الفصل الأول

المشهد الأول

عن الحرب والإنسان: القرن الخامس عشر قبل الميلاد
في حوالي عام ١٤٧٧ق.م، في مدينة بيرو نفر في دلتا النيل في مصر السُّفلى، في موقع قريب للغاية من البحر المتوسط، أمر الفرعون تحتمس الثالث بإقامة قصر كبير، له رسوم وزخارف جِصِّية دقيقة متقَنة. واستُؤجِر حرفيون مينويون من جزيرة كريت البعيدة، التي تقع في أقصى الغرب في الجانب الآخر من «الأخضر الكبير» (كما كان البحر المتوسط يُعرَف لدى المصريين)؛ لصنع هذه الرسوم والزخارف الجِصِّية. فرسموا صورًا لم يرها أحدٌ في مصر من قبلُ مطلقًا — مشاهد غريبة لرجال يَثِبون فوق ثيران — واستعملوا الطلاء مع الجِصِّ بينما كان رطبًا، بأسلوب الفريسكو، فأصبحت الألوان جزءًا من الجدار نفسه. كانوا قد تعلَّموا هذا الأسلوب، والمشاهد التي رسموها، في كريت في منطقة إيجه. في ذلك الوقت لم تكن المناظر الفريدة التي أُبدعَت بهذه الطريقة رائجةً في مصر وحدها بل أيضًا في القصور على طول الساحل، من كنعان في الشمال إلى دلتا مصر، في بقاع تُعرف الآن باسم كابري في إسرائيل، وألالاخ في تركيا، وقَطْنة في سوريا، والضبعة في مصر.1

صارت مدينة بيرو نفر في الدلتا تُعرَف الآن باسمها المعاصر وهو منطقة تل الضبعة. وهو موقع كان الأثري النمساوي مانفريد بيتاك وفريقه يُنقِّبون فيه منذ عام ١٩٦٦. كانت المدينة قد عُرِفَت أيضًا في السابق باسم أواريس، عاصمة الهكسوس؛ الغزاة المكروهين لمصر الذين حكموا قسمًا كبيرًا من البلاد من حوالي ١٧٢٠ إلى ١٥٥٠ق.م. تحوَّلت أواريس إلى بيرو نِفِر، التي كانت مدينة مصرية لها قدرها، بعد أن استولى عليها الفرعون المصري كامس، جد تحتمس، حوالي ١٥٥٠ق.م.

في الكشف عن المدينة التي كانت ثريةً فيما مضى والتي كانت مطمورةً تحت أمتار من الرمال والأنقاض، أعاد بيتاك، على مدى أربعة عقود، عاصمة الهكسوس إلى الحياة وكذلك المدينة المصرية العظيمة اللاحقة. واستعاد أيضًا الرسوم الجِصية التي أبدعها المينويون، أو ربما حرفيون محليُّون تدرَّبوا على يد المينويين، والتي يرجع تاريخها إلى أوائل الأسرة الثامنة عشرة (حوالي ١٤٥٠ق.م).2 تُشكِّل هذه الرسوم مثالًا جيدًا على العالم الدولي الذي بدأ في التضافُر في منطقتَي شرق المتوسط وإيجه بعد طرد الهكسوس من مصر.

(١) نظرة سريعة على الهكسوس

غزا الهكسوس مصر للمرة الأولى في حوالي عام ١٧٢٠ق.م قبل مائتي وخمسين سنة من زمن تحتمس الثالث. وبقوا قرابة مائتَي سنة، حتى عام ١٥٥٠ق.م وفي الوقت الذي اجتاح فيه الهكسوس البلاد، كانت مصر واحدةً من القوى الراسخة في منطقة الشرق الأدنى القديمة. كان عمر أهرامات الجيزة قد بلغ بالفعل قرابة ألف عام بحلول تلك المرحلة، بعد أن بُنِيَت أثناء حكم الأسرة الرابعة، في فترة المملكة القديمة. عرَّف مانيتون، الكاهن المصري الذي عاش وكتب أثناء الفترة الهلِّينستية اللاحقة في القرن الثالث قبل الميلاد، الهكسوس بأنهم «الملوك الرعاة» — وهي ترجمة خاطئة للعبارة المصرية hekau khasut، والتي تعني في الواقع «زعماء البلاد الأجنبية». وقد كانوا بالفعل أجانب؛ إذ كان الهكسوس ساميِّين ارتحلوا إلى مصر من منطقة كنعان (أي الدول الحالية: إسرائيل، ولبنان، وسوريا، والأردن). نرى رسومًا تمثل هؤلاء الساميين في مصر منذ القرن التاسع عشر قبل الميلاد؛ ومن ذلك، مثلًا، لوحة جدارية في داخل مقبرة مصرية في منطقة بني حسن، نرى فيها باعةً وتجارًا «آسيويين» يجلبون بضائعهم إلى البلاد.3

أنهى غزوُ الهكسوس لمصر عهدَ المملكة الوسطى (حوالي ٢١٣٤–١٧٢٠ق.م). ومن المحتمل جدًّا أن نجاحَهم في الغزو كان نتيجةً لميزةٍ لديهم في تكنولوجيا الأسلحة وقدرتهم على توجيه الضربة الأولى؛ لأنهم كانوا يَمتلكُون أقواسًا مركَّبة يُمكن أن تُطلِق سهامًا إلى مسافات أبعد من الأقواس التقليدية لذلك الوقت. وكان لديهم أيضًا عجلاتٌ حربيةٌ تجرُّها الخيول، لم يُرَ لها مثيلٌ من قبلُ في مصر.

بعد فتحهم العسكري، دانَت السيطرة للهكسوس على مصر، التي حكموها بالأساس من عاصمتهم أواريس في دلتا النيل، أثناء ما يُطْلَق عليه الفترة الانتقالية الثانية (الأسر من الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة) لحوالي مائتَي سنة، من ١٧٢٠ إلى ١٥٥٠ق.م4 هذه الفترة من ٣٠٠٠ إلى ١٢٠٠ق.م هي الفترة الوحيدة التي حُكِمَت مصر فيها على يد أجانب.
fig5
شكل ١-١: «آسيويون» في منطقة بني حسن (نقلًا عن نيوبيري ١٨٩٣، اللوحان رقم ٣٠ و٣١؛ بإذن من جمعية استكشاف مصر).
تسجل قصصٌ ونقوشٌ يرجع تاريخها إلى قرب نهاية هذه الفترة، حوالي ١٥٥٠ق.م، بعضًا من المعارك التي اندلعت بين المصريين والهكسوس. وبالتحديد، لدينا قصة تُسجل خلافًا بين حاكمَين، والتي تُعْرَف باسم «نزاع أبوفيس وسقنن رع». في هذه الحكاية، التي من المحتمل جدًّا أن تكون ملفَّقة، يَشتكي ملك الهكسوس أبوفيس من أنه يبقى مستيقظًا بالليل جراء الضوضاء الناجمة عن أفراس نهر يحتفظ بها، في بركة ماء، الملكُ المصريُّ سقنن رع، الذي كان يحكم في نفس الفترة أماكن أخرى في مصر. الشكوى غير معقولة لأنَّ عدة مئات من الأميال كانت تفصل البلاطين الملكيَّين؛ فواحد كان واقعًا في مصر العليا أو صعيد مصر والآخر كان في مصر السُّفلى؛ لذا لم يكن من الممكن أن يكون ملك الهكسوس قد سمع أفراس النهر، مهما كان صوت خوارها عاليًا.5 ومع ذلك، فإن مومياء سقنن رع قد اكتُشفَت بواسطة علماء الآثار، وواضحٌ من الجروح في رأسه، الناتجة عن فأس حربية، أنه مات ميتة عنيفة في معركة. هل كانت المعركة مع الهكسوس؟ لا نعرف يقينًا؛ ومع ذلك، من المحتمَل أن يكون أبوفيس وسقنن رع قد تقاتَلا، سواء كان بسبب أفراس النهر أم لا.
لدينا أيضًا نقْش تركه لنا الفرعون كامس، آخر ملوك الأسرة السابعة عشرة في مصر. في ذلك الوقت، كان كامس يَحكم من مقرِّه في طيبة، في صعيد مصر. يقدِّم كامس تفصيلات بشأن المعركة المظفرة الأخيرة في مواجَهة الهكسوس، الذين يُشير إليهم بوصف «الآسيويين»، وكتب ما يلي في حوالي سنة ١٥٥٠ق.م:

أبحرتُ شمالًا في جبروتي لطرد الآسيويين … وجيشي المغوار أمامي مثل شعلة نار … ورماة السهام في أعلى صواري القتال ليُدمِّروا مواقعهم … أمضيتُ الليل في سفينتي، مُنشرِح الصدر؛ وعندما أبلج الفجر انقضَضتُ عليه كالصقر. وعندما جاء وقت الإفطار، كنت قد أطحتُ به بعد أن دمرتُ أسواره وذبحتُ قومه، وجعلتُ زوجته تنزل إلى ضفة النهر. وتصرَّفَ جيشي كالأسود عندما تنقضُّ على الفريسة … فأخذوا العبيد، والماشية، والدهن، والعسل … وقسَّموا غنائمهم وقلوبُهم فَرِحة.

يُخبرنا كامس أيضًا عن مصير مدينة أواريس نفسها:
أما أواريس الكائنة على النهرين، فدمَّرتها وبددت سكانها؛ دمرت بلداتهم وأحرقت بيوتهم حتى صارت كومة أنقاض محمرة للأبد، بسبب الدمار الذي كانوا قد ألحقوه بوسط مصر؛ أولئك الذين كانوا قد سمحوا لأنفسهم بالإصغاء إلى دعوة الآسيويين، [الذين] تخلَّوا عن مصر سيدتهم!6

وبذلك، طرد المصريون الهكسوس من الأرض، فلاذُوا بالفرار عائدين إلى «رتينو» (أحد الأسماء المصرية القديمة لإسرائيل وسوريا الحاليتَين، وهي نفس المنطقة العامة التي كان المصريون يعرفونها باسم «با-كا-نا-نا»، أو كنعان). في نفس تلك الفترة، أسس المصريون الأسرة الثامنة عشرة، التي بدأَها أحمس شقيق كامس، التي استهلَّت ما ندعوه الآن بحقبة المملكة الحديثة في مصر.

أُعيد بناء أواريس وبقية مصر أثناء هذه الفترة، وتغيَّرت تسمية أواريس نفسها. وبحلول زمن حتشبسوت وتحتمس الثالث بعد ذلك ببضعة وستين عامًا، حوالي سنة ١٥٠٠ق.م، كانت قد صارت تلك المدينة مدينة مزدهرةً من جديد، وعُرِفَت هذه المرة باسم بيرو نفر، وضمت قصورًا مزخرفة بالرسومات الجصية بأسلوبِ المينويين الذي يصور الوثب على الثيران ومشاهد أخرى والتي يتَّضح انتماؤها إلى كريت في منطقة إيجه أكثر من انتمائها لمصر نفسها. تكهن أحد الأثريين أنه حتى قد يكون حدَثَ زواجٌ ملَكي بين حاكم مصري وأميرة مينوية.7 من المؤكد أنه يوجد عدد من فراعنة الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة اللاحقتين الذين تزوَّجوا من أميرات أجنبيات، في المقام الأول لتوطيد الروابط الدبلوماسية أو لترسيخ معاهدة مع قوة أجنبية، كما سنرى لاحقًا، ولكن ليس من الضروري استحضار الزيجات ذات الدوافع السياسية لتفسير ظهور الرسوم الجدارية المينوية في مصر، نظرًا لوجود أدلة مستقلة أخرى على وجود صلات بين منطقة شرق المتوسط، ومصر، وفي هذه الحالة، منطقة إيجه.

(٢) عود إلى الماضي: بلاد الرافدين والمينويون

من الواضح، من خلال كمٍّ وفير من البيانات، بما في ذلك قطع أثرية، وأدلة نصية ورسومية، أن المينويين المنتمين إلى كريت كانوا بالفعل على اتصال مع مناطق عديدة في الشرق الأدنى القديم قبل وقتٍ طويل من اتصالاتهم مع فراعنة المملكة الحديثة المصريين؛ فمثلًا، نعرف المصنوعات المينوية التي كانت قد نُقِلَت كل هذه المسافة عبر بحر إيجه ومنطقة شرق المتوسط حتى بلاد الرافدين، الأرض الواقعة بين النهرَين؛ دجلة والفرات، بحلول القرن الثامن عشر ق.م، منذ حوالي أربعة آلاف سنة.

