عبد الوهاب يبدأ جهاده!

ما إن ودع أمير الجيوش المعين من قبل أمير المؤمنين عبد الله بن سليم ذات الهمة، وتحرك ركبه عائدًا إلى مضاربه آخر الليل البهيم عبر شوارع مالطة القليلة الحركة في ذلك الوقت المتأخر، حتى أحاطت به الهواجس بسبب تلك المعلومات والتقارير الصارمة التي أطلعته عليها ذات الهمة — وهي التقارير والمعلومات التي يجمعها لها عيونها وبصاصوها من داخل أروقة الأعداء، ومنها بالطبع ما هو حقيقي، ومنها ما يزخر بالادعاءات والتلفيقات التي أشاعها الأعداء وصدقوها؛ مثل محاولة تعرضها للاغتيال مرات ثلاثًا.

غمغم الأمير وهو يترجل عن ظهر فرسته سحاب متعبًا: أماني … أوهام.

وحين انفرد بنفسه داخل مخدعه معاودًا التفكير في قضية الخلاف الكبير بينها وبين عمها ظالم وابنه الحارث؛ بسبب إنجابها لعبد الوهاب، قرر من فوره الكتابة إلى الخليفة المهدي ذاته، وإطلاعه على جلية ذلك الانقسام المهدد للعرب والأعداء يدقون في صلف كل الأبواب.

قال لنفسه وهو يخلع عنه عباءته استعدادًا للنوم: لعل خليفة المسلمين أقدر بحكمته وصائب بصيرته على استشفاف الخطر المحدق بسبب الانشقاق العربي، كما أنه الأقدر على ردع الأمير ظالم وفيالقه، وإعطاء الأولوية للجهاد أولًا وأخيرًا.

ولم تتوقف جهود عبد الله بن سليم عند مجرد إعلام الخليفة بتفاصيل وأعماق الانشقاق الحادث، بل اجتمع في اليوم التالي مباشرة بالأمير ظالم وابنه، وتمكن بعد بذل الكثير من الجهد المضني من تبصيرهما بالخطر الذي لن ينجو منه أحد هذه المرة؛ فها هو الحصار البحري الذي تمكن البيزنطيون من فرضه على طول الشواطئ والمدن البحرية مشرقًا ومغربًا، مما نتج عنه شل حركة الجيش العربي وقطع الطريق أمامه لتحقيق أي تقدم باتجاه العاصمة القسطنطينية.

وحين دفع عبد الله بن سليم بالرسالة الشخصية التي تلقاها من أمير المؤمنين إلى الأمير ظالم، امتثل من فوره لإعطاء الأولوية القصوى لإعلان حالة التأهب للقتال، الذي بدأ عسيرًا مجهدًا لجيش المسلمين، والذي امتد ضاريًا وطال أمده بسبب تولي الملك لاوون — أو ليون الأيزوري — بنفسه قيادة التحالف البيزنطي، والذي كان قد آلمه إلى حد الجنون مقتل ابنته الأميرة «باغة»، التي كان يعدها لوراثة إمبراطوريته.

أما قيادة التحالف العربي فتولتها بالطبع الأميرة ذات الهمة، التي عادت إلى ساحات الجهاد والقتال أكثر وحشية وتوثبًا مما كانت.

وحارب عمها ظالم وابنه الحارث بفيالقهما تحت راياتها، أملًا في تحقيق نصر يتيح إعادة طرح قضية عبد الوهاب، الذي وصل تجبر ذات الهمة إلى حد حرمانهما منه كحفيد وابن شرعي بشهادة كبار القوم.

وكما لو أن ذات الهمة بدورها قد تعمدت إطالة أطوار تلك الحرب المستعرة، هربًا من المشاكل ومن مختلف صنوف الادعاءات والفتن التي أثارها في طريقها عمها ظالم وابنه الحارث، اللذان أشعلا لهيب حرب خفية من خلف ظهرها المكشوف لهما، لا يخفت لها نيران، ولم تعد أحقادهما خافية على أحد حتى الأعداء وعيونهم وبصاصيهم.

وكانت كلما وصلتها تدبيراتهما وتقولاتهما عليها وعلى ابنها عبد الوهاب، حل بها الوهن، واعتراها الاكفهرار، الذي لم تفلح في إحداثه أسلحة أعتى أعدائها على طول البحر الفسيح الغامض الفاصل بينهما.

