الفصل الخامس

هل كانت هناك «عاصفة مثالية» من الكوارث؟

نحن أخيرًا في وضعٍ يَسمح لنا بمحاولة حلِّ اللغز الذي يشغلنا، بتجميع كل خيوط الأدلة والقرائن المختلفة المتاحة، حتى نتمكَّن من أن نحدد السبب وراء الانهيار الفجائي للنظام الدولي المستقر في العصر البرونزي المتأخِّر بعدما ظل باقيًا لقرون. ومع ذلك، يجب علينا أن نتعرض لهذا الأمر بعقل منفتح ونُطبِّق «الاستخدام العلمي للخيال»، مثلما قالت ذات مرة شخصية شيرلوك هولمز الخالدة؛ لأننا «يجب أن نوازن بين الاحتمالات ونتخيَّر الأرجح منها.»1
بدايةً، من الواضح الآن أن شعوب البحر وما يُطْلَق عليه الانهيار أو الكارثة في نهاية العصر البرونزي المتأخِّر هما موضوعان ناقشهما الباحثون كثيرًا طيلة القرن الماضي، وأنهما في أغلب الأحيان يكونان مرتبطَين في هذه النقاشات. وكان هذا صحيحًا على وجه الخصوص أثناء الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، عندما نشرت نانسي ساندرز الطبعة المنقحة من كتابها، الذي يحمل ببساطة اسم «شعوب البحر»، في عام ١٩٨٥، ونشر روبرت دروز كتابه «نهاية العصر البرونزي» في عام ١٩٩٣. كان ثمة أيضًا على الأقل مؤتمران أو حلقتان دراسيتان أكاديميتان مكرَّسَتانِ لهذَين الموضوعَين، أُقيما في عامي ١٩٩٢ و١٩٩٧، وارتبط بهما كتب وأبحاث ومؤتمرات أخرى كثيرة.2 ومع ذلك فإنه، كما أُشير في بداية هذا الكتاب، أصبحت وفرة من البيانات الجديدة متاحة في العقود القليلة الماضية، والتي يلزم أخذها في الاعتبار في فهمنا الآخذ في التطور لكلٍّ من شعوب البحر والقوى المتشابكة التي أدَّت إلى نهاية حقبة من الحضارات العظيمة التي كنا بصدد مناقشتها.3
نحن بحاجة إلى الإقرار أولًا وقبل كل شيء، كما أُشير مرارًا في الصفحات السابقة، بأنه ليس واضحًا دومًا هُوية من، أو ما، تسبَّب في الدمار في مدن وممالك وإمبراطوريات إيجه وشرق المتوسط في العصر البرونزي المتأخر. ودمار قصر نسطور في بيلوس، في حوالي ١١٨٠ق.م، لهو مثالٌ ممتاز، حيث أقرَّ مؤخَّرًا أحدُ الباحثين: «اقترح البعض أن المتسبِّبين في هذه الكارثة كانوا غزاةً من خارج المملكة، واقترح آخرون أن مُواطِني بيلوس أنفسهم ثارُوا على ملكِهم. وتظلُّ الأسباب الدقيقة غير مؤكدة.»4
ثانيًا: علينا أن نقرَّ بأنه لا يوجد حاليًّا إجماع علمي بشأن سبب أو أسباب انهيار هذه المجتمعات المتداخِلة المُتعدِّدة منذ ما يزيد قليلًا على ثلاثة آلاف عام؛ إذ يتضمَّن الجناة الذين ألقى عليهم الباحثون مؤخرًا باللائمة «هجمات من قِبَل أعداء أجانب، وانتفاضات اجتماعية، وكوارث طبيعية، وانهيار أنظمة، وتغيرات في أساليب الحرب.»5 لذا يستحقُّ منا الأمر أن نأخذ وقتًا في إعادة النظر، كما فعل الباحثون طيلة قرابة الثمانين عامًا الماضية، بشأن ما يُمكن أن يكون الأسباب المحتمَلة لذلك. ومع ذلك فعند قيامنا بذلك، ينبغي أن ننظر بموضوعية في الأدلة المتاحة التي تدعم أو تعجز عن دعم كل احتمال من الاحتمالات المفترضة.

(١) الزلازل

على سبيل المثال، ظلَّت الفكرةُ القائلةُ بأن الزلازل تسبَّبت، أو ربما تكون قد ساهمت، في تدمير بعض من مدن العصر البرونزي المتأخر؛ مطروحةً منذ أيام كلود شايفر، المنقِّب الأول عن أوغاريت. اعتقد شايفر أن زلزالًا تسبَّب في التدمير النهائي للمدينة، لأنه وجد دلائل منظورة على أن زلزالًا قد ضرب المدينة في الماضي البعيد. على سبيل المثال، تُظهر صور من عمليات التنقيب التي قام بها شايفر جدرانًا حجرية طويلة منهارة على نحو مُنتظم، وهي إحدى السمات المميِّزة للأضرار الناجمة عن الزلزال.6
ومع ذلك، فإن التفكير الحالي في الموضوع يُحدِّد تاريخ هذا الزلزال في أوغاريت على أنه عام ١٢٥٠ق.م أو بعد ذلك بقليل. علاوةً على ذلك، بسبب وجود علامات على أنشطة ترميم في العقود الممتدَّة ما بين الزلزال والزوال النهائي للمدينة، يُعتقَد حاليًّا أن الزلزال ألحق أضرارًا بالمدينة فحسب ولم يُدمِّرها تدميرًا كاملًا.7
من المسلَّم به أنه غالبًا ما يكون من الصعب التمييز بين مدينة دُمِّرَت جراء زلزال ومدينة دُمِّرَت على يد البشر والحرب. ومع ذلك، يوجد العديد من العلامات التي تميِّز زلزالًا مدمرًا والتي يُمكن أن يلاحظها الأثريُّون أثناء عمليات التنقيب. هذه العلامات تشمَل الجدران المنهارة، أو المُرمَّمة، أو المدعَّمة؛ والهياكل العَظمية المهشَّمة، أو الأجساد التي يُعثَر عليها ملقاة تحت أنقاض؛ والأعمدة الساقطة المطروحة موازيًا بعضها بعضًا؛ وأحجار الزاوية المزاحة في الأروقة المعمَّدة والمداخل؛ والجدران المائلة بزوايا مُستحيلة أو المزاحة عن وضعها الأصلي.8 على النقيض، فإنَّ مدينة دُمِّرَت أثناء حرب سوف تحتوي عادةً على أسلحة من مختلف الأنواع في نطاق حطام التدمير. في موقع أفيق، في إسرائيل، على سبيل المثال، الذي دُمِّر قرب نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد، عثَر المُنقِّبون على رءوس سهام عالقة في جدران المباني، مثلما هو الحال في طروادة ٧إيه.9
بفضل الأبحاث التي أجراها مؤخرًا علماء الزلازل الأثرية، بات من الواضح الآن أن اليونان، وكذلك مساحة كبيرة من بقية منطقتَي إيجه وشرق المتوسط، كانت قد ضربتها سلسلة من الزلازل، التي بدأت من ١٢٢٥ق.م واستمرَّت طيلة خمسين عامًا، حتى ١١٧٥ق.م لم يكن الزلزال في أوغاريت، الذي تعرَّف عليه ووصفه شايفر، حدثًا منعزلًا؛ وإنما كان مجرَّد واحد من زلازل كثيرة مثله وقعَت أثناء هذه الفترة الزمنية. تُعْرَف الآن هذه النوعية من سلاسل الزلازل التي وقعت في العصور القديمة باسم «عاصفة الزلازل»، والتي فيها يستمر صدع زلزالي في «الانحلال» بإطلاق سلسلة من الزلازل على مدى سنوات أو عقود حتى يتحرَّر الضغط بكامله على امتداد خط الصدع.10
في منطقة إيجه، من المحتمَل أن تكون الزلازل أثناء هذه الفترة الزمنية قد ضربَت ميسيناي، وتيرنز، ومَيْديا، وثيفا، وبيلوس، وكينوس، وليفكاندي، ومينيلايون، وكاستاناس في مناطق ثيسالي، وكوراكو، وبروفيتيس إلياس، وجلا. في شرق المتوسط، يُمكن أيضًا رؤية الضرر الزلزالي الذي يَرجع إلى هذه الفترة في مواقع عديدة، تشمل طروادة، وكراوجلان، وحاتوسا في الأناضول؛ وأوغاريت، ومجدو، وأشدود، وعكا في الشام؛ وإنكومي على جزيرة قبرص.11
ومثلما يُقْتَل أُناسٌ أثناء انهيار المباني ويُدْفَنون تحت الأنقاض عندما يضرب زلزالٌ منطقة مأهولة بالسكان في وقتنا الحالي، كذلك أيضًا عُثِر على جثث ما لا يقل عن تسعة عشر شخصًا قُتِلوا في هذه الزلازل القديمة أثناء عمليات التنقيب في مدن العصر البرونزي المتأخر المُدَمَّرة. في ميسيناي، على سبيل المثال، عُثِر على الهياكل العظمية لثلاثة بالغين وطفل في قبو منزل على بُعدِ مائتَي متر شمال القلعة، حيث كانوا قد سُحِقوا تحت الأحجار الساقطة أثناء أحد الزلازل. وبالمثل، في منزلٍ بُني على المنحدر الغربي للتل شمال مقبرة كنز أتريوس، عُثِر على الهيكل العَظمي لامرأة في منتصَف العمر، كانت جمجمتها قد سُحِقَت جراء حجر ساقط، في المدخل بين الحجرة الرئيسية والحجرة الأمامية. في تيرنز، عُثِر على الهيكلين العظميَّين لامرأة وطفل مدفونَين جراء انهيار جدران المبنى إكس داخل الأكروبوليس؛ وعُثِر على هيكلين عظميَّين بشريَّين آخرين بالقرب من جدران التحصين، حيث قُتِلا ثم غطتهما أنقاض مُتساقِطة من الجدران. بالمثل، في ميديا القريبة، عُثِر على هياكل عظمية أخرى، من بينها الهيكل العظمي لامرأة شابة في حجرة بالقرب من البوابة الشرقية، والتي سُحِقَت جمجمتها وعمودها الفقري تحت الحجارة الساقطة.12
ومع ذلك، علينا أن نُسَلِّم بأنه بالرغم من أن هذه الزلازل تسبَّبت بلا شك في أضرار جسيمة، فمن غير المرجح أنها كانت كافية وحدها في أن تتسبَّب في الانهيار الكامل للمجتمع، وخاصة لأنه من الواضح أن الناس عادوا للاستقرار في بعض المواقع وأُعيد بناؤها على الأقل جزئيًّا فيما بعد. هكذا كان الحال في ميسيناي وتيرنز، على سبيل المثال، مع أنهما لم يعودا مطلقًا بالمستوى الذي كانا قد وصلا إليه قبيل التدمير.13 لذلك، علينا أن نَلتمِس في مكانٍ آخر تفسيرًا مختلفًا، أو ربما مكملًا، لانقضاء العصر البرونزي المتأخِّر في منطقتَي إيجه وشرق المتوسط.

(٢) التغير المناخي، والجفاف، والمجاعة

أحد الاقتراحات التي يُفضِّلها الباحثون — وخاصة أولئك الذين لا يسعون فحسب إلى تفسير نهاية العصر البرونزي المتأخِّر بل أيضًا إلى تفسير سبب بدء شعوب البحر لهجراتها — هو التغيُّر المناخي، لا سيما التغير المناخي المتمثل في الجفاف، المؤدي إلى المجاعة. على الرغم من أن النظريات التي صاغها علماء الآثار غالبًا ما تعكس الحقبة، أو العقد، أو حتى السنة التي يَنشرون فيها، فإن تلك الفرضيات المتعلِّقة بآثار التغيُّر المناخي المحتمل في نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد تَسبقُ بعقود عديدة انشغالنا الحالي بالتغير المناخي.

على سبيل المثال، كان الجفاف منذ وقت طويل هو التفسير المفضل للباحثين السابقين لانتقال شعوب البحر خارج أقاليم غرب المتوسط إلى الأراضي الواقعة جهة الشرق. وافترضُوا أن جفافًا في شمال أوروبا قد أجبر السكان على النزوح إلى منطقة البحر المتوسط، حيث أزاح سكان صقلية، وسردينيا، وإيطاليا، وربما أيضًا أولئك الذين كانوا يسكنون منطقة إيجه. إن كان ذلك حدث، فربما يكون قد أشعل شرارة سلسلة من التفاعلات التي تُوِّجَت بانتقال شعوب البحر بعيدًا في منطقة شرق المتوسط. فيما يتعلق بالأمثلة على موجات الجفاف التي تسبَّبت في بدء عمليات نزوحٍ بشَريٍّ واسعة النطاق، ليس على المرء إلَّا أن يعود بذاكرته إلى الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن العشرين والجفاف الذي تسبَّب في «قصعة الغبار» الشهيرة، التي أدَّت إلى نزوح كبير لعائلات من أوكلاهوما وتكساس إلى كاليفورنيا.