يأتي توثيق هذه التجارة القديمة من موقع ماري القديم، على الضفة الغربية لنهر الفرات في سوريا الحالية، حيث نقَّب الأثريون الفرنسيون، خلال ثلاثينيات القرن العشرين، عن كنز دفين يَحوي أكثر من عشرين ألف لوح طِيني منقوش. استدعاهم إلى الموقع السكان المحليُّون، الذين كانوا قد أماطوا اللثام بالصدفة عما اعتقدوا في أول الأمر أنه جثَّة رجل بلا رأس؛ والتي تبيَّن بعد ذلك أنها تمثال حجري، واحد من تماثيل كثيرة، من ضمنها تمثال عليه نقش يُحدِّد هويتَه ويصفه بأنه ملك للمدينة القديمة.8 كان مصدر الألواح، المنقوش عليها نصوص مكتوبة باللغة الأكادية القديمة، أرشيفًا لمراسَلات ملَكية وسجلات أخرى عادية أكثر تخصُّ ملوك مملكة ماري، من ضمنهم ملك يُسمَّى زمري ليم والذي حكم حوالي ١٧٥٠ق.م تسجل الألواح كل صنوف المعلومات المتَّصلة بإدارة القصر وتنظيم مملكتِه، بالإضافة إلى جوانب من الحياة اليومية في ذلك الوقت.
أحد الألواح، على سبيل المثال، يتعلَّق بالثلج الذي كان زمري ليم يستخدمه في مشروباته الصيفية، التي اشتملت على الخمر، والجِعة، والمشروبات المُخمرة القائمة على الشعير إما بنكهة عصير الرمان أو يانسون يُشبه العرقسوس. نعرف أنه كان قد أمر ببناء مخزَن ثلج على ضفة نهر الفرات، وكان يُستخدَم خصِّيصَى للاحتفاظ بالثلج الذي كان يُجمَع من الجبال المكسوة بالثلج أثناء فصل الشتاء حتى الحاجة إليه أثناء شهور فصل الصيف الحارة. وزعم أنه لم يَبنِ ملك قبله قطُّ مخزن ثلجٍ مثل هذا، وربما كان ذلك صحيحًا، ولكن استخدام الثلج في المشروبات لم يكن جديدًا على المنطقة، حتى إنه كان على ملكٍ أن يُذَكِّر ابنه بأن يجعل الخدم يُنظِّفون الثلج قبل وضعه في المشروبات: «اجعلهم يجمعون الثلج! اجعلهم يَغسلونه ليُنظِّفوه من الأغصان والروث والوَسَخ.»9
اشتملت الأرشيفات على سجلات التجارة والاتصال مع مناطق حوض البحر المتوسط والشرق الأدنى الأخرى، مع إشارة خاصة إلى سلع غير مُعتادة واردة. نعرف كذلك من هذه الألواح أنه كان يحدث تبادُل مُتكرِّر للهدايا بين حكام مملكة ماري وحكام المدن والممالك الأخرى، وأن الملوك كانوا يَطلبون خدمات الأطباء، والحرفيِّين، والنُّساج، والموسيقيِّين، والمغنِّين بعضهم من بعض.10
كان من ضمن الأغراض الغريبة المستورَدة المسجلة في الألواح في مملكة ماري خنجر وأسلحة أخرى مصنوعة من الذهب ومُطَعَّمة بحجر اللازورد الكريم، بالإضافة إلى ملابس ومنسوجات «مصنوعة بالطريقة الكَفْتُورية.»11 كان «كَفْتُور» (أو «كبتارو») هو الاسم الذي أطلقه شعب بلاد الرافدين والكنعانيون على جزيرة كريت، مثلما دعاها المصريون لاحقًا «كفتيو». كانت السلع قد سافرت مسافة طويلة من كريت، مكتسبةً ما يُعرَف الآن باسم «قيمة المسافة»، بالإضافة إلى القيمة الأصلية التي حازتها بالفعل بسبب الصنعة والمواد التي كانت مصنوعة منها.
لدينا أيضًا لوح يُسجِّل موقفًا غير اعتيادي، عندما أرسل زمري ليم، ملك مملكة ماري، حذاءً مينويًّا من كريت هديةً إلى الملك حمورابي ملك بابل. يقول النص ببساطة: «حذاءً مصنوعًا من الجلد على الطريقة الكَفْتُورية، حمله إلى قصر حمورابي؛ ملك بابل [مسئولٌ يسمَّى] باهدِ ليم، ولكنه أُعيد.»12 ولا يقدم السبب الذي أُعيد من أجله الحذاء. ربما ببساطة لم يكن مقاسه مناسبًا. إن قانون حمورابي، والذي يُعدُّ أول قانون يحوي عبارة «العين بالعين، والسن بالسن» والتي اشتهرت بعد ذلك بفضل الكتاب المقدَّس العبري، لا ينص على أي عقوبة على إعادة سلع كالأحذية.
من المثير للدهشة قليلًا أن حمورابي رفض الحذاء الجلدي، بصرف النظر عن كون مقاسه مناسبًا أو لا، لأنه من المرجح أنه كان سيكون نادرًا وكذلك غير معتاد في بلاده في ذلك الوقت، نظرًا للمسافة الواقعة بين كريت وبلاد الرافِدين، أي بين اليونان وسوريا/العراق في وقتنا هذا. لم يكن ليُستهان برحلة كهذه ومن المرجح أنها كانت ستؤخَذ على مراحل، مع تجار أو باعة مختلفين ينقلون السلع لأجزاء منفصلة من الرحلة. من ناحية أخرى، تقديم هدية كهذه بين ملوك من مرتبة مُماثلة كان ممارسة معروفة جدًّا في الشرق الأدنى القديم أثناء الألفية الثانية قبل الميلاد.13 في هذه الحالات، كانت الأغراض المعنية تُجلَب مباشرةً بواسطة مبعوثي الملوك، فيما سنَدعوه في يومنا هذا بعثة دبلوماسية.

(٣) الاستكشاف ولمحة عامة عن المينويين

مما سبق، من الواضح أن المينويين من كريت كانوا على اتصال بمناطق عديدة في الشرق الأدنى القديم أثناء العصر البرونزي الوسيط والمتأخر، من ١٨٠٠ق.م وما بعدها على الأقل. ويوجد حتى ذِكْر للمينويين في رسائل مملكة ماري، وثمة احتمال أن مترجمًا مينويًّا (أو مترجمًا للمينويين) كان موجودًا في موقع مدينة أوغاريت في شمال سوريا أثناء أوائل القرن الثامن عشر ق.م، حيث كانوا يتلقَّون القصدير الذي كان يُرسَل غربًا من مملكة ماري.14 ومع ذلك، يبدو أنه كانت لهم علاقة خاصة مع مصر بدأت في القرن الخامس عشر، أثناء زمن حتشبسوت ومن بعدها تحتمس الثالث، ولهذا السبب تبدأ حكايتنا في هذه المرحلة الزمنية.

من المثير للاهتمام ملاحظة أن الحضارة المينوية عُرفت بهذا الاسم على يد عالم الآثار البريطاني السير آرثر إيفانز في أوائل القرن العشرين. لا نعرف في الحقيقة الاسم الذي كانوا يدعون أنفسهم به، مع أننا نعرف أن كلًّا من المصريين، والكنعانيين، وأهل بلاد الرافدين كانوا يطلقون عليهم اسمًا مختلفًا. فضلًا عن ذلك، لا نعرف من أين جاءوا، غير أن ظنَّنا يشير إلى الأناضول/تركيا باعتبارها الاحتمال الأرجح.

ما نعرفه حقًّا هو أنهم أقاموا حضارة على جزيرة كريت أثناء الألفية الثالثة قبل الميلاد استمرَّت حتى حوالي ١٢٠٠ق.م في غضون هذه الفترة، في حوالي ١٧٠٠ق.م، ضرب الجزيرة زلزال مدمِّر استلزم إعادة بناء القصور في مدينة كنوسوس وفي مواضع أخرى على الجزيرة. ومع ذلك تعافى المينويون سريعًا وازدهرُوا باعتبارهم حضارة مستقلة حتى غزا الميسينيون القادمون من البر الرئيسي لليونان الجزيرةَ بعد ذلك في الألفية الثانية، والتي بعدئذٍ استمرت تحت الحكم الميسيني حتى انهار كل شيء في حوالي ١٢٠٠ق.م.

بدأ السير آرثر إيفانز في التنقيب على جزيرة كريت بعد تتبُّعه لمصدر ما يُطلَق عليه أحجار الحليب التي وجدها تُباع في السوق في أثينا. كانت النساء اليونانيات، اللاتي وضعن أو على وشك الوضع، يَرتدين «أحجار الحليب» هذه. كان على الأحجار رموز محفورة لم يكن إيفانز قد رآها من قبل، ولكنه تبيَّن أنها كتابة. فتتبَّعَ أثرها حتى موقع مطمور في مدينة كنوسوس (تلة كيفالا) بالقرب من مدينة هيراكليون المعاصرة الكبرى على جزيرة كريت؛ وهو مَوقع كان هاينريش شليمان، المنقِّب عن طروادة، قد حاول شراءه والتنقيب فيه، ولكن دون جدوى. رغم ذلك، استطاع إيفانز أن يشتريَ الأرض وأن يبدأ التنقيب في شهر مارس من عام ١٩٠٠. استمر طيلة العقود السبعة التالية، مُنْفِقًا معظم ثروته الشخصية في المشروع، وفي النهاية نشر اكتشافاته في مؤَلَّف هائل متعدِّد المجلدات بعنوان «قصر مينوس في كنوسوس».15
سرعان ما اكتشف إيفانز، بمعاونة مساعده الاسكتلندي المُؤتَمَن دنكان ماكِنزي،16 ما بدا أنه قصر ملكي. على الفور أطلق على الحضارة المكتشَفة حديثًا اسم «المينوية»، نسبةً إلى الملك مينوس الذي تَحكي عنه الأسطورة اليونانية، والذي قيل إنه حكم كريت في الأزمنة القديمة، وكان لديه مينوتور (نصف إنسان، ونصف ثور) في مُلحَق قصره الذي بُني على شكل متاهة تحت الأرض. عثر إيفانز على العديد من الألواح الطينية، وأشياء أخرى، عليها كتابة؛ بكل من «النظام الخطي إيه» (التي ما زالت رموزه لم تُفَك) و«النظام الخطي بي» (وهو شكل أقدم للغة اليونانية ربما يكون الميسينيون هم من أتوا به إلى كريت). ومع ذلك، لم يكتشف مطلقًا الاسم الحقيقي لهؤلاء الناس، ويبقى اسمهم، كما ذكرت، مجهولًا إلى يومنا هذا؛ رغم أكثر من قرن من التنقيب المستمر، ليس في كنوسوس وحدها وإنما في العديد من المواقع الأخرى في كريت أيضًا.17
كشف إيفانز عن العديد من الواردات من مصر والشرق الأدنى في كنوسوس، ومنها غطاء آنية من المرمر منقوش عليه بالهيروغليفية «الإله الطيب، سوسرن رع، ابن الشمس، خيان.»18 خيان هو أحد أشهر ملوك الهكسوس، وحكم أثناء السنوات الأولى من القرن السادس عشر قبل الميلاد. وعُثِر على الأغراض الخاصة به في أنحاء الشرق الأدنى القديم، ولكن يظل أمر كيفية وصول هذا الغطاء إلى كريت لغزًا.
من الأغراض التي تبعث على مزيد من الاهتمام إناء مصري من المرمر عُثِر عليه بعد أعوام عدة أثناء تنقيب لأثري آخر في مقبرة في موقع كاتسامبا في جزيرة كريت، وهو أحد الموانئ على الساحل الشمالي المُرتبِطة بمدينة كنوسوس. منقوشٌ على الإناء الاسم الملكي للفرعون تحتمس الثالث: «الإله الطيب (مِن خبر رع)، ابن الشمس، تحتمس الكامل في تحولاته.» وهو واحد من الأغراض النادرة التي عُثِر عليها في منطقة إيجه وتَحمِل اسمه.19
زعم المؤرِّخ اليوناني ثوسيديديس، الذي كان يعيش في القرن الخامس، أن المينويِّين كانوا يمتلكون أسطولًا حربيًّا وسيطروا على البحار في هذه الفترة: «أول شخص تأكَّد لدينا أنه أسس أسطولًا حربيًّا هو مينوس. لقد جعل من نفسه سيدًا على ما يُدعى في وقتنا هذا البحر الهيليني» (ثوسيديديس، «تاريخ الحرب البيلوبونيسية»، الكتاب الأول، الصفحات ٣–٨). عند العلماء القدامى، أصبح هذا معروفًا بمسمَّى Minoan Thalassocracy، أي: السلطة البحرية المينوية، منkratia وتعني: سلطة و thalassos وتعني: بحر. وعلى الرغم من أن هذه السيادة البحرية المينوية المزعومة قد أصبحت الآن موضع شك، فإن «قوارب «كفتيو»» قد ورد ذكرها في السجلات المصرية — كان «كفتيو» هو المسمَّى المصري الدال على جزيرة كريت في ذلك الوقت — على الرغم من أنه غير واضِح ما إذا كانت هذه قوارب من كريت، أم ذاهبة إلى كريت، أو مَبنية بطريقة مينوية.20
كان جون ديفيت سترينجفيلو بيندلبري، خلف إيفانز في الموقع، مهتمًّا اهتمامًا بالغًا بالصلات المحتملة بين مصر وكريت؛ فنقَّب في الموقع المصري المسمَّى بالعمارنة (عاصمة إخناتون، التي سنتحدَّث عنها أكثر أدناه) بالإضافة إلى كنوسوس؛ حتى إن بيندلبري نشر أفرودة عن هذا الموضوع، بعنوان Aegyptiaca، جمع فيها وصنف كل الواردات المصرية التي عُثِر عليها في كنوسوس وفي مواضع أخرى على الجزيرة، قبل أن يُقْتَل برصاص المظليين الألمان عندما اجتاحوا الجزيرة سنة ١٩٤١.21

