كافر (وحي شيطان مَرِيد)

فصل في منظرين اثنين

أقولها لكم:

«لن تؤمنوا حتى تَكفُروا، ولن تكفروا حتى تُؤمنوا.»

تلك هي تعاليم الفكر الواحدة في الأرض الخالدة.

***

حديث في الملأ الأدنى! فلا تَسترسلوا.

بدئ بوضعِه عام ١٩٤٣ ولمَّا ينتهِ عام ١٩٤٨

تمهيد

خطوتُ على جدثٍ مُنتِنِ
وأوغلتُ في الزمن الأرعَنِ
وفي خاطري همساتُ عسى
تُشدِّد من عزميَ المُنثني
شبابٌ، ومَن كالشَّبابِ إذا اعـ
ـتراهُ الشعورُ المُفيض الغَني؟
يُدافع بالمَنكِبِ الغادِرات
ويُترِعُ كأسَ الهَوى بالأَملْ
ويضحكُ ثغرٌ، وقلبٌ، وخا
طرٌ، والنُّهى، ضحكة للغزل
يُريد الحياة كما يشتهي
جنونًا وطيشًا بلا ثَمنِ
وفي الكونِ هذا، ولكن تُرى
مفاتيحُه بين أيدي منِ؟!

•••

ركبتُ مع الرِّيح أسعى إلى السـ
ـسماء وفي خافِقي لهَفُ
وجزتُ حزونَ الموانع ما
يُعارضني خاطِر مُرهَفُ
وأيقنتُ أني سأَحظى بما
أريد، وفي همَّتي مُسعِفُ!
وحلَّقتُ حتى تركتُ الذي
بنفسي من خاطرٍ يائس
وصفقتُ بالجانِحَينِ إلى
رياضٍ من الأمل الناعِسِ
فلما قَرُبتُ، تلاشى الهواء
وغام الفضاءُ فما أَعرفُ
وأهويتُ نحو ثراي وبي
بقية أهواءَ تُستنزَفُ!
تقاربتُ، بالفكر، من خالقي
وأوسعتُ خَطوي فما أَرجِعُ
يُشجِّعني أمل باسم
وتشملني قوة تدفع
شبابٌ وفكرٌ وعزمٌ وما
يُريد الخلودُ: هوى يرفع
إذا بي يُحطِّمني مَن له اقـ
ـتدارٌ ليَرفعني عاليا
ويسعى ليَبني على جَدثي
وما كانَ إلا فتًى غاليا
يلازمني الحسُّ يدفعني
فأرضى، ويغضبُ إذ أقنَعُ
وما كان إلا نَعيمي ومقبـ
ـرتي … ثم لي فيه ما يَشفعُ

•••

أنفتُ من السَّعي في مَركبي
وعُدَّتُه مُتلَفاتُ الشِّراع
وهذا الوجودُ على رَحْبِه
تَضايَقَ حتَّى غدا طولَ باع
فطرتُ على جانِحَي فكرة
أُيَمِّم ما لم أَزُرْ مِن بقاع
فلما بعدتُ، بَكى خافِقي
فعذبتُهُ بالصُّدودِ الأَصم
فثار لنكبتِهِ خاطري
فغذيتُه بالأَسى والألم
إذا بي أبرأ مِن واقعي
يُطهِّرني في رُؤاه اليَراع
وعاد الوجود على ضيقِهِ
كبيرًا يَمدَّدُ لي في اتِّساع!

المشهد الأول: المحكمة العليا

(في قمة جبلٍ صخريٍّ، في إحدى مغاراته الرهيبة، يجلس في صدر المغارة المُوحِشة شيخ جليل، وعن يمينه ملاك وعن يَساره مارد، وأمامه يَقتعد الأرض إنسي، وعلى مَبعدة تتصاعَد ألسنة اللهيب.)

الشيخ :
روِّعوه، إن استطعتم، فقد عا
ث فسادًا، وأمطر الأرضَ كفرا
وأتى بالعجيب، حتى أثار الذُّ
عرَ في الأرض، واستبدَّ مُصِرَّا
ما تقولون؟! … … …
الملاك، المارد، الإنسي :
… … بئس! … …
الشيخ :
… … … بورك فيكم!
سوف نأتي به ليشرح أَمرا
لم يكن من حقوقنا حملُ همِّ الأرضِ!
لَكِنْ: لكلِّ أَمرٍ قرارُ
سكرَ الأمسَ، واستبدَّ بها اليومَ
وروَّى الأحداثَ ما يَختارُ
ولو انْ يَكتفي اكتفينا. ولكن
شطَّ في الغيِّ فالسكوتُ صَغارُ!