يُشار إلى هذا النوع من النزوح في كثير من الأحيان باسم «الدفع والجذب»، حيث تدفع الظروف السلبية في المناطق الأصلية السكان خارجها وتُغري، أو تجذب، الظروف الإيجابية في مناطق الوجهة المقصودة النازحين الجدد في ذلك الاتجاه. وكما أوضح عالم الآثار البريطاني جاي ميدلتون، يُمكن أن يُضاف إلى هذَين التصنيفين أمران آخران هما «البقاء» و«القدرة»؛ العوامل التي تُسهم في الرغبة في البقاء في الديار في نهاية الأمر، والعوامل المتعلِّقة بالقدرة على النزوح بالفعل، والتي تَشمل الدراية بالإبحار، والطرق التي يُمكن سلكُها، وما إلى ذلك.14
ربما تكون أشهر الحجج، التي تصبُّ في صالح أن حدوث جفاف كان عاملًا مؤثرًا في زوال العصر البرونزي المتأخِّر في منطقة إيجه، قد طُرِحَت بالكامل منذ خمسين عامًا، في منتصَف ستينيات القرن العشرين، بواسطة ريس كاربنتر، الذي كان أستاذًا في علم الآثار بكلية برين ماور. نشر كاربنتر كتابًا موجزًا جدًّا ولكنه مؤثر للغاية ذهب فيه إلى أن الحضارة الميسينية سقطت بفعل جفاف طويل أثَّر تأثيرًا بالغًا على منطقتي البحر المتوسط وإيجه. واستند في حججه على ما بدا أنه انخفاض جذري نوعًا ما في عدد السكان على البر الرئيسي لليونان تبع نهاية العصر البرونزي.15
إلا أن البحوث الأثرية وعمليات التنقيب اللاحقة أظهَرَت أن انخفاض عدد السكان لم يكن جذريًّا بقدر ما اعتقد كاربنتر. وإنما حدث انتقال للسكان إلى مناطق أخرى في اليونان أثناء العصر الحديدي، وهو الأمر الذي ربما لم يكن له صلة تُذْكَر بجفاف محتمل؛ ومن ثَمَّ نُحِّيَت الآن جانبًا نظرية كاربنتر المُبتكَرة، رغم أنه ربما ينبغي إحياؤها من جديدٍ في ضوء البيانات الجديدة (انظر ما يلي).16
نترك الحديث عن الجفاف قليلًا، ونتحول إلى المجاعة، ويمكننا أن نلاحظ أن الباحثين أشاروا منذ وقت طويل إلى النصوص المكتوبة التي تتحدَّث بوضوح عن مجاعات وعن الحاجة إلى الحبوب في الإمبراطورية الحيثية وفي أماكن أخرى في شرق المتوسط في نهاية العصر البرونزي.17 وأيضًا أشاروا عن صوابٍ إلى أن حدوث المجاعة في هذه المنطقة لم يكن مُقتصِرًا على الأعوام الأخيرة من العصر البرونزي المتأخر.
فمثلًا، قبل ذلك بعقود، أثناء منتصف القرن الثالث عشر قبل الميلاد، كتبت ملكة حيثية إلى الفرعون المصري رمسيس الثاني مصرحةً: «ليس لديَّ حبوب في بلادي.» بعد ذلك بوقت قصير، ربما في خطوة ذات صلة، أرسل الحيثيون بعثة تجارية إلى مصر للحصول على الشعير والقمح لشحنهما والعودة بهما إلى الأناضول.18 أيضًا يؤكد نقش للفرعون المصري مرنبتاح صرح فيه قائلًا: «جعلت الحبوب تؤخذ في السفن، لإبقاء أهل بلاد خاتي على قيد الحياة.» حدوث مجاعة في بلاد الحيثيين قبيل نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد.19 وتشهد مراسلات أخرى مرسلة من عاصمة الحيثيين على الأزمة الجارية أثناء العقود التالية، وتشمل هذه المراسلات رسالة يسأل فيها الكاتب بطريقة بلاغية: «هل تعلم أنه كان ثمة مجاعة أَلَمَّت ببلادي؟»20
تتعلَّق بعض الرسائل التي عُثِر عليها في أوغاريت بالشحن الفوري لكميات كبيرة من الحبوب إلى الحيثيين. وتتعلَّق رسالة خطية رسمية، مرسلة من ملك الحيثيين إلى ملك أوغاريت، تحديدًا بشحنة من ألفَي وحدة من الشعير (أو ببساطة الحبوب). يختم ملك الحيثيين رسالته بطريقة مؤثرة مصرحًا: «إنها مسألة حياة أو موت!»21 وبالمثل تتعلَّق رسالة أخرى بشحن الحبوب، ولكنها أيضًا تطلب بالإضافة إلى ذلك إرسال قوارب كثيرة. قاد هذا المنقبون الأوائل إلى افتراض أنها كانت رد فعل لغارات شعوب البحر، وربما كانت كذلك أو لا.22 بل إن آخر ملوك أوغاريت، أمورابي، تلقَّى رسائل عديدة من الملك الحيثي سابيليوليوما الثاني في أوائل القرن الثاني عشر قبل الميلاد، من بينها رسالة فيها تأنيب له على التأخر في إرسال شحنة ضرورية للغاية من الغذاء إلى بلاد الحيثيين في وقت ما في السنوات التي سبقَت مباشرةً عمليات التدمير النهائية.23
كان إيتامار سِنجر من جامعة تل أبيب مُقتنعًا بأن مدى المجاعة أثناء الأعوام الأخيرة من القرن الثالث عشر والعقود الأولى من القرن الثاني عشر قبل الميلاد كان غير مسبوق، وأنها أحدثت تأثيرًا في مناطق أكثر بكثير من مجرَّد منطقة الأناضول. وحسب تقديره، تشير الأدلة النصية وكذلك الأثرية إلى أن «التغيرات المناخية العنيفة أثرت على سائر منطقة شرق المتوسط قرب نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد.»24 وربما كان مصيبًا؛ لأن إحدى الرسائل التي عُثِر عليها في منزل أورتينو في أوغاريت في شمال سوريا تشير إلى مجاعةٍ اجتاحت مدينة إيمار في الداخل السوري في الوقت الذي دُمِّرَت فيه في ١١٨٥ق.م تقول السطور ذات الصلة في هذه الرسالة، التي أرسلها على ما يبدو شخص من شركة أورتينو التجارية التي كان مقرُّها في تلك المدينة: «يوجد مجاعة في منزلك [يقصد منزلنا]؛ وسنموت جميعنا جوعًا. إذا لم تَصِل إلى هنا سريعًا، فسنموت نحن أنفسنا من الجوع. لن ترى نفسًا حيةً من بلادك.»25
ويبدو أن أوغاريت نفسها لم تكن بمنأى عن ذلك؛ إذ إن رسالة من مرنبتاح عُثِر عليها في منزل أورتينو تذكر تحديدًا «شِحْنات الحبوب المرسلة من مصر للتخفيف من المجاعة في أوغاريت»26 وكتب أحد ملوك أوغاريت إلى مُراسَل غير محدَّد، ولكنه ربما كان من العائلة الملكية أو شخصًا رفيع المستوى، يقول: «معي [هنا]، الوفرة [تحوَّلت إلى] مجاعة.»27 يوجد أيضًا نص من ملك صور، الواقعة على المنطقة الساحلية لما يُعرَف حاليًّا بلبنان، إلى ملك أوغاريت. تبلغ الرسالة الملك الأوغاريتي بأن سفينتَه، التي كانت في طريق عودتها من مصر محملة بالحبوب، قد عَلِقَت في عاصفة: «سفينتك التي أرسلتها إلى مصر، قضت نحبها [تحطمت] في عاصفة عاتية بالقرب من صور. استُعيدَت السفينة وأخذ مسئول [أو ربان] الإنقاذ كل الحبوب من جِرارها، ولكني أخذت كل حبوبهم، وكل رجالهم، وكل مُتعلقاتهم من مسئول [أو ربان] الإنقاذ، وأعدتُ [كل شيء] إليهم. و[الآن] تتلقَّى سفينتك الرعاية في عكا، بدون حمولة.» بعبارة أخرى، إما أن السفينة كانت قد التمست ملاذًا وإما أن حمولتها قد أُنقِذَت بنجاح. في كلتا الحالتين، كان طاقم السفينة والحبوب التي كانت تحملها في مأمن وفي انتظار أوامر الملك الأوغاريتي.28 ويبدو أن السفينة نفسها كانت راسية في ميناء مدينة عكا، حيث يُمكن للمرء في زمننا الحالي أن يجلس في مطعم لطيف على شاطئ البحر ويتخيَّل الأنشطة الصاخبة التي كانت تجري هناك منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.
ولكن لا يزال غير مؤكد العامل، أو توليفات العوامل، التي يُمكن أن تكون قد تسببت في المجاعة (أو المجاعات) في شرق المتوسط أثناء هذه العقود. تتضمن العناصر التي يمكن النظر فيها الحرب وأوبئة الحشرات، ولكنَّ ثمة احتمالًا كبيرًا في أن يكون التغير المناخي المصحوب بالجفاف قد حوَّل بلادًا كانت ذات يوم خصيبة وارفة إلى منطقة شبه صحراوية قاحلة. غير أنه حتى وقت قريب، لم يكن ثمة أدلة محتملة على التغيُّر المناخي أو الجفاف سوى الوثائق النصية الأوغاريتية والشرق متوسطية الأخرى التي تتضمن تقارير عن المجاعة، وحتى تلك الأدلة لم تكن مباشرة. نتيجة لذلك، ظلت المسألة لعقود محل جدل من حين لآخر بين الباحثين.29
غير أن الموضوع استمدَّ مؤخرًا زخمًا جديدًا نتيجة لاكتشافات نشرها فريقٌ دوليٌّ من الباحثين، يضم ديفيد كانيوسكي وإليز فان كامبو من جامعة تولوز في فرنسا وهارفي وايس من جامعة ييل، الذين يقترحون أنهم ربما يكون لديهم أدلةٌ علميةٌ مباشرةٌ على التغيُّر المناخي والجفاف في إقليم البحر المتوسط في نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الثاني عشر قبل الميلاد؛ إذ إن بحثهم، الذي كان يقترح في البداية أن انتهاء العصر البرونزي المبكِّر في بلاد الرافدين، قرب نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد، ربما نتج عن تغيُّر مناخي، قد توسَّع حاليًّا ليقترح أن نفس الأمر يُمكن أن يكون قد حدث في نهاية العصر البرونزي المتأخِّر أيضًا.30
باستخدام بيانات من موقع تل تويني (جيبالا القديمة) في شمال سوريا، أشار الفريق إلى أنه ربما كان ثمة «عدم استقرار في المناخ وفترة من الجفاف الشديد» في المنطقة في نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد.31 بالتحديد، درسوا حبوب لقاح مأخوذة من رواسب طمْي بالقرب من الموقع، تدل على أن «ظروفًا مناخية أكثر جفافًا حدثت في حزام سوريا المتوسِّطي من أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الثاني عشر قبل الميلاد وحتى القرن التاسع قبل الميلاد.»32
كذلك نشر فريق كانيوسكي مؤخَّرًا أدلةً إضافية على جفاف محتمَل في قبرص في نفس هذا الوقت، باستخدام تحليل حبوب لقاح مأخوذة من نظام البحيرات الشاطئية المعروف باسم «مجمع بحيرات لارناكا الملحية»، الواقع عند موقع تكية هالة سلطان.33 تشير بياناتهم إلى أن «تغيرات بيئية كبرى» وقعت في هذه المنطقة أثناء نهاية العصر البرونزي المتأخر وبداية العصر الحديدي، أي أثناء الفترة من ١٢٠٠ إلى ٨٥٠ق.م في هذا الوقت، المنطقة الواقعة حول موقع تكية هالة سلطان، الذي كان في السابق ميناءً قبرصيًّا رئيسيًّا في العصر البرونزي المتأخر «تحولت إلى مشهد أكثر جفافًا [و] من المحتمل أن هطول الأمطار والمياه الجوفية أصبحا غير كافيَين للحفاظ على زراعة مستدامة في هذا المكان.»34
إذا كان كانيوسكي وفريقه على صواب، فقد حصلوا على الأدلة العلمية المباشرة التي كان الباحثون يسعون إليها على أن الجفاف يُمكن أن يكون قد أسهم في نهاية العصر البرونزي المتأخِّر. لقد خلصُوا، في الواقع، إلى أن البيانات المأخوذة من كلٍّ من ساحل سوريا وساحل قبرص تشير بقوة إلى أن «أزمة العصر البرونزي المتأخر تزامنت مع بداية حدوث جفاف استمر طيلة ما يقرب من ٣٠٠ عام منذ ٣٢٠٠ عامٍ مضت. تسبب هذا التحوُّل المناخي في تلف المحاصيل، ونقص الغذاء والمجاعة، مما عَجَّل أو سَرَّع من الأزمات الاجتماعية الاقتصادية وفرض نزوحًا بشريًّا إقليميًّا في نهاية العصر البرونزي المتأخر في شرق المتوسط وجنوب غرب آسيا.»35
قدم براندون دريك من جامعة نيو مكسيكو، الذي يَعمل بشكلٍ مُستقل، بياناتٍ علميةً إضافية تُمثِّل إضافةً إلى بيانات كانيوسكي وفريقه. وهو يستشهد في بحثه المنشور في دورية «جورنال أوف أركيولوجيكال ساينس» بثلاثة خيوط إضافية من الأدلة تدعم كلها الرأي القائل بأن العصر الحديدي المبكر كان أكثر جفافًا من العصر البرونزي السابق عليه. أولًا: تدل بيانات نظائر الأكسجين من الرواسب المعدنية (الترسبات الكهفية) داخل مغارة سوريك في شمال إسرائيل على حدوث معدَّل هطول أمطار سنوي مُنخفِض أثناء الفترة الانتقالية من العصر البرونزي إلى العصر الحديدي. ثانيًا: يتبيَّن من بيانات النظائر المستقرة للكربون في عينات لبِّ حبوب اللقاح من بحيرة فولكاريا في غرب اليونان أن النباتات كانت تتأقلَم مع بيئات جافة في هذا الوقت. ثالثًا: تكشف عينات رسوبية من البحر المتوسط عن حدوث انخفاض في درجة حرارة سطح البحر، الأمر الذي يُمكن أن يكون قد تسبَّب بدوره في انخفاض في هطول الأمطار على البر (عن طريق تقليل الفارق الحراري بين البر والبحر)36 ويشير إلى أنه بالرغم من أنه «من الصعب أن نُحدِّد مباشرةً فترة زمنية معيَّنة ازداد فيها المناخ جفافًا»، فإن التغيُّر قد حدث على الأرجح قبل ١٢٥٠–١١٩٧ق.م،37 وهي بالضبط الفترة الزمنية التي نحن بصدد مناقشتِها هنا.
ويشير أيضًا إلى أنه لم يحدث ارتفاع حاد فحسب في درجات حرارة نصف الكرة الأرضية الشمالي مباشرة قبل انهيار مراكز القصور الميسينية، الأمر الذي يُحتمَل أنه تسبب في موجات جفاف، وإنما حدَثَ أيضًا انخفاضٌ حادٌّ في درجة الحرارة أثناء هجر هذه المراكز، مما يعني أن المناخ أصبح أكثر حرارة أولًا ثم صار فجأة أكثر برودة، وهو ما نتج عنه «ظروف أكثر برودة وجفافًا أثناء العصور المظلمة اليونانية.» وعلى حدِّ قول دريك، فإن هذه التغيُّرات المناخية، بما فيها الانخفاض في درجة حرارة سطح البحر المتوسط قبل ١١٩٠ق.م الذي نتج عنه هطول أقل للأمطار (أو الجليد)، يمكن أن تكون قد أثرت تأثيرًا جذريًّا على مراكز القصور، وخاصة تلك التي كانت مُعتمِدة على مستويات مُرتفِعة من الإنتاجية الزراعية، مثلما في اليونان الميسينية.38
حاليًّا أضاف إسرائيل فنكلشتاين ودافنا لانجوت من جامعة تل أبيب، بالاشتراك مع توماس ليت من جامعة بون في ألمانيا، بيانات إضافية إلى الصورة. إنهم يُشيرون إلى أن جسيمات حبوب اللقاح الأحفورية من عينة لب بطول عشرين مترًا استُخرجت من رواسب في قاع بحر الجليل تدل هي الأخرى على فترة من الجفاف الشديد تبدأ من حوالي ١٢٥٠ق.م في جنوب الشام. وقَدَّمت عينة لب ثانية استُخرجت من الشاطئ الغربي للبحر الميت نتائجَ مُماثلة، ولكن العينتَين تدلَّان أيضًا على أن الجفاف في هذه المنطقة ربما يكون قد انتهى بالفعل بحلول حوالي عام ١١٠٠ق.م، مما سمح باستئناف الحياة في المنطقة، وإن كان يُحتمل أن يكون ذلك قد حدث عن طريق استقرار أناس جدد.39
مع ذلك، ومع كون هذه الاكتشافات مثيرة للاهتمام بالفعل، علينا في هذه المرحلة أن نقر أيضًا بأن موجات الجفاف كانت متكرِّرة في هذه المنطقة عبر التاريخ، وأنها لم تتسبَّب دومًا في انهيار الحضارات. مجدَّدًا يبدو أن عوامل التغير المناخي، والجفاف، والمجاعة، حتى وإن «أحدثت توترات اجتماعية وأدَّت في نهاية الأمر إلى التنافس على الموارد المحدودة»، فإنها في حدِّ ذاتها ليست كافية لأن تكون هي التي تسبَّبت في نهاية العصر البرونزي المتأخِّر من دون أن تكون عوامل أخرى قد تدخَّلت، حسبما يحرص دريك على أن يُوضِّح.40