عثر إيفانز وبيندلبري على أغراض مستورَدة إضافية في كنوسوس وبات واضحًا على مرِّ العقود التالية أن المينويين كانوا مُنخرِطين في كل من مجالي الاستيراد والتصدير، وأنهم تواصَلُوا بجدٍّ مع عدد من المناطق الأجنبية بالإضافة إلى مصر. على سبيل المثال، عُثِر على أختام أسطوانية من بلاد الرافدين وعلى جِرارِ تخزينٍ من كنعان في مواقع مختلفة في جزيرة كريت في أُطُر تنتمي إلى العصر البرونزي الوسيط والمتأخر، بينما عُثِر على أوانٍ فخارية وأغراض أخرى مكتمِلة الصنع تَنتمي للمينويين، أو على الأقل على ذكرٍ لها، في بلدان تمتد من مصر وإسرائيل والأردن وقبرص حتى سوريا والعراق.

(٤) عَوْدٌ إلى مصر

يجب ألَّا يغيب عن أذهاننا أن البضائع المذكورة عاليَه لا تُمثِّل سوى جزء صغير جدًّا من البضائع التي كانت ذات يوم تَعبر البحر المتوسط، حيث إنَّ بضائع كثيرة من تلك التي كان يُتاجَر فيها أثناء العصر البرونزي المتأخِّر كانت سريعة التلف ومن غير المرجَّح أن يبقى منها الكثير من البقايا التي يُمكن التعرف عليها في وقتنا الحالي. فمن شبه المؤكَّد أن الحبوب، والخمر، والتوابل، والعطور، والخشب، والمنسوجات قد اختفَت منذ أمدٍ بعيد. أما المواد الخام مثل العاج، والأحجار الكريمة مثل اللازورد، والعقيق، والعقيق الأحمر، والمعادن مثل الذهب، والنحاس، والقصدير، فقد تحوَّلت محليًّا هي الأخرى منذ أمد بعيد إلى أغراض أخرى مثل الأسلحة والمجوهَرات؛ ومن ثَمَّ فربما تكون الدلائل الأكثر توافرًا على طرق التجارة والصلات الدولية قد اندثرت، أو تحلَّلت، أو اختفت بأي صورة أخرى في العصور القديمة. ومع ذلك، فإنه يمكن أحيانًا تحديد وجود البضائع التجارية المندثرة في النصوص المكتوبة أو عن طريق تصويرها في الرسوم على الجدران التي بقيت إلى وقتنا الحاضر. يُمكن لهذه الرسوم والنصوص والمراجع الأدبية أن تكون بمثابة أدلة أقل غموضًا على الصلات بين الشعوب، إذا ما فُسِّرَت تفسيرًا صحيحًا؛ ومن ثَمَّ فإن الرسومَ المجسدةَ لشعوبٍ أجنبيةٍ في الرسوم الجدارية في عددٍ من المقابر المصرية التي يرجع تاريخها إلى عهود ملوك المملكة الحديثة، من حتشبسوت وحتى أمنحتب الثالث؛ قيمةٌ للغاية؛ إذ تُمثِّل دلائل ملموسة على شبكات الاتصال الدبلوماسية، والتجارية، وشبكات النقل التي كانت موجودة أثناء القرنين الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد.22
بُنيت، أثناء حكم حتشبسوت، في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، أولى المقابر التي تظهر فيها بالفعل شعوب منطقة إيجه على الرسوم الجدارية. في هذه المقابر كثيرًا ما نرى المينويين مرسومين، عادةً مع بضائعهم ومع نقوش تُحدِّد هويتهم بعبارات لا لبس فيها تقول بأنهم قادمون من جزيرة كريت. فمثلًا، في مقبرة سِننْموت، الذي كان المهندس المعماري الخاص بحتشبسوت، ومستشارها، وربما عشيقها، نجد مرسومًا وفدًا من منطقة إيجه، من ستة رجال يحملون أوانيَ معدنية للزينة من المصنوعات الإيجية الشائعة.23
في رسم آخر، داخل مقبرة رخميرع، وزير تَحتمس الثالث (حوالي ١٤٥٠ق.م)، نرى رجالًا يرتدون تنورات على الطراز الإيجي التقليدي ويحملون أغراضًا إيجية على وجه التحديد. وإلى جانبهم مكتوبٌ (في نص منقوص): «قادمون في سلام باسم زعماء كفتيو و«الجزر الكائنة في وسط البحر»، راكعين ومحنيِّي الرءوس لعظمة صاحب الجلالة ملك مصر العليا والسفلى.»24 من الواضح أن هذا تمثيل لوفد إيجي إلى مصر، وهو واحد من تمثيلات عديدة في مقابر مصرية من هذه الفترة.
الإيجيون ليسوا الوحيدين الذي يظهرون على رسوم جدار مقبرة رخميرع؛ في رسوم أخرى بأعلى وكذلك بأسفل تظهر بعثات من بلاد بونت، والنوبة، وسوريا، مع نقوش إلى جانب كل منها. وعلى الرغم من أن ذلك غير مثبت، فإنه يبدو أنه من المرجح أننا نُطالع هنا تصويرًا لحدث هام جرى أثناء حكم تحتمس الثالث، وأن الموفدين أو التجار القادمين من إيجه ليسوا سوى جانب واحد فقط من الحشد المتعدِّد الجنسيات الذي تَجَمَّع أو استُدْعِي. إن كان الأمر كذلك، فهذا من شأنه على الأرجح أن يكون احتفال «حِب سِد» (أو اليوبيل)، الذي يحتفل به الفرعون لأول مرة بعد مرور ثلاثين عامًا على حكمه ثم يحتفل به بعد ذلك بغير انتظام؛ في حالة تحتمس الثالث، نعرف أنه أقام ثلاثة من هذه الاحتفالات على الأقل، الأمر الذي لا يبعث على المفاجأة بما أنه حكم لأربعة وخمسين عامًا.25
fig6
شكل ١-٢: مقبرة رخميرع، وتصوير لأشخاص من منطقة إيجه (نقلًا عن ديفيز ١٩٤٣، اللوح رقم ٢٠؛ بإذن من متحف المتروبوليتان للفنون).
إجمالًا، توجد حوالي أربع عشرة مقبرة ترجع إلى عهد حتشبسوت و/أو إلى عهد تحتمس الثالث، كلها تخصُّ مسئولين رفيعي المستوى ومستشارين، والتي تصور وفودًا من الأجانب الذي يزورون مصر، ومنهم الإيجيون، والنوبيون، والكنعانيون، وكلهم يَحملون منتجات أجنبية.26 في المقابر التسع التي ترجع تحديدًا إلى زمن تحتمس الثالث، كثيرًا ما نرى تصاوير لأجانب يقدمون هدايا دبلوماسية، أو يُسلمون المكوس، أو يشاركون في بعثة بتكليف ملكي أرسلها تحتمس الثالث إلى لبنان للحصول على الأَرْز.27
كفتيو، ورجال كفتيو، وقوارب كفتيو مذكورون في طائفة متنوعة من السياقات الأخرى التي ترجع إلى هذه الفترة في مصر، بما في ذلك نقوش على المعابد وتدوينات على ورق البردي. من هذه النقوش والتدوينات الأكثر إثارة للاهتمام بردية من العام الثلاثين لحكم تحتمس الثالث (حوالي ١٤٥٠ق.م) تذكر العديد من «سفن كفتيو» في سياق استيراد مواد للأسطول الحربي المصري: «أُعطي للحرفي [اسم رجل]، خشب تغليف لسفينة كفتيو»؛ و«اليوم أُعطي للحرفي تيتي من أجل سفينة كفتيو الأخرى التي في عهدته»، و«أُعطي للحرفي إينا من أجل سفينة كفتيو … الأخرى.»28 وعلى نحو مماثل، يشير أيضًا نقش، على جدار لمعبد آمون في الكرنك من العام الرابع والثلاثين لحكم تحتمس الثالث، إلى سفن كفتيو.29

على الرغم من أنه لا يزال غير واضح ما إن كانت هذه السفن من كفتيو (أي، سفن مينوية) أو أنها قادرة على الإبحار إلى كفتيو (أي، سفن مصرية)، فإنه من الواضح أنه كان يوجد اتصال، وربما اتصال مباشر، بين كريت المينوية ومصر في عهد المملكة الحديثة أثناء عصر تحتمس الثالث. بسبب الرياح السائدة، يُمكن لسفينة شراعية — سواء في يومنا هذا أو منذ ثلاثة آلاف وأربعمائة سنة — أن تسافر بسهولة نسبية من سواحل كريت الجنوبية إلى مدينة مرسى مطروح على الساحل الشمالي لمصر ومن ثَمَّ إلى دلتا النيل. ليست رحلة العودة بالإبحار شراعيًّا بالرحلة السهلة، نظرًا للرياح والتيارات، ولكنها مُمكنة في أوقات معينة من العام. ومن الممكن أيضًا الذهاب بحركة في عكس عقارب الساعة من مصر إلى كنعان وقبرص، ومن ثَمَّ إلى الأناضول ورودس، ومن هناك إلى كريت، وجزر السيكلاد، والبر الرئيسي لليونان، ثم العودة إلى كريت وجنوبًا إلى مصر.

