كلمة أخيرة بحثًا عن دليل دامغ

لا بد أن أقرَّ بأنني فوجئتُ وسررتُ للغاية، وغمرتني المشاعر الطيبة، للاستقبال الإيجابي عمومًا لهذا الكتاب، ولكن من ناحية أخرى، لطالَما مثَّل العصر البرونزي المتأخر الفترة المفضلة لي في التاريخ القديم. إنني أعتبرُه واحدة من أهم الحقب في العصور القديمة واعتقدت، أنا ومحرري في دار نشر جامعة برينستون، أنها إذا ما عُرِضَت بالطريقة الصحيحة، فسيجدها الآخرون مُذهِلةً كذلك. الأمر الوحيد الذي آسف له حقًّا بشأن هذا الكتاب هو أنني لم أحكِ المزيد عن القرون التي سبقت النهاية، بما في ذلك قصص إضافية مُستقاة من رسائل ماري والعمارنة بالإضافة إلى النصوص المأخوذة من أوغاريت، ولكن ربما سيكون ثمة مجال لذلك في نسخة منقحة وموسعة في المستقبل.

أذهلت أوجه التشابُه بين عالم العصر البرونزي المتأخِّر وعالَمنا الحالي الكثير من النقاد والمحاورين والقراء. ودُون أن أحاول التوسع في الحديث عن وجاهة هذا الطرح، أقول إنني أتفق معهم. أعتقد بالفعل أنه يوجد أوجه تشابه أكثر مما يُمكن للمرء أن يتوقَّع، وبخاصة من ناحية العلاقات، على المستويَين الشخصي والدولي؛ إذ كان لديهم، كما حاولت أن أوضح في الكتاب، علاقات زواج وطلاق، وبعثات دبلوماسية وتدابير حظر، وعمليات نزوح ونزاعات مسلحة. وكان لديهم أيضًا مشكلات مع التغير المناخي ومشكلات أمنية على المستوى الدولي، كما أشرتُ في مقالٍ للرأي في صحيفة «ذا نيويورك تايمز».1 وهذه الأمور لا ننفرد نحن وهم فحسب بها بالضرورة، ولكن مزيج المشكلات المتشابهة — تغير المناخ والجفاف، والزلازل، والحرب، والمشكلات الاقتصادية — في نفس الوقت قد يكون أمرًا ننفرد به نحن وهم فحسب.

كانت الفكرة التي لاقت الصدى الأكبر لدى القراء هي فكرة أن التغير المناخي ربما كان أحد عوامل الانهيار. سخرَ بعضُ النقاد في فضاء المدونات من الفكرة — كقول أحدهم: «ماذا؟ هل كان الحيثيُّون يقودون سيارات دفع رباعي؟» — ولكن لا سبيل لإنكار ذلك. فقد حدث تغيُّر مناخي في ذلك الوقت، حتى وإن كان بفعل الطبيعة وليس البشر.

أكدت الدراسات العلمية الحديثة التي أجراها كانيوسكي، ودريك، ولانجوت، وفنكلشتاين، وآخرون، ما اقترحه ريس كاربنتر لأول مرة في ستينيات القرن العشرين، وهو أنه كان ثمة فترة طويلة من الجفاف بدأت في حوالي ١٢٠٠ق.م أو نحوه، ودامت قرنًا على الأقل، إن لم يكن أطول من ذلك، في منطقة إيجه وشرق المتوسط. وأكدت النصوص المأخوذة من أماكن مثل أوغاريت على الساحل الشمالي لسوريا أن مع الجفاف جاءت مجاعة، جعلت الناس يتضوَّرُون جوعًا. ومع المجاعة حدث اضطراب، على صورة موجات نزوح، وأعمال تمرد، وعمليات غزو.2

ولكن الأمر لم يتَّخذ بالضرورة دائمًا هيئة تسلسُل منطقي في كل الأماكن. إذ كان أكثر اضطرابًا وفوضى، كما قلت في الكتاب؛ لأنه إلى جانب كل الضغوطات والدوافع المذكورة أعلاه، علينا أيضًا أن نضع في الحسبان الزلازل، التي، على حدِّ علمنا، ليست نتيجة لأي من العوامل السابقة، ولا صلة لها بها.