(٣) التمرد الداخلي

اقترح بعض الباحثين أن أعمال تمرُّد داخلية يُمكن أن تكون قد أسهمت في الاضطراب الذي حدث قرب نهاية العصر البرونزي المتأخِّر. يُمكن أن يكون فتيل أعمال التمرُّد هذه قد أُشْعِل بسبب المجاعة، التي تسبَّب فيها الجفاف أو غير ذلك، أو الزلازل أو كوارث طبيعية أخرى، أو حتى قطْع طرُق التجارة الدولية، فيُمكن لأيٍّ من هذه العوامل أو كلها أن تكون قد أحدثت تأثيرًا جذريًّا على الاقتصاد في المناطق المتضرِّرة وأن تكون قد قادَت الفلاحين غير الراضين أو الطبقات الدنيا إلى التمرُّد على الطبقة الحاكمة، في ثورةٍ أشبه بتلك التي جرَت عام ١٩١٧ في روسيا القيصرية.41
يُمكن اللجوء إلى هذا السيناريو لتفسير التدمير الملحوظ، على سبيل المثال، في حاصور في كنعان، حيث لا يُوجد دليل على وقوعِ زلازل، ولا يوجد دليل محدد على حروب أو غزاة. وعلى الرغم من أن يادين وبن تور، وهما من المنقِّبين الرئيسيين في الموقع، اقترحا كلاهما حدوث تدمير ناتج عن حرب، ربما يكون قد شنَّها الإسرائيليُّون، فإن المديرة المشاركة في عمليات التنقيب الحالية، شارون زوكرمان من الجامعة العبرية في القدس، قد اقترحَت مؤخَّرًا أن تدمير الطبقة الأولى ١إيه في حاصور، الذي يرجع تاريخه إلى وقت ما بين عام ١٢٣٠ والعقود الأولى للقرن الثاني عشر قبل الميلاد، نتج عن تمرد داخلي لسكان المدينة، وليس عن غزو قامت به شعوب خارجية. وحسبما تصرح ببساطة: «ليس ثمَّة دليلٌ أثريٌّ على حرب، مثل ضحايا بشرية أو أسلحة، في أي مكان في الموقع … إن الاعتقاد بأن التدمير النهائيَّ لمدينة حاصور في العصر البرونزي المتأخِّر كان نتيجة هجوم فجائي غير متوقَّع على مملكة قوية مزدهِرة لا يتَّفقُ مع الأدلة الأثرية.»42 وتقترح بدلًا من ذلك أن «التصور القائل بأن صراعات داخلية متصاعِدة وحالة من الانحدار التدريجي، انتهت بهجوم نهائي على البؤر السياسية والدينية الكبرى لنخبة المدينة، يقدم الإطار البديل الأكثر معقولية لتفسير تدمير حاصور والنزوح منها.»43

على الرغم من أنه ليس ثمة شكٌّ في عمليات التدمير الملحوظة في مراكز قصور ميسينية ومدن كنعانية متعددة، فإنه، بصراحة، لا يوجد طريقة للتكهن بما إذا كان فلاحون متمردون هم المسئولون. ومع ذلك تظل هذه فرضية معقولة، ولكنها تفتقر إلى إثبات. ونقول مجددًا إن حضارات كثيرة قد نجت بنجاح من أعمال تمرد داخلية، بل إنها غالبًا ما تَزدهر في ظل نظام جديد؛ لذلك فإن فرضية أعمال التمرد الداخلية في حد ذاتها ليست كافية لأن تكون مسئولة عن انهيار حضارات العصر البرونزي المتأخر في منطقتَي إيجه وشرق المتوسط.

(٤) غزاة (مُحتمَلون) وانهيار التجارة الدولية

من ضمن الأحداث التي يُمكن أن تكون قد قادَت إلى تمرُّد داخلي، ألقينا لمحة سريعة على مشهد قطع غزاة خارجيين لطرق التجارة الدولية وإرباك اقتصاديات هشَّة ربما كانت مُعتمِدة اعتمادًا مفرطًا على المواد الخام الأجنبية. وقد تكون مقارنةُ كارول بيل بين الأهمية الاستراتيجية للقصدير في العصر البرونزي والأهمية الاستراتيجية للنفط الخام في عالَمنا المعاصر؛ مقارنةً في محلِّها فيما يتعلَّق بهذا الوضع الافتراضي.44

ومع ذلك، حتى وإن لم تكن النتيجة هي تمرُّد داخلي، فإن قطْع طرقِ التجارة يُمكن أن يكون قد أثر تأثيرًا شديدًا وفوريًّا على ممالك ميسينية مثل بيلوس، وتيرنز، وميسيناي، التي كانت تحتاج إلى استيراد كلٍّ من النحاس والقصدير لإنتاج البرونز، والتي يبدو أنها كانت تستورد كميات هائلة من مواد خام إضافية أيضًا، منها الذهب، والعاج، والزجاج، وخشب الأبنوس، والراتِينَج التَّرَبَنْتِيني المستخدَم في صنع العطور. وبينما يمكن لكوارث طبيعية مثل الزلازل أن تتسبَّب في تعطيلٍ مؤقَّت للتجارة، الأمر الذي يُمكن أن يؤدِّيَ إلى ارتفاع الأسعار وربما إلى ما ندعوه اليوم بالتضخُّم، فمن المرجح أن تكون تعطيلات أكثر استدامة قد نتجت عن استهداف غزاة خارجيين للمناطق المتضرِّرة، ولكن من كان هؤلاء الغزاة؟ أم أننا سنلجأ هنا إلى استحضار شعوب البحر؟

وبدلًا من شعوب البحر، اعتقد اليونانيُّون القدماء، من مؤرِّخين مثل هيرودوت وثوسيديديس في أثينا في القرن الخامس ق.م وحتى الرحالة باوسانياس الأحدث عهدًا بكثير، أن مجموعة تُعرف باسم الدُّوريِّين قد أتَت غازيةً من الشمال في نهاية العصر البرونزي، مُستهلةً بذلك العصر الحديدي.45 هذه الفكرة كانت يومًا ما محل كثير من النقاش بين أوساط الأثريِّين والمؤرِّخين القدماء في إيجه في العصر البرونزي؛ إذ كان من بين اعتباراتهم نوع جديد من الأواني الفخارية يُسمَّى «الأواني اليدوية المصقولة» أو «الأواني البربرية». ومع ذلك، بات واضحًا في العقود الأخيرة أنه لم يَحدُث غزو من هذا النوع من الشمال في هذا الوقت ولا يوجد سبب يَدعُونا إلى قبول فكرة أن «غزوًا دُوريًّا» قضى على الحضارة الميسينية. وبصرف النظر عن تراث اليونانيِّين القدماء اللاحقين، من الواضح أن الدُّوريين لم يكن لهم أي علاقة بالانهيار الذي حدَث في نهاية العصر البرونزي المتأخِّر وأنهم لم يَدخُلوا اليونان إلا بعد وقت طويل من وقوع تلك الأحداث.46
إضافة إلى ذلك، تُشير دراسات أُجريت مؤخرًا إلى أنه حتى أثناء انحدار العالم الميسيني وفي الأعوام الأولى من العصر الحديدي التالي، ربما كان البر الرئيسي لليونان لا يزال محافظًا على صلاته التجارية مع شرق المتوسط. غير أنه من المحتمَل أن هذه الصلات لم تعدْ حينئذٍ تحت سيطرة طبقات النخبة التي كانت تسكن قبل ذلك قصور العصر البرونزي.47

على الجانب الآخر، لدينا في شمال سوريا وثائق عديدة تشهَد بحقيقة أن غزاة من البحر هاجموا أوغاريت أثناء هذه الفترة الزمنية. وعلى الرغم من قلَّة ما لدينا من أدلة ثابتة بشأن أصول هؤلاء الغزاة، ليس بوسعنا إغفال أنه كان من بينهم شعوب البحر. إضافة إلى ذلك، أشار باحثون مؤخَّرًا إلى أن كثيرًا من دويلات المدن في شرق المتوسط، وأوغاريت تحديدًا، ربما تكون قد تضرَّرت تضررًا بالغًا جراء انهيار طرق التجارة الدولية، التي ربما كانت عرضة لأعمال نهب من الغزاة القادِمين من البحر.

اقترح إيتامار سِنجر، على سبيل المثال، أن سقوط أوغاريت ربما كان راجعًا إلى «الانهيار المفاجئ للهياكل التقليدية للتجارة الدولية، التي كانت تُمثِّل شريان الحياة للاقتصاد الأوغاريتي الذي كان آخذًا في الازدهار في العصر البرونزي.» وضع كريستوفر مونرو من جامعة كورنيل هذا الأمر ضمن إطار أكبر، مشيرًا إلى أن دويلات المدن الأغنى في شرق المتوسط كانت الأكثر تضرُّرًا جراء الأحداث التي وقعت أثناء القرن الثاني عشر قبل الميلاد؛ لأنها لم تُمثِّل الأهداف الأكثر استقطابًا للغزاة فحسب بل أيضًا كانت الأكثر اعتمادًا على شبكة التجارة الدولية. ويَقترح أن الاعتماد، أو ربما الاعتماد المفرط، على المشاريع الرأسمالية، وتحديدًا التجارة البعيدة المدى، يُمكن أن يكون قد أسهم في انعدام الاستقرار الاقتصادي الملاحظ في نهاية العصر البرونزي المتأخر.48

ومع ذلك، ينبغي ألَّا نتجاهَلَ حقيقة أنه كان من شأن أوغاريت أن تُمثِّل هدفًا مُغريًا لغزاة خارجيين وأيضًا قراصنة محليِّين، بالإضافة إلى مجموعات محتملة أخرى. وفي هذا الصدد، ينبغي أن ننظر مجددًا في الرسالة المأخوذة من الأرشيف الجنوبي، التي عُثِر عليها في الساحة ٥ في قصر أوغاريت (ولكن ليس بداخل قمين)، والتي تذكر سبع سفن للأعداء كانت تعيث فسادًا في الأراضي الأوغاريتية. سواء كان لهذه السفن بعينها علاقة بالتدمير النهائي لأوغاريت أم لا، فقد كان من شأن سفن كهذه أن تُعطِّل التجارة الدولية التي كانت أوغاريت تعتمد عليها اعتمادًا حيويًّا.