من الواضح من الرسم والنقش في مقبرة منخبر رع سنب، الكاهن الأول للإله آمون،30 أن المصريين عرفوا بشأن الملوك المينويِّين وفهموا أنهم على قدم المساواة مع أولئك الذين من مناطق أجنبية أخرى. على جدران المقبرة يمكننا أن نرى «أمير كفتيو» (كريت) برفقة أمير الحيثيين (من الأناضول)، وأمير تونيب (من المحتمَل أنها كانت في سوريا)، وأمير قادش (في سوريا). اللقب المستخدم لتحديد الشخصيات، وهو «ور»، ويعني «أمير» أو «زعيم»، هو نفسه في كل حالة.31 يبدو أن الصورة المعروضة تُشير إلى أن هؤلاء القادة زاروا مصر في مناسبة، ربما تتضمَّن مناسبة خاصة للغاية. هل جاءوا جميعًا في نفس الوقت (ربما في منظور مختلف للحدث نفسه الذي قد صُوِّر في مقبرة رخميرع؟) أم في مناسبات مُنفصِلة؟ لا نعرف يقينًا، ولكن من المُثير للاهتمام أن نبحث في احتمالية تجمُّع الشخصيات الرئيسية للعصر البرونزي المتأخِّر معًا من أجل حدث عظيم في مصر، وهو ما يُشبه كثيرًا تجمُّع كبار الشخصيات في يومنا هذا من أجل زواج ملَكي بريطاني أو من أجل مؤتمر لمجموعة الدول الصناعية الثمانية الكبرى.
يستخدم أيضًا تحتمس الثالث نفس المصطلح، «ور» (أمير أو زعيم)، في موضع آخر، في مستهل العام الثاني والأربعين لسجلاته، حيث يذكر «أمير تاناجا»، وهي التسمية المصرية للبر الرئيسي لليونان. وهنا يُدرِج أغراضًا من إيجه، تشمل وعاءً فضيًّا بصنعة كفتيوية وأربع صِحَافٍ لها مقابض من الفضة. المثير للاهتمام أنه يَدعوها «إينو»، وهو مصطلح عادةً ما يُتَرْجَم «جزية»، لكنه على الأرجح يعني «هدية» في هذا السياق.32 ربما كان الانخراط في تبادلٍ تجاريٍّ «عادي» يُعتبر أدنى من مكانة الملك، في حين كان تبادل «الهدايا» مع النظراء (أو شبه النظراء) مقبولًا تمامًا. سنُناقش هذا أكثر في الفصل التالي، في سياق مسألة التبادُل التجاري الدولي الذي كان يَجري تحت ستار تقديم الهدايا خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

(٥) حتشبسوت وتحتمس الثالث

لم يشهد عهد حتشبسوت، الذي سبق مباشرة عهد تحتمس الثالث، تعاملات مع منطقة إيجه فحسب، بل أيضًا مع مناطق أخرى من الشرق الأدنى القديم. كانت هي بالأساس من وضعت الأسرة الثامنة عشرة على الطريق الخاص بالصلات الدولية والمكانة العالَمية، مستخدمةً الدبلوماسية بدلًا من الحرب. كانت ذات دم ملَكي نقي، كونها ابنة الفرعون تحتمس الأول والملكة أحمس (إياح مس)؛ رغم أنه يَنبغي الإشارة إلى أن والدها كان قد حقَّق المكانة الملكية عن طريق الزواج من العائلة الملَكية فحسب.

تزوجت حتشبسوت من أخيها غير الشقيق، تحتمس الثاني، في ترتيبٍ قُصِد منه تقديم العون للشاب؛ إذ كان ذا دم نصف ملكي فقط؛ لأن أمه كانت زوجة ملكية ذات مرتبة أدنى ولم تكن الملكة الفعلية. منَحَه زواجه من حتشبسوت شرعيةً أكثر مما كان سيَحظى به بخلاف هذا. أثمر زواجهما ابنةً لا ابنًا، وهو ما كان من المُمكن أن يكون كارثة للأسرة الملَكية. ومع ذلك، فقد أنجب ابنًا من فتاة من الحريم، الذي ترعرع حتى صار تحتمس الثالث، المقدَّر له أن يخلف والده على العرش. لسوء الحظ، عندما تُوفي تحتمس الثاني فجأة، لم يكن الابن الصغير كبيرًا بما يكفي ليحكم بمفرده؛ لذلك تدخَّلَت حتشبسوت لتحكم مؤقتًا بصفتها وصيةً على العرش نيابةً عنه، لكن عندما جاء وقت تسليم العرش له، رفضَت أن تتنازل له. وحكمَت لأكثر من عشرين عامًا، بينما انتظر تحتمس الثالث، ربما بنفاد صبر، في خلفية المشهد.33
أثناء هذَين العقدين، بدأت حتشبسوت في ارتداء اللحية الفرعونية التقليدية الزائفة وعُدة المنصب الأخرى، وملابس رجالية مع درع للجسد ليُخفي ثديَيها وسماتها الأنثوية الأخرى، مثلما يُمكن أن يتبيَّن في التماثيل المنحوتة في الدير البحري؛ معبدها الجنائزي. كذلك غيَّرت اسمها، مُعطية إياه نهاية ذكورية بدلًا من نهايته الأنثوية، وأصبح «صاحب الجلالة، حتشبسو.»34 بعبارة أخرى، حكمت باعتبارها رجلًا؛ ملكًا ذكرًا، وليس مجرد وصية على العرش. نتيجة لذلك، تُعتبر حاليًّا واحدة من أشهر نساء مصر القديمة، بجانب نفرتيتي وكليوباترا. على ما يبدو لم تتزوَّج حتشبسوت ثانيةً أبدًا بعد وفاة تحتمس الثاني، ولكن ربما تكون قد اتخذت مهندسها المعماري، وكبير حاشيتها، سِننْموت، عشيقًا لها؛ فحُفِرت صورة له، ربما سرًّا، على معبد حتشبسوت الجنائزي في الدير البحري، الذي أشرف على بنائه.35
يُنسَب إلى هذه الحاكمة المثيرة للاهتمام البعثات التجارية السِّلمية التي أرسلتْها إلى فينيقية (لبنان المعاصرة) بحثًا عن الخشب، وإلى سيناء بحثًا عن النحاس والفيروز،36 لكن أشهر بعثاتها كانت بعثة أرسلتْها إلى بلاد بونت أثناء العام التاسع من عهدها، المشار إليها في النقوش الموجودة على جدران معبد الدير البحري. لا يعرف الباحثون حاليًّا الموقع الدقيق لبلاد بونت وما يزال أمرًا محلَّ خلاف. معظم المراجع تضعها في مكان ما في منطقة السودان، أو إريتريا، أو إثيوبيا، لكنَّ آخرين يرَوْن أنها في مكان آخر، غالبًا على امتداد شواطئ البحر الأحمر، بما في ذلك منطقة اليمن الحالية.37

لم تكن بعثة حتشبسوت هي أول بعثة تُرْسَل من مصر إلى بلاد بونت، ولن تكون الأخيرة. أُرسِلَت بعثات عديدة أثناء عصر المملكة المصرية الوسطى، وبعد ذلك، خلال منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد، بعث أمنحتب الثالث بعثةً. ومع ذلك، فإن سجل حتشبسوت وحده هو الذي يُصوِّر ملكة بلاد بونت؛ التي تُسمَّى «إيتي» حسب النقش المصاحب للرسم. وقد تولَّد عن التصوير الذي يُوضِّح هيئة الملكة الأجنبية الكثير من التعليقات بسبب قامتها القصيرة، وظهرها المنحني، والشحوم المترهِّلة، والمؤخِّرة الكبيرة، والذي عادةً ما يُسفر عن أوصاف للملكة بأنها مصابة بحالة من كبر الكفل (أي امتلاك بطنٍ سمين وفخذَين ومؤخِّرة ضخمة؛ وعادةً ما تكون بارزة). يوجد أيضًا أشجار نخيل، وحيوانات غريبة، وتفاصيل أخرى تُظهِر المكان البعيد، وتصاويرَ للسفن التي نقلت المصريين إلى بلاد بونت ومنها، بكل تفصيلاتها حتى الصواري والحبال.

في العام الثالث والثلاثين من حكم تحتمس الثالث، في وقت ما بعد عام ١٤٥٠ق.م، أرسل الفرعون وفده التجاري إلى بلاد بونت. وهذا مسجَّل كما ينبغي في سجلات وقائعه، مثلما حدث مع بعثة أخرى أُرسِلَت في العام الثامن والثلاثين إلى نفس المنطقة.38 هذه بعض من أمثلة قليلة، إلى جانب البعثات التي أرسلها إلى لبنان للحصول على الأَرْز، حيث يُمكننا في الواقع أن نُشير إلى تبادلٍ تجاريٍّ مستمرٍّ بين مصر ومنطقة أجنبية أثناء حكم تحتمس الثالث، على الرغم من أننا نشكُّ أن الكثير من «الجزية» (إينو) المصورة في مشاهد النبلاء في المقبرة في عهده هي في الواقع سلع تجارية.
من ضمن المناطق البعيدة التي كانت مصر، تحت حكم تحتمس الثالث، تقوم بتبادُل تجاري معها على ما يبدو، والتي سجل تلقيه «الإينو» منها في ثلاث مناسبات منفصلة؛ إقليمٌ كان معروفًا للمصريين باسم «إسي»، وكان على الأرجح يُقْصَد به ائتلاف دويلات المدن في شمال غرب الأناضول (تركيا الحالية) المعروف باسم أسُوَا، أو يُقْصَد به ألشية، وهو الاسم الذي كانت تُعْرَف به قبرص أثناء العصر البرونزي. يذكر كتَبة تحتمس «إسي» أربع مرات على الأقل في نقوش متنوعة، مُدْرِجين إياها جنبًا إلى جنب كفتيو في «النصب الشعري/نشيد النصر» الخاص به: «جئت لأجعلك تتمكَّن من أن تطأ الأرض الغربية، فكفتيو وإسي تحت سلطانك، ولأجعلهم يرَوْن جلالتك على هيئة ثور شاب، ثابت الجنان، حاد القرنين، لا يستطيع المرء أن يدنو منه.»39 في سجلات وقائع بعثتِه التاسعة، في العام الرابع والثلاثين لحكمه (١٤٤٥ق.م)، يُذْكَر أن «زعيم إسي» قد أحضر «إينو» يتكوَّن من مواد خام؛ نحاس خام، وكتل من الرصاص، ولازورد، وناب عاج، وخشب. وعلى نحوٍ مُماثل، في سجل بعثته الثالثة عشرة، في العام الثامن والثلاثين لحكمه (١٤٤١ق.م)، نعرف أن «أمير إسي» أحضر «إينو» يتكوَّن من نحاس وخيول، وفي وصفِ بعثتِه الخامسة عشرة، في العام الأربعين لحكمه (١٤٣٩ق.م)، نعرف أن «زعيم إسي» أحضر «إينو» يتكوَّن من أربعين سبيكةً من النحاس، وسبيكة من الرصاص، ونابين من العاج. أغلب تلك الأصناف كان الأصناف المعتادة التي نجدُها في تبادل الهدايا العالي المستوى في أنحاء منطقة الشرق الأدنى في العصر البرونزي.40

(٦) مصر وكنعان في معركة مجدو، ١٤٧٩ق.م

قد يكون علماء الآثار قد تعرَّفوا أخيرًا على هُوية مومياء حتشبسوت في السنوات الأخيرة، التي توجد في مقبرة تُعرَف باسم كيه في ٦٠ (وترمز إلى «وادي الملوك، المقبرة رقم ٦٠»)، وليس في مقبرتِها «كيه في ٢٠»، التي تقع في مكانٍ آخر في وادي الملوك. كانت واحدة من نساء قلائل دُفِنَّ على الإطلاق في وادي الصفوة هذا، المحجوز عادةً لملوك مصر الذكور. إذا كانت المومياء المتعرَّف عليها هي بالفعل مومياء حتشبسوت، إذن فقد عانت في شيخوختِها من السمنة المفرطة، ومشاكل في الأسنان، والسرطان.41 وعندما ماتت أخيرًا، في حوالي ١٤٨٠ق.م، لم يُضيِّع تحتمس الثالث، الذي يُشَك أحيانًا في أنه كان له يد في موتها، وقتًا وتولَّى السلطة وسار بجيشه ليخوض القتال في السنة الأولى من حكمه المنفرد. كذلك حاول أن يمحو اسم حتشبسوت من التاريخ، آمرًا بتدنيس آثارها وبإزالة اسمها من النقوش حيثما أمكن.

