الفصل الثامن والأربعون

اليأس

وفي صباح اليوم التالي خرج سلمان إلى مر الظهران يطلب ذلك الخزاعي فعلم أنهُ نقه من مرضهِ والتمس مقابلتهُ فأدخلوه عليهِ فإذا هو شيخ هرم قد أحناه الكبر حتى أبيض شعر لحيتهِ واسترسل على صدره وتجعد وجههُ وغارت عيناه وغطاهما شعر الحاجبين فحياه سلمان فردَّ التحية وأشار إليه أن يجلس إلى جانبهِ ففعل.

فبدأَ سلمان بالسؤَال عن صحتهِ ثم استطرد إلى آخر الفتح ثم عرفهُ بنفسهِ وما جاءَ من أجلهِ فرحب بهِ.

فقال سلمان: «قد جئناك يا سيدي نستطلع أمرًا يهمنا كثيرًا ولا نرى أحدًا سواك يستطع مساعدتنا فيهِ.»

فقال: «مرحبًا بك قل ما بدا لك.»

قال: «نرجو أن يكون كلامنا سرًّا لا يعرف بهِ أحد سوانا.»

قال: «قل لقد وقعت على خزانة أسرار.»

قال: «نحن نعلم أن إحدى ملكات غسَّان واسمها مارية أهدت الكعبة قرطين ثمينين منذ نحو قرنين فهل تعرف شيئًا من ذلك.»

ففكر الشيخ قليلًا ثم قال: «نعم يا ولدي أني أعلم ذلك.»

قال سلمان: «فهل تعلم مكان هذين القرطين الآن.» قال: «أن حكاية هذين القرطين أصبحت في خبر كان لأن الكعبة قد هُدِمت وبنيت مرارًا بعد إهداء زينك القرطين وآخر مرة هدمت فيها كانت منذ نحو أربعين سنة وبناها عبد المطلب جدُّ نبينا الذي شاهدتم فتحهُ مكة أمس وهو الذي تولى رفع الحجر الأسود حينئذٍ ووضعهُ في مكانهِ قبل ظهور دعوتهِ ببضع سنين فقد كانت القبائل مختلفة على من يحمل ذلك الحجر الشريف ويضعهُ في مكانهِ وحاولت كل قبيلة اكتساب ذلك الشرف لها فحكموا هذا النبي في ما بينهم وهم لا يعلمون شيئًا من كرامتهِ فأشار بوضع الحجر في ملاءَة واسعة وأوعز إلى كل قبيلة أن تحمل بطرف من أطرافها وبذلك انحسم الخلاف والخلاصة أن القرطين لا يعلم أحد بمكانهما الآن والأرجح أنهما بيعا إلى أحد المتجولين والبحث عنهما يعدُّ من قبيل العبث.»

فتكدر سلمان لذلك الأمر وإلتفت إلى الشيخ قائلًا: «فهل تظن البحث عن القرطين عبثًا.»

قال: «هذا ما أراه على أن دخول الكعبة لمثل هذا الغرض أمر مستحيل اليوم بعد دخولها في حوزة الإسلام.»

فانقبضت نفس سلمان ولم يعد يستطيع البقاء هناك فنهض فودَّع الشيخ وخرج إلى حماد وكان ينتظر عودتهُ بفارغ الصبر فلما رآه استطلعهُ الخبر فأطلعهُ على حديث الشيخ وهو يكاد يبكي لشدة الأسف ولكنهُ اقترح حديثهُ بعبارات التعزية وأملهُ بوسيلة يتخذها للتعويض عن هذين القرطين أمام هند على أن ذلك لم يكن ليخفف شيئًا من قلق حماد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