فكانت مؤامراتهما وتقولاتهما تصل أذنيها كمثل حد السكين، لتتساءل بينها وبين نفسها في مرارة: هكذا على النحو الملفق الدامي … وهل هذا وقته وأوانه؟ … وعلى مرأى ومسمع ممن؟ الأعداء، حشود القتلة المتربصين من كل صوب، ماذا أقول؟

كانت ذات الهمة تنهش جلد وجهها وشعرها صارخة دون صوت: لعل الأعداء وحشودهم … أكثر رحمة.

بل إن الأكثر مرارة هو استثمار الأعداء أنفسهم لمسار واتجاهات الصراع بين ذات الهمة من جانب، وعمها وابنه الحارث من الجانب المقابل، ورأوا في مثل تلك الوقيعة العائلية أو القبلية مادة خصبة لتعميق أبعادها وأغوارها، وما تفضي إليه — بالضرورة — من انشقاقاتٍ منها وعبرها تنفذ فلولهم المخربة.

بل إن وفودهم وسفراءهم تكاثروا على مخيمات وفيالق عمها وابنه، لا ينقطع لهم تواصل باتجاه تعميق أبعاد الجروح الدامية الغائرة، ونشر الفتن والتقولات ومختلف صنوف التآمر.

ومن هنا توزع القتال على أكثر من جبهة؛ مما أطال من عمر الحرب، وشدد من عزم تحالف الأعداء، وأوهن من ساعد الدلهمة وفيالقها المحاربة.

فاستحالت في أيامها الأخيرة إلى شبح عظمي يفيض بالعصبية والسخط على كل ما يحدث ويجري، وما تخلفه الأيام والليالي على كاهلها، فحتى ابنها البكر أصبحت لا تقوى على رؤيته، ولو لتعيد إلى النفس بعض صفائها كأي أم بدوية، ولتبثه أحزانها وأشجانها الدفينة حين تبكي معه على وسادتهما الواحدة.

لكنها ها هي تعيش وحدتها القاتلة محاطة بأخبار ما يتواتر إليها كل يوم من تلفيقات، تؤدي نتائجها بأجساد الآلاف المؤلفة من جند المسلمين وبسطاء الناس العاديين الذين لا حول لهم ولا قوة فيما يحدث من حرب قارية تجري برًّا وبحرًا، وتمتد رحاها على طول الأرض والبحر، بدءًا من بلاد الرافدين؛ حيث مقر الخلافة، حتى مالطة وعمورية والأندلس وتخوم القسطنطينية عاصمة تحالف الأروام البيزنطيين.

حرب ضروس أنهكت الأجيال إثر الأجيال منذ جدها الصحصاح حتى اليوم وغدًا، وفيها وعبرها تستخدم كل أسلحة الفتك والدمار التي يجريها الأعداء من الإفرنج في الأجساد العربية وجسدها هي ذاته، الذي أصبح في الأيام الأخيرة واهنًا مُغطًّى بمختلف الكدمات والخدوش والجراح الغائرة.

وليت أسلحة الأعداء هذه المرة اقتصرت على المتعارف عليه، بل هم تمرسوا وتفننوا في التوصل إلى مختلف أسلحة الفتك والدمار التي كانت تعصف عصفًا بسفن المسلمين وصفوفهم ومضاربهم؛ حيث لم يعد ينفع أمامها لا سيف ولا مقلاع ولا منجنيق.

أسلحة جديدة للحصد الجماعي، توصل إليها الأعداء وأتقنوا استعمالها وتجريبها في الأجساد العربية، لتمزقها أشلاء إثر أشلاء على مرأى من ذات الهمة وأركان قيادتها، ومنهم الأمير عبد الله بن سليم الذي لم يملك سوى الكتابة بتفاصيل ما يحدث من إجهاد للمسلمين لأمير المؤمنين، وشيوخ عرب الجزيرة، مستنجدًا بالكتائب الإسلامية الجديدة التي تصل إلى ساحات المعارك لتعاود نيران الأعداء الإغريقية حصدهم أفواجًا إثر أفواج.

ولم يجد الأمير بصائب تبصره نتيجة للتغير الذي حدث داخل الدلهمة عقب الأحداث الأخيرة، وما عصف بسمعتها وولادتها لعبد الوهاب مهربًا سوى مفاتحتها بالأمر، والوقوف منها على أسباب اندحار جيش المسلمين على هذا النحو، الذي أصبح لا ينبئ أبدًا ولا يشير إلى أي انتصار، أو حتى مخرج للقوات العربية.

