السراب

هذا الفيلم مأخوذ عن رواية بنفس الاسم لنجيب محفوظ، وهي رواية لم تأخذ هي الأخرى نصيبها من الشهرة والنقد اقتصارًا على ما يقال عنها وحسب إنها تعالج عقدة أوديب الفرويدية. وهذا الإكليشيه يظلم الرواية والفيلم معًا؛ فالرواية حقًّا تعالج هذا الموضوع، ولكن في خلفية وبيئة ومحيط مصري خالص وشخصيات مرسومة بدقة بالغة: وهي أيضًا من أعمق وأصدق ما كتب عملاق الرواية العربية، وأشدها تجسيدًا لوعي ولاوعي الشخصية الرئيسية فيها: كامل رؤبة لاظ.

وفيلم «السراب» هو أول أعمال المخرج أنور الشناوي، ومن أوائل الأفلام التي يقوم ببطولتها نور الشريف، ومن إنتاج أفلام ماجدة التي قامت بدور البطولة النسائية، وقام بوضع السيناريو عن القصة الأصلية علي الزرقاني.

ونبين هنا أن الفيلم قد اختلف عن الرواية في عدة أشياء، أهمها على الإطلاق طريقة عرض الأحداث؛ إذ إنه قد استعاض عن طريقة السرد بضمير المتكلم التي استخدمها نجيب محفوظ في الرواية، بطريقة السرد المباشر التي تعطي كاتب السيناريو، ومن ثَمَّ المخرج، حرية أكبر في السيطرة على تناول وقائع القصة وتقديمها للمُشاهِد على نحو بانورامي. وهذه الطريقة قد تكون أصلح للسينما من الطريقة الذاتية التي تتطلَّب الكثير من الفلاش باك، الذي استخدم مرة واحدة فقط في الفيلم لعرض مشهد الشغالة وكامل في طفولته.

وتجدر الإشارة إلى أن طريقة السرد الذاتي قد لاءمت الرواية تمام الملاءمة؛ إذ عرض المؤلف الأحداث من خلال وعي الشخصية الرئيسية، مما أتاح له تقديم تحليل عميق لمشاعر الإنسانية كما تتجلى في عين البطل، وساعدته الحبكة الدرامية للرواية حيث يتابع القارئ الأحداث على النحو الذي تتكشف به للبطل، بكل ما يضفيه ذلك من تشويق. وكذلك دفعت هذه الطريقة — التي تختلف عن المعالجة الروائية — كاتب السيناريو والحوار علي الزرقاني إلى حذف كثير من الأحداث الواردة في الرواية، والإشارة إلى بعضها مجملًا في حديث الشخصيات عن الماضي، وكان هذا ضروريًّا لتقديم قصة درامية عضوية تتألف من مقدمة وتشابك وذروة تنتهي بالحل، ويختفي منها كل ما لا يمت للموضوع الأصلي بصلة.

ويبدأ الفيلم ببيان العناصر الأساسية للقصة، التي ستتجمَّع كلها في خيوط دقيقة لتطور الحدث الرئيسي. فنرى الشاب كامل «نور الشريف» في مدرج بكلية الحقوق بالجامعة عاجزًا عن الاندماج في أوساط الطلبة والطالبات؛ وحين يطلب الأستاذ منه الإجابة عن سؤال، ويشعر بأنظار الجميع مسلطة عليه، ينهار ويندفع هاربًا من المدرج ومن الجامعة كلها. ذلك أنه يطلب إلى أمه وجَدِّه أن يبحثا له عن وظيفة بالبكالوريا لأنه لن يعود مرة أخرى للدراسة بالجامعة. كذلك نرى كيف تعامل الأم ولدها ذا العشرين عامًا كطفلٍ صغيرٍ، وشدة تعلقها به وحرصها عليه إلى درجة تبلغ حد المرض، ومحاولة الابن الأولى للانفصال عن هذا الحبل السري كيما يحاول أن يشق طريقخ في الحياة ككل الأشخاص الأسوياء.