عندما بدأ تحتمس الثالث حملته الأولى — الأولى من سبع عشرة حملةً بدأها على مدى السنوات العشرين التالية أو نحوها — تمكَّن من أن يضع نفسه، بكل معنى الكلمة، في كتب التاريخ؛ إذ إن مسار وتفاصيل رحلته وفتوحاته العسكرية سنة ١٤٧٩ق.م نُقِلَت من اليوميات التي استمرَّت طوال مسار رحلته ونُقِشَت للأجيال القادمة على جدار معبد آمون في الكرنك في مصر. المعركة التي خاضها في مجدو (التي أصبحت بعد ذلك معروفة في الكتاب المقدس باسم هرمجدون) في مواجهة الزعماء المحليِّين الكنعانيين المتمردين أثناء الحملة هي أول معركة نعرفها وتُدَوَّن تفاصيلها وتُصبح متاحة لتوعية الذين لم يكونوا حاضرين لها.

تُشير الرواية المنقوشة إلى أن تحتمس الثالث زحف برجاله من مصر مدة عشرة أيام، شمالًا حتى موقع يحم. هناك توقَّف ليعقد مجلس حرب ويُقرِّر أفضل طريقة لمهاجمة مدينة مجدو المحصَّنة وما يُحيط بها من معسكَرات مؤقَّتة للحكام المحليِّين الكنعانيين الذين كانوا قد بدءوا تمرُّدًا على الحكم المصري عند اعتلائه العرش. من يحم، كان يوجد ثلاثة طرق مؤدِّية إلى مجدو؛ طريق شمالي، كان يظهر في وادي يَزْرعيل بالقرب من يوكنعام؛ وطريق جنوبي، كان يؤدِّي إلى وادي يَزْرعيل بالقرب من بلدة تعنك؛ وطريق مركزي، ينتهي عند مجدو.42

اقترح قادته، حسب الرواية المكتوبة، أن يسلكوا إما الطريق الشمالي أو الجنوبي؛ لأنهما كانا أوسع وأقل عرضة لعمل كمين لهم فيها. أجاب تحتمس الثالث بأن هذا التكتيك هو بالضبط ما سيتوقَّعه الكنعانيون؛ فلن يُصدقوا أبدًا أن يكون من الغباء لدرجة أن يأتيهم من الطريق المركزي لأنه كان طريقًا ضيقًا ويسهل نصب كمين فيه. ولكن، بالتحديد لأن ذلك كان تفكيرهم، فكان سيَسير بالجيش من الطريق المركزي، على أمل أن يُباغت الكنعانيين على حين غِرَّة، وذلك بالضبط ما حدث. استغرق المصريون حوالي اثنتي عشرة ساعة للوصول عبر الممر المركزي (المعروف، في أوقات كثيرة عبر التاريخ، باسم وادي عارة، و/أو ناحل عيرون، و/أو ممر مُصمُص‎) من أول رجلٍ إلى آخر رجل، لكنهم مروا دون خدش ولم يجدوا أحدًا يحرس لا مجدو ولا معسكرات العدو المؤقَّتة المحيطة بها. كانت قوات الكنعانيِّين كلها في يوكنعام إلى الشمال وتعنك إلى الجنوب، مثلما كان تحتمس الثالث قد توقَّع تمامًا. الخطأ الوحيد الذي ارتكبه تحتمس الثالث كان سماحه لرجاله بالتوقُّف لسلب ونهبِ معسكرات العدو قبل الاستيلاء على المدينة بالفعل. كان هذا خطأً أتاح وقتًا لقلَّة من المدافعين عن مجدو — معظمهم من الشيوخ، والنساء، والأطفال — لإغلاق بوابات المدينة. وأسفر هذا بدوره عن حصار طويل دام سبعة شهور أخرى قبل أن يتمكَّن المصريون من الاستيلاء على المدينة.

بعد ذلك بنحو ثلاثة آلاف وأربعمائة سنة، جرب الجنرال إدموند ألنبي نفس التكتيك الذي استخدمه تحتمس الثالث، في سبتمبر من عام ١٩١٨ أثناء الحرب العالمية الأولى، وأدَّى إلى نفس النتائج الناجحة. ربح المعركة التي جرت عند مجدو وأخذ مئات من الجنود الألمان والأتراك أسرى، دون أي خسائر في الأرواح عدا بضعة من خيوله. أقر ألنبي بعد ذلك أنه كان قد قرأ ترجمة جيمس بريستد الإنجليزية لرواية تحتمس الثالث؛ مما أدَّى به إلى أن يُقرِّر تكرار ما حدث في الواقعة التاريخية. يُروى أن خورخي سانتايانا قال ذات مرة إن أولئك الذين لا يَدرُسون التاريخ محتم عليهم تكراره، لكن ألنبي أثبت أن العكس يُمكن أن يكون صحيحًا أيضًا؛ فأولئك الذين يدرسون التاريخ يُمكنهم أن يُكرِّروه بنجاح، إذا ما اختاروا أن يفعلوا ذلك.43

(٧) مصر وميتاني

قاد تحتمس الثالث أيضًا حملات إلى شمال سوريا، ضد المملكة الميتانية التي كانت قد ظهرت إلى الوجود في هذه المنطقة بحلول عام ١٥٠٠ق.م، والتي كان جدُّه تحتمس الأول قد قام في وقت سابق بحملة عليها.44 استمرَّت المملكة الميتانية تنمو وتستوعب مناطق قريبة أخرى، مثل مملكة هانيجلبات الحورية. ونتيجة لذلك، عُرِفَت بأسماء عديدة، حسب الفترة الزمنية وحسب من يكتب أو يتحدَّث عنها. بوجه عام، دعاها المصريون «نهارين» أو «نهارينا»؛ ودعاها الحيثيون «أرض حوري»؛ ودعاها الآشوريون «هانيجلبات»؛ بينما أشار ملوك ميتاني أنفسهم إليها باسم مملكة «ميتاني». لم يُعْثَر مطلقًا على عاصمتها واشوكاني. إنها واحدة من عواصم الشرق الأدنى القديم القليلة جدًّا التي لا تزال إلى الآن مستعصية على الأثريِّين، على الرغم من الدلائل المغرية في السجلِّ الأثري وفي النصوص القديمة. يعتقد البعض أنها قد تكون واقعة في تل الفخيرية في سوريا، شرق نهر الفرات؛ ولم يتأكَّد هذا مطلقًا، رغم المحاولات العديدة.45
وفقًا لنصوص متنوعة، كان ٩٠ بالمائة من تعداد سكان هذه المملكة تقريبًا من الحوريِّين المحليِّين — كما كانوا يُدعَون — تحت حكم العشرة بالمائة الباقين؛ الذين كانوا الأسياد الميتانيين، الذين كانوا على ما يبدو من أصل هندو أوروبي. كانت هذه المجموعة الصغيرة، التي كانت على ما يبدو قد انتقلت إلى هناك من مكانٍ آخر لتسيطر على السكان الأصليين من الحوريين وتنشئ المملكة الميتانية، تَمتلِك نخبة عسكرية يُعرفون باسم «ماريانو» (المحاربين بالعجلات الحربية) والذين كانوا معروفين باستخدامهم للعجلات الحربية والمهارة العالية في تدريب الخيول. يحتوي نص عُثِر عليه في حاتوسا؛ عاصمة الحيثيين في الأناضول، على بحث كتَبه كيكولي، الذي كان مدربًا ميتانيًّا كبيرًا للخيول، حوالي ١٣٥٠ق.م، يُعطي فيه إرشادات عن كيفية تدريب الخيول خلال فترة ٢١٤ يومًا. إنه نص مفصَّل، يمتد على أربعة ألواح طينية، ولكنه يبدأ ببساطة بالعبارة التالية: «هكذا [يقول] كيكولي، مدرِّب الخيول من أرض ميتاني.»46
في حملته الثامنة، أثناء عام حكمه الثالث والثلاثين (حوالي ١٤٤٦ق.م)، شنَّ تحتمس الثالث، كشأن جده من قبله، هجومًا بريًّا وكذلك بحريًّا على مملكة ميتاني. تورد النقوش أنه جعل قواته تُبحر في نهر الفرات، على الرغم من صعوبات الإبحار عكس كلٍّ من الريح والتيار، ربما كان ذلك ردًّا انتقاميًّا على الاشتباه في تورط ميتاني في التمرُّد الكنعاني أثناء العام الأول من حكمه.47 هَزم تحتمس الثالث القوات الميتانية وأمر بوضع نصب حجري منقوش شمال كَرْكَمِيش على الضفة الشرقية لنهر الفرات، لإحياء ذكرى انتصاره.
ومع ذلك، لم تبقَ ميتاني مقهورةً مدة طويلة؛ ففي غضون خمسة عشر أو عشرين عامًا، بدأ الملك الميتاني شوشتاتار في توسيع المملكة توسيعًا كبيرًا من جديد. فهاجم مدينة آشور، عاصمة الآشوريين، آخذًا غنيمةً بابًا من الذهب والفضة الثمينَين استخدمه لتزيين قصره في واشوكاني — كما نعرف مِن نصٍّ لاحق في مَحْفُوظات الحيثيين في حاتوسا — وربما حتى يكون قد تواجَه مع الحيثيِّين.48 في أقل من قرن، بحلول زمن الفرعون أمنحتب الثالث في منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد، كانت العلاقات بين مصر وميتاني وديةً جدًّا حتى إن أمنحتب لم يتزوَّج من أميرة ميتانية واحدة بل من أميرتَين.

يتضح مما عرضناه عن ميتاني، وآشور، والمصريين أن العالم كان يزداد ترابطًا بالفعل، حتى وإن كان ذلك في بعض الأحيان عن طريق الحرب فحسب.

(٨) تمرد أسوا في الأناضول

مما يُثير الاهتمام أن تحتمس الثالث كان على اتصال، وربما كان منخرطًا في تبادلٍ تجاريٍّ نشط، مع مناطق بعيدة، بما في ذلك مناطق تقع شمال وغرب مصر. من المحتمل أن يكون الاتصال مع أسوا (بافتراض أنها هي «إسي») قد بادرت به أسوا وليس مصر. في حوالي ١٤٣٠ق.م، شنت أسوا تمردًا على الحيثيِّين في وسط الأناضول، ويجب على المرء أن ينظر في إمكانية أن أسوا كانت تبحث حثيثًا عن صلات دبلوماسية مع قوى كبرى أخرى أثناء العقد السابق على التمرد.49

احتل تمرُّد أسوا، الذي كان في السابق مهمًّا لقلة من الباحثين، الصدارة في عام ١٩٩١، عندما كان مشغل جرافة يقحم نصل آلته في حافة طريق بالقرب من الموقع القديم لحاتوسا، عاصمة الحيثيِّين؛ الذي يبعد في وقتنا الحالي مسافة رحلة لمدة ساعتين بالسيارة (٢٠٨ كيلومترٍ) شرق أنقرة الحالية. اصطدَم النصل بشيء معدني. فقفز الرجل نازلًا من مقعده في مقصورة الجرافة ومدَّ يده في التراب المتفكِّك، وعلى نحو مفاجئ جذب إلى الخارج شيئًا طويلًا، رفيعًا، وثقيلًا ذا لون أخضر. كان له شكل وملمس سيف قديم، وهو ما تأكد عندما نظفه الأثريون المقيمون في المتحف المحلي.

ومع ذلك، لم يكن سيفًا حيثيًّا تقليديًّا وإنما كان نوعًا لم تقع عليه عين من قبل في الإقليم. بالإضافة إلى ذلك، كان يوجد عليه نقش حُفِر في النصل. من بداية الأمر ثبت أن قراءة النقش أسهل من التعرف على صناعة السيف؛ ولذلك تمَّت الترجمة أولًا. كانت ترجمة نَصِّ النقش المكتوب باللغة الأكادية — اللغة الدبلوماسية للعصر البرونزي في الشرق الأدنى القديم — والذي جرى فيه استخدام رموز مسمارية (وتدية الشكل)، كالآتي: «بتدمير دوثاليا الملك العظيم لبلاد أسوا، وهَب هذه السيوف لإله العاصفة، ربه.»50

يُشير النقش إلى ما يُطلَق عليه تمرُّد أسوا، الذي أخمده الملك الحيثي توداليا (دوثاليا) الأول أو الثاني سنة ١٤٣٠ تقريبًا (ذكرنا هنا «الأول أو الثاني» لأننا لسنا متيقِّنين مما إذا كان الملك الأول أو الثاني الذي حمل ذلك الاسم). كانت الثورة معروفة بالفعل للباحثين الذي يدرسون الإمبراطورية الحيثية بسبب عدد من النصوص الأخرى، التي كُتِبَت كلها بكتابة مسمارية على ألواح طينية، التي عثَر عليها أثريون ألمان كانوا ينقِّبون في حاتوسا في وقتٍ سابقٍ خلال القرن العشرين. غير أن السيف كان أول سلاح، وأول قطعة أثرية من أي نوع، في هذا الصدد، أمكن ربطها بالثورة. واضح من النقش رجحان وجود المزيد من السيوف التي ما زال يتعيَّن العثور عليها. ومع ذلك، قبل أن نمضي قدمًا، سنُمضي بعض الوقت بين الحيثيين، وفي تحديد موقع أسوا، وفي بحث أمر التمرد. سننظر في السبب وراء كون هذا دليلًا على وجود حالة قديمة لمَبْدَأ الدَّولية، وربما على أن حرب طروادة جرَت قبل ذلك بمائتي سنة ولأسباب مختلفة عن تلك التي قدَّمَها هوميروس.