عندما يحدث وضعٌ مأساويٌّ كهذا في وقتنا الحالي، يبدو وكأن لدى الجميع نصيحة يقدمونها. ولم تكن الأمور مختلفة حينئذٍ، أثناء العصر البرونزي المتأخِّر. تقدم رسالة عثر عليها في أوغاريت، ربما كانت مرسَلة من النائب الحيثي لملك كركميش، نصيحة للملك الأوغاريتي بشأن كيفية التعامل مع سفن الأعداء تلك. ويستهلُّها بقوله: «لقد كتبتَ لي تقول: «لقد شوهدت سفن الأعداء في البحر»!» ثم يَنصحُه قائلًا: «حسنًا، عليك أن تظل ثابت الجنان. عجبًا، من ناحيتك، أين قواتك، وعجلاتك الحربية؟ أليسَت بالقرب منك؟ … طوق مدنك بأسوار. وضع قوات مشاتك وفرق عجلاتك الحربية [فيها]. كن متأهِّبًا للعدو وتحلَّ ببأسٍ شديد!»49
وثمة رسالة أخرى، عُثِر عليها في منزل رابانو وأرسلها رجل يُسمَّى إيشوارا والذي كان الحاكم الأكبر لقبرص، لا شك في أن لها صلة بنفس الأمر. في هذه الرسالة، يقول الحاكم إنه ليس مسئولًا عن أي ضرر ألحقته السفن بأوغاريت أو أراضيها المحيطة، وخاصةً، بحسب زعمه، كون سفن تابعة لأوغاريت ورجال منها هم الذين يَرتكبُون هذه الفظائع، وإن أوغاريت ينبغي أن تكون مستعدَّةً للدِّفاع عن نفسها: «وأما بشأن المسألة المتعلِّقة بأولئك الأعداء؛ [فلقد كان] أناس من بلدكم [و] سفنكم [هم الذين] فعلوا هذا! و[كان] أناس من بلدكم [هم الذين] ارتكبوا هذه الاعتداءات … أنا أكتب إليك لأخبرك وأحميك. لتكن على حذر!» ثم يضيف أنه يوجد عشرون سفينة للأعداء، ولكنها أبحرت مغادرةً إلى جهة غير معلومة.50
أخيرًا، رسالة في أرشيف أورتينو من مسئول في كركميش، الواقعة في الداخل الشمالي السوري، تصرح بأن ملك كركميش كان في طريقه قادمًا من الأراضي الحيثية إلى أوغاريت ومعه تعزيزات، وأن الأشخاص المتعددين المذكورين في الرسالة، ومن ضمنهم أورتينو وشيوخ المدينة، ينبغي أن يُحاوِلوا الصمود حتى يصلوا.51 من غير المرجح أن يكونوا قد وصلوا في الوقت المناسب. وإن فعلوا، فقد كانوا بغير فائدة تُذْكَر؛ إذ إن رسالة خاصة إضافية، كان يُعتقَد غالبًا أنها أحد آخر الاتصالات الآتية من أوغاريت، تصف وضعًا منذرًا بالخطر: «عندما وصل رسولك، كان الجيش قد تعرض للإذلال ونُهِبَت المدينة. أُحرِق طعامنا الذي كان في البيادر ودُمِّرَت أيضًا بساتين الكروم. لقد نُهِبَت مدينتنا. أرجو أن تعرف ذلك! أرجو أن تعرف ذلك!»52
كما أشرْنا أعلاه، يُورِد المنقِّبون في أوغاريت أن المدينة أُحْرِقَت، وأن مُستوى التدمير يصلُ إلى مترَين ارتفاعًا في بعض الأماكن، وأنه عُثِر على العديد من رءوس السهام متناثرةً في أنحاء الأطلال.53 كان يوجد أيضًا عدد من الذخائر التي عُثِر عليها مدفونة في المدينة؛ والتي احتوى بعضها على أغراضٍ ثمينة من الذهب والبرونز، من بينها تماثيل صغيرة، وأسلحة، وأدوات، بعضها عليه نقوش. ويبدو أنها كانت كلها أغراضًا خبئت قبل وقوع التدمير مباشرة؛ وأن مالكيها لم يعودُوا لاستعادتها قطُّ.54 ومع ذلك فإن حتى تدميرًا شديدًا وكاملًا للمدينة لا يُفسِّر السبب في أن الناجين لم يُعيدوا إعمارها، إلا إذا لم يكن ثمة ناجون.
قد يُمثِّل قطْع طرقِ التجارة، وانهيار النظام التجاري الدولي برمته، وليس الإبادة الكاملة، التفسير الأكثر منطقية واكتمالًا للسبب وراء أن الناس لم يُعاوِدُوا مطلقًا الاستقرار في أوغاريت بعد تدميرها. وعلى حدِّ قول أحد الباحثين: «حقيقة أن أوغاريت لم تَقُم لها قائمة من جديد قط، كما فعلت مدن أخرى في الشام في العصر البرونزي المتأخِّر كانت قد تعرَّضت لمصير مُماثل، لا بدَّ أن تستند على أسباب أكثر وجاهة من التدمير الذي لحق بالمدينة.»55
ومع ذلك، فإنه يوجد حجة مضادَّة لهذا الطرح؛ إذ يبدو أن صلات أوغاريت الدولية استمرَّت حتى النهاية الفجائية للمدينة؛ وذلك لأنه يوجد رسالة مُرسَلة من ملك بيروت إلى مسئول أوغاريتي (الوالي) وصلت بعد أن كان ملك أوغاريت قد فرَّ بالفعل من المدينة.56 بعبارة أخرى، دمر الغزاة أوغاريت ولم يُعَد بناؤها قطُّ، رغم حقيقة أن الصلات التجارية الدولية كانت قائمة، على الأقل جزئيًّا إن لم تكن قد بقيَت بصورة كاملة وقتَ التدمير.

في الواقع، يتَّضح جليًّا من المواد التي يضمُّها أرشيفا رابانو وأورتينو القدر الهائل من الاتصال الدولي الذي يبدو أنه ظل قائمًا في شرق المتوسط حتى في نهاية العصر البرونزي المتأخر. إضافة إلى ذلك، من الواضح من النصوص القليلة المنشورة من أرشيف أورتينو أن هذه الصلات الدولية استمرَّت حتى اللحظة الأخيرة تقريبًا قبل تدمير أوغاريت. يبدو هذا دلالة واضحة على أن النهاية ربما كانت فجائية، ولم تكن على هيئة انحدارٍ تدريجيٍّ بعد قطع طرق التجارة أو بسبب الجفاف والمجاعة، وأن أوغاريت تحديدًا كانت قد دُمِّرَت على يد غزاة، بصرف النظر عما إذا كانت هذه القوات قد قطَعَت أيضًا طرق التجارة الدولية أم لا.

(٥) اللامركزية وصعود التجارة الخاصة

ثمة نقطة أخرى يتعيَّن أخذها في الاعتبار، وهي نقطة طُرِحَت منذ عهد قريب نسبيًّا وقد تكون انعكاسًا للتفكير الحالي بشأن دور اللامركزية في عالَمنا اليوم.

في مقال نُشِر في عام ١٩٩٨، خَلُصَت سوزان شيرات، التي تعمل حاليًّا في جامعة شيفلد، إلى أن شعوب البحر تُمثِّل الخطوة الأخيرة في مسألة استبدال الأنظمة الاقتصادية اللامركزية الجديدة في العصر الحديدي بالأنظمة الاقتصادية السياسية المركزية القديمة التي كانت قائمة في العصر البرونزي؛ أي التحول من الممالك والإمبراطوريات التي كانت تتحكَّم في التجارة الدولية إلى دويلات المدن الأصغر ورواد الأعمال الأفراد الذين كانوا يُمارسون الأعمال لحسابهم الشخصي. وتقترح أن شعوب البحر يُمكِن «أن يكون من المفيد اعتبارهم ظاهرة هيكلية، نتاجًا للتطور الطبيعي وتوسيع التجارة الدولية في الألفية الثالثة وأوائل الألفية الثانية، حملت في طياتها بذور إسقاط الاقتصاديات الموجَّهة المعتمِدة على القصور، والتي كانت قد بدأت هذا النوع من التجارة في بادئ الأمر.»57
ومن ثَمَّ، فمع إقرارها بأن طرق التجارة الدولية ربما تكون قد انهارت، وبأن بعضًا من شعوب البحر على الأقل ربما كانوا غزاةً مهاجرين، فإنها تَخْلُص في نهاية المطاف إلى أنه لا يهم في الحقيقة من أين جاءت شعوب البحر، ولا حتى من كانت أو ماذا فعلت. الأهم من ذلك بكثير هو التغيُّر الاجتماعي السياسي والاقتصادي الذي تُمثِّله تلك الشعوب، من اقتصاد كان يخضع لسيطرة شبه كاملة من القصور إلى اقتصادٍ حظيَ فيه التجار الذين كانوا يعملون لحسابهم الخاص والكيانات الأصغر بقدر أكبر بكثير من الحرية الاقتصادية.58
على الرغم من أن حجَّة شيرات مسرودة على نحو رائع، فقد سبَق لباحثين آخرين أن أبدوا اقتراحات مشابهة. على سبيل المثال، كتب كلاوس كيليان، المنقِّب عن تيرنز، ذات مرة: «بعد سقوط القصور الميسينية، عندما كان الاقتصاد «الخاص» قد تأسَّس في اليونان، استمرت الاتصالات مع البلدان الأجنبية. وخلف نظامَ القصور الحسن التنظيم أنظمةُ حكمٍ محلية أصغر، كانت بالتأكيد أقل قوة في توسعها الاقتصادي.»59
بل إن ميكال آرتزي، من جامعة حيفا، أطلقت اسمًا على بعض التجار الذين كانوا يعملون لحسابهم الخاص حسب تصوُّر شيرات، ناعتةً إياهم «بدو البحر» واقترحت أنهم كانوا نشطين كوسطاء نفَّذوا الكثير من العمليات التجارية البحرية أثناء القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد.60
ومع ذلك فإن دراسات أحدث عهدًا عارضَت بشدة نمط الرؤية الانتقالية العالمية الذي اقترحته شيرات. على سبيل المثال، تَعترِض كارول بيل باحترام، قائلةً: «إنه لمن قبيل التبسيط … أن ننظر إلى التغيُّر الذي حدث بين العصر البرونزي المتأخِّر والعصر الحديدي على أنه إحلال لتجارة أصحاب الأعمال محل التبادُل الذي كان يُدار بواسطة القصور. إنَّ الاستبدال الإجمالي لنموذج بآخر ليس تفسيرًا جيدًا لهذا التغيير ولإعادة الهيكلة تلك.»61
ومع أنه ليس ثمة شكٌّ في أن الخصخصة ربما تكون قد بدأت على هيئة مُنتَج ثانوي لتجارة القصور، فمن غير الواضح بالمرة أن هذه الخصخصة بعد ذلك قوَّضَت في نهاية المطاف نفس الاقتصاد الذي كانت قد نبعَت منه.62 في أوغاريت، على سبيل المثال، أشار الباحثون إلى أنه رغم أنه كان واضحًا أن المدينة أُحْرِقَت وأُخليت من سكانها، فليس ثمَّة دليل، لا في النصوص التي عُثِر عليها في الموقع ولا في البقايا نفسها، على أنَّ التدمير والانهيار كانا بسبب أصحاب أعمال لا مركزيِّين قوضوا الدولة وسيطرتها على التجارة الدولية.63

في الواقع، بالمزج بين الملاحظات النصية وحقيقة أنه من الواضح أن أوغاريت دُمِّرَت جراء حريق، وأنه يوجد أسلحة في الحطام، يجوز لنا بكل ثقة أن نُكرِّر أنه على الرغم من أن بذور اللامركزية كانت موجودة في أوغاريت، فمِن شبه المؤكَّد أن الحرب والقتال هما ما تسبَّبا في التدمير النهائي، مع اعتبار الغزاة الخارجيِّين الجناة المُحتمَلين. يختلف هذا السيناريو اختلافًا كبيرًا للغاية عن ذلك الذي تصوَّرتْه شيرات وزملاؤها الذين يُشاطرونها الرأي. ومع ذلك، ليس من المؤكَّد أن هؤلاء الغزاة كانوا شعوب البحر، على الرغم من أنه من المُثير للفضول أن أحد النصوص التي عُثِر عليها في أوغاريت يذكر تحديدًا الشيكيلا/الشيكليش، المعروفين من نقوش شعوب البحر المنسوبة لمرنبتاح ورمسيس الثالث.

على أيِّ حال، حتى لو كانت مسألتا اللامركزية والتجار المستقلِّين الذين كانوا يعملون لحسابهم الخاص من المسائل المطروحة، فيبدو من غير المرجَّح أن يكونا قد تسبَّبا في انهيار العصر البرونزي المتأخِّر، بمفردهما على الأقل. وبدلًا من تقبُّل فكرة تقويض التجار الذين كانوا يعملون لحسابهم الخاص ومشاريعهم لاقتصاد العصر البرونزي، ربما يَنبغي أن نأخذ في الاعتبار الاقتراح البديل الذي مفاده أنهما انبثقا ببساطة عن الفَوضى الناجمة عن الانهيار، كما اقترح جيمس مولي من جامعة بنسلفانيا منذ عشرين عامًا. لم يَعتبر مولي القرن الثاني عشر قبل الميلاد عالَمًا يسيطر عليه «غزاة البحر، والقراصنة، والمرتزقة اللصوص»، وإنما اعتبر أنه كان عالمًا يضم «أربابًا لمشاريع المال والتجارة، الذين يستغلُّون فرصًا اقتصادية جديدة، وأسواقًا جديدة، ومصادر جديدة للمواد الخام.»64 من قلب الفوضى، تنبع الفرصة، على الأقل للقلَّة المحظوظة، كما هو الحال دائمًا.

(٦) هل كانت شعوب البحر هي الفاعلة؟ ومن أين جاءت؟

نصل، أخيرًا، إلى النظر بشأن مسألة شعوب البحر، التي تظلُّ غامضة ومُحيرة كما هو حالها دائمًا. سواء نُظِر إلى أولئك القوم على أنهم كانوا غزاةَ بحرٍ أو سكانًا نازِحين، فإن الأدلة الأثرية وكذلك النصِّية تُشير إلى أن شعوب البحر، بصرف النظر عن لقبهم، ارتحلُوا على الأرجح برًّا وبحرًا؛ أي بأيِّ وسيلة مُمكِنة.

