مقدمة

بقلم د. منصور فهمي

لم يكد مؤلف هذا الكتاب يجتاز امتحان الدكتوراه مصحوبًا بالتوفيق، حتى قام نفر من أصحاب الأغراض، حتى قام نفر من أصحاب الأغراض: يذيعون عنه المفتريات، ويتقولون عليه الأقاويل، وقد بدا للمؤلف أن يدفع الشر بالشر، ولكن أستاذه الفيلسوف الدكتور منصور فهمي كتب إليه خطابًا يوصيه فيه بالرفق، وينصح له بالتثبت، ويدعوه إلى مقابلة الشر بالصفح الجميل.

والمؤلف يثبت هنا هذا الأثر الخالد، ويشكر أستاذه على نصيحته القيمة، ويعاهد ربه وقومه على ألا يعمل غير ما يعتقد أنه حق وصواب.

أخي العزيز:

طالما وجدنا في تاريخ الأفكار عامة حملات للنقد شديدة، وطالما رأينا علماء المسلمين وفلاسفتهم ينال بعضهم بعضًا بالنقد والتجريح، وطالما غلوا في النقد حتى انقلب إيذاء وإيلامًا.

ولكن هل أخفت شدة النقد يومًا فضل المنتقد عليه؟ وهل ضن الزمان على المنتقدين بما هم أهل له من الحرمة والمكانة؟ وكيف ذلك، والنقد ليس إلا أداة لإظهار الحقائق واضحة جلية؟

ولئن كان للناقد فضل في إظهار خطأ المنتقد عليه، فلقد كان لهذا الفضل بسبقه إلى موارد العلم، وخوضه في مسائل كانت سببًا في يقظة هذا الباحث الأخير.

إلا أنه يجمل بنا حين ننظر في كتب المتقدمين، الذين يخالفوننا في أساليب البحث، ومناهج التفكير، أن نتمثل أنفسنا في أزمنتهم، وأمكنتهم، وأن نتمثل ما استخدموه للحصول على الحقائق من مختلف الأدوات، لكي نلتمس لهم العذر، إذ رأيناهم لم يصلوا إلى الأغوار البعيدة التي ينبع منها الماء صافيًا نقيًّا.

وما أبعد الفرق بين من يدخل الهيجاء بما سلحته به العصور الخوالي من سهام ونبال، وبين من يدخلها مدرعًا بما ابتدعته العصور الحديثة من معدات النزال، وما أكثر الفرق بين الضوء ينبعث من زيت المصباح، وبين النور يتفجر من ثريات الكهرباء، ولكننا مع ذلك أيها الأخر العزيز نعجب بأصحاب القسي والنبال؛ إذ لم تنقصهم الشجاعة، ولم يفتهم الثبات، ونحمد الأضواء الضيئلة التي تنبعث من زيوت المصابيح؛ لأنها على ضآلتها تصدع جوانب الظلام.

فإذا رأينا الغزالي غفل عن حقيقة تنبهنا نحن إليها، أو أغلق عليه موضوع فتحت له أبوابه، أو أدركه وهن في الرأي، أو تناقض في فهم فكرة، فجدير بنا أن نقدر ظروف زمانه ومكانه، وأن نذكر كيف كانت وسائله إلى الفهم والإدراك، قبل أن نصب عليه جام اللوم والتثريب.

إن أهل تلك الأعصر الخالية، كانوا يعتمدون كثيرًا على ذاكرتهم، وكانوا في الوقت نفسه يتناولون كثيرًا من الموضوعات؛ لأن فكرة الإحصاء وتوزيع الأعمال، لم تكن مألوفة لديهم على نحو ما هي اليوم، وكانوا يرون الجد في طلب العلم طاعة لله، فمن ثم حفظوا كثيرًا، وكتبوا كثيرًا، ولكن ضاق وقتهم، ووهنت قوتهم، فلم يستطيعوا ترتيب ما كنزوا من العلوم الكثيرة، فخلطوا الغث بالسمين، وعرض لهم الضعف، والتناقض، والاضطراب.

وكذلك كان من أكبر الخدمات أن يتناول الشباب المثقف كتب المتقدمين، فيدرسها، ويفهمها، ويحللها، ثم يبين ما فيها من الخطأ والصواب.