إذن من الواضح أن عدم الاستقرار الذي نجم عن تغيُّر مناخي (وعوامل أخرى) قد حدث قبل ذلك. ولكن ثمة اختلافًا. كما قلت في مقابلة إذاعية، من المحتمل أن الحيثيين القدماء لم يكن لديهم أدنى فكرة عما كان يَحدُث لهم. ولم يعرفوا كيف يوقفون موجة جفاف. ربما تضرعوا إلى الآلهة؛ وربما قدموا بعض القرابين. ولكن في النهاية، كانوا بالأساس عاجزين عن إيقاف أي شيء. نحن مع ذلك أكثر تقدمًا من الناحية التكنولوجية، وثمَّة الكثير لنتعلَّمه من دروس التاريخ، إن كان لدينا الرغبة في أن نُنصِت ونتعلَّم.

إذا رأينا أمورًا تحدث حاليًّا من نفس قبيل الأمور التي حدثت في الماضي، بما في ذلك الجفاف والمجاعات، والزلازل وأمواج تسونامي، وما إلى ذلك، أليس من المُستحسَن عندئذٍ أن نتأمل العالم القديم ونرى ما حدث لحضاراته؟ سألني آدم فرانك من الإذاعة الوطنية العامة: «إذا كنا لا نريد تكرار التاريخ، فما الدروس التي ينبغي علينا أن نتعلمها من أخطائهم؟» أجبت، وسأقولها هنا مجددًا، أننا ينبغي أن نعيَ أنه لا يوجد مجتمع بمنأى عن الانهيار وأن كل مجتمع في تاريخ العالم قد انهار في النهاية. وحقيقة أن الحضارات المتشابكة على نحو مماثل انهارت مباشرةً بعد ١٢٠٠ق.م ينبغي أن تكون تحذيرًا لنا؛ لأن الأمر إذا حدث مرة، يمكن بالتأكيد أن يحدث مجددًا. وكما قلت في هذا الكتاب، وقلته منذئذٍ في مواضع أخرى أيضًا، نحن، في الحقيقة، أكثر عرضة لهذا مما قد نرغب في أن نعتقد. في نفس الوقت، علينا أيضًا أن نكون ممتنِّين لأننا في الواقع مُتقدِّمون بما يَكفي لنفهم ما يحدث وبوسعنا أن نأخذ خطوات لإصلاح الأمور، بدلًا من مجرد أن نتقبل الأمور بسلبية عند حدوثها.

من المُثير للاهتمام أن الأمر الوحيد الذي لا نملكه، والذي تساءل بشأنه العديد من النقاد والكثير من الجمهور، هو الدليل على حدوث تفشٍّ واسع النطاق للأمراض بالاقتران مع كل شيء آخر في نهاية العصر البرونزي المتأخِّر. إنهم، بالتأكيد، يتساءلون: ألا يتوقع المرء أن يصاحب الجفاف، والمجاعة، والزلازل، والكوارث الأخرى تفشيًا للطاعون ولأمراض أخرى مميتة؟ وبالفعل، قد يتوقع المرء أن ثمة دليلًا على حدوث أمراض وأوبئة، ولكن لا يوجد دليل على ذلك. فلم يُعْثَر على مقابر جماعية؛ ولا ذكر في النصوص لأمراض؛ ولا يوجد ما يُمكن استخدامه كإثبات لكارثة أخرى في «العاصفة المثالية» التي كانت تجري.

أقرب ما يمكننا التوصُّل إليه هو تفشي الطاعون الذي حلَّ ببلاد الحيثيين في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، عن طريق أسرى الحرب المصريين، وأودى بحياة سابيليوليوما وكثيرين في العائلة الملكية الحيثية بالإضافة إلى الكثير من عامة السكان. غير أن ذلك حدث قبل ١٥٠ سنة تقريبًا من مجيء النهاية. وثمة أيضًا احتمال، لاحقًا في القرن الثاني عشر، حوالي ١١٤٠ق.م، أن يكون رمسيس الخامس قد أصيب بالجدري، ولكن يبدو أن تلك كانت حالة فردية. ولذلك لا يوجد فصل، أو جزء من فصل، مخصَّص للأمراض في الكتاب؛ لأنه لا يوجد ما يستدعي المناقشة. ومع ذلك أقرُّ بأنه كان ينبغي أن أشير على الأقل إلى ذلك.

من ناحية أخرى، يوجد الكثير من الأمور التي ربما كان ينبغي أن أدرجها أيضًا. وحيث إن من مُتَع علم الآثار أننا نتوصَّل باستمرار إلى اكتشافات جديدة؛ فربما سيُكْشَف في وقت ما قريب عن الدليل الدامغ الذي سيُميط لنا جميعًا اللثام بشكل قاطع عن سبب الانهيار. وحتى يحين ذلك، ليس بوسعنا سوى أن نُناقش الاحتمالات، و، كما قال شيرلوك هولمز، «أن نوازن بين الاحتمالات ونختار الأرجح منها.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