بل إن القوات البحرية البيزنطية المطبقة على جزيرتهم لا تترك لهم منفذًا، تساندها فيالق وإمدادات بلاد الغال التي لا ينقطع لها تواصل، والتي تعالت دون استمرار الصمود العربي شهرًا بعد شهر، وأسبوعًا إثر آخر.

يضاف إلى ذلك الهجوم الانتقامي الذي تصدَّر قيادته الملك ليون الأيزوري بنفسه، معلنًا في كل يوم تحديه للعرب وكل قيادات المشرق، والذي كان يجيء مدججًا بالجديد من أسلحة الفتك التي قوامها النيران المستعرة، والانفجارات التي كانت تصل إلى معسكراتهم ليل نهار وكأن السماء تسقط حممها على رءوس جند المسلمين.

كان ذلك الخطر المطوق للفيالق والكتائب العربية لم يوقف لهيب الفتن والمؤامرات الداخلية، من جانب الأمير ظالم وابنه ضد ذات الهمة ووليدها عبد الوهاب، على هذا النحو جاء تفكير أمير أمراء الحملة عبد الله بن سليم في كيفية الوصول إلى أيسر الطرق لرأب الصدع، قبل استفحال الأمر وتزايد الخطر المتربص، ذاكرًا لذات الهمة حين انتقل إلى مضاربها أن الجميع هنا يستقلون موكبًا موحدًا تحت راياتها التي لم يسبق لها العودة منتكسة، وتساءل: ماذا حدث؟

وكانت زيارة أمير أمراء الحرب لمضاربها ومكاشفتها أقرب إلى البلسم الشافي، ذلك أن ذات الهمة طمأنت الأمير بأن الحرب ما هي سوى عطاء وأخذ، وأنهم الآن — أي المسلمين — في مرحلة العطاء الذي أعقب الهدنة الطويلة، تمهيدًا للوثوب والحصد.

وأخبرته ذات الهمة بأهمية إعادة صياغة صفوف جند المسلمين، كما أخبرته بأنها بانتظار رسلها وعيونها الذين دفعتهم إلى التسلل إلى القسطنطينية وصفوف الأعداء، وسلب وتهريب ما توصلوا إليه من أسلحتهم التي ستعود يومًا إلى نحورهم، بإذن الله.

وحين أخبرها مواربة عن تقولات الأعداء عليها، وتربُّصهم للحظة سياقتها للسبي مثلها مثل سالفتها «الزباء»، ضحكت ذات الهمة طويلًا في مرارة مُعلِمةً الأمير أن هذا هو تمني الأهل قبل الأعداء.

وكانت تعني بالأهل طبعًا عمها ظالمًا وابنه الحارث، وحلفاءهما الجدد من كبار الوزراء المقربين لدى الخليفة؛ مثل: عقبة بن مصعب، والفضل بن الربيع، الذين أصبحوا أقرب إلى الجسد الواحد والحليف الواحد.

كما أخبرته أن الأيام والليالي حُبالى وستلد، ومن يعش يسمع ويرى.

وتركها أمير الحملة عائدًا إلى مضاربه، مهمومًا لهمومها التي مداها حصد رءوس جند أمير المؤمنين.

فالجبهة مضطربة ينقصها التماسك، والأعداء يأسرون وينكلون بالمسلمين الذين يعلو تحديهم لذات الهمة، وللخليفة ذاته في بغداد.

أما ذات الهمة فكانت على ما هي عليه من أسًى يقطر بالمرارة، وهي التي تتصدى للحرب على جبهتين: في الخلف والأمام.

ولم يجد الأمير بدًّا من معاودة زيارتها وتقصي الأمر معها، حتى إنه استقدم معه ذات مرة ابنها عبد الوهاب ليربى مع أبنائه في مضاربه؛ تشفعًا لتفرغها للعدو وأساليبه، وترك أمر عمها ومَن في فلكهما له، فهو كفيل بقطع كل لسان يلغو من خلفها، وقال لها مطالبًا بالدفاع عن حرمات المسلمين وأبنائهم، ومن ضمنهم طبعًا عبد الوهاب وكل أطفال العرب.

•••

كان الصبي قد اشتد ساعده، كما انتقلت تربيته وإعداده كفارس إلى مضارب أمير أمراء الحملة، ليتدرب مع ولده عمر على يد أمهر معلمي الفروسية في عصره «داود بن محمد النجار»، مؤلف كتاب الفروسية العربية، الذي شهد له منذ نعومة أظافره بالنبوغ والتفوق.