وعلى الأرجح أن أولئك الذين انطلقُوا بحرًا ارتحلُوا بمحاذاة الساحل، بل حتى كانوا يرسون على مرفأ آمن كل مساء. غير أنه لا يزال ثمَّة تساؤلات فيما يتعلَّق بما إذا كانت سفن الأعداء المذكورة في الرسائل الأوغاريتية تخصُّ شعوب البحر أم تخصُّ أعضاءً متمرِّدين من مملكتِهم، كما أوحت الرسالة التي أرسلها إيشوارا، حاكم ألشية.65 في هذا الصدد، ينبغي أن نأخذ في الحسبان الرسالة المذكورة آنفًا، من منزل أورتينو في أوغاريت، التي تذكر «شعب الشيكيلا»، الذين يمكن على الأرجح تحديد هويتهم على أنهم الشيكليش الوارد ذكرهم في السجلات المصرية. أُرْسِلَت الرسالة من الملك الحيثي، ربما كان سابيليوليوما الثاني، إلى حاكم أوغاريت، وتُشير إلى ملكٍ شابٍّ لأوغاريت، الذي تصفه بأنه «لا يعرف أي شيء.» يرى سنجر، وباحثون آخرون، هذا على أنه إشارة محتملة إلى أمورابي، الذي كان ملكًا حديث العهد لأوغاريت في ذلك الوقت. في الرسالة، يقول الملك الحيثي إنه يودُّ مقابلة رجل يُسمى إبنادوشو، الذي كان قوم شيكيلا «الذين يعيشون على متن السفن» قد أسروه، من أجل أن يتوصَّل إلى المزيد من المعلومات عن هؤلاء الشيكيلا/الشيكليش.66 ومع ذلك، لا نعرف إذا كانت المقابلة قد جرَتْ أم لا، ولا ماهية الأمور الأخرى التي كانت يُمكن أن يعرفها من إبنادوشو.
من المتَّفق عليه بوجهٍ عامٍّ أن هذه الوثيقة تحتوي على الذكر المحدد الوحيد بالاسم لشعوب البحر خارج السجلات المصرية، على الرغم من أنه اقْتُرِح أيضًا أنه ربما كان يوجد وثائق أخرى. من المحتمل أن «العدو القادم من أرض ألشية» الذي هاجم الملك الحيثي الأخير، سابيليوليوما الثاني، على اليابسة بعد أن قاتل القوات الألشية (أي القبرصية) في ثلاث معارك بحرية، هو إشارة إلى شعوب البحر. وهو ما يَنطبِق أيضًا على نقش عُثِر عليه في حاتوسا في عام ١٩٨٨، والذي ربما يتضمن إشارة إلى أن سابيليوليوما الثاني كان بالفعل يقاتل شعوب البحر التي رست على الساحل الجنوبي للأناضول وكانت تتقدم شمالًا.67 مع ذلك، تحتوي معظم الوثائق والنقوش، بخلاف السجلات المصرية، ببساطة على العبارة الأكثر تعميمًا «سفن الأعداء»، ولا تذكر شعوب البحر تحديدًا بالاسم.
من المحتمَل، وربما من المرجح، أن أولئك المنتمين إلى شعوب البحر الذين جاءوا برًّا انطلقوا مُعظَم الوقت بمحاذاة الطريق الساحلي، حيث من شأن تدمير مدن محددة أن يكون قد فتح لهم مناطق جديدة تمامًا، بنفس الطريقة تقريبًا التي فتحت بها معارك الإسكندر الأكبر عند نهر جرانيكوس، وإسوس، وجوجاميلا أجزاء معينة من الشرق الأدنى القديم أمام جيشه بعد ذلك بألف سنة تقريبًا. اقترح عساف ياسور-لانداو من جامعة حيفا أن بعض شعوب البحر يمكن أن يكونوا قد بدءوا رحلتهم من اليونان ومرُّوا عبر مضيق الدردنيل إلى غرب تركيا/الأناضول. ويُمكِن أن يكون آخرون — يحتمل أنهم كانوا معظمهم، على حد قوله — قد بدءوا رحلتهم من هذه النقطة، وربما يكونون قد انضمُّوا إلى أولئك الذين جاءوا من منطقة إيجه، متَّخذين الطريق الذي استمرَّ بطول الساحل الجنوبي لتركيا إلى كِيلِيكِيَّةَ عند طرفها الشرقي، ثم وصولًا إلى جنوب الشام عبر طريق يمتدُّ بطول الساحل. إذا كانوا قد تبعوا هذا الطريق، فمن شأنهم أن يكونوا قد صادفوا مدينة طروادة، ومملكتي أرزاوا وتارهونتاسا في الأناضول، ومدينتي طرسوس وأوغاريت في جنوب شرق الأناضول وشمال سوريا، على الترتيب. تظهر في بعض أو كل هذه المواقع بالفعل علامات للتدمير و/أو علامات على هجر لاحق لسكَّانها لها، حدث زهاء الوقت الذي يُفترَض أن شعوب البحر كانت نشطة فيه، ولكن ليس واضحًا إن كانت مسئولة بالفعل عن ذلك أم لا.68
في الحقيقة، يبدو أن الأدلة الأثرية تُشير حاليًّا إلى أن معظم المواقع في الأناضول كانت ببساطة مهجورة تمامًا أو معظمها مهجور في هذا الوقت، ولم تحرقْها شعوب البحر. يُمكننا التكهُّن بأنه إذا كانت طرق التجارة والنقل والاتصال الدولية قد تعطَّلت جراء الحروب، أو المجاعات، أو غير ذلك، فربما تكون المدن التي كانت معتمدة على هذه الطرق قد اضمحلَّت وآلت إلى الفناء، وهو ما مِن شأنه أن يكون قد أدَّى إلى مغادرة سكانها لها تدريجيًّا أو فرارهم منها على وجه السرعة، حسب سرعة الانحدار التجاري والثقافي. كما قال أحد الباحثين مؤخرًا: «مع أنه من المنطقي أن نفترض أن كِيلِيكِيَّةَ والساحل السوري قد تأثَّرا بأفعال شعوب البحر، فإنه حتى الآن لا يوجد دليل تاريخي ولا أثري على أي نوع من النشاط لشعوب البحر في بلاد الحيثيِّين يشهد على ذلك … يبدو أن الأسباب الحقيقية لانهيار الدولة الحيثية هي أسباب داخلية وليست خارجية.»69
ثمَّة مثال واضِح على إلقاء اللائمة دون إثبات وهو الادعاء الحديث العهد المتعلِّق بالتأريخ بالكربون المشعِّ لمَوقِع تل تويني، موقع بلدة ومرفأ جيبالا من العصر البرونزي في نطاق مملكة أوغاريت. في هذه الحالة، قادت النتائج المعملية المنقِّبين وزملاءهم إلى استنتاج أنهم قد عثروا على دليل على تدمير تسبَّبت فيه شعوب البحر، ويُحدِّدون تاريخه بالفترة ما بين ١١٩٢–١١٩٠ق.م70 ويصرحون، دون محاذير: «كانت شعوب البحر عبارة عن خصوم بحريين من أصول مختلفة. بدأت تلك الشعوب غزوًا بريًّا وبحريًّا مختلطًا زعزع استقرار أساس نفوذ إمبراطوريات وممالك في العالم القديم الذي كان قد ضَعُف بالفعل، وسَعَت إلى دخول الأراضي المصرية أو السيطرة عليها. تمثل شعوب البحر الخطوة الأخيرة لدوامة طويلة ومعقدة من التدهور في عالم منطقة البحر المتوسط القديم.»71
على الرغم من أنه ليس ثمة شكٌّ كبيرٌ في أن المدينة قد دُمِّرَت في الوقت ذاتِه تقريبًا الذي حدَّده المنقِّبون، كما أكَّدت تواريخ الكربون المشع، فإن إسناد المسئولية إلى شعوب البحر باعتبارهم الفاعلين المسئولين عن التدمير هو أمرٌ قائمٌ على التخمين، مع أنه محتملٌ للغاية بالتأكيد. لم يقدم المنقِّبون أي إثباتات قطعية فيما يتعلق بدور شعوب البحر؛ فهم ببساطة يشيرون إلى أن الثقافة المادية للمُستوطَنة التي أُقيمت على التل بعد التدمير تشمل «ظهور نمط عمارة إيجي، وأواني فخارية مصنوعة محليًّا من الحقبة المسينية ٣سي المبكرة، وأواني فخارية مصقولة مصنوعة يدويًّا، وأوزانًا من الطمي على النمط الإيجي.»72 وعلى حد قولهم فإن «هذه المواد، المعروفة أيضًا من المستوطَنات الفلستية، هي علامات ثقافية على مُستوطِنين أجانب، هم على الأرجح شعوب البحر.»73 ومع أن تل تويني يُمكن أن يكون خير مثال حتى الآن على موقع من المحتمَل أن تكون شعوب البحر قد دمَّرتْه واستوطنتْه مجددًا، فإنه ليس بوسعنا أن نقول ذلك بتيقُّن مطلق. علاوةً على ذلك، كما لاحظت آني كَوبيت، لا يُمكن للمرء أن يكون متأكدًا دومًا من أن القوم الذين أعادوا استيطان موقعٍ ما بعد تدميره هم بالضرورة نفس أولئك الذين دمَّرُوه في المقام الأول.
يُمكنُنا أيضًا أن نخمِّن أنه في بعض الحالات على الأقل ربما تكون مجموعات توصف بأنها شعوب البحر قد دخلت الفراغ الذي نشأ عن التدمير و/أو هَجْر المدن، سواء كانوا هم أو آخرين من تسبَّبوا في ذلك، واستقروا ولم يتابعوا المضي، مخلفين وراءهم مصنوعاتهم اليدوية، كما ربما كان الحال في تل تويني. في ظروف كتلك، من المرجح أن تكون شعوب البحر هذه قد احتلَّت في المقام الأول، وإن لم يكن حصرًا، المدن الساحلية، التي تشمل مواقع مثل تارسين ومِرسين على الساحل الجنوبي الشرقي للأناضول. الأمر نفسه قد ينطبق على المنطقة الموجودة حاليًّا على الحدود بين جنوب غرب تركيا وشمال سوريا، في منطقة تل طعينات، التي تشير الأدلة المكتشفة مؤخرًا أنها كانت تُعرَف باسم «أرض باليستين» أثناء العصر الحديدي.74
في الواقع، يوجد تقاليد، وبخاصة تقاليد أدبية، تذكر تحديدًا أن شعوب البحر استقرت في تل دور، في شمال ما يُعْرَف حاليًّا باسم إسرائيل الحديثة. على سبيل المثال، تشير القصة المصرية التي يُطلق عليها «تقرير وِن آمون»، التي يرجع تاريخها إلى النصف الأول من القرن الحادي عشر قبل الميلاد، إلى تل دور باعتباره مدينة التجيكر أو السيكيلز (الشيكليش). يدرج نَصٌّ مصري آخر، هو «قائمة أسماء أعلام أمينيموب» الذي يرجع تاريخه إلى حوالي ١١٠٠ق.م، الشاردانا، والتجيكر، والفلستيين، ويذكر أيضًا مواقع أشْقَلُون، وأشدود وغزة (وهي ثلاثة مواقع من خمسة تعتبر جزءًا من «مدن الفلستيين الخمس»). اقترح الباحثون أن شعوب البحر استقرَّت في مواقع على امتداد ساحل الكرمل وفي وادي عكا، ربما أيضًا إلى جانب تل دان، مثل شعبي الشاردانا والدانونا. في كثير من هذه المواقع، بما فيها تلك التي لها مستويات إشغال توصف بأنها «فلستية»، مثل أشدود، وأشقلون، وغزة، وعقرون، وأماكن أخرى، عُثِر على أوانٍ فخارية على نمطٍ إيجي ومُحَدِّدات هوية ثقافية أخرى.75 ربما تكون هذه هي البقايا المادية الوحيدة التي لدينا لشعوب البحر المحيِّرة، ولكن يبدو أن للبقايا الأثرية في كثير من هذه المواقع، وحتى أبعد شمالًا، صلات مباشرة بقبرص أكثر من منطقة إيجه. ومع ذلك، يوجد روابط واضحة مع شعوب غير كنعانية في القرن الثاني عشر قبل الميلاد.76
من المثير للاهتمام، أنه لا يُوجد بقايا كتلك، ولا أي نوع من التدمير، في المنطقة التي عُرِفَت لاحقًا باسم فينيقية، فيما يُعْرَف الآن بلبنان الحديثة. وعلى الرغم من النقاشات الأكاديمية، لا يزال من غير الواضح السبب وراء ذلك، أو ما إذا كان ذلك مجرد وهم ناجم عن الافتقار النِّسبي إلى التنقيب في هذه المنطقة، مقارنةً بالمناطق الساحلية الأخرى في الشرق الأدنى.77
من بين سيناريوهات كثيرة مقترحة لتفسير الأيام الأخيرة للعصر البرونزي المتأخر في منطقتي إيجه وشرق المتوسط، لا يزال يبدو المقترح الذي طرحه إسرائيل فنكلشتاين من جامعة تل أبيب منذ عقد مضى هو الأكثر رجوحًا؛ إذ يدفع بحجة مفادها أن نزوح شعوب البحر ليس واقعة منفردة وإنما عملية طويلة تشمل مراحل عديدة، بدأت المرحلة الأولى فيها في السنوات الأولى لحكم رمسيس الثالث، في حوالي ١١٧٧ق.م، وانتهت المرحلة الأخيرة أثناء زمن رمسيس السادس، في حوالي ١١٣٠ق.م ويقول تحديدًا:
على الرغم من وصف النصوص المصرية لواقعة منفردة، فإنَّ نزوح شعوب البحر كان عملية مدتها نصف قرن على الأقل وكان لها مراحل عديدة … ربما تكون قد بدأت بمجموعات نشرت الدمار على امتداد الساحل الشامي، بما في ذلك شمال فلستيا، في بداية القرن الثاني عشر وهُزِمَت على يد رمسيس الثالث في عام حكمه الثامن. نتيجةً لذلك، استقر بعضها في ثكنات عسكرية مصرية في الدلتا. ونجحت مجموعات لاحقة من شعوب البحر، في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، في القضاء على الحكم المصري في جنوب كنعان. وبعد تدمير المعاقل المصرية … استقرَّت تلك المجموعات في فلستيا وأقامت مراكزها الرئيسية في أشدود، وأشقلون، وتل مِقْنِع، وأماكن أخرى. يسهل التعرف على هؤلاء الناس، الفلستيين المذكورين في النص التوراتي اللاحق، عن طريق العديد من السمات المأخوذة من الإيجيين في ثقافتهم المادية.78
يتفق معظم الباحثين مع فنكلشتاين في أنه يبدو أن الأدلة الأثرية تدل على أننا ينبغي أن ننظر في المقام الأول إلى الإقليم الإيجي، ربما عبر آلية التدقيق التي تَعتبِر أن غرب الأناضول وقبرص نقطتا توقف وسيطتان للبعض أو للغالبية على طول الطريق،79 وليس صقلية، وسردينيا، وغرب المتوسط فيما يتعلق بأصل الكثير من شعوب البحر. ومع ذلك، يقترح ياسور-لانداو أنهم إذا كانوا ميسينيين، فإنهم لم يكونوا أولئك الذين فرُّوا من أنقاض قصورهم، في ميسيناي وفي أماكن أخرى، بعد أن دُمِّرَت تلك القصور مباشرةً. ويُشير إلى أنه لم يَعثُر على نصوص مكتوبة بالنظام الخطي بي أو أي جوانب أخرى من حقبة القصور الثرية من القرن الثالث عشر قبل الميلاد على البر الرئيسي لليونان في هذه المواقع الأناضولية والكنعانية. عوضًا عن ذلك، تدلُّ الثقافة المادية لهؤلاء المستوطنين على أنهم كانوا من «الثقافة الأكثر تواضعًا نسبيًّا التي أتَت [على الفور] بعد ذلك» أثناء أوائل القرن الثاني عشر ق.م ويلاحظ أيضًا أن البعض ربما كانوا مزارعين، وليسوا مُحارِبين غزاة، يسعَوْن إلى تحسين حياتهم بالانتقال إلى منطقة جديدة. مهما يكن من أمر، فقد كانوا «مجموعة سكانية من الأسر التي كانت تتنقَّل بحثًا عن وطن جديد.»80 وعلى أيِّ حال، فهو يعتقد أن هؤلاء النازحين لم يكونوا سبب انهيار حضارات العصر البرونزي المتأخر في هذه المنطقة وإنما كانوا بدلًا من ذلك «نهَّازي فُرَص» استغلوا الانهيار ليبحثوا لأنفسهم عن أوطان جديدة.81
في هذا الشأن يعترض ياسور-لانداو بشدة على الصورة التقليدية للاستيلاء العسكري للفلستيين على كنعان. ويقول: «لا تعكس ملابسات الاستيطان حدوث اجتياح عنيف. وتُظْهِر الاكتشافات الأخيرة في أشقلون أن النازحين استقرُّوا [في واقع الأمر] في موقعٍ خالٍ من السكان، فوق البقايا غير المكتمِلة لثكنة عسكرية مصرية … لا تُوجد علامات واضحة على أي تدمير عنيف في أشدود … قد لا تزيد علامات التدمير التي وصفها المنقِّبون [هناك] عن كونها دليلًا على طهي طعام … في عقرون، القرية الكنعانية الصغيرة … قد دُمِّرَت بالفعل بالنيران، ولكن … حلَّ محلها قرية كنعانية أخرى … قبل وصول النازحين.»82
بدلًا من استيلاء عدائي عسكري الطابع، يرى ياسور-لانداو عوضًا عن ذلك حدوث زيجات بين ثقافات متباينة وأسر متعدِّدة الثقافات، تحتفظ بالتقاليد الكنعانية وكذلك الإيجية، غالبًا على المستوى المحلي. وعلى حد تعبيره فإن «البقايا المادية من فلستيا في العصر الحديدي المبكر تكشف عن وجود تفاعُلات متشعِّبة، وسلمية في أغلبها، بين النازحين والسكان المحليين … ولذلك أجرؤ على أن أقترح أن الغياب العام للعنف فيما يتصل بتأسيس المدن الفلستية … والتعايش بين كلٍّ من التقاليد الثقافية الإيجية والمحلية يدلَّان على أن تأسيس تلك المدن كان مشتركًا بين النازحين الإيجيين والسكان المحليين، ولم تكن مشاريع استعمارية.»83
يتَّفق باحثون آخرون مع ذلك، ويُشيرون إلى أن الفلستيين، في الأغلب، لم يُدمِّروا سوى الأجزاء الخاصة بالنخبة في بعض المواقع، كالقصر والمنطقة المحيطة به، على سبيل المثال، وأن العناصر التي نُحدِّد هويتها حاليًّا على أنها فلستية كانت «ذات طبيعة مختلطة وتشتمل على سمات من إيجه، وقبرص، والأناضول، وجنوب شرق أوروبا وغيرها.»84 لا يظهر أن عناصر أجنبية بالكامل حلَّت ببساطةٍ محلَّ الثقافة المادية الكنعانية السابقة برمَّتها (فيما يتعلَّق بالأواني الفخارية، وممارَسات البناء، وما إلى ذلك)؛ بل إن ما نتعرَّف عليه حاليًّا على أنه ثقافة فلستية ربما كان نتيجةً لعملية تهجين ومزج لثقافات مختلفة، تحتوي على العناصر الكنعانية الأقدم وكذلك على العناصر الدخيلة الأجنبية الأحدث.85
بعبارة أخرى، على الرغم من أنه لا شكَّ في أنه كان يوجد شعوب جديدة تدخل وتستقر في كنعان في ذلك الوقت، فإنه في عملية إعادة التمثيل هذه استُبْدِل بشبح الغول المخيف المتمثل في شعوب البحر/الفلستيين الغزاة صورة أكثر سلمية نوعًا ما لمجموعة مختلطة من النازحين بحثًا عن بداية جديدة في أرض جديدة. وبدلًا من كونهم غزاة مسلحين عازمين فقط على التدمير، كانوا على الأرجح لاجئين، لم يكونوا بالضرورة يهاجمون دومًا السكان المحليين ويُخضعونهم، ولكن غالبًا ما كانوا يستقرُّون ببساطة بينهم. في كلتا الحالتين، من غير المرجَّح أن يكونوا قد قضوا بمفردهم على الحضارة في منطقتَي إيجه وشرق المتوسط.86