•••

نحن قُمنا في الأرض، أسيادَها الكُفْ
ء فما إنْ نقولُ بالطغيانِ
وعلمنا عن الحياة كثيرًا
وسَهونا عن طينةِ الإنسانِ
جُبلَتْ مِن مياهِ مُستنقَعٍ رجـٍ
ـس، وصلصالُها رفاتُ الهَوانِ

•••

إنما «هُو» حقيقة الإنس جمعا
ء، و«هي» فتنة الوجود اللعينِ
قد سُقي من رحيقها، وسَقاها
مِن رحيقٍ عَصيرُه مِن طينِ
وتبنَّى — كما تبنَّت — شحوبَ الر
أي في أرذلِ الوجوهِ المَهينِ!

•••

أَحضِرُوه مُكبَّلًا بقيود الـ
ـوهم والخِزي والأسى والآثامِ
الملاك :
واطرَحُوهُ أمامَ مَحْكَمة العد
لِ ليَلقى جزاء ذاك الكلامِ
الإنسي :
ودعوه يقول … … … …
الشيخ :
… … لا لا! فما كا
ن له أن يقول غير مرامي!
أحضِروه! … … …
الإنسي :
… ليُؤتَ بالفَنَن الذا
وي! فقد طال في الغياهب لُبثُه
هو في غيهبَين: نفسٍ وسجنٍ
وهو في الناس كافر ضلَّ بحثُه
وهو منه ضحية القلق الجبـ
ـار … … … … …
الشيخ :
… لا لا! فقد أضلَّكَ خُبثُه!

المشهد الثاني

(«هو» يأتي مكبَّلًا بالسلاسل وعلى وجهه مخايل كفره!)

الشيخ :
أنت «هو»؟ … … … …
هو :
… …؟ … … … …
الشيخ :
… … قُلْ! … … …
هو :
… … … أجل! … …
الشيخ :
… … … … وأمُّكَ «تلك»؟
هو :
؟ … … … … … … …
الشيخ :
قل! … … … … … …
هو :
… أجل! … … … … …
الشيخ (متذمِّرًا) :
… … ما أرى لكَ اليوم ناصِر!
وأبوكَ المسكين «ذاك»؟ … …
هو :
… … …؟ … …
الشيخ :
… … … أجبْ! …
هو :
… … … … لا!
الشيخ :
كيف؟ … … … … … …
هو :
… لا! لم يكن أبي صنوَ حافر!
الشيخ :
لا تَفُهْ مُقذِعًا من القولِ! …
هو :
… … … … … لكن
الشيخ (ملوحًا بقبضته) :
ليس في عُرفِنا لواكنُ١ كافِر!
مَن تُراهُ أبوك … …
هو :
… … … «ذاك» …
الشيخ (ملتفتًا يمنة ويسرة) :
… … … … وأنتم
وزِّعوا عنه قيدَه والشَّنارا

(يُوزَّع عنه قيدُه، وينتقل اللهب إلى وسط المغارة أمام الشيخ الجليل.)

