورية، حاولَتِ الحكومةُ تجنُّبَ ضغوط التضخُّم عن طريق رفْعٍ حادٍّ للضرائب؛ لذلك فمن المرجح أن تحقِّقَ زيادةُ الإنفاق الآن مكاسِبَ أكبرَ.

figure
كانَتْ الارتفاعاتُ والانخفاضاتُ الكبيرة في الإنفاق الحكومي المتركِّزة في فترتَيِ الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية مرتبطةً بدوراتِ ازدهارٍ وهبوطٍ في نشاط الاقتصاد ككلٍّ (المصدر: مكتب التحليل الاقتصادي).

أكبر إلى أي حدٍّ؟ للإجابة على هذا السؤال سيكون من المفيد أن نجدَ تجاربَ طبيعيةً تخبرنا عن آثار الإنفاق الحكومي في ظلِّ ظروفٍ تشبه ما نواجِههُ اليومَ. للأسف لا توجد تجاربُ من هذا القبيل بنفس جودةِ تجربةِ الحرب العالمية الثانية ووضوحها، إلا أنه ثمة بعض الطرق المفيدة للحصول على هذه الإجابة.

إحدى هذه الطرق هو الغوص في أعماق الماضي؛ فكما أوضَحَ المؤرِّخَان الاقتصاديان باري آيكِنجرين وكيفِن أورورك، دخلَتِ الدول الأوروبية — واحدةً تلو الأخرى — في سباقٍ للتسلُّح خلال ثلاثينيات القرن العشرين، في ظلِّ ظروفٍ تشبه الظروفَ السائدةَ الآن من حيث ارتفاعِ معدلات البطالة وأسعار الفائدة التي تقترب من الصفر. وفي عملهما مع طلابهما، استخدَمَ الباحثان بياناتٍ اعترفَا بأنها غير مترابطة من تلك الحقبة، في محاولةٍ لتقدير تأثير تغيُّرات الإنفاق المدفوعة بسباق التسلُّح على الإنتاج، وتوصَّلَا إلى مردودٍ أكبرَ بكثيرٍ لكلِّ دولارٍ يُنفَق (أو لنكُنْ أكثرَ دقةً، لكلِّ ليرة ومارك وفرنك، وما إلى ذلك).

ثمة خيارٌ آخَر، وهو المقارَنةُ بين مناطِق الولايات المتحدة؛ أوضحَتْ إيمي ناكامورا ويون ستينسون من جامعة كولومبيا أن بعضَ الولايات الأمريكية طالما كان حجمُ الصناعات الدفاعية فيها أكبرَ بكثيرٍ من غيرها؛ على سبيل المثال، طالما حظِيَتْ كاليفورنيا بتركُّزٍ كبيرٍ من متعهِّدِي الصناعات الدفاعية، خلافًا لإلينوي. وفي الوقت نفسه، كان الإنفاقُ على الدفاع على المستوى الوطني متذبذِبًا بشدة؛ حيث شهِدَ ارتفاعًا حادًّا في فترةِ حُكْمِ ريجان، ثم تراجَعَ بعد نهاية الحرب الباردة. وعلى المستوى الوطني، تَحجب آثارُ هذه التغيُّرات عوامِلَ أخرى، لا سيما السياسة النقدية؛ فقد رفَعَ بنكُ الاحتياطي الفيدرالي أسعارَ الفائدة ارتفاعًا حادًّا في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، بالتزامن مع فترة الحشد التي شهدها عصر ريجان، ثم خفضها بصورةٍ حادةٍ في أوائل تسعينيات القرن العشرين. ولكن لا يزال بإمكانكم الشعورُ بتأثيرِ الإنفاق الحكومي من خلال ملاحَظةِ التأثير المتمايز عبر الولايات؛ وعلى هذا الأساس، يقدَّرُ ناكامورا وستينسون أنَّ كلَّ دولار يُنفَق يزيد الإنتاجَ بنحو ١٫٥ دولار.

إذَنْ، فالنظر إلى آثار الحروب — بما في ذلك سباقاتُ التسلُّح التي تسبق الحروبَ، وتقليصُ حجمِ الجيش الذي يتبعها — يخبرنا الكثيرَ عن آثار الإنفاق الحكومي؛ ولكن هل الحروبُ هي الطريقة الوحيدة للحصول على إجابةٍ لهذا السؤال؟

فيما يتعلَّق بالزيادات الكبيرة في الإنفاق الحكومي، فالإجابة للأسف هي: نعم. فبرامج الإنفاق الكبيرة نادرًا ما تَحْدث إلا استجابةً للحرب أو تهديدها، إلا أن الخفض الكبير في الإنفاق يحدث في بعض الأحيان لسببٍ آخَر؛ وهو قلق صنَّاع السياسات الوطنية حيالَ العجز الكبير في الميزانية والديون أو إحداهما، وخفضهم الإنفاقَ في محاولةٍ لضبط الوضع المالي؛ وعليه فإن التقشُّفَ — مثله في ذلك مثل الحرب — يمكن أن يفيدنا بخصوص آثار السياسة المالية.

وبالمناسبة فإنه من المهم أن ننظر إلى التغييرات في السياسة، وليس فقط إلى الإنفاق الفعلي؛ فالإنفاق في النُّظُم الاقتصادية الحديثة يتغيَّر — مثله مثل الضرائب — وفقًا لحالة الاقتصاد، بطرقٍ يمكن أن تنتج ارتباطات زائفة. على سبيل المثال، شهد الإنفاق الأمريكي على إعانات البطالة ارتفاعًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، حتى مع ازديادِ ضعف الاقتصاد، ولكنَّ اتجاهَ العلاقة السببية يسير من البطالة إلى الإنفاق، وليس العكس. ومن ثَمَّ، فتقييمُ آثار التقشُّف يتطلَّب دراسةً مدقِّقةً للتشريع الفعلي المستخدَم لإعمال هذا التقشُّف.

لحسن الحظ، أنهى الباحثون في صندوق النقد الدولي الجزءَ العملي من هذه المهمة؛ حيث حدَّدوا ما لا يقل عن ١٧٣ حالةً للتقشُّف المالي في الدول المتقدِّمة في الفترة من ١٩٧٨ وحتى ٢٠٠٩، وقد وجدوا أن سياسات التقشُّف يتبعها انكماشٌ اقتصاديٌّ وارتفاعٌ في معدلات البطالة.

الحديث يطول كثيرًا في هذا الأمر، ولكنني آمل أن يكون هذا الاستعراضُ الموجز قد أفادكم بما نعرفه وكيف عرفناه، كما آمل أكثرَ في أنكم حين تقرءون كتاباتٍ لي أو لجوزيف ستيجليتز أو كريستينا رومر، مفادها أن خفْضَ الإنفاق في مواجهة هذا الكساد سوف يزيد الأمور سوءًا، وأن الزيادةَ المؤقتة في الإنفاق يمكن أن تساعدنا على التعافي؛ لن تقولوا: «حسنًا، هذا رأيه.» كما أكَّدَ رومر في خطابه الأخير عن الأبحاث في مجال السياسة المالية.

فالأدلة على أهمية السياسة المالية أقوى الآن ممَّا كانت عليه في أيِّ وقتٍ مضى، الأدلة على أن التنشيط المالي يساعد الاقتصادَ على زيادة الوظائف، وأن خفْضَ عجز الميزانية يقلِّلُ النموَّ، على الأقل على المدى القصير. إلا أن تلك الأدلة لا يبدو أنها تجد سبيلًا إلى القائمين على العملية التشريعية.

•••

وهذا هو ما نحتاج إلى تغييره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١