ومن أولى بذلك من طلبة الجامعة المصرية، التي أنشئت لوصل القديم بالجديد، وحث الخلف، على الانتفاع بميراث السلف، وإنقاذ الجيل الحاضر من غلطات الجيل الغابر؟

لا يخطئ من يتناول كتب المتقدمين بالدرس، والتمحيص، والتهذيب، بل ذلك حق وواجب؛ لأن فيه حياة لما يجب أن يحيا من الأفكار، وموتًا لما يجب أن يموت من الأوهام، ولأن في النقد الصحيح تهذيبًا للمشاعر، وتنويرًا للعقول، وإنما يخطئ من يبالغ في حب المتقدمين، فينسي سيئاتهم، مع أن لهم سيئات، أو يبالغ في بغضهم، فينسى حسناتهم، مع أن لهم كثيرا من الحسنات، والنقد الحق يرتكز على سرد المحاسن والعيوب، بلا جور ولا محاباة، وقد يذهب بصاحبه إلى التوفيق بين الآراء المختلفة، فيجعل من الزوايا المتعددة التي ننظر منها إلى الحقائق شكلًا واحدًا منسجم الترتيب ننظر من نواحيه إلى تلك الحقائق. فأعداء النقد ليسوا فقط أعداء لحرية الآراء، ولكنهم أعداء لمنازع التوفيق.

•••

وأنت يا أخي درست مؤلفات الغزالي، وفهمتها، وحللتها، وبينت ما فيها من الخطأ والصواب، فماذا ينقم الناس منك، وقد ذكرته بالخير، حين رأيت أن يذكر بالخير، وذكرته بالملام، حين رأيت أن يذكر بالملام، وما كان الغزالي بأكبر من أن يخطئ، ولا كنت أنت بأصغر من أن تصيب.

لقد راعهم أن يقسو قلمك على مؤلف له عندهم حرمة وقداسة، وكان عليهم أن يذكروا أنك شاب، وأن قلم الشباب قاس شديد، بل ليتهم عملوا بما طالبوك بهمن الرفق والهدوء، فلم يوجهوا إليك قارس اللوم، ومر التأنيب.

كانت رسالتك مثارًا للجدل والمناقشة، ويعلم الله أنا لن نغضب لذلك، لأنا نريد أن نخدم الحقيقة، والحقيقة بنت البحث، وهل علمناك إلا أن تكون خادمًا للحقيقة ولو شق إليها الطريق؟ فما دمت ترى أنك على حق، وما دمت تعتقد أنك سائر على الصراط السوي، فلك أن تتمسك برأيك، وتدافع عن حقك، ولكن في ر فق ونزاهة، فإن الحق لا يخدم بمثل الرفق والنزاهة، وكما يجب عليك أن تدافع عما تعتقد أنه حق فإن عليك أن تنفض يدلك بسرعة البرق مما تعتقد أنه باطل، فإن الرجوع إلى الحق فضيلة، والتمادي على الباطل نقيصة، وليس بعد الحق إلا الضلال.

•••

لقد علمتنا رسالتك، بجانب ما تناولته من الأبحاث العديدة، إننا قطعنا شوطًا بعيدًا في سبيل الآراء الحرة، المدعمة بالقوة والنهوض، وإن كنا نأسف على أنه لا تزال هناك صدور ضيقة، يؤذيها الهواء الطلق، وكان الخير في أن تستروح به، وتسكن إليه، ونأسف كذلك على أن عدد هؤلاء كثير، وعدد المفكرين قليل.

لقد زاد اغتباطي برسالتك أنها أول رسالة قيمة تناولت تاريخ الأفكار الإسلامية بالنقد والتحليل، وأرجو أن تكون خطوة تتبعها في هذا المدى خطوات، وإن كان يحزنني أن يتألب عليك رجال المعهد الذي أعدك لدخول الجامعة المصرية، ولكن الإنصاف يقضي علينا بأن نعترف بأن هذه سيئة لم ينفرد بها الأزهريون، فإنا نرى بكل أسف أن الأزهريين يرمون أصحاب الأفكار الحرة بالكفر والمروق، وأنصار الآراء الجديدة يرمون الأزهريين بالجهل والجمود، وهم جميعًا من المسرفين.

وإذا كان لي أن أنصحك ومن الواجب أن أنصحك، فإني أدعوك إلى حرب هذه الضلالة، وحذار أن تقاطع أحدًا من أساتذتك وزملائك في الأزهر الشريف، فإنكم جميعًا طلاب علم، وأنصار حق، والتوفيق بينمكم ليس بالأمر المحال.

لقد فات كثيرًا من عشاق الجديد أن يضموا إليهم أنصار القديم بالرفق والمجاملة، وأنت بحمد الله ربيب الأزهر والمعاهد الدينية، فماذا يضرك لو وصلت أساتذتك وزملاءك، وجادلتهم بالتي هي أحسن، لتسيروا أصفياء في التوفيق بين القديم والجديد.

إنني أخشى عليك كثيرًا أيها الأخ، فقد رأيت كيف قامت القيامة حتى اطلع الجمهور على جانب واحد من رسالتك، فماذا عسى أن يصنع هذا الجمهور حين يطلع على ما فيها من شتى الجوانب، ومختلف الأرجاء؟

ولكن إياك أن تجزع، وقد بدئت حياتك العلمية، بصدمة من تلك الصدمات الاجتماعية، فذلك دليل على أنك خادم من خدام الإصلاح، وهو خير لقب تلقى به الله.

ولك خالص الدعوات، والعطف، والسلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