الشيخ (ﻟ «هو») :
اقترب! … … … … … …
هو (يقترب) :
الشيخ :
… أيضًا … … … … …
هو (يلبث في مكانه) :
الشيخ :
… … ما لك اليوم تخشى النَّـ
ـارَ؟ … … … …
هو :
… حسبي! فما أطيق النَّارا
الشيخ :
كيف طقت الوجود تُصهَر فيه
كافرًا … ثم خفتَ الشَّرارا؟!
هو :
كان لي في الحياة كفري معينًا
ثم أضحى المُعينَ شيطانُ شاعِر
الشيخ :
كيف؟ … … … … … …
هو :
… لا أدري! … … … …
الشيخ :
… … … بل أجب! … …
هو :
… … … … … لستُ أَسطيـ
ـع! … … … … …
الشيخ :
… جبان! … … … …
هو :
… … بل غيرُ هذا! …
الشيخ :
… … … … … مكابر!
وستَدري أن المصير سيَلقا
كَ عنيدًا … …
هو (متهكمًا) :
… … وبعدها؟ …
الشيخ :
… … … ستُجاهِر!
هو (بحزم) :
علَّمتني عقيدتي أن مَن يقـ
ـضي بدنيا آرائه فشهيدٌ!
الشيخ :
ثم … … … … …
هو :
… صمتٌ! … … … …
الشيخ :
… … وبعد؟ … … …
هو :
… … … صمتٌ! … …
الشيخ :
… … … … ومن بعـ
ـدهما؟ … … … …
هو :
… صمتٌ! … … …
الشيخ :
… … أنت غرٌّ عنيد
نحن في كفِّنا كتاب مَواضيـ
ـك … … … …
هو :
… اطرحوها … … … … …
الشيخ :
… … بل قُل لنا ما نريدُ
هو :
عبثًا تَطلُبون مني اعترافًا
أنا أَودعتُه مِن الصَّدرِ قَبرا
تَستطيعون كل شيء سوى الإكـ
ـراهِ! … … … …
الشيخ :
… بل نَستطيعُه الآنَ قَسرا
هو :
حاوِلوه! … … … …
الشيخ :
… خسئتَ مِن كافِر غـ
ـرٍّ … … … … … …
هو (بعناد) :
… سواي الْـ … … … …
الشيخ :
… بل أنتَ أوضَعُ قَدرا
هو :
فيم تُؤذونَني؟ ألم أكُ حُرًّا؟
الشيخ :
كنتَ حُرًّا مقيدًا! … …
هو :
… … … لستُ أفهَم!
الشيخ :
غيرُ مجدٍ إفهامُكَ الآن! …
هو :
… … … … تضليـ
ـلٌ! … … … … …
الشيخ :
… صَهٍ! … … … …
هو :
… … لا! … … …
الشيخ :
… … … ستَصمُت الآنَ مُرغَم
هو :
عجبًا! تطلبون مني اعترافًا
فإذا فُهْتُ قيل: لا تتكلَّم
لي حقٌّ وليس لي أيُّ حق!
منطقُ الأرض ثَمَّ أقوى وأدعم
الشيخ :
لست في الأرض! … … … …
هو (صارخًا) :
… … … أين؟ … … …
الشيخ :
… … … … في الملأ الأد
نى! … … … …
هو :
… أأجثو؟ … … …
الشيخ :
… … مخيرٌ! … …
هو :
… … … بل مُحطَّم!
الشيخ :
فليَكُن! … … … …
هو :
… كيف؟ … … …
الشيخ :
… … أنت حرٌّ! …
هو :
… … … … أُراني
نُؤتُ فكرًا بين التناقُض مُبهَم
أنا حرٌّ ولستُ حرًّا … فكيف الـ
ـجمْع … ضدان ضمنَ كفَّة حابِل؟
أرهقتْني حقائقٌ في وجودي
وأضلَّ التفكيرُ ميزانَ عاقِل
كلما شئتُ أن أخطَّ كتابي
قيل: لا تجترئ فقد قال قائل!