(٧) الحجج الخاصة بانهيار الأنظمة

في عام ١٩٨٥، عندما نشرت نانسي ساندرز طبعة منقحة من كتابها الفريد عن شعوب البحر، كتبت: «في البلاد التي يُحيط بها البحر المتوسط، كانت تحدُث «دومًا» زلازل، ومجاعات، وموجات جفاف وفيضانات، وفي حقيقة الأمر يتكرَّر نوع من العصور المظلمة بصورة دورية.» وقالت أيضًا: «تتخلَّل الكوارث تاريخ الإنسان، ولكنه بوجهٍ عام يَنجو منها دون الكثير من الخسائر. وعادةً ما يستتبعُها جهد أكبر بكثير يؤدِّي إلى نجاح أكبر.»87 إذن ما وجه الاختلاف بشأن هذه الفترة، فترة نهاية العصر البرونزي المتأخِّر؟ لماذا لم تستردَّ الحضارات عافيتها وتتابع المُضي؟
كما خمَّنت ساندرز: «جُرِّبَت تفسيرات كثيرة وثبَتَت صحة القليل منها. سلسلة لا مثيل لها من الزلازل، انتشار واسع النطاق لتلفِ المحاصيل، والمجاعة، وغزو هائل من السهوب، ونهر الدانوب، والصحراء؛ كل هذه الأمور يُمكِن أن تكون قد لعبت دورًا ما؛ ولكنها ليست كافية.»88 وقد كانت مصيبة في قولها. يجب الآن أن نتحوَّل إلى فكرة انهيار الأنظمة، قصور مُستحكم في الأنظمة يَنطوي على تأثيرٍ تَعاقُبي وكذلك مُضاعَف، والذي لم يكن مُمكنًا أن تتعافى منه شبكة دولية عالَمية حيوية كتلك التي كانت قائمة أثناء العصر البرونزي المتأخر.
كان كولين رينفرو من جامعة كامبريدج، وهو أحد أكثر الباحثين تبجيلًا على الإطلاق في مجال دراسة منطقة إيجه فيما قبل التاريخ، قد اقترَح بالفعل فكرة انهيار الأنظمة في عام ١٩٧٩. في ذلك الوقت، وضعَها في قالب نظرية الكوارث، حيث «تسبَّب قصور في عنصر ثانوي في بدء تفاعُلٍ مُتسلسِل تداعَت آثاره على نطاقٍ أكبر وأكبر، حتى انهارت بِنية النظام بأكملها.»89 يخطر على البال صورة مَجازية يُمكن أن تكون مفيدة وهي ما يُطْلَق عليه تأثير الفراشة، والتي يُمكن فيها للرفرفة الأولية لأجنحة فراشة أن تؤدِّي في النهاية إلى زوبعة أو إعصار بعد بضعة أسابيع في الناحية الأخرى من العالم.90 يُمكننا، على سبيل المثال، أن نستشهد بالهجوم الذي شنَّه الملك الآشوري توكولتي نينورتا الأول على القوات الحيثية المزهوَّة بقوتها. ربما تكون هزيمتُه لجيشِهم، في نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد أثناء حكم توداليا الرابع، قد شجعت بدورها قبائل الكاشكا المُجاوِرة على أن تُهاجم بعد ذلك العاصمة الحيثية حاتوسا وتحرقها.
أشار رينفرو إلى السمات العامة لانهيار الأنظمة، وفصلها على النحو التالي: (١) انهيار التنظيم الإداري المركزي. (٢) واختفاء طبقة النخبة التقليدية. (٣) وانهيار الاقتصاد المركزي. (٤) وتغيُّر مكان الاستيطان وتناقص السكان. وقال إن الأمر قد يستغرق مدة تصل إلى قرن لتَكتملَ كل جوانب الانهيار، وأشار إلى أنه لا يوجد سبب واحد، واضح، للانهيار. بالإضافة إلى ذلك، فإنه في أعقاب انهيارٍ كهذا، يُمكن أن يحدث انتقالٌ إلى مُستوًى أدنى من الاندماج السياسي الاجتماعي وظهور أساطير العصر المظلم «الخيالية الحالمة» عن الفترة السابقة. ولا يتوافَق هذا مع إقليم إيجه وشرق المتوسط في حوالي ١٢٠٠ق.م فحسب، بل إنه، كما أشار، يصف أيضًا انهيار حضارة المايا، والمملكة المصرية القديمة، وحضارة وادي السِّند في مراحل زمنية مختلفة.91 وكما سبق وأن ذكرنا، فإن هذه الموضوعات والنقاشات عن «الانهيارات» عبر التاريخ، وعن البزوغ والأُفول المُحتملَين لنجم إمبراطوريات، تبناها فيما بعد باحثون آخرون، أشهرهم وأحدثهم جارِد دايَموند.92
ولا غرابة في أنه ليس كل الباحثين يتَّفقُون مع نظرية انهيار الأنظمة في نهاية العصر البرونزي المتأخِّر. روبرت دروز من جامعة فاندربيلت، على سبيل المثال، يستبعدها لأنه لا يعتقد أنها تفسر السبب في أن القصور والمدن دُمِّرَت وأُحْرِقَت.93
ومع ذلك، فإنه، كما رأينا، بعد عام ١٢٠٠ق.م بوقتٍ قصير، انهارَت حضارات العصر البرونزي في إيجه، وشرق المتوسط، والشرق الأدنى، مُظهِرةً كل السمات التقليدية التي حدَّدها رينفرو، من اختفاءٍ لطبقة النخبة التقليدية وانهيار للإدارات المركزية والاقتصاديات المركزية إلى تغيُّر مكان الاستيطان، وتناقص السكان، والانتقال إلى مستوًى أدنى من الاندماج السياسي الاجتماعي، فضلًا عن ظهور قصص مثل تلك القصص عن حرب طروادة التي كتبها هوميروس لاحقًا في القرن الثامن قبل الميلاد. ما نراه يتجاوز مجيء شعوب البحر في ١٢٠٧ و١١٧٧ق.م، ويتجاوز سلسلة الزلازل التي ضرَبَت اليونان وشرق المتوسط أثناء فترة امتدت لخمسين عامًا من ١٢٢٥ إلى ١١٧٥ق.م، ويتجاوز الجفاف والتغيُّر المناخي اللذين ربما كانا يجتاحان هذه المناطق أثناء هذه الفترة، فما نراه هو نتائج «عاصفة مثالية» أدت إلى انهيار ثقافات وشعوب العصر البرونزي المزدهِرة؛ من الميسينيين والمينويين إلى الحيثيين، والآشوريين، والكيشيين، والقبارصة، والميتانيين، والكنعانيين، وحتى المصريين.94
في رأيي، ورأي ساندرز من قبلي، لم يكن من المُمكن لأي عامل من هذه العوامل المُنفرِدة أن يكون قويًّا بما يَكفي لأن يُقوِّض بمفرده حتى حضارة واحدة من هذه الحضارات، فضلًا عنها كلها. ومع ذلك يُمكن أن تكون قد أنتجَت مجتمعةً سيناريو تعاظمت فيه المردودات السلبية لكل عامل من تلك العوامل، فيما أطلق عليه بعض الباحثين «تأثيرًا مضاعفًا.»95 قد يكون انهيار جزء من النظام قد أحدث تأثيرًا تعاقبيًّا، مؤديًا إلى حالات انهيارات في مواضع أخرى. «انهيار الأنظمة» الذي أعقب ذلك يُمكن أن يكون قد أدَّى إلى تفكُّك مجتمعٍ تلو الآخر؛ وذلك جزئيًّا بسبب تفتُّت الاقتصاد العالَمي وانهيار العلاقات المتبادَلة التي كانت كل حضارة معتمدة عليها.
في عام ١٩٨٧، ألقى ماريو ليفيراني من جامعة روما، باللائمة على تركُّز القوة والسيطرة في القصور؛ لذلك عندما انهارت، تعاظمت جسامة الكارثة. وكما كتب فإن «تركيز كل عناصر التنظيم، والتحويل، والمقايَضة، إلخ، في القصر بالتحديد، وهو تركيزٌ يبدو أنه يصلُ إلى أقصى حدوده في العصر البرونزي المتأخِّر، ترتَّب عليه تحويل الانهيار المادي للقصر إلى كارثة عامة في عموم المملكة.»96 بعبارة أخرى، إن أردْنا أن نصوغ الأمر بصيغة الاستثمار المعاصر، كان ينبغي على حكام العصر البرونزي في إيجه والشرق الأدنى أن يُنوِّعوا محافظهم الاستثمارية، ولكنَّهم لم يفعلوا.
بعد ذلك بعقدَين من الزمن، استَشهَد كريستوفر مونرو بعمل ليفيراني واقترح أن اقتصاد العصر البرونزي المتأخِّر صار غير مستقر بسبب اعتماده المتزايد على البرونز والسلع الكمالية الأخرى. وتحديدًا، رأى أن «المؤسسة الرأسمالية» التي أدرج فيها التجارة بعيدة المدى، والتي سيطرت على نظام القصر الذي كان قائمًا في العصر البرونزي المتأخِّر، قد غيرت أنماط العصر البرونزي التقليدي من مقايضة، وإنتاج، واستهلاك لدرجة أنه عندما اجتمعت عمليات الغزو الخارجي مع الكوارث الطبيعية في «تأثير مضاعف»، لم يتمكَّن النظام من الصمود.97
في إطار الكتابة حول الوضع في نهاية العصر البرونزي المتأخر في كتابه «موازين المصير»، يصف مونرو التفاعلات المتبادَلة بين القوى المختلفة في إيجه وشرق المتوسط بأنها «شبكة بين مجتمعية»، والتي تتَّفق مع الصورة المعروضة في كتابِنا هذا. ويُشير، كما فَعَلْتُ أنا أيضًا، إلى أن هذه الفترة هي فترة «استثنائية فيما يتعلَّق بالمعاهدات، والقوانين، والدبلوماسية، والتبادل؛ لدرجة أنها أنشأت أول حقبة دولية كُبرى في تاريخ العالم.»98
ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر إثارةً للاهتمام أن مونرو يشير كذلك إلى أن تلك الشبكات تمتلك طرقًا لتأجيل الانهيار المحتَّم، الذي يُصيب كل المجتمعات في النهاية. وكما يقول: «تُقْمَع أعمال التمرد، وتُكْتَشَف المواد الخام، وتُفْتَح أسواق جديدة، وتوضع ضوابط على الأسعار موضع التنفيذ، وتُصادَر ممتلكات التجار، وتُطَبَّق تدابير الحظر، وتُشَن الحرب.»99 ويقول أيضًا مع ذلك إن «قادة القوة أو القوى الكبرى يُعالجون بوجهٍ عامٍّ أعراضَ لا أسبابَ عدمِ الاستقرار.» ويَخْلُص إلى أن «التدمير العنيف لحضارة القصور في العصر البرونزي المتأخِّر، على النحو الذي يشهد عليه السجل النصِّي والأثري، كان، مثل حالات انهيار كثيرة، هو النتيجة الحتمية لبصيرة محدودة.»100
وأنا أتفق مع مونرو فيما سبق عدا هذه النقطة الأخيرة؛ وذلك لأنني لا أعتقد أننا محقون في إلقاء لائمة الانهيار ببساطة على «البصيرة المحدودة»، بالنظر إلى العوامل المحتملة المتعدِّدة التي استكشفناها أعلاه، والتي من المحتمَل أن القادة القدماء لم يكن بوسعهم التنبُّؤ بها. إن انهيارًا غير متوقع للأنظمة — من المحتمل جدًّا أن يكون قد أفضى إليه تغيُّر مناخي، كما افترض مؤخرًا براندون دريك والفريق الذي قاده ديفيد كانيوسكي،101 أو عَجَّلت به الزلازل أو الغزو — ليبدو أكثر ترجيحًا، ولكن كلمات مونرو يمكن أن تكون بمثابة تحذير لنا نحن الذين نعيش في وقتنا الحاضر؛ لأن هذا الوصف للعصر البرونزي المتأخر، وبخاصة من ناحية اقتصاده وتفاعلاته، يُمكن أن ينطبق انطباقًا جيدًا على مجتمعنا الحالي القائم على العولمة، والذي يلمس أيضًا تأثيرات التغيُّر المناخي.