حتى إن الأمير عبد الله وهب له ابن فرسته السوداء الأصيلة «سحاب».

وتمكن الأمير عبد الله هذه المرة من أن يُدخِل السرور والتفاؤل إلى ذات الهمة بإحضاره عبد الوهاب لزيارتها ذات مساء.

وبدا عبد الوهاب حقًّا رزينًا مجللًا بحكمة الكبار حين ترجل عن فرسه بن الفرسة «سحاب» محتضنًا أمه، طالبًا منها في توسل البقاء إلى جانبها في الجهاد وهو بعدُ صبي صغير.

وفرحت الأميرة ذات الهمة إلى حد الاستبشار حين أبدى عبد الوهاب رغبته في الإلمام بأساليب ما استحدثه الأعداء في هذه الحرب من مفرقعات نارية وأسلحة كيميائية وغدارات وهكذا.

وبدا على دراية وإلمام كبيرين في انكبابه على فك أسرار وطلاسم ما يستجد من أسلحة المعتدين الطامعين، مما دفع بذات الهمة إلى إطلاعه على آخر ما عاد به عياروها وجواسيسها من أسلحة، عالجها عبد الوهاب وكأنه على معرفة يقينية بها، وانشغل بأسرارها طويلًا تحت رعاية خبراء ذات الهمة، مما لفت إليه الأنظار منذ الصغر، وتواتر صيته حتى إلى آذان المهدي في بغداد.

وكما لو أن عبد الوهاب — وهو سبب ما حل عليها من كوارث — قد أعاد إليها سكينتها، فأصبحت لا تطيق فراقه حتى في مقدمة الصدام وموقع الرأس من جيش المسلمين، وتحققت بعد طول اندحار بوادر نصر متوثب زاحف دفع بصفوف جند التحالف الرومي البيزنطي إلى التقهقر، وإعادة الإلحاح على طلب المهادنة.

هنا ضحكت ذات الهمة: هدنة … لن تكتحل بها عيونهم بعد اليوم، بل هي عارضت بكل قواها تقبل نوايا الروم، وكتبت إلى الخليفة في هذا مرارًا مصرة على مواصلة الحرب السجال، بما لا يتيح لأعدائهم فرصة الخلود لمعاودة التفكير في إدخال تحسينات جديدة على أسلحتهم، التي أبلت ذات الهمة في اقتناصها من أيديهم بالحيلة التي أبدى براعة في رسم خططها وتنفيذها عيار شاب لا يعدو عمره عمر ابنها عبد الوهاب، ويجيد الكلام بمختلف لغات الأعداء وتقمص شخصياتهم «وصبغ حاله سبع صبغات»، ويُدعى أبا محمد البطل، والذي حُرف اسمه من قبلهم — أي الأعداء — إلى «البطال».

كما نجحت أيضًا في الاستيلاء على هذه الأسلحة عنوة من أيديهم كأسرى وسبايا ومختطفين.

وعلى هذا النحو تحدت الأميرة ذات الهمة عمَّها ظالمًا والجميع في طلب الهدنة استجابة لمطلب الأعداء، الذين أصبح لا هم لهم سوى التفنن في اختراع مختلف أسلحة الفتك، التي لا مجال فيها لأية فروسية أو شرف أو رحمة.

فجميع أسلحتهم تجيء مصوبة إلى الظهور بدلًا من المواجهة.

بل إن ذات الهمة وجدتها فرصة سانحة من جانب العرب، بعد أن حصلوا على أسلحة أعدائهم، لكي يتجمعوا على شكل كتائب ويتدربوا على استخدامها إلى حين مواجهة أعدائهم ودحرهم.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل هي طالبت عيارها الجديد أبا محمد البطل، الذي أصبح ملازمًا لها كظلِّها في مقر قيادتها ومضاربها، بأسْر مهندسي الروم وخبرائهم والعودة بهم أحياء.

وأسبغت عليهم مجزلة العطاء؛ لينكبوا في معسكرات العرب وورشهم على مواصلة تطوير أساليب الأسلحة الجديدة، وتعليم جيل بأكمله من علماء المسلمين ومهندسيهم وخبرائهم أسرار تلك الصناعة التي أصبحت تجلب للعرب والمسلمين النصر، وكان على رأسهم ابنها عبد الوهاب، الذي تفجر حماسة وبطولة منذ الصغر على وهج نيران المعارك والجهاد الضاري.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