(٩) استطراد: اكتشاف الحيثيين ونظرة عامة عنهم

يتعين أولًا أن نشير إلى أن الحيثيين، رغم كونهم يحكمون إمبراطورية ضخمة من وطنهم في وسط الأناضول طوال جزء كبير من الألفية الثانية قبل الميلاد، كانوا مجهولين تاريخيًّا، على الأقل من الناحية الجغرافية، حتى مائتي سنة مضت فقط.51
كان الحيثيُّون معروفين لباحثي الكتاب المقدَّس بسبب ذكرهم في الكتاب المقدس العبري، حيث يُدرَجون باعتبارهم من ضمن شعوب كثيرة (مثل الحويين، والعموريين، واليبوسيِّين، وهكذا) عاشت في كنعان أثناء أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، وكانت تتعامل مع العبرانيين/بني إسرائيل وفي النهاية خضعت لهم. يَحكي لنا الكتاب المقدس، على سبيل المثال، أن إبراهيم اشترى مدفنًا لزوجته سارة من عِفْرُونَ الحيثي (سفر التكوين، الإصحاح ٢٣، الآيات ٣–٢٠)، وأن بَثْشَبَعَ زوجة الملك داود كانت متزوجة أولًا من أوريا الحيثي (سفر صموئيل الثاني، الإصحاح ١١، الآيات ٢–٢٧)، وأن الملك سليمان كان له «نساء حيثيَّات» ضمن زوجاته (سفر الملوك الأول، الإصحاح ١١، الآية ١). ومع ذلك، فإن الجهود الأولى للعثور على الحيثيين في الأراضي التوراتية باءت بالفشل، على الرغم من الموقع الجغرافي المعيَّن المحدَّد بدقة في الإعلان الذي صرَّح به موسى من العُلِّيقة المُتَّقدة نارًا: «فنزلت لأنقذهم [بني إسرائيل] من أيدي المصريِّين، وأُصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبنًا وعسلًا، إلى مكان الكنعانيين والحيثيِّين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين» (سفر الخروج، الإصحاح ٣، الآية ٧).52

خلال تلك الأثناء، كان مُستكشفو أوائل القرن التاسع عشر — مثل يوهان لودفيج بركهارت، الذي كان رجلًا سويسريًّا مولعًا بارتداء الملابس المحلية الشرق أوسطية (وكان يطلق على نفسه اسم «الشيخ إبراهيم») من أجل تيسير عمليات الاستكشاف التي كان يقوم بها — يكتشفون بقايا حضارة من العصر البرونزي لم تكن معروفة في السابق، وبخاصة في الهضبة الوسطى لتركيا. وأمكن إيجاد الرابط في نهاية الأمر. في عام ١٨٧٩، في مؤتمر في لندن، أعلن عالم الآشوريات المعتبَر إيه إتش سايس أن الحيثيين لم يكونوا موجودين في كنعان وإنما في الأناضول؛ أي، في تركيا وليس في إسرائيل/لبنان/سوريا/الأردن. لاقى إعلانه قبولًا عامًّا، وما زال هذا الأمر مقبولًا في يومنا هذا، ولكن يتعيَّن على المرء أن يتساءل كيف أمكن أن يخطئ الكتاب المقدس خطأً كبيرًا كهذا.

الإجابة في الواقع منطقية بدرجة كبيرة؛ فبقدرِ ما امتدت الإمبراطورية البريطانية من أراضي إنجلترا الفعلية، كذلك أيضًا امتدت الإمبراطورية الحيثية غربًا في تركيا وجنوبًا إلى سوريا. ومثلما تستمر بعض البلدان التي كانت سابقًا جزءًا من الإمبراطورية البريطانية في لعب الكريكت وشرب شاي ما بعد الظهيرة، بعدما زالت الإمبراطورية الأصلية بوقت طويل، كذلك أيضًا احتفظت بعض المناطق التي كانت سابقًا تتبع الإمبراطورية الحيثية في شمال سوريا بأجزاء من الثقافة، واللغة والديانة الحيثية؛ لدرجة أننا نشير إلى أهلها الآن بالحيثيين الجدد، الذين ازدهروا أثناء السنوات الأولى من الألفية الأولى قبل الميلاد. وبحلول وقت تدوين الكتاب المقدس، في وقت ما بين القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد وذلك وفق السلطات الدينية، كان الحيثيون الأصليون قد اختفوا منذ وقت طويل، لكن خلفاءهم، الحيثيين الجدد، كانوا مستقرِّين تمامًا في الجزء الشمالي من أرض كنعان. وما من شك في أنه كان يوجد تفاعل بينهم وبين بني إسرائيل وشعوب منطقة الشام الأخرى، مما يضمَن ذكرهم في الروايات التوراتية ويُحدِث خلطًا غير مقصود لدى المستكشفين اللاحقين الذين يبحثون عن الحيثيين الأصليين.53
بالإضافة إلى ذلك، فإنه مع بدء الأثريين في التنقيب في المواقع الحيثية وترجمتهم في نهاية المطاف للألواح الطينية العديدة التي اكتُشِفَت فيها، صار واضحًا أنهم لم يكونوا يَدعون أنفسهم بالحيثيين. كان الاسم الذي يطلقونه على أنفسهم في الواقع شيئًا قريبًا من «النيشيين» أو «النيشيانيين» نسبة إلى مدينة نيشا (التي تُعْرَف، ونُقِّب فيها حاليًّا، باسم كولتبه كانيش في إقليم كابادوكيا في تركيا). ازدهرت هذه المدينة لمائتي عام تقريبًا بصفتها مقر سلالة هندو أوروبية محلية حاكمة قبل أن يؤسس ملكٌ يُسمَّى حاتوسيلي الأول (ويعني «الرجل الذي من حاتوسا») في حوالي ١٦٥٠ق.م تقريبًا عاصمته في مكان أبعد شرقًا، في موقع جديد يحمل ذلك الاسم، حاتوسا. لا نزال في الوقت الحالي ندعوهم الحيثيين لمجرد أن ذلك الاسم أصبح مستقرًّا بشدة في الأدبيات الأكاديمية قبل أن تُترجَم الألواح التي أظهرت اسمهم الحقيقي.54
اختير موقع العاصمة الجديدة، حاتوسا، بحرص. كانت محصنة تحصينًا جيدًا وكانت في موقع جيد جغرافيًّا، بوجود وادٍ ضيقٍ يتيح منفذًا وحيدًا مؤديًا إلى المدينة، حتى إنها لم يجْر الاستيلاء عليها إلا مرتين خلال وجودها الذي دام خمسمائة سنة؛ وربما كانت المرتان على يد مجموعة مجاورة تُدعى الكاشكا. احتوى الموقع على آلاف من ألواح الطين أثناء عمليات التنقيب التي أُجريت منذ ١٩٠٦ على يد أثريِّين ألمان مثل هوجو فينكلر، وكيرت بيتل، وبيتر نيف، ويورجن سيهِر. من ضمن هذه الألواح يوجد رسائل ووثائق مما يتعيَّن أنه كان سجلات الدولة الرسمية، بالإضافة إلى قصائد، وقصص، وسجلات تاريخية، وطقوس دينية، وكل أنواع الوثائق المكتوبة الأخرى. وهي مجتمعة لا تُتيح لنا تجميع تاريخ الحكام الحيثيين وتعاملاتهم مع الشعوب والممالك الأخرى فحسب، وإنما تتيح لنا أيضًا تجميع تاريخ الأشخاص العاديِّين، بما في ذلك حياتهم اليومية ومُجتمعهم، ونظمهم العقائدية، وتشريعاتهم القانونية؛ التي يشتمل أحدها على القانون المثير للدهشة نوعًا ما الذي يقول: «إذا عض أي أحدٍ أنف شخصٍ حر، فعليه أن يدفع ٤٠ شيكلًا من الفضة»55 (يتساءل المرء فقط عن عدد المرات التي حدث فيها هذا).

تُخبرنا الألواح في مرحلة ما أن ملكًا حيثيًّا يُسمَّى مورسيلي الأول، حفيد وخلف حاتوسيلي الأول السالف ذكره، زحَف بجيشِه حتى بلاد الرافدين، وهي رحلة تزيد عن ألف ميل، وهاجم مدينة بابل سنة ١٥٩٥ق.م، محرِّقًا إياها عن بكرة أبيها ومُنهيًا سلالة حاكمة استمرَّت مائتا سنة اشتُهرت بفضل حمورابي «المُشَرِّع». وبعد ذلك، بدلًا من أن يحتل المدينة، ما كان منه إلا أن استدار بالجيش الحيثي وتوجَّه صوب الديار، منفِّذًا بذلك فعليًّا أطول اعتداء مسلَّح ثم المغادرة، في التاريخ. وكنتيجة غير مقصودة لفعله، تمكَّنت مجموعة كانت مجهولة في السابق تُدعى الكيشيين من احتلال مدينة بابل ثم حكمتها طوال القرون العديدة التالية.

بينما يُعْرَف النصف الأول من التاريخ الحيثي باسم المملكة القديمة وهو ذو شهرة مبرَّرة ترجع إلى مآثر ملوك مثل مورسيلي، فإن النصف الثاني هو الذي نحن معنيون به أكثر هنا. ازدهرت الإمبراطورية، التي عُرِفَت خلال هذه الفترة باسم الإمبراطورية الحيثية، وارتفعت حتى إلى مستويات أعلى أثناء العصر البرونزي المتأخر؛ بدءًا من القرن الخامس عشر قبل الميلاد وحتى العقود الأولى من القرن الثاني عشر قبل الميلاد. ومن بين أشهر ملوكها رجل يُسمَّى سابيليوليوما الأول، الذي سنلتقي به في الفصل التالي والذي قاد الحيثيين إلى موقع بارز في الشرق الأدنى القديم باستيلائه على قدر كبير من المناطق وتعامُله بنديَّةٍ مع فراعنة المملكة المصرية الحديثة. بل إن الأمر وصل بملكةٍ مصريةٍ كانت قد ترمَّلت حديثًا أن تطلب من سابيليوليوما أن يُرسِل لها أحد أبنائه زوجًا لها، معلنةً أنه سيَحكم مصر معها. ليس واضحًا أي ملكة كانت، أو أرملة من كانت، ولكن بعض الباحثين الخبراء يُرجِّحون أن الملكة كانت عنخ إسن آمون وأن زوجها المتوفَّى هو الملك المصري توت عنخ آمون، كما سنرى لاحقًا.