ثم يكشف الفيلم عن الخيوط التي ستنسج المأساة في حياة البطل، فنرى استيقاظ الأحاسيس الجنسية لديه مقترنة بصورة الفتاة الشغالة لدى الجيران. ثم ينجح في محاولة نقل تلك الأحاسيس إلى حب فتاة يراها كل يوم في ذهابه وعودته من عمله ويشجعه جَدُّه على الخروج من القبو الذي حبسته فيه أمه، وهذا الجد يقدم في الفيلم الشخصية المضادة للأم؛ إذ هو يحث البطل على انتهاج الحياة الطبيعية لكل شاب يهفو إلى الحب والزواج والاستقلال؛ مما يدفع بالقصة إلى ذروة الصراع. ونشهد ذلك الصراع حين يتمزق كامل بين تلصصه على خادمة الجيران، وبين حبه الطاهر الشريف للطالبة رباب «ماجدة» التي مثَّلت له كل ما هو مناقض لشهوة الجنس الذي كان يرتبط لديه بالشعور بالذنب. ويعرض الفيلم في مَشاهِد مبالغ في بطئها وطولها محاولات کامل للتقرب من رباب والتحدث إليها، حتى ينجح أخيرًا في إبلاغها برغبته في التقدم للزواج بها. ويتم الزواج بعد أن ورث كامل ثروة طائلة عن أبيه — ونحن لا نراه مطلقًا في الفيلم بعكس الرواية — ورغم حب كامل لرباب ومبادلة رباب الحب لزوجها، يستبين عجز الزوج الجنسي نتيجة لكل التراكمات النفسية التي مرَّ بها تحت رعاية أمه. ثم يستبين لنا سبب نفسي آخر حين يذهب کامل لاستشارة أحد الأطباء «رشدي أباظة» في هذا الأمر، حين يؤكد له الطبيب سلامته الجسمانية ويساعده على تذكر واقعة جرت له في طفولته حين ضبطته أمه مع خادمة حاولت إغواءه، وتوعدته الأم بنار جهنم نتيجة لذلك رغم أنه لا ذنب له فيما حدث. وهذا ما رسَّب في نفسه الخوف من الجنس وربطه بالإثم والعقاب.

وتتشابك خيوط الصراع، فيتعرض كامل لضغوط سؤال حماته عن حمل زوجته، ثم غيرة الأم من الزوجة وحيرة الابن بينهما، ثم مقابلة الطبيب الذي استشاره في سهرة بالخارج بوصفه أحد أقرباء صديقة رباب — وفي الرواية هو من أقرباء رباب نفسها — وحين بدأ كامل يغار على زوجته ويتخوف منها نتيجة عجزه معها، لم تجد رباب من تلجأ إليه في هذه المحنة سوى ذلك الطبيب؛ حتى إذا بلغت علاقتها بزوجها منعطفًا جديدًا حين حاولت إرضاءه بارتداء ما يثيره فانهال عليها ضربًا ولطمًا، وقع المحظور وهرعت إلى الطبيب مرتمية في أحضانه بوصفه الملاذ الوحيد لها. وهكذا يتابع المشاهد تطور القصة متسلسلة على هذا النحو، بينما في الرواية لا يعرف القارئ بمثل هذه العلاقة إلا في أواخر الكتاب. كذلك ثمة اختلاف جوهري هنا بين الرواية والفيلم، ففي الفيلم نرى خيانة الزوجة كشيء عابر تضطر إليه اضطرارًا عن طريق الضغط النفسي المفاجئ الناشئ عن العنف وخيبة الأمل اللذين واجهتهما وهي تحاول استمالة الزوج إليها وعلاجه من مرضه، أما في الرواية فما يعرفه القارئ يوحي بتواصل العلاقة بين الزوجة والطبيب واستمرارها لفترة طويلة.

وفي خلال تلك الأحداث، يتعرف كامل على عنايات «تحية کاريوكا»، إحدى بنات البلد الثريات التي تميل إليه وتصطحبه في نزهات خلوية يكتشف فيها كامل أن عجزه السابق مع زوجته يختفي تمامًا مع هذه السيدة.

وفي مرحلة النهاية، تُفاجأ رباب بحدوث حمل غير متوقع، وتضطر إلى إجراء عملية إجهاض تجنبًا للفضيحة أمام زوجها، ولكن العملية تفشل وتموت البطلة طالبة من زوجها الصفح والغفران. وإذ ينتهي الفيلم بمشهد عربة الإسعاف تقف أمام المنزل بينما الزوج يخرج جاريًا هربًا من الواقع المرير — وهو يقابل هروبه من المدرج في أول الفيلم — لا يملك المشاهِد إلا أن يتعاطف مع أبطال الفيلم الذين وقعوا ضحية ظروفهم ونشأتهم ومحاولتهم التغلب على تلك الظروف، فكانت عناصر المأساة متوازنة بين تصرفات البطلين وقدرهما. وتجدر الإشارة إلى أن الرواية تنتهي على نحو مختلف تمامًا؛ إذ تشير إلى أمل في حياة جديدة أمام الزوج الذي فقد زوجته وأمه في وقت واحد، حين تقوم عنايات بزيارته للسؤال عنه، في رمز إلى استمرار الحياة وتجددها دائمًا.

وقد قام ممثِّلو الفيلم بأدوارهم في براعة وإتقان شديدين، وكان دورا كامل ورباب مناسبين تمامًا لنور الشريف وماجدة، وبرز عباس فارس في دور الجد، كما وفَّرت زينات صدقي — في أحد آخر أدوارها — عنصر التخفيف الكوميدي اللازم وسط هذه المأساة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