(٨) استعراض للاحتمالات ونظرية التعقيد

كما أشرنا في بداية هذا الفصل، ناقش الباحثون باستفاضة ما يُسمى بالانهيار أو الكارثة التي وقعت في نهاية العصر البرونزي المتأخر. وحاول روبرت دروز التصدي لهذه المسألة بطريقة منهجية، مكرسًا كل فصل من فصول كتابه، الذي نُشر في عام ١٩٩٣، لمناقشة مسبِّب مُحتمَل مُختلِف. ومع ذلك، فربما يكون قد أخفق في الحكم على بعض هذه المسبِّبات وقلَّل من شأنها؛ فعلى سبيل المثال، نفى جملة وتفصيلًا فكرة انهيار الأنظمة، لصالح نظريته القائلة بأن التغيرات في أساليب الحرب كانت في الواقع هي المسئولة؛ وهي فرضية لا يوافق عليها كل الباحثين.102

حاليًّا، بعد عشرين عامًا من نشر كتاب دروز، وحتى بعد كل النقاشات المستمرة والفيض المتواصِل من المنشورات الأكاديمية في هذا الموضوع، ما زال لا يُوجد اتِّفاق عام بشأن هوية، أو ماهية، المتسبِّب في تدمير أو هجر كل موقع من المواقع الرئيسية في الحضارات التي انتهت في آخر أيام العصر البرونزي. ويُمكن تلخيص المسألة بإيجازٍ فيما يَلي:

الملاحَظات الرئيسية

  • (١)

    لدينا عدد من الحضارات المُنفصِلة التي كانت مزدهرةً أثناء الفترة من القرن الخامس عشر وحتى القرن الثالث عشر قبل الميلاد في إيجه وشرق المتوسط، من الميسينيين والمينويين وحتى الحيثيين، والمصريين، والبابليين، والآشوريين، والكنعانيين، والقبارصة. كانت هذه الحضارات مستقلةً عن بعضها ولكنها كانت تتفاعل مع بعضها تفاعلًا مستمرًّا، وبخاصة عبر طرق التجارة الدولية.

  • (٢)

    من الواضح أن مدنًا كثيرة دُمِّرَت، وأن حضارات العصر البرونزي المتأخِّر والحياة بالكيفية التي كان يعرفها السكان في إيجه، وشرق المتوسط، ومصر، والشرق الأدنى قد انتهت في حوالي ١١٧٧ق.م أو بعد ذلك بفترة وجيزة.

  • (٣)

    لم يُقَدَّم دليلٌ قاطع بشأن هوية أو ماهية ما تسبَّب في هذه الكارثة، التي أدَّت إلى انهيار هذه الحضارات ونهاية العصر البرونزي المتأخِّر.

مناقشة الاحتمالات

يوجد عدد من المسبِّبات المُحتمَلة التي يُمكن أن تكون قد أدَّت إلى، أو أسهمت في، الانهيار الذي حدث في نهاية العصر البرونزي المتأخِّر، ولكن لا يبدو أن بمقدور أيٍّ منها أن يكون قد تسبب في الكارثة بمفرده.

  • (أ)

    من الواضِح أنه كان يوجد زلازل أثناء هذه الفترة، ولكن عادةً ما كان بوسع المجتمعات أن تتعافى منها.

  • (ب)

    يوجد أدلة نصية على حدوث مجاعات، ويوجد حاليًّا أدلة علمية على حدوث موجات جفاف وتغيُّر مناخي، في كلٍّ من إيجه وشرق المتوسط، ولكن مجددًا تعافَت المجتمعات من هذه الأمور مرة تلو الأخرى.

  • (جـ)

    ربما يكون ثمَّة وجود لأدلة ظرفية على أعمال تمرُّد داخلية في اليونان وأماكن أخرى، ومنها الشام، غير أن هذا ليس مؤكدًا. ومجددًا، صمدت المجتمعات أمام أعمال التمرد تلك. فضلًا عن ذلك، من غير المُعتاد أن تحدث أعمال التمرُّد على مساحة واسعة كهذه ولفترة زمنية ممتدَّة كتلك (بصرف النظر عن أن التجربة الأخيرة في الشرق الأوسط تتعارض مع ذلك).

  • (د)

    يوجد أدلة أثرية على غزاة، أو على الأقل وافدين جُدُد ربما أتَوا من منطقة إيجه، أو غرب الأناضول، أو قبرص، أو من كل المناطق السالفة الذِّكر، عُثِر عليها في الشام من أوغاريت في الشمال وحتى لخيش في الجنوب. بعض المدن دُمِّر ثم هُجِر؛ والبعض أُعيد إعماره؛ وبقيَ البعض الآخر دون أن يُمَسَّ بسوء.

  • (هـ)

    من الواضح أن طرق التجارة الدولية تضرَّرت، إن لم تُقْطَع كليًّا، لفترة من الوقت، ولكن مدى التأثير الذي كان من شأن هذا أن يُحدثَه على الحضارات الفردية المُختلِفة ليس واضحًا على الإطلاق؛ حتى وإن كان بعضها معتمدًا اعتمادًا مفرطًا في بقائه على البضائع الأجنبية، كما أشرْنا في حالة الميسينيين.

صحيحٌ أن في بعض الأحيان لا يكون بوسع حضارة ما أن تسترد عافيتها من هجمات غزاة أو زلزال، أو أن تَنجو من موجة جفاف أو تمرُّد، ولكن في الوقت الحالي، بسبب الافتقار إلى تفسير أفضل، يبدو أن أفضل حلٍّ هو أن نَقترح أن كل هذه العوامل مجتمعة أسهمت في انهيار ممالك ومجتمعات العصر البرونزي المتأخِّر التي كانت سائدةً في هذه المناطق؛ ومن ثَمَّ استنادًا إلى الأدلة المتاحة حاليًّا، ربما يكون ما نراه هو نتيجةَ انهيارٍ للأنظمة تسبَّبت فيه سلسلة من الأحداث التي ارتبطت معًا عبر «تأثير مضاعف»، أثر فيه عامل في العوامل الأخرى، مضخمًا بذلك من تأثيرات كل عامل من تلك العوامل. ربما كان بمقدور السكان أن يصمدوا أمام كارثة واحدة، كزلزال أو موجة جفاف، ولكن ليس بمقدورهم أن يَصمدوا أمام الآثار المجتمعة لزلزال، وموجة جفاف، وغزو والتي تحدث كلها في تعاقب سريع. تبع ذلك «تأثير تعاقبي»، أدَّى فيه تفكُّك حضارة إلى سقوط الحضارات الأخرى. ونظرًا للطبيعة العالمية لعالمهم، كان من شأن التأثير الواقع على طرق التجارة الدولية والاقتصاديات من انهيار ولو مجتمعًا واحدًا أن يكون مدمرًا بما يَكفي لدرجة أنه ربما يكون قد أدَّى إلى زوال المجتمعات الأخرى. إن كان الأمر كذلك، فإن تلك المجتمعات لم تكن أكبر من أن تنهار.

مع ذلك، وبصرف النظر عن تعليقاتي السالفة، ربما يكون انهيار الأنظمة مجرَّد تفسير مبسط أكثر مما ينبغي بحيث يُقْبَل باعتباره السبب الأساسي لنهاية العصر البرونزي المتأخر في إيجه، وشرق المتوسط، والشرق الأدنى.103 من المحتمَل أننا نحتاج إلى أن نلجأ إلى ما يُطْلَق عليه علم التعقيد، أو ربما على نحو أكثر دقة، نظرية التعقيد، حتى نتمكَّن من فهم ما يُمكن أن يكون قد أدَّى إلى انهيار هذه الحضارات.
علم التعقيد أو نظرية التعقيد هو دراسة لنظام معقَّد أو أنظمة معقَّدة، بهدف تفسير «الظاهرة التي تَنبثق من مجموعة من الأشياء المتفاعِلة.» استُخدِمَ هذا العلم في محاوَلة لتفسير، وفي بعض الأحيان حل، مشكلات متنوعة مثل ازدحام حركة المرور، وانهيار البورصة، والأمراض مثل السرطان، والتغيُّر البيئي، وحتى الحروب، حسبما كتب نيل جونسون من جامعة أكسفورد مؤخرًا.104 وفي حين أن هذا العلم قد شقَّ طريقه من عالم الرياضيات وعلم الحوسبة إلى العلاقات الدولية، والأعمال، ومجالات أخرى على مدى العقود القليلة الأخيرة، فإنه نادرًا ما استُخْدِم في مجال علم الآثار. ومن المُثير للفضول، وربما من قبيل الاستبصار، أن كارول بيل استكشفت هذا الموضوع بإيجاز في كتابها المنشور في عام ٢٠٠٦ عن تطور العلاقات التجارية البعيدة المدى، وتغيُّراتها، في بلاد الشام من العصر البرونزي المتأخِّر إلى العصر الحديدي؛ إذ أشارت إلى أنه كان نهجًا نظريًّا واعدًا قد يكون مفيدًا كنموذج تفسيري لسبب الانهيار وما تلاه من إعادة الهيكلة.105
من أجل أن تُصبح مشكلة ما مرشحًا محتملًا لنهج نظرية التعقيد، يذكر جونسون أنه يتعيَّن أن تكون متعلِّقة بنظام «يحتوي على مجموعة من الكثير من العناصر أو «العوامل» المتفاعلة.»106 في حالتنا، تلك العوامل ستكون عبارة عن الحضارات المُختلفة التي كانت نشطة أثناء العصر البرونزي المتأخِّر: حضارات الميسينيين، والمينويين، والحيثيين، والمصريين، والكنعانيين، والقبارصة، وغيرها من الحضارات. في أحد جوانب نظرية التعقيد، يتأثَّر سلوك تلك العناصر بذكرياتها و«معلوماتها المستقاة» مما حدَث في الماضي. ويكون بمقدورها تكييف استراتيجياتها، مستندة جزئيًّا على معرفتها بتاريخها السابق. فنجد بوجه عام أن مالكي السيارات، على سبيل المثال، يعرفون جيدًا أنماط حركة المرور في مناطق سكنِهم وبمقدورهم توقع أسرع طريق يسلكونه للعمل أو للعودة إلى البيت مجدَّدًا. وإذا نشأ ازدحام مروري، بمقدورهم أن يَسلُكوا طرقًا بديلة لتجنُّب المشكلة.107 وبالمثل، قبيل نهاية العصر البرونزي المتأخر، ربما اتَّخذ التجار الذين كانوا يَرتادون البحار من أوغاريت أو من أماكن أخرى؛ تدابير لتجنُّب سفن الأعداء أو الأماكن التي كانت السفن وأولئك الغزاة يتمركزون فيها في كثير من الأحيان، بما فيها الأجزاء الساحلية من أرض اللُّكَا (ويُقصَد بذلك المنطقة التي عُرِفَت فيما بعد باسم لِيكية، في جنوب غرب الأناضول).
أيضًا يذكر جونسون أن النظام عادةً ما يكون «حيًّا»، وهو ما يعني أنه يتطور بطريقة غير عادية وغالبًا معقَّدة، وأنه يكون أيضًا «منفتحًا»، بمعنى أنه يُمكن أن يتأثَّر بمحيطه. وهذا يعني، على حدِّ قوله، أن أسواق الأسهم المعقدة الحالية، التي عادةً ما يتحدَّث عنها المحلِّلون كما لو كانت كائنات عضوية حية تتنفَّس، يُمكن أن تتأثر أو تتحرك تبعًا للأخبار الخارجية عن مكاسب شركة معينة أو حدث معين في الناحية الأخرى من العالم. بالمثل وصفت شيرات، في قياسها التناظري الذي نُشِر منذ عقد مضى، والمقتبس أعلاه في التصدير، أوجه التشابه بين عالم العصر البرونزي المتأخر و«اقتصادنا وثقافتنا العالميَّين المتجانسَين ولكن الخارجَين عن السيطرة بشكل متزايد، واللذَين يُمكن فيهما لتقلبات سياسية في ناحية من العالم أن تؤثر تأثيرًا كبيرًا في اقتصاديات مناطق تبعُد عنها آلاف الأميال.»108 ربما تكون تلك المؤثرات أو الضغوطات على «النظام» في إيجه وشرق المتوسط في نهاية العصر البرونزي المتأخر هي العوامل المحتملة، والممكنة، والمعقولة من زلازل، ومجاعات، وموجات الجفاف، وتغير في المناخ، وتمرُّد داخلي، وغزو خارجي، وقطع لطرق التجارة، وذلك كما ناقشناها أعلاه.
يُمكننا أن نقول إن الأمر الأهم هو أن جونسون يؤكد أن النظام من هذا النوع يُبدي ظواهر تتَّسم بأنها «مفاجئة عمومًا، وربما تكون عنيفة للغاية.» وكما يقول، فإن هذا «يعني بالأساس أن شيئًا يُمكن أن يَحدُث؛ وإذا انتظرت وقتًا طويلًا بما يكفي، فسوف يحدث بوجه عام.» على سبيل المثال، كما يُشير، سوف ينتهي الأمر بكل أسواق الأسهم إلى أن يقع فيها انهيار من نوع ما، وسوف ينتهي الأمر بكل أنظمة حركة المرور إلى أن تُصاب بفوضى مرورية من نوعٍ ما. عمومًا ما تكون هذه الأمور غير متوقَّعة عندما تنشأ، ولم يكن من المُمكن على وجه الخصوص توقُّعُها مسبقًا، على الرغم من أن المرء كان يعرف تمام المعرفة أنها يُمكن أن تحدث وأن من شأنها أن تحدث.109
في حالتنا، بما أنه لم يكن ثمة وجود مطلقًا لحضارة في تاريخ العالم لم ينتهِ بها الأمر إلى الانهيار، وبما أن الأسباب كثيرًا ما تكون متشابهة، كما أشار جارد دايموند ومجموعة من الباحثين الآخرين، فإنَّ انهيار حضارات العصر البرونزي المتأخِّر في نهاية المطاف كان أمرًا قابلًا للتوقع، ولكن كان من المُستبعَد أن نتمكَّن من توقُّع توقيتِه، أو من توقع انهيار كل الحضارات في نفس الوقت، حتى ولو استعنا بكل المعرفة العملية لكل حضارة من تلك الحضارات. كما يكتب جونسون: «حتى المعرفة التفصيلية بمواصَفات محرِّك أي سيارة، ولونها وهيئتها، هي أمور عديمة الفائدة عند محاوَلة توقُّع المكان والتوقيت اللذَين ستحدُث فيهما حالات الازدحام المروري في نظام طرق جديد. وبالمثل، فإن فهم طبائع شخصيات أفراد في حانةٍ مُزدحِمة لن يعطي مؤشرًا فيما يتعلَّق بماهية المشاجرات الواسعة النطاق التي يُمكن أن تنشأ فيها.»110
إذن ما الجدوى التي تُرجى من نظرية التعقيد في سياق الجهد المبذول لتفسير الانهيار الذي حدث في نهاية العصر البرونزي المتأخِّر، إذا لم تتمكَّن من أن تُساعدنا في تحديد توقيتِه أو مسبباته؟ تُشير كارول بيل إلى أن شبكات التجارة لإيجه وشرق المتوسط هي أمثلة على الأنظمة المعقَّدة؛ ومن ثَمَّ استشهدت بالجهد البحثي لكين دارم، من جامعة ريدنج، الذي أشار إلى أنه «مع ازدياد تلك الأنظمة تعقيدًا، ومع تزايد درجة الاعتمادية المتبادَلة بين الأجزاء المكونة لها، يُصبح أمر إبقاء النظام المجمل مستقرًّا أكثر صعوبة.»111 يحدث ما يُعرَف باسم «التلاحم المفرط»، كما يقول دارك، «عندما يصبح كل جزء من أجزاء النظام معتمدًا بشدة على الأجزاء الأخرى لدرجة أن التغير في أي جزء يُمكن أن ينتج عنه عدم استقرار في النظام بكامله.»112 لذلك، إذا كانت حضارات العصر البرونزي المتأخر متسمة حقًّا بالعولمة ومعتمدة على بعضها البعض فيما يتعلق بالبضائع والخدمات، ولو حتى لدرجة معينة، فإن التغير في واحدة من الممالك ذات الصلة، مثل الميسينيين أو الحيثيين، من المحتمل أن يُؤثِّر عليها جميعًا ويُفْقِدها الاستقرار.
علاوة على ذلك، من المهم بوجه خاص إمكانية أن يُنْظَر إلى ممالك، وإمبراطوريات، ومجتمَعات العصر البرونزي المتأخر في إيجه وشرق المتوسط باعتبار كل واحدٍ منها نظامًا سياسيًّا اجتماعيًّا مستقلًّا. وكما يقول دارك، فإن تلك «الأنظمة السياسية الاجتماعية المعقَّدة سوف تُبدي ديناميكية داخلية تؤدِّي بها إلى أن تزداد تعقيدًا … فكلما ازداد تعقيد نظامٍ ما، صار أكثر عرضة للانهيار.»113

لذلك، في إيجه وشرق المتوسط في العصر البرونزي المتأخِّر، لدينا أنظمة سياسية اجتماعية مستقلة، هي الحضارات المختلفة، كانت تزداد تعقيدًا؛ ومن ثَمَّ صارت على ما يبدو أكثر عرضة للانهيار. في الوقت نفسه، لدينا أنظمة معقَّدة، هي شبكات التجارة، كانت تتسم بالاعتمادية المتبادلة وكذلك بالتعقيد في علاقاتها؛ ومن ثَمَّ كانت عرضة لعدم الاستقرار ما إن حدث تغيير في واحد من الأجزاء المتكاملة. وهنا يُمكن لترس معطوب واحد، في آلة تعمل بصورة جيدة، أن يُحوِّل الآلة كلها إلى كومة من الخردة، مثلما يُمكن لذراع توصيل مخلوعة أن تُدمِّر محرِّك سيارة في وقتنا الحالي.

لذلك، بدلًا من تصوُّر نهاية مروِّعة عمومًا، على الرغم من أنه من المُحتمَل أن مدنًا وممالك معيَّنة مثل أوغاريت واجهت نهاية مأساوية خاطِفة ومُلتهِبة، ربما من الأفضل أن نتخيَّل أن نهاية العصر البرونزي المتأخِّر كانت بالأحرى عبارة عن مسألة تفكُّك عشوائي، رغم كونه تدريجيًّا، لمناطق وأماكن كانت يومًا ما مناطق وأماكن كبرى وكانت متَّصلة بعضها ببعض، لكنها بعدئذٍ تضاءلَت وانعزلت، مثل ميسيناي، بسبب تغيُّرات داخلية و/أو خارجية أثرت في واحد أو أكثر من الأجزاء المتكاملة للنظام المعقد. من الواضح أن ذلك الضرر كان من شأنه أن يؤدِّيَ إلى تعطيل الشبكة. يُمكننا أن نتصور شبكة طاقة كهربائية تعطلت، ربما جراء عاصفة أو زلزال، حيث يظلُّ بمقدور شركة الكهرباء أن تنتج الطاقة ولكن ليس بوسعها أن تُخرجها إلى الأفراد المُستهلكين؛ نرى أحداثًا كتلك سنويًّا في الولايات المتحدة، والتي تَنجم عن كل شيء وأي شيء من زوابع في أوكلاهوما إلى عواصف ثلجية في ماساتشوستس. إذا كان التعطيل مُستدامًا، كما قد يكون الحال في كارثة كبرى، مثل انفجارٍ نَووي في يومنا هذا، فسينتهي الأمر بتوقُّف إنتاج الكهرباء. قد يَصْدُق هذا التشبيه على العصر البرونزي المتأخر، وإن كان بمُستوًى تقني أدنى.

وعلاوةً على ذلك، كما تُشير بيل، فإن عاقبة عدم الاستقرار ذاك هي أنه عندما ينهار النظام المعقد، «ينقسم إلى كيانات أصغر»، وهو بالضبط ما نراه في العصر الحديدي الذي يلي نهاية حضارات العصر البرونزي هذه.114 لذلك، يبدو أن استخدام نظرية التعقيد، التي تسمح لنا بأن نخطو خطوة إلى الأمام بكل من نظرية الكارثة وانهيار الأنظمة، قد يكون أفضل نهج لتفسير نهاية العصر البرونزي المتأخِّر في إيجه وشرق المتوسط في الأعوام التي تلَت ١٢٠٠ق.م لا تتعلَّق الأسئلة الحقيقية ﺑ «من فعل ذلك؟» ولا «ما الحدث الذي تسبَّب في ذلك؟» لأنه يبدو أن عددًا كبيرًا من العناصر والأشخاص كان مُنخرطًا في الأمر، بقدر ما تتعلَّق ﺑ «لماذا حدث ذلك؟» و«كيف حدث؟» وثمة سؤال مطروح آخر مختلف تمامًا، وهو السؤال الذي يتعلَّق بما لو كان مُمكنًا تفادي الأمر.

ومع ذلك، فباقتراحِ أنه ينبغي استخدام نظرية التعقيد في تحليل أسباب انهيار العصر البرونزي المتأخِّر، ربما يكون جلُّ ما نفعله هو أننا نُطبِّق مصطلحًا علميًّا (أو ربما كان زائفًا من الناحية العلمية) على وضع لا يشتمل على معلومات كافية من أجل استخلاص نتائج قاطعة. يبدو الأمر جيدًا، ولكن هل يؤدِّي حقًّا إلى تعزيز فهمنا؟ هل يتعدَّى مجرد كونه طريقة جذابة لقول حقيقة واضحة تمامًا؛ ألا وهي أن الأمور المعقدة يمكن تفكيكها بطرق شتى؟

مما لا شك فيه أن انهيار حضارات العصر البرونزي المتأخر كان أمرًا معقَّدًا بالنظر إلى جذوره. ونعرف أن العديد من المتغيِّرات المحتملة ربما كان لها دور مساهم في الانهيار، ولكننا لسنا حتى متيقنين من أننا نعرف كل المتغيرات ومما لا شك فيه أننا لا نعرف أيها كان له دور رئيسي؛ أو إذا ما كان بعض المتغيرات مهمًّا على الصعيد المحلِّي ولكن لم يكن له تأثير يُذْكَر على النظام ككل. من باب المُضيِّ خطوة أخرى في تشبيهنا المتعلِّق بازدحام الحركة المرورية؛ نقول إننا نعرف مُعظَم المتغيِّرات في حالة ازدحام الحركة المرورية؛ إذ نملك بعض المعلومات عن عدد السيارات والطرق التي تَنتقل فيها (سواء كانت واسعة أو ضيقة) ولدينا بالتأكيد القدرة على أن نتوقع إلى حدٍّ كبير تأثيرَ بعض المتغيِّرات الخارجية؛ ومنها، مثلًا، عاصفة ثلجية على طريقٍ سريعٍ رئيسي. أما في حالة العصر البرونزي المتأخِّر، فنحن نَعتقِد، وإن كنا لا نعرف يقينًا، أنه كان يُوجد مئات من المتغيِّرات أكثر مما يشتمل عليه نظام حركة مرورية حديث.

إضافة إلى ذلك، فإنَّ الحُجة القائلة بأن حضارات العصر البرونزي المتأخِّر كانت تزداد تعقيدًا؛ ومن ثمَّ كانت عُرضةً للانهيار في الواقع ليست حُجة منطقية بقدر كبير، وخاصةً عندما يأخذ المرء في الاعتبار «تعقيدها» بالمقارنة بالتعقيد الذي اشتمَلَت عليه الحضارات الأوروبية الغربية في الثلاثمائة سنة الأخيرة. لذلك، فمع أنه من المحتمَل أنَّ نظريةَ التعقيد قد تكون طريقة مُفيدة لمعالجة مسألة انهيار العصر البرونزي المتأخِّر ما إن يُصبح بحوزتنا المزيد من المعلومات فيما يتعلَّق بالتفاصيل الخاصة بكل الحضارات المَعنية، فقد لا تكون ذات جدوى كبيرة في هذه المرحلة، باستثناء كونها طريقة مُثيرة للاهتمام لإعادة تشكيل رؤيتِنا بأن طائفة كبيرة من العوامل كانت قائمةً في نهاية العصر البرونزي المتأخِّر، والتي يُمكن أن تكون قد ساعدت في زعزعة استقرار، وأدَّت في النهاية إلى انهيار النظام الدولي الذي كان قائمًا، ويعمل بصورة جيِّدة للغاية على مُستوياتٍ شتَّى، طيلة قرون عديدة سابقة.

ومع ذلك، لا تزال المنشورات الأكاديمية مُستمرَّة في اقتراح مُتوالية خَطِّية لانهيار العصر البرونزي المتأخِّر، على الرغم من حقيقة أنه ليس من الدقيق أن نقول ببساطة إنَّ جفافًا تسبَّب في مجاعة، والتي بدورها تسبَّبت في جعل شعوب البحر تبدأ في التحرُّك وإحداث الفوضى، مما تسبَّب في الانهيار.115 لم تكن المتوالية خَطية لهذه الدرجة؛ فالواقع كان أكثر فوضوية بكثير. من المحتمَل أنه لم يكن ثمة قوة دافعة واحدة أو سبب واحد، وإنما بالأحرى عدد من عوامل الضغط المُختلِفة، التي أجبر كل واحد منها الناس على الاستجابة بطرق مختلفة للتكيُّف مع الوضع المتغيِّر (أو الأوضاع المتغيِّرة). لذلك فإن نظرية التعقيد، وبخاصة من ناحية تصوُّر مُتواليةٍ غير خطية وسلسلة من عوامل الضغط بدلًا من عامل ضغطٍ واحد، مُفيدة في تفسير الانهيار الذي حدث في نهاية العصر البرونزي المتأخِّر، وكذلك في تقديم سبيل للمُضيِّ قدمًا في متابعة دراسة هذه الكارثة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