•••

عذِّبوني، إن استطعتم، بجسمي
فوجودي قد كان أدهى عذابِ
منَحوا عقلًا قال لي: أنت مشدو
دٌ إلى «اللَّوح» و«الدُّنى» و«الترابِ»
لا تَكن كافرًا تَخِب! ودعِ الإيـ
ـمانَ تسليمًا تنجُ! يا لاضطرابي!
كيف خُيرت؟ كيف أجبرت؟ لا أد
ري! … … … … … …
الشيخ :
… ستدري من بعدُ … … …
هو :
… … … … قد ضقتُ صبرا
كل شيء مُعلَّقٌ بانتظار الـ
«بعدُ» … والـ «بعدُ» مُغلقٌ ليس يُدرى
والذي أغلق الوجود عليه
شاء أمرًا، ونفَّذَ اليوم أمرا
ولنا — لا لغَيرنا — حقُّ تَسطيـ
ـرِ مَصيرٍ سؤالنا عنه حَشرا
كيف يَجني امرؤٌ ويُسأل عنه
غيره؟ … … … … …
الشيخ :
… أنت لم تُحِطْ به خُبرا
لستَ تَجني إلا أثامًا وتُرغِي
قد ضللتَ الصوابَ عقلًا وفكرا
الملاك :
فلنُؤدِّبْه … … …
المارد :
… فلنُعَذِّبْهُ … …
الشيخ :
… … لا لا!
سوف أُشقيهِ بالخَيالِ المُجنَّح
الإنسي :
شقوةُ الناس بالحياة، وآما
لهمو بلسم لجرحٍ تقيَّح
لا تُعذِّبْه بالخيال وأنت الـ
ـعدل! … … … …
الملاك :
… بل زدْهُ بالحنين المُبرَّح
صِله طورًا، واهجرْه طورًا، ولقِّنْـ
ـهُ التَّسامي، ودعْهُ في الوَحلِ يَضبَح
المارد :
واحبُهُ المال لا يُقيم له أَو
دًا … وجرِّدْهُ مِن يقينٍ مُوضَّح
ثم واجعل أليفَه شرَّ مَن فهم الألـ
ـفة … وامنع دموعه أن تُسفَح
ثم … … … … … …
الإنسي (صارخًا) :
… يَكفي! … … … … …
الملاك :
… … لا! … … … …
الإنسي :
… … … بل كفى! … …
الشيخ :
… … … … … أنتَ منه!
الإنسي :
إن هذا ما لا تطيق الجبالُ
عذِّبوهُ بجِسمهِ، إنْ أردتُم
الشيخ :
إنَّ أقصى الجزاء فيه الخيالُ
ما تقولونَ؟ … … …
الأكثرية :
… نِعمَ! … …
الشيخ (مشيرًا إلى «هو») :
… … … بورك فيكم
عُد إلى الأرض! دارُكَ الأَوحالُ!
هو :
حُكمكُم حكم مَن تحكَّم قبلًا
أنتمُ عصبة وإني وحيدُ
عذِّبوني وأرهقوني خيالًا
وارجُموني كما يشاء المُريدُ
ودعوني حتى أغوصَ لفرعي
في وحول الحياة … لستُ أَحيدُ
أطعموني عصارةَ القَذرِ المُرِّ …
وهاتوا ما تَرتضيه العبيدُ
وادفعُوا الرجسَ في دَمي يتمشَّى
ودعوا الإثمَ في عروقي يَزيدُ
واملئوا لي فمي تُرابًا؛ فقد ما
تَ، كلامٌ لم يَستسغْهُ الوجودُ
وانبذوني — كما نبذتُكُم الأمـ
ـس — وقولوا: هذا شريدٌ طريدُ
واكفُروا بي، كما كفرتُ بغيري
إنَّ شيطانَنا وحيدٌ مَريدُ!
خالقُ «الشيء» مُؤمِنٌ بقُواه
فإذا عقَّهُ أتاهُ الجُحودُ
لا تَلوموهُ إن تلوَّى شكوكًا
فلقد ساقَهُ إليه القيودُ
الغواياتُ في دمي تَتنزَّى
والشرايين فجَّرَتْها السدودُ
والمَفاهيمُ عطَّلتْها التقاليـ
ـدُ وأَودى بطُهرِهنَّ السجودُ
السجودُ المرير للأرض والنَّفـ
ـس! وبعضُ السجود ذلٌّ عنيدُ
والبراءاتُ وسَّختها القَوافي
والدناءات شجَّعتْها الحدودُ
والقوانين تَدعم الشرَّ للشرِّ!
وضَلٌّ٢ ما ندَّ عنه وليد!
عطَّلوا الأرضَ من عُصارة طهرٍ
فإذا مُمرعُ الرياض حصيدُ
وإذا الأرضُ منبت الشر لا يَقـ
ـوى على فصدِ شرِّها مَفصودُ
كلما أنبَتَ السموُّ نباتًا
أيبَسُوهُ! فلن يكونَ جديدُ!
كل حرٍّ بين العبيد رقيقٌ
أفنرجو أن يُسترقَّ العبيدُ؟
اصنعوا ما بدا لكم وادعَمُوهُ
نطقَ الظلمُ فيكمُ ما يُريدُ
علَّمتْني عقيدتي: أنَّ مَن يقـ
ـضي بدنيا آرائهِ فشهيدُ!
(يساق.)
١  لواكن جمع لكن.
٢  ضلٌّ: أي ضلال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