(١٠) تمرد أسوا ومكان أخياوا

لنَعُدِ الآن إلى عام ١٤٣٠ق.م تقريبًا، عندما كان الحيثيون وملكهم توداليا الأول أو الثاني يتعامل مع تحالفٍ من الدُّوَيلات المتمرِّدة. كانت هذه الدويلات تُعرف مجتمعةً باسم أسوا. وكانت تقع في شمال غرب تركيا، على ساحل مضيق الدردنيل مباشرة، حيث كانت تجري معركة جاليبولي أثناء الحرب العالمية الأولى. تُعطينا الألواح الحيثية أسماء كل هذه الدويلات الاثنتينِ والعشرين المتحالفة التي انتفضَت في تمرُّد على الحيثيين. معظم هذه الأسماء لم يَعُد يعني لنا الكثير ولا يُمكن تحديد مكان محدَّد له، فيما عدا الاسمَين الأخيرَين في القائمة: «ويلوسيا» و«تاروسيا»، اللذَين يُشار بهما على الأرجح إلى طروادة والمنطقة المحيطة بها.56
بدأ التمرُّد على ما يبدو بينما كان توداليا الأول أو الثاني وجيشه عائدَين من حملة عسكرية في غرب الأناضول. لدى سماع الأخبار، ما كان من الجيش الحيثي إلا أن استدار واتجه جهة الشمال الغربي إلى أسوا، لإخماد التمرُّد. تُخبرنا الرواية الحيثية أن توداليا بنفسه قاد الجيش وهزم التحالف الأسَوي. تُشير الروايات إلى أن عشرة آلاف جندي أسَوي، وستمائة زوج من الخيول وقادة مركباتها الحربية الأسويين، و«السكان المدحورين، وثيران، وماشية، ومتاع الأرض» أُخِذوا إلى حاتوسا أسرى وغنائم.57 من بين هؤلاء كان الملك الأسوي وابنه كوكولي، إلى جانب قلَّة آخرين من العائلة المالكة الأسوية وعائلاتهم. في نهاية المطاف، نصَّب توداليا كوكولي ملكًا على أسوا وأعاد تأسيس أسوا باعتبارها دويلة تابعة للمملكة الحيثية. ومع ذلك، تمرَّد كوكولي بعدئذٍ على الفور، فما كان من الحيثيين إلا أن هزموه ثانيةً. أُعْدِم كوكولي، ودُمِّر تحالف أسوا واختفى من على وجه الأرض. أما إرثها فما زال ماثلًا بالدرجة الأولى في الاسم المعاصر «آسيا»، ولكن ربما يكون ماثلًا أيضًا في قصة حرب طروادة؛ إذ إن الاسمين ويلوسيا وتاروسيا يتشابهان تشابهًا كبيرًا، حسبما يرى الباحثون، مع الاسمَين اللذَين كانا يطلقان في العصر البرونزي على مدينة طروادة، التي تُعرَف أيضًا باسم إليوس، والمنطقة المحيطة بها، التي تُعْرَف باسم ترواس.

وهنا يأتي دور السيف الذي عُثِر عليه في حاتوسا، وعليه نقْش لتوداليا الأول أو الثاني، لأنه، كما ذُكِر آنفًا، ليس سيفًا مصنوعًا صناعةً محلية؛ فالسيف من نوعية كانت تُستخدم أساسًا في البر الرئيسي لليونان أثناء القرن الخامس عشر قبل الميلاد. إنه سيف ميسيني (أو تقليد جيد جدًّا له). لماذا كان سيف كهذا يُستخدم في تمرُّد أسوا؟ إن هذا سؤال جيد لا نعرف إجابته؛ وهل استخدمه جندي أسوي، أم أحد المرتزقة الميسينيِّين، أم شخص مختلف تمام الاختلاف؟

توجد خمسة ألواح حيثية أخرى تذكر أسوا و/أو التمرد، إلى جانب اللوح الأساسي الذي يتضمن الرواية الأطول. أحد الألواح، على سبيل المثال، يؤكد الحدث برمته، مُبتدئًا ببساطة بعبارة «هكذا يقول … توداليا، الملك العظيم: عندما فرغتُ من تدمير أسوا وعدتُ إلى حاتوسا …»58 الأكثر إثارة للاهتمام هو رسالة مجتزأة غير كاملة على نحو مثير لكنها تنجح في ذكر ملك أسوا مرتين وتوداليا مرةً واحدةً، وتُشير أيضًا إلى حملة عسكرية، وتذكر كذلك أرض أخياوا، وملك أخياوا، وجزرًا تتبَع ملك أخياوا. الرسالة مدمَّرة وغير كاملة؛ لذا من الخطورة الخوض أكثر مما يَنبغي بشأن ظهور كلٍّ من أسوا وأخياوا في نفس النص، ولكن يبدو أنها تنمُّ عن أن أسوا وأخياوا كانتا مرتبطتَين بطريقة ما في هذا الوقت.59
اعْتُقِد لوقت طويل أن الرسالة — المعروفة باسم كيه يو بي ستة وعشرين ٩١ من إصدارها الألماني الأوَّلي — كانت مُرسَلة من ملك الحيثيين إلى ملك أخياوا، ولكن أُشير مؤخرًا إلى أنها في الواقع أُرسِلت «إلى» الملك الحيثي «من» ملك أخياوا، الأمر الذي يجعلها الرسالة الوحيدة التي يُعْثَر عليها في أي مكان مرسَلة من تلك المنطقة وذلك الملك.60 ولكن أي منطقة تلك وأي ملك هذا؟ أين تقع أخياوا؟ حيَّر هذا السؤال الباحثين الأكاديميين طوال معظم القرن الماضي، ولكن أغلب الباحثين يتفقون الآن على أنها البر الرئيسي لليونان والميسينيين، وربما كان مقرُّها في مدينة ميسيناي. الإسناد مبني على أساس نحو خمسة وعشرين لوحًا في الأرشيف الحيثي في حاتوسا يذكر أخياوا في سياق أو آخَر على مدى ثلاثمائة سنة تقريبًا (من القرن الخامس عشر إلى نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد)، والتي، بتحليلها تحليلًا شاملًا، لا يُمكن إلا أن تُشير إلى البر الرئيسي لليونان والميسينيين.61 مجدَّدًا، يجب أن نستطرد استطرادًا موجزًا، هذه المرة لنَلتقي بالميسينيين، قبل أن نتابع الحكاية.

(١١) اكتشاف الميسينيين ونظرة عامة عليهم

استرعت الحضارة الميسينية انتباه الرأي العام لأول مرةٍ منذ حوالي ١٥٠ عامًا، من منتصف القرن الثامن عشر إلى أواخره، ويرجع الفضل في ذلك إلى هاينريش شليمان؛ الذي يُطلَق عليه أبو علم الآثار الميسيني. إنه الرجل الذي يَميل علماء الآثار المُعاصِرون إلى أن يَكرهوه، ويرجع ذلك من جهة إلى طرق التنقيب البدائية التي كان يستخدمها؛ ومن جهة أخرى بسبب أنه ليس واضحًا على الإطلاق إلى أي مدًى يُمكن الوثوق فيه وفي تقاريره. بعد أعمال التنقيب التي قام بها في أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر في هيسارليك في شمال غرب الأناضول، والتي اعتبر أنها طروادة، رأى شليمان حينئذٍ أن من الملائم تمامًا له أن يعثر على الطرف الميسيني، بما أنه قد عثر على الطرف الطروادي من حرب طروادة (الأمر الذي سنُناقشه لاحقًا).

كان الوقت الذي أمضاه في العثور على ميسيناي في البر الرئيسي لليونان أهْوَن بالتأكيد من الذي قد أمضاه في العثور على طروادة في الأناضول؛ لأن أجزاءً من موقع ميسيناي القديم كانت لا تزال بارزةً فوق الأرض، بما في ذلك قمة بوابة الأسد الشهيرة، التي كانت قد اكتُشِفَت بالفعل وأُعيد بناؤها جزئيًّا قبل ذلك بعقود عديدة. قاد السكان المحليون في قرية ميكيناي المُجاوَرة شليمان بسهولة إلى الموقع عندما وصَل ليبدأ التنقيب في منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر. لم يكن لدَيه تصريحٌ بالتنقيب، لكن ذلك قطُّ لم يُوقِفه من قبل، ولم يوقفه حينئذٍ. وسرعان ما كشف عن عدد من المقابر العمودية المملوءة بالهياكل العظمية، والأسلحة، والذهب بما يفوق أعظم أحلامه. فأذاع الخبر بأن أرسل برقيةً إلى ملك اليونان، معلنًا حسبما أُفيد أنه «قد حدَّق في وجه أجاممنون.»62
بالطبع، كان شليمان — الذي كان مُخطئًا بشكل كبير حتى عندما كان مصيبًا — قد أخطأ في تحديد الفترة الزمنية التي ترجع إليها المقابر والبقايا الأثرية. فنحن حاليًّا نعرف أن هذه المقابر العمودية (التي يوجد منها دائرتان كبيرتان في ميسيناي) يرجع تاريخها إلى قرب بداية عظمة المدينة والحضارة، من ١٦٥٠ إلى ١٥٠٠ق.م، وليس إلى وقت أجاممنون وأخيل (حوالي ١٢٥٠ق.م). قد يكون قد جانَبَه الصواب بأربعة قرون، ولكنه على الأقل كان يحفر في المدينة الصحيحة. لم يكن شليمان بأي حال من الأحوال الأثري الوحيد الذي كان يُفتِّش عن آثار العصر البرونزي هذه — فباحثون آخرون، من أمثال خريستوس تسونتاس وجيمس مانات، كانوا منشغلين أيضًا بالتنقيب، وكانوا يقومون بعمل أفضل من شليمان — ولكنه كان الشخص الذي كان يحوز اهتمام العامة بسبب تصريحاتِه السابقة بشأن طروادة وحرب طروادة، كما سنرى لاحقًا.63

نقَّب شليمان في ميسيناي، وفي موقع تيرنز المُجاور وفي أماكن أخرى أيضًا، لبضعة مواسم أخرى قبل أن يعود إلى طروادة ليُجري أعمال تنقيب إضافية في عام ١٨٧٨ وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر. وحاول أيضًا أن يَحفر في كنوسوس على جزيرة كريت، ولكن لم يُحالِفه النجاح. تُرِك لآخرين، لحسنِ حظِّ مجال الآثار، أمرُ متابعة عمليات البحث بشأن الميسينيين. وكان من أعظم هؤلاء اثنان هما أمريكي من جامعة سينسيناتي يُسمَّى كارل بليجن وإنجليزي من كامبريدج يُسمَّى آلان واس. وأخيرًا وحَّد الاثنان جهودهما لوضع الأساس لتحديد هذه الحضارة ونموِّها من البداية إلى النهاية.

كان واس مسئولًا عن أعمال التنقيب البريطانية في ميسيناي لعدة عقود، مبتدئًا في عشرينيات القرن العشرين، بينما لم يُنقِّب بليجن من ١٩٣٢ إلى ١٩٣٨ في طروادة فحسب بل حفر أيضًا في بيلوس في جنوب اليونان. في بيلوس، في أول يوم لأعمال التنقيب في عام ١٩٣٩، عثر بليجن وفريقه على أول بضعة ألواح طينية مما سيتَّضح أنه أرشيف ضخم يحتوي على نصوص مكتوبة بالنظام الخطي بي.64 أوقف اندلاعُ الحرب العالمية الثانية مؤقتًا عملَهم في الموقع، ولكن في أعقاب الحرب، تُوبِعَت أعمال التنقيب في عام ١٩٥٢. في نفس العام، أثبت مهندس معماري إنجليزي يُسمَّى مايكل فينتريس بالدليل القاطع أن النظام الخطي بي كان في الواقع نسخة قديمة من اللغة اليونانية.

يستمرُّ إلى يومنا هذا ما استتبعَ ذلك من ترجمة للنصوص المكتوبة بالنظام الخطي بي التي عُثِر عليها في مواقع مثل بيلوس، وميسيناي، وتيرنز، وثيفا، بالإضافة إلى كنوسوس، وقدمت هذه الترجمة نافذة إضافية للإطلال على عالم الميسينيين. أضاف الدليل النصي إلى التفاصيل التي كانت بالفعل معروفة من أعمال التنقيب وسمح للأثريين أن يعيدوا تشكيل عالم العصر البرونزي في اليونان، تمامًا مثلما كان بمقدور زملائهم، الذين كانوا يعملون في مواقع في مصر والشرق الأدنى، أن يفعلوا في تلك البلاد، كنتيجة مترتبة على ترجمة نصوص مكتوبة باللغات المصرية، والحيثية، والأكادية. جملة القول ببساطة، أن البقايا الأثرية، إلى جانب النقوش النصية، أتاحت للباحثين المعاصِرين أن يُعيدوا تشكيل التاريخ القديم.

نحن حاليًّا نعرف أن الحضارة الميسينية بدأت بالأساس في القرن السابع عشر قبل الميلاد، في نفس الوقت تقريبًا الذي كان فيه المينويون على جزيرة كريت يتعافون من الزلزال الكارثي الذي يُميِّز (وفقًا للمصطلحات الأثرية) الانتقال من حقبة القصور الأولى إلى الثانية على الجزيرة. كان واس وبليجن هما أول من أطلَقا على الفترات الزمنية المتعاقِبة التي تخصُّ الميسينيين اسم الحقبة الهلادية المتأخِّرة، حيث تمتد الحقبتان الهلاديتان المتأخِّرتان الأولى والثانية من القرن السابع عشر وحتى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وتنقسم الحقبة الهلادية المتأخِّرة الثالثة إلى ثلاثة أقسام: الثالثة «أ» ويَرجع تاريخها إلى القرن الرابع عشر، والثالثة «ب» ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث عشر، والثالثة «ج» ويرجع تاريخها إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد.65

لا تزال الأسباب الكامنة وراء صعود الحضارة الميسينية محل نقاش بين الأثريِّين. وذهب أحد الاقتراحات الأولى إلى أنهم ساعَدُوا المصريِّين في طرد الهكسوس من مصر، ولكن هذه ليست وجهة نظر مقبولة عمومًا في يومنا هذا. إذا كانت الأغراض التي عُثِر عليها في المقابر العمودية في ميسيناي تُمثِّل أي إشارة يُعوَّل عليها في هذا الصدد، فإن بعضًا من أقدم التأثيرات في ميسيناي أتَتْ من كريت. في الواقع، زعم إيفانز أن المينويين كانوا قد غزَوا البر الرئيسي لليونان، لكن واس وبليجن نقضا لاحقًا هذا الزعم؛ وكل الباحثين يَقبلون رأيهما في وقتنا هذا. من الواضح حاليًّا أن الميسينيين عندما سيطروا على كريت، سيطروا أيضًا على طرق التجارة الدولية إلى مصر والشرق الأدنى. وأصبحوا فجأة (نسبيًّا) فاعلين في العالم المتسم بالعولمة؛ وهو دورٌ سيستمرُّون في استثماره على مدى القرون العديدة التالية، حتى نهاية العصر البرونزي المتأخِّر.

كان المصريون على ما يبدو يعرفون الميسينيين باسم «تاناجا»، بينما كان الحيثيون يطلقون عليهم اسم «أخياوا»، وعلى نفس المنوال دعاهم الكنعانيون (إن كانت النصوص في أوغاريت التي كانت تقع أبعد قليلًا جهة الشمال في سوريا تمثل أي إشارة) «خياوا»؛ أو كذلك نعتقد، حيث إن أسماء الأماكن هذه لا تُناسب أحدًا إلا الميسينيين. إذا كانت هذه الإشارات لا تخصُّ الميسينيين، فإن هذا الشعب غير معروف في نصوص المصريِّين والقوى العظمى الأخرى في العصر البرونزي المتأخِّر في الشرق الأدنى، ولكن هذا يبدو غير مرجَّح نظرًا لأعداد الآنية والأوعية الميسينية التي عُثِر عليها في تلك الأقاليم في سياقات يرجع تاريخها من القرن الرابع عشر إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد.66

(١٢) هل كانت هناك حرب طروادة أقدم؟

إذا كانت أخياوا تُمثِّل كلًّا من البر الرئيسي لليونان والميسينيين، وإذا كانت الرسالة المعروفة باسم كيه يو بي ستة وعشرين ٩١ التي عُثِر عليها في حاتوسا تُظْهِر أن أخياوا كانت متورطةً بطريقةٍ ما مع أسوا أثناء تمرُّدها على الحيثيين، إذن ماذا يُمكننا أن نستنتج؟ يرجع تاريخ الرسالة ذاتها، وكل تلك الرسائل المتعلِّقة بتمرُّد أسوا، إلى عام ١٤٣٠ق.م، قبل نحو مائتي سنة من التاريخ المقبول عمومًا لحرب طروادة (التي عادةً ما يُحدَّد تاريخها بأنه في الفترة ما بين عامَي ١٢٥٠ و١١٧٥ق.م). كل تلك البيانات المعروضة أعلاه، بما في ذلك السيف الميسيني ذي النقْش الأكادي الذي عُثِر عليه في حاتوسا، يُمكن أن تكون سلسلة من ظواهر لا صِلَة بينها. ومع ذلك، قد يكون من الممكن تأويلها على أنها تُشير إلى أن مُحاربين من منطقة إيجه في العصر البرونزي كانوا متورِّطين في تمرُّد أسوا على الحيثيين. إذا كان الأمر كذلك، يُمكِن اقتراح أن هذا كان العون الذي سُجِّل تاريخيًّا في السجلات الحيثية المعاصرة والذي استحضرَتْه، على نحوٍ أكثر غموضًا نوعًا ما، التقاليد الأدبية لليونان القديمة والكلاسيكية اللاحقة؛ ليس باعتباره حرب طروادة، وإنما باعتباره المعارك والغارات السابقة على حرب طروادة في الأناضول التي استُحضِرَت أيضًا ونُسِبَت إلى أخيل وأبطال أسطوريِّين آخيين آخرين.67
يتَّفق الباحثون حاليًّا على أنه حتى في «إلياذة» هوميروس يوجد روايات عن محاربين وأحداث من قرون تَسبق الخلفية التقليدية لحرب طروادة في عام ١٢٥٠ق.م من هذه الأمور الدرع البرجي الخاص بالمحارب أياس، وهو نوعٌ من الدروع كان قد اختفى قبل القرن الثالث عشر قبل الميلاد بوقت طويل. ويوجد أيضًا السيوف «المرصَّعة بالفضة» الخاصة بأبطال عديدين، وهو نوعٌ غالي الثمن من الأسلحة كان قد توقَّف استخدامه قبل حرب طروادة بوقت طويل. ويوجد قصة بيليرفونتيس، المروية في الكتاب السادس من «الإلياذة» (الأبيات ١٧٨–٢٤٠)، وهو بطل يُوناني من شبه المؤكَّد أنه من وقت ما قبل حرب طروادة. أرسل بروتيوس، ملك تيرنز، بيليرفونتيس من تيرنز في البر الرئيسي لليونان إلى لِيكية في الأناضول. وبعد إتمامه ثلاث مُهمات وتغلُّبه على عقبات إضافية عديدة، كوفئ في نهاية المطاف بمملكةٍ في الأناضول.68
بالإضافة إلى ذلك، تسجِّل «الإلياذة» أنه قبل زمن أخيل، وأجاممنون، وهيلين، وهيكتور بوقت طويل — في الواقع أثناء زمن لاوميدون والد بريام — دمَّر البطل اليوناني هرقل طروادة. ولم يَحتَجْ سوى ستِّ سفنٍ («الإلياذة»، الكتاب الخامس، الأبيات ٦٣٨–٦٤٢):
يقولون إنَّ هرقل المجيد، أبي، كان نوعًا آخر من الرجال، قويًّا في القتال، له قلب أسد، وجاء إلى هنا [إلى طروادة] ذات مرة طلبًا لخيول لاوميدون، ولم يكن معه سوى ستِّ سفنٍ وعددٍ أقل من الرجال، ولكنَّه دمَّر مدينة إليوس وخرب طرقاتها.69 [ترجمة المركز القومي للترجمة]
كما ذكرتُ في موضعٍ آخر، لو أراد المرء أن يبحث عن حدث تاريخي يَربطه بالتقاليد السابقة على هوميروس الخاصة بقتال المحاربين الآخيِّين على البر الرئيسي للأناضول، لكان من شأن تمرُّد أسوا، الذي جرى في حوالي ١٤٣٠ق.م، أن يبرز باعتباره واحدًا من أكبر الأحداث العسكرية في نطاق منطقة شمال غرب الأناضول ما قبل حرب طروادة، وباعتباره واحدًا من الأحداث القليلة التي يُمكن أن يُربط بها الميسينيون (الأخياويون) ربطًا مبدئيًّا عن طريق الأدلة النصية مثل الرسالة الحيثية كيه يو بي ستة وعشرين ٩١ المذكورة أعلاه. لذلك، قد يحقُّ لنا أن نتساءل عما إذا كانت هذه الواقعة هي الأساس التاريخي لحكايات الحيثيين المُزامِنة عن قتال المحاربين الميسينيين (الأخياويين) في الأناضول، والتي تولَّدت عنها القصص عن مساعي الآخيين العسكرية الأسبق، فيما قبل حرب طروادة، في البر الرئيسي للأناضول.70 وقد نتساءل أيضًا عما إذا كان هذا التمرد الوشيك، الذي ربما كان الأسويون قد أخذوا يُخطِّطون له لبعض الوقت، هو ما شكَّل أساس مبادراتهم المحتملة مع تحتمس الثالث في أواخر أربعينيات وأوائل ثلاثينيات القرن الخامس عشر قبل الميلاد.

(١٣) ملاحظات ختامية

ذات مرة قالت مؤرِّخة الفن المرموقة هيلين كانتور: «لا تُشَكِّل الأدلة التي حفظها لنا مرور الزمن سوى نسبة ضئيلة مما لا بد وأنه كان موجودًا يومًا ما. كل وعاء مستورَد … يُمثِّل عشرات من الأوعية الأخرى التي اندثرت.»71 في الواقع، معظم البضائع التي كانت تُرْسَل جيئة وذهابًا كانت على الأرجح إما عرضة للتلف — واختفَت منذئذٍ — أو كانت موادَّ خامًا حُوِّلَت على الفور إلى أغراض أخرى، مثل الأسلحة والمجوهَرات، كما أشرنا. لذلك، ربما ينبغي أن نفهم أن التجارة بين منطقة إيجه، ومصر، والشرق الأدنى خلال العصر البرونزي جرت على نطاق أكبر بمرات عديدة من الصورة التي نراها حاليًّا بمنظورِ التنقيب الأثري.

ولعلَّه ينبغي، في إطار هذا السياق، أن نستوعب الرسوم ذات الأسلوب المينوي التي كشف عنها مانفريد بيتاك في قصر تحتمس الثالث في تل الضبعة في دلتا مصر. في حين أنها ربما لا تكون بالضرورة قد رُسِمَت حسب رغبة أميرة مينوية، فمن المؤكَّد أنها دليل على مدى تدفُّق الاتصالات، والتجارة، والتأثيرات الدولية في كل جهات عالم منطقة البحر المتوسط القديم أثناء القرن الخامس عشر قبل الميلاد، لدرجة بلوغ مناطق خارجية بعيدة مثل كريت المينوية وبالعكس.

يمكننا أن نلخص هذا القرن بالقول بأنه فترة شهدت صعود الاتصالات الدولية على أساس مستدام في سائر أنحاء عالم منطقة البحر المتوسط القديم، من إيجه إلى بلاد الرافدين. بحلول ذلك الوقت، كان وجود المينويين والميسينيين في منطقة إيجه في العصر البرونزي راسخًا، وكذلك كان حال الحيثيين في الأناضول. كان الهكسوس قد طُرِدوا من مصر، وكان المصريون قد استهلُّوا ما ندعوه حاليًّا الأسرة الثامنة عشرة وفترة المملكة الحديثة.

ومع ذلك، كما سنرى لاحقًا، كان هذا فقط بداية ما سيغدو «عصرًا ذهبيًّا» للنزعة الدولية والعولمة خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد الذي تلا. فمثلًا، صعد المزيج بين السنوات العديدة التي أمضاها تحتمس الثالث في الحملات العسكرية والدبلوماسية، والتي جاءت في أعقاب بعثات حتشبسوت التجارية السِّلمية وأعمالها العسكرية الباهرة،72 بمصر إلى قمة السلطة والازدهار الدوليَّين اللذَين لم يسبق، إلا نادرًا، أن شهدهما هذا البلد من قبل. نتيجة لذلك، رسخت مصر وجودها باعتبارها واحدة من القوى العظمى طيلة ما تبقى من العصر البرونزي المتأخر، إلى جانب الحيثيين، والآشوريِّين، والكيشيين/البابليين، بالإضافة إلى أطراف فاعلة أخرى متنوعة مثل الميتانيين، والمينويين، والميسينيين، والقبارصة، والذين سنتعرض لهم بمزيد من التفصيل في الفصل التالي وما بعده.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